الشناقطة سفراء فوق العادة لموريتانيا
بنوا شنقيط لا تنسى مودتهــم قوم كرام إذا صادقتهم صدقـوا
من خيرة الناس لم يسبقهـــم أحد إلى مكارم حين يستبقــوا
لما كانت شنقيط دار خلافة وحُكم ومركز إشعاع علميّ تحمِل النسبة إليها تلقائيا جملة من المعاني التي تتناثر في التراجم ( عالم – محدث – فقيه – شاعر – حافظة ) كانت أولى أهداف الاستعمار في تلك البلاد القضاء على هذا التراث الثقافي وطمس معالمه, فهو لم يعرف بأس أهلها
فـشـنـقـيـط ظنوا هدمه ميســـــرا فألفوه من إحياء كباد* أعســــــــرا
وبعد أن خلص الاستعمار من مشاهداته وتجاربه إلى أن :( هؤلاء القوم لا يمكن أن ينظروا إلى حضارتنا بعين الإعجاب) كانت أولى أهداف الاستعمار القضاء على هذا التراث الثقافي فكانت تلك المعركة الحادة على الساحة الثقافية لتغيير صورة هذا المجتمع وكانت أول ضحايا تلك المعركة كلمة شنقيط بحروفها ودلالاتها وليس فقط الأرض والسكان .
وحين اشتدت سطوة الاستعمار على تلك البلاد وأحكمت قبضتها وبدأت تضيق الخناق على العلم والعلماء أنف البعض منهم المقام في ظل هذا الاستعمار وفارقوا أهلها وهاجروا بدينهم لم تثنِهم الأخطار ولا الصحاري
……………………………………………………………
كباد بكاف وباء مشدودة ودال مكسورة اسم رجل مات في أحد حروب شنقيط
القفار , جابوا الأقطار ونشروا علمهم في كلّ مكان وطئته أقدامهم فكانوا هداة للسّراة بنورهم في حلهم وفي ترحالهم, وبعزيمة قوية وهمم عالية كانت لهم فتوحات في أعماق إفريقية ونفحات في البلاد العربية , لكن صولتهم لم تكن للسّيف بل كانت للقلم فتركوا آثارا تدل على مبلغ علمهم في كل مكان وطئته أقدامهم ونزل الكثير منهم بأرض الحجاز وانتقل عدد منهم ( بحكم مقتضيات الوظيفة ) إلى أرض الأردن وهم :-
• الشيخ عثمان محمد الأمين " أبناء مبارك " الشنقيطي
( صاحب كتاب النقباء والنجباء )
وله تسعة أبناء وثلاث بنات
• الشيخ المختار أحمد محمود الجكني الشنقيطي
( صاحب كتاب الترجمان والدليل لآيات التنزيل )
له ثلاثة أبناء وبنت واحدة
• الشيخ محمد فال البيضاوي الشنقيطـي
له سبعة أبناء وثلاث بنات
• الشيخ محمد الأمين محمد الخضر الشنقيطي
له أربعة أبناء وخمس بنات
فكانوا بعد أن جابوا ديار العروبة والإسلام سفراء لبلدانهم , مفصحين عن عبقريتها, حاملين معهم العلم والأدب رسالة حياة وشهادة انتماء وقد سكنت منهم شنقيط القلوب قريبة مكينة وإن بعدت الشقة, فاستقبلوا بالإكرام أينما حلوا, نشروا علومهم, وألفوا مؤلفاتهم ونظموا شعرهم فأحسنوا سِفارتهم, سما للمعالي من تقدم منهم ويسموا على آثارهم من تأخر, وكان من حقهم على أممهم كعلماء أخيار أن تضعهم في المنزلة التي تليق بهم من التقدير والاحترام في حياتهم, وأن تعترف لهم بالفضل بعد مماتهم , لكن الأقلام لتعجز, والسطور لتنفذ لأن المزايا أعظم من أن تحصى أو أن تعد, فإني أكتفي أن أسطر كلمة في فضل عالم من علماء هذه الأمة قضى نحبه, ولبى نداء ربه بعد أن عاش عمره خادما لأمته, حافظا لعهدها معظما لحقها غيورا على عقيدتها ورسالتها.
الشيخ عثمان بن محمد الأمين " أبناء مبارك " الشنقيطي
ولد رحمه الله عام 1893 ميلادي في صحراء موريتانيا في موضع يقال له ( الساقية الحمراء ) وهو من قبيلة من قبائل العرب المشهورة في موريتانيا المعروفة ب " أبناء مبارك " وتنتسب إلى سيدنا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فكان مما سطر في رثائه :-
حسيبٌ نسيبٌ جعفريٌ مؤصّـــــل سلالة آســـادٍ وقائعهم غـُــــــــــــر
نمته قرومٌ من ذؤابة هاشـــــــــمٍ بنو جعـفـر آباؤه وله الفخــــــــــر
عظام أياديهم كرام فعالهـــــــــــم بأسيافهم في مؤتة أحرز النصـــر
درس العلوم الاسلامية في مدينة ( السمارة ) مأوى العلماء ومقصد طلبة العلم , فشب محبا للعلم وأهله ودرس العلوم في تلك المعاهد على كبار العلماء , فعاش عالما أديبا تقيا يضفي على جلسائه العلم والفضل والأدب والخلق , ولما سقطت تلك البلاد بيد المستعمرين هاجر مع من هاجر إلى الحجاز فسكن المدينة المنورة وتابع الدراسة فيها ثم التحق هناك بالوظائف فاشتغل معلما في مدارسها ثم عيّن عُضوا في المحكمة المستعجلة ثم نقل منها قاضيا إلى العقبة حينما كانت تابعة للحكومة العربية الهاشمية في الحجاز, وبعد سقوط الحكومة العربية التحق بالأردن واشتغل في سلك القضاء الشرعي فعين رئيس كتاب ثم وكيل قاض ثم قاضيا , وبعد ذلك عين مديرا للشرعية ثم نائبا لرئيس مجلس الأوقاف الأعلى , وكان خلال تقلبه في تلك الوظائف مثال الموظف الأمين المخلص , وتجسيدا للنقاء والتقوى , فإن لم تعاين فضله وكماله طالع لتعرف شوارد علمه تظفر بنور كالمجرة لائح , وإذا تكلم في العلوم بهر العقول بكلام عبد صالح , هو في الجود عليا حاتما , عمرا في العدل ضد الظالمين , أحبه كل من عرفه و جالسه أو حتى سمع عنه , كان يقرض الشعر في المناسبات المختلفة فله شعر في المدح والرثاء والوصف والعتاب الرقيق والحكم , وكان قد اتخذ من نظم من أبياته شعار له :-
إنّ الشجاعة لا تردي النفوس كمـــــا أن التقاعس لا يزيد في الأجــــل
كما كان دأبه الجد والاجتهاد فقال :-
شمّر وكن في أمور الدّين مُجتهــــدا ولا تكن مثل عِير قيدَ فانقــــــادا
هوى هذا البدر من أوج عليائه وطواه في غياهبه القبر في يوم من أيام الخير والبركة والمغفرة والرحمة في الثاني من فجر شوال البركة عام 1383 للهجرة الموافق15 / شباط /1964 للميلاد, فصافحت يد المنون بيد رقيقة روحا طاهرة مطمئنة , صافحت روح علم من أعلام شنقيط والمدينة المنورة والأردن وعالم من علماء المسلمين ,صافحت روح الشيخ عثمان الشنقيطي
ترك هذا الكاتب النّحرير والعالم الحبر دليلا قويا على مبلغ علمه ومعرفته بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه لسيرهم وعشقه لجهادهم فألف كتابه ( النقباء والنجباء ) وكتب المقالات النيرة الطيبة التي رفد فيها العديد من المجلات الثقافية الإسلامية نثر فيها من درر تقواه ما ينم عن مبلغ علم وصدق إيمان وهاهي المجلات والصحف بعد مضي ما يقارب نصف قرن على وفاته لازالت تخط المقالات التي تتحدث فيها عن مبلغ علم هذا العالم وتنشر الصور التي تدل على المكانة المرموقة التي اعتلاها , والأمراء و الحكام الذين ملك بعدله وعلمه وحسن خلقه وشهامته وعزة نفسه قلوبهم , عاش علما يحتذى به , وعملا صالحا موصولا بصلاح آخرته , بعد أن أمضى حياته عالما سلطانا في علمه , زاهدا في دنياه , سطر له الشاعر الأردني إبراهيم المبيضين قصيدة رثاء مكونة من أربع وثلاثين بيتا من الشعر ذكر فيها العديد من خصاله ومناقبه التي لا تحصى فقال :-
قد كان جيّاشا بكل فريــــــــدة ولا عجب فالدرّ موطنه البحــــــــر
من الصّّعب أن تحصى مزاياه كلـهــا وهيهات أن تحصى مناقبه الدّهـــــر
رثته المجالس حزنا وأسى , شعرا أو نثرا أو حتى دمعا فلم يكن لعين لم يفض ماؤها عذر, فاندب معي علما غريرا نافعا وذر اللذين حياتهم لا تنفع , وصح الوصف في هذا العالم بأنه نظير الشمس إن غربت آثارها بعدها خصب وأغصان , فروح عثمان أهنئ من مرقد عند رب فوق عرش الخالدين, فما ضم مرقده سوى فضل وفي جناته نور النزاهة يلمع , فطوبى له وفاه ربك أجره فضلا وفضل الله أوسع .
ترك هذا الشيخ الجليل تسعة من الأبناء الذكور وثلاث من الإناث وأربعة وعشرون حفيدا وثمان عشرة حفيدة , أغناهم بثروة لا تنضَب من علم و تقوى وذكر حسن, ألم يكن أبوهم رجل صالح ...! فيكفيهم أنهم أبناء جوهرة أحاط حجرتها نور ولمعان , ورث عنه سفارته لبلاده ابنه عمر عثمان الشنقيطي مختار عشائر المغاربة ( أبناء المغرب العربي عموما في الأردن ) وأهل بيته اللذين هم على صلة دائمة ومستمرة يقيمونها مع السفارة الموريتانية في عمان وطلاب البعثات الدراسية في الأردن , و لازالوا يحافظون على انتمائهم لجذورهم الموريتانية , فهكذا يكون حسن الانتماء والوفاء, وهكذا تكون السفارة للوطن في الخارج بتكليف شرعي إلهي منبعث من النفس و العقيدة لا, بتكليف رسمي من جهة معينة ولا سمعة ولا رياء , وإن كانوا يرغبون بالعودة إلى الأهل والعشيرة والعيش هناك امتثالا للمثل الشنقيطي القائل:
( الى انشكرت لك ابلاد رتع ابلادَك ) وحتى يزداد الانتماء قوة ويطفأ ظمأ الشوق إلى البلاد حيث لا غربة ولا وحشة فالغربة كما قيل تضيع الأصل فهل من عودة إلى الوطن من طريق....! وهل لالتئام الشمل من سبيل....!
وبخاصة أنهم لا يعرفون الكثير عن أهلهم في وطنهم الأم , فهل يجود عليهم الزمان بوصل الأهل والخلان.....!!!
الرجاء ممن يمتلك معلومات عن هذه العائلة مراسلتي على موقعي
OBAIDEH_ALSHANQITI@YAHOO.COM عبيده عمر بنت أولاد مبارك الشنقيطي