| هي مقالة كتبها المرحوم الشيخ الأديب القاضي الداعية المربي علي الطنطاوي عام 1934م في تأبين علامة الشام المحدث الأكبر بدر الدين الحسني. توفي الشريف بدر الدين الحسني في العام ذاته الذي قضى فيه مفتي الديار المصرية وعالمها الأجل: العلامة الفقيه المرحوم بخيت المطيعي، الذي هو الآخر كان علما من أعلام المسلمين، أحبه السوريون كما أحبه المصريون، وحزنوا لوفاته حزنهم على وفاة علم من أعلامهم، وفي نفس العام توفي علامة لبنان الفقيه المحقق السيد محمد رشيد رضا، ثلاثة من أعلام من المسلمين فجع بهم المسلمون في سنة واحدة وشهور قليلة.
والطنطاوي يصف فيها وصفا جميلا التقاء علامة مصر مع علامة الشام رحمهما الله....أحببت أن أنقلها لأنها من المقالات التي ما فتئت أبدا اتمتع بقراءتها:.
<span style='color:red'><div align="center">ملتقى الشيخين: الشيخ بدر الدين الحسني، والشيخ بخيت المطيعي رحمهما الله
</div>
</span> لما قضيت الصلاة من يوم الجمعة، أذن مؤذن في مسجد بني أمية بصلاة الجنازة، فقمت في الصف وفي ظني أنه ميت من الأموات الذين نشيعهم كل يوم، فأنا ابتغي المثوبة بالصلاة عليه، والأجر بتشييعه، ثم لا أبالي منه بعد بشيء، ولا أحمل همه ساعة من زمان....
فلما ذكر المؤذن اسم الشيخ بخيت أفقت كمن صحا من سبات، وزلزت زلزالا شديدا، كأنما مس سمعي كلمة من تيار كهربائي، لا كلمة من حروف، ثم أحسست كأن شيئا قد مُس من صدري، وخارت قواي، وانقضت ركبتاي، فسقطت على الأرض، وقد أدركت أنه لم يمت ميت، ولكنه انقض جبل، وهوى طود، وجف بحر، وانصدع ركن من أركان العلم شديد!
وعلمت أن قد انطفأت الأنوار ونحن في غيهب الليل، وغارت النجوم ونحن في بهماء الأرض، ومات الدليل ونحن في واصب المفازة، وفقدنا ثلاثة من عُمَد العلم، ودعائم الإسلام، ونحن لا نجد على وجه الأرض من يسد المكان الذي أخلوا، ولم نكن قط أحوج منا إليهم حين قضوا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أما والله لمصيبة الإسلام اليوم بفقد إمام المحدثين وعلم الزاهدين، شيخ الإسلام البدر الحسني، والأستاذ الإمام الشيخ رشيد رضا، وعلامة الفقهاء العالمين والعلماء العاملين، مفتي الأنام الشيخ محمد بخيت المطيعي، أعظم من مصيبة سعد بن المسيب، وسفيان الثوري!!
لا أقول: أنهم أعلم أو أفضل، فأولئك أئئمة الهدى، وينابيع العلم، وعيون الدهر. ولكن أقول: إن أولئك تولوا والمسلمون في خير، فهم مقبلون على العلم، دائبون على التحصيل، جادون في الطلب....وقضى هؤلاء وأبناء المسلمين منصرفون عن علوم الإسلام، عاكفون على هدمها والزراية عليها! فإذا شاء الله واختار لمن بقي من شيوخ العلماء جواره وجنته، لا يبقى في الأرض من يعرف دين الله تعالى، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
أي داهية نزلت بالمسلمين في هذه الأشهر الأربعة، وأي بلاء حاق بهمم!
جلست أرى الناس وقد ماج بهم المسجد، وهم حيارى ذاهلون: يجلسون تحت قبة النسر ينتظرون أن يطلع عليهم المحدث الأكبر، فيطول انتظارهم، ولا يرون هذه الطلعة النورية، فيعودون إلى نفوسهم...فيذكرون أن هذه الطلعة قد اختفت فلا يرونها إلى يوم القيامة، فيقيمون منكسرين، ويتولون وأعينهم تفيض من الدمع....
حتى إذا أطلت الجلوس وملّ الناس، رجعت بفكري إلى الأيام الخالية، إلى الأيام البعيدة، فرأيت المسجد وقد انفتل الإمام من صلاته يرتج بأهله، وهم في حركة واضطراب، فمنهم من يمشي إلى القبة ليجلس في الحلقة، ومنهم من يبتدر الباب ليخرج، ومنهم من يذهب ليصلي الظهر مع الشافعي، ومنهم من يؤم حلقة قارئ من القراء، ومنهم من يقصد عتبات الابواب الرخامية الجميلة ليتحدث عليها مع صاحب له، ومنهم من يسرع إلى السدة الخلفية ليصغي لما يقوله الوعظاء والخطباء، ورأيت حيال السدة الأمامية ازدحاما شديدا، وتدافعا وتزاحما بالمناكب، وسمعت قائلا يقول: من هذا؟؟ وقائلا: هذا أفقه حنفي في مصر، وقائلا: هذا الشيخ بخيت فقيه مصر وعالمها ومفتيها......
ورأيت الشيخ يقوم والناس يتبعونه يقبلون يده، ويتبركون به، وهو معرض عنهم، حتى وقف على حلقة الشيخ المنيني رحمه الله تعالى، فلم يستقر بها لحظة واحدة، ثم فارقها إلى حلقة الشيخ بدر الدين ولم يكن قد لقيه، فوقف عليها، فطال به الوقوف، ولم يأت الشيخ فتخطى الأعناق حتى جلس عن يسار الشيخ البدر، جلسة عليها جلال العلم وعزة الجاه.
وطفق الناس يشيرون إليه ويتهامسون، حتى جاء الشيخ، فسلم وجلس في مجلسه، وشرع القارئ يقرأ، فكان منظرا عجبا!
الشيخ بدر رحمه الله تعالى وقد جلس على ركبيته، وذقنه على صدره، وجسمه الصغير، وثيابه الخشنة....
والشيخ بخيت رحمه الله تعالى قد احتبى، ورفع رأسه، ونظراته....وثيابه....فكان الناس لا يشاؤون أن ينظروا إلى جمال التواضع، أو جلال العلم، إلا رأوه فيهما....
وأطال القارئ، والشيخ بخيت رحمه الله تعالى يتململ ويربد وجهه، لا بغضا بالقرآن أو كراهية له، فهو أجل من ذلك، ولكنه كان يريد أن يسمع من الشيخ بدر الدين شيئا، ثم يمضي، فحبسه القارئ.
بدأ الشيخ فتلا من الحديث الذي وقف عنده من صحيح البخاري، ثم جال جولة، وجاء بالمناسبات، وكان رحمه الله تعالى أبرع مدرس في إيرادها، فإذا هو يخوض في الأصول، وإذا هو يشرح ويضرب الأمثلة، ويقايس ويقابل، ويتكلم في الخلاف، ويأتي بالدلائل...
قال الراوي الثقة: فرأينا-والله العظيم-الشيخ بخيت يحدق كالمتعجب، ثم رأيناه والله يعتدل في جلسته حتى لقد جلس والله على ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه، واصغى....والشيخ ماض في درسه لا يقف ولا يتلعثم، ولا يعيد ولا يتكلم إلا في الأصول، حتى قال العصر: الله أكبر، فقال الشيخ: والحمد لله رب العالمين.
ورأينا والله الشيخ يقوم، ويتبعه الشيخ بخيت فيمن يتبعه، فلا يكلمه حتى تتم الصلاة، ولا يكلمه حتى يخرج من المسجد، حتى إذا خرج الشيخ من باب البريد وقف له ينتظره، فلما خرج سلم عليه وحياه أكرم تحية وأحسنها، وجعل يؤنسه ويجله، حتى بلغا دار الحديث، فأدخله الشيخ غرفته، وأجلسه في الصدر، وامتلأت الغرفة بالعلماء وطلبة العلم.
وامتلأ بهم صحن المسجد، ووقف أكثرهم في الزقاق. وجعلا يتكلمان والناس يصغون....وجعلا يدقان فلم يعد يفهم كلامهما إلا العلماء....وجعلا يدقان فلم يفهم إلا الراسخون في العلم......وجعلا يدقان فلم يفهم عنهم أحد، لا يُغرب أحد منهما على صاحبه، حتى عرضت مسألة سكت فيها الشيخ بخيت، وتكلم فيها البدر. فدهش الشيخ بخيت، وأهوى على يده ليقبلها.
قال الراوي: فقال له الشيخ بخيت:
"أنت ضائع في هذه البلاد، أفلا تجيء معي إلى مصر، فإن فيها من يقدر العلم ويعرف لأهله حقهم."
فقال الشيخ:
"ألا تظنها تخسف بنا لو جئناها، وماذا نصنع مع علماء مصر إنما نحن...."
هذا خبر اجتماع الشيخين أثبتنا روايته الصحيحة لنضعه بين أيدي من يكتب سيرتهما وعليهم رحمه الله وسلامه"
انتهى الكلام للشيخ الطنطاوي رحمه الله رحمة واسعة.
هؤلاء علماؤنا. |
__________________
يا سائلي عن محتدي وأرومتي***البيت محتدنا القديم وزمزم
والحٍجْر والحَجَر الذي أبدا يرى***هذا يشير له وهذا يلثم
|