الجاهلية حالة وليست مرحلة مضت وانقضت، وهذا يعني أنها توجد بوجود علاماتها ومظاهرها، وتنتفي بانتفائها. وقد ترجع الجاهلية ومعها كلُّ مظاهرها، فتكون جاهليةً كاملةً لها نفسُ حكمِ الجاهليةِ الأولى! وقد تتكررُ ببعض مظاهرها وقِيمها، فتأخذُ كلُّ حالة حكمَها الخاص بها.
ثم قد تكون الجاهلية ظاهرةً اجتماعيةً عامةً، وقد توجد بعضُ علاماتها في بعض الأفراد! كلُّ هذا والناس في هذا المجتمع "الجاهلي" مسلمون! والفردُ الذي يحمل صفةً أو أكثر من صفات الجاهلية، فيه من الجاهلية بقدر ما فيه من هذه الصفات وهو مسلم! أرأيت إلى أبي ذر رضي الله عنه سادس من أسلم، الذي ما أظلَّت الخضراء، وما أقلَّت الغبراء أصدقُ لهجةً منه، والذي لم تتحمل حساسيته الإيمانية أن يعيش في دنيا الناس! حتى لو كان هؤلاء الناس هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال فيه من لا ينطقُ عن الهوى إنَّه سيعيش وحيداً، ويموت وحيداً، ويُبعث يوم القيامة وحيداً. ومع كلِّ هذا عندما صدر عنه ما يدلُّ على بقية قيمة من قيم الجاهلية فيه صَدَمه عليه الصلاة والسلام بِ " إنك امرؤ فيك جاهلية".
إنَّ الإسلام لم يأت ليحارب الشرك في صورته الساذجة، المُكوَّنة من صنم، وكاهن، ومعبد، بل جاء لينقل البشرية تلك النقلة الهائلة في التصورات ؛ تصور الإنسان عن الحياة، وتصوره عن الكون، وتصوره عن الإنسان نفسه، وتصوره عن مجموعة القيم التي تضبط حياته وتُوجهها، وغيرها من التصورات، وهي في حقيقتها أثر من آثار الشرك، ولا أبالغ إذا قلت: بل إنَّ الشرك من آثارها، ذلك أنه من آثار النفس الجاهلة، المتبعة لشهوات النفس في كل أبعادها، النفس التي تضيق بمقاييس الإسلام فتحاول التفلُّت منها، أو من بعضها بحسب ميولها، يقول مالك بن نبي رحمه الله: "إذا كانت الوثنية في نظر الإسلام جاهلية، فإنَّ الجهل في حقيقته وثنية، لأنه لا يغرِسُ أفكاراً، بل ينصِب أصناماً؛ وهذا هو شأن الجاهلية" (شروط النهضة: 3).
إن الوثنية وليدةُ حالةٍ معرفيةٍ ونفسيةٍ، وما الصنم إلا أحد أبسط انعكاسات تلك الحالة! وإنَّ الوثنية بهذا الفهم ضِيق، والتوحيد سَعة، أليس هذا هو فهم الصحابة لدينهم الذي عبَّر عنه ربعيُّ بن عامر رضي الله عنه:"جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة..".
لقد جاء الإسلام ليُسقط النُّظم القائمة على الطبقية الوراثية، التي تميز فئة على أخرى، لا لسبب منطقي، ولكن لاختلاف الفراش الذي وُلد عليه الإنسان! وليعلي من شأن الإنسان لإنسانيته أولاً، ثم لما يكتسبه من سعيه ثانياً. فإذا أردت أن تعرف رُقيَّ مجتمع ما، فعليك بمعرفة طريقته في تقييم أفراده، وعلى أي أساس يُقدِّم بعضهم على بعض ! فإذا رأيته يُقدِّم" و"يشرِّف" واحداً على الآخر بناءً على دمه ونسبه، وما يرثه من ألقاب، فاعلم أنه مجتمع متخلف ظالم، يعيش حالة الشرك والجاهلية في أوضح صورها!
جاء الإسلام ليقرر أعظم مبدأ، وأهم قيمة لحفظ المجتمع، وتكريم الإنسان فقال مبيناً مقياس تفضيل الإنسان: "... إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم ..." أتقاكم، ولا شيء غير التقوى، يقول: "إن أكرمكم أيها الناس عند ربكم، أشدكم اتقاء له بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، لا أعظمكم بيتاً ولا أكثركم عشيرة" (الطبري).
وعاش المسلمون في الصدر الأول على هذا زمناً رغداً، حتى بدأت عرى الإسلام تنقض عروة عروة! وبدأ المجتمع المسلم يسترجع قيم الجاهلية ويجعلها تحكم حياته السياسية والاجتماعية. ففي السياسة تحول الحكم ـ منذ منتصف القرن الأول ـ إلى وراثة! يرث فيها الابن أباه! ولماذا؟! لأنه ابنه فقط! مما يعني أنه أفضل من عليها، وأفقه وألطف وأعظم من دفعته الأرحام! و
من يريد أن يجمع بين الضحك، والبكاء فليقرأ عجائب انتقال الحكم في تاريخنا من الآباء إلى الأبناء، وكيف كان يضيق الأمر أحيانا فيُولون من لم يبلغ الحلم بعد، يأتون به على أعين الناس فيبايعونه وهو لا يعلم لم جيء به، ولا عجب فهو لا يعرف من دحاها، ولا من طحاها!
أما في الحياة الاجتماعية، فسننتظر إلى القرن الثالث الهجري ليُنقض المبدأ العظيم الذي أكد عليه الإسلام، وهو مبدأ تفضيل الناس بأعمالهم. تأسست في هذا القرن أول نقابة للأشراف، وصار المجتمع المسلم مكوناً من طبقة الأشراف والسادة المنتسبين إلى آل البيت، ومن طبقة أخرى هي باقي الأمة! أما لماذا هؤلاء أشراف وسادة؟! هل لعمل قاموا به ؟ أم تراهم وقفوا موقفاً نصروا به الإسلام والمسلمين؟ وهل اكتسبوا هذين الوصفين اكتساباً؟ الجواب: كل هذا لم يكن! بل يولد الواحد منهم ـ ضربة لازب على عباد الله ـ سيدا وشريفا! بالدم والنسب! ويا ضيعة الجهود، ويا ضيعة النصوص، كلها ذهبت أدراج الرياح، من أجل شهوات من يريد التفاخر على الخلق!
نعم لا بد من المحافظة على أنساب آل البيت لأحكام خاصة بهم، لكن إلى هنا وحسب! ونعم نحن نحبهم لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن عند الحب وفقط. ولست أعرف نصاً صحيحاً صريحاً يعطيهم أكثر من هذا! على أن النصوص القطعية والتي تشكل قواعد الشريعة تنصُّ على عدم تمييز أحد على أحد إلا بعمله هو في الدنيا والآخرة، وكثيرة هي النصوص التي تقول "بما كسبتم" و"بما عملتم". ولست أعرف كذلك أنهم أُعطوا هذه الألقاب على عهد الصحابة رضوان الله عليهم.
وإنني في عجب لا ينتهي ممن يلقب نفسه بالسيد أو الشريف، ويطلب من الناس ذلك، ويغضب إن لم يفعلوا! ويزداد عجبي وقهري عندما يكون طالبَ علم يوقع على غلاف كتابه: الشريف الفلاني!!! من أين جاءوا بهذه الفرية؟ أمن قوله صلى الله عليه وسلم عن الحسن رضي الله عنه: "إن ابني هذا سيد وسيصلح به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين"؟ لا دليل في هذا النص على ما يريدون، فهو رضي الله عنه سيد لا لأنه الحسن ابن بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكن بعمل عظيم سيقوم به وهو الإصلاح بين المسلمين.
ثم إن هذه السيادة لا تورث فلا تنتقل إلى نسله. أم تراهم جاءوا بها من قوله صلى الله عليه وسلم: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة"؟! نعم هما كذلك لإيمانهم وأعمالهم التي لا تنتقل آثارها إلى ذريتهما بالجينات! ولو كان كذلك فهلا كان نسل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما سادةً لقوله صلى الله عليه وسلم: "أبو بكر وعمر سيدا كهول الجنة.."؟ أم تراهم أخذوها من آية الأحزاب: "... إنما يريد الله لِيُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا"؟! وسأغض الطرف عن الخلاف فيمن هم أهل البيت، وسأقول ـ تنزلاً ـ هم علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، ولا أحد معهم.
فهل يُستفاد من الآية أن هذه الطهارة تنتقل بالوراثة؟ وقبل هذا هل تعني الآية أن تطهير المخاطبين في الآية تطهير كوني، بمعنى أنهم مطهرون من الله، لأنه سبحانه أراده؟! والجواب قطعاً لا، فالإرادة في قوله سبحانه "يريد" ليست كونية وإنما شرعية، فهي تعني أن الله يريد منكم شرعا أن تكونوا طاهرين، وذلك بإتباعكم لأوامره السابقة للآية واللاحقة لها . والدليل على ذلك من القرآن قوله تعالى في سورة المائدة وهو يتحدث مع المؤمنين: "... ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون" (الآية: 6). فالإرادة في قوله تعالى: "ولكن يريد ليطهركم" إرادة شرعية لا كونية، أي أن الله سبحانه يطلب منكم أن تتبعوا أحكامه لتنالوا الطهارة، ولتتم عليكم النعمة.
وغير هذا يلزم منه أن يكون كلُّ المؤمنين مطهرين طهارة كونية! ولا أحد يقوله. أما حديث: "كلُّ نسبٍ وسببٍ ينقطعُ يوم القيامة إلا نسبي وسببي"، فهو حديث فيه مقال، ولو قبلناه سنداً، فمتنه يخالف قواعدَ الدين، إذ كيف يكون النسبُ سبباً من أسباب النجاة في الآخرة؟! والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "يا فاطمة بنت محمد اعملي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا .."، ويقول أيضا عليه الصلاة والسلام:" إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية، وفخرها بالآباء ..." (رواه أبو داود وسكت عنه، وما سكت عنه صالح كما في رسالته لأهل مكة، والترمذي وقال: حسن صحيح).
ويقول صلى الله عليه وسلم: "أبغضُ الناس إلى الله ثلاثة: ملحدٌ في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه". وهذه الألقاب من سنة الجاهلية.
إنَّ الإنسان هو الذي يصنعُ جاهَه، ويبني مجدَه وشرفَه، ويتقدمُ قومَه بحكمته وتجربته، ويسودُ عليهم بمواقفه ومآثره. وإنَّ المجتمع هو الذي يفرز أشرافه وسادته نتيجة لما يراه منهم، وبسبب ما يقدمونه له. وإنَّ من الحمق، كلِّ الحمق، أن يُقدم الإنسانُ نفسَه على الناس بشيءٍ لا يدَ له فيه، ولم يكتسبه بجهده. إنه نوعٌ من التعالي الفارغ يُفسد الحياةَ لأنه يزرع بذور الانقسام في المجتمع، فيقطع الصلات، ويغرس الأحقاد، ويثير أعاصير الكيد والانتقام.
وهو شكل من أشكال الظلم، لأنه اعتداء على كرامة الإنسان، وإلغاء لعقله وإدراكه. وهؤلاء الذين "يُشرِّفُون" أنفسهم لمجرد الدم والنَّسب معتدون على عقيدة التوحيد، ومخالفون لمقاصد بعثة الرسل، وإنزال الشرائع! وهو بدعة ضلالة لم تكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا على عصر صحابته رضوان الله عليهم. وما تسربت هذه الآفة على الدين الصحيح إلا من خرافات التشيع ذلك الإسفين الذي دُقَّ في جسم الأمة فلم يُخلِّف إلا الويل والثبور.
وها هي الخرافة تستحوذ على عقول المسلمين، فيُقبل بعضُهم على شراء أنساب الأشراف، وهناك من يبيع، فقد نقل موقع كفاية عن الأمين العام للمجلس الأعلى لآل البيت في مصر، أنه قد بيع نسب الأشراف بـ 5 ألف جنيه! إنها الخرافة التي تدفع الناس للدفع كي يستعلوا على الناس بالوجاهة الفارغة! وينالوا الأفضلية ـ بظنهم ـ، وليتحللوا من المسؤولية، وليتسلطوا على رقاب الناس، ولقد صدق من وصف الأمة بأنها:
تعشقُ الألقابَ في غير العُلى *** وتُفدِّي بالنفوس الرُّتبا
وأخيراً، وبعد ما سبق، أسألُ من يُطلق على نفسه لقب: الشريف! هل يسوغ لكل من صح نسبه أن يلقب نفسه به؟ كيف ونحن نشاهد منهم من لا يصلي، ومن يشرب الخمر، ومن .... فإن كان لا! فلا بد من امتحان يُعرف به من يستحق ممن لا يستحق! وعلى نقابات "الأشراف" أن تُعين من يراقب ويتابع قبل الامتحان وبعده! ... وآمنت بمن قال: " فـلا تُزكوا أنفسكم، هو أعلم بمن اتقى"، وصدق الله العظيم.
منقول