| <div align="center">و سقطت بغداد مرتين</div>
كان ذلك عنوان خطبة الأستاذ الدكتور أحمد الكبيسي في صلاة الجمعة بعد سقوط بغداد عام 2003 في جامع الإمام أبا حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي . فما بين ذاك السقوط على يد هولاكو و هذا على يد جورج بوش عوامل شبه كثيرة جدا إن لم يكن التاريخ يعيد نفسه مع إختلاف الشخوص و الأزمنة و الأدوات و ليس نحن هنا بصدد كتابة أسباب السقوط فذلك متروك للتاريخ و المؤرخين و لكن ما حدث في العراق بعد سقوط بغداد للمرة الاولى هو تماما ما يحدث اليوم فبالعودة الى التاريخ سنجد ان اول من أُستهدف كان عروبة العراق و استمر ذلك إلى نهاية عهد الأتراك لولا تصدي العشائر العربية لذلك المد الشعوبي التفتيتي . و اليوم و بإسم عناوين حضارية كبيرة نسعى جميعا للأخذ بها و التعاطي معها بشكل حضاري مدروس تسعى الشعوبية العالمية للنيل من عروبة العراق بإسم هذه العناوين من الديمقراطية و التعددية و الفدرالية و الحرية و مؤسسات المجتمع المدني و حقوق المرأة و الرأي و الرأي الآخر و العولمة و التطبيع و الإنفتاح و ما إلى ذلك من دعوات أخرى صريحة في معادات حركة القومية العربية التي ابتليت هي الأخرى في الخمسين سنة الأخيرة بجبابرة كانوا أقسى عليها من ألد أعدائها حتى جعلوا من الشعوب التي نتعايش معها في أرضنا المشتركة تفهم حركة القومية العربية على أنها حركة شوفينية متعالية و هي التي عاشت معها مئات السنين بسلام و امان و احترام.
* ليس هذا يعني أن هذه العناوين هي دعوات مرفوضة لا أنها ضرورات ملحة جدا في عالم اليوم .
* ليس هذا يعني بأن الشعوبيين في العراق هم الأكراد و التركمان لا أنهم أهل العراق و شأنهم شأن العرب و لكن المقصود هي حركات يديرها الغرباء , الغرباء في النسب و الغرباء في الولاء و الغرباء في الإنتماء لهذه الأمة و لهذا التاريخ.
* و ليس هذا يعني أنهم الشيعة لأن عشائر العراق من العرب الشيعة هم الذين تصدوا تاريخيا لكل محاولات طمس عروبة العراق و لكن الشعوبية قد تتستر تحت خيمة هذا المذهب أو ذاك.
و لكن الذي حدث ما بعد المغول هو إن العرب و الكرد تصدوا لهذه الحملات فكانت الإمارة المشعشعية في الحويزة و الجزائر و عربستان و كان المنتفك في الجنوب و كانت ربيعة على أطراف واسط و كعب في الاحواز و الخزاعل في الفرات الاوسط و كانت الحلة و النجف مركزيين ثقافيين عربيين و كانت امارة ابو ريشة و الطائيين في عانة و الحديثة و كانت عشائر العبيد و الجبور ما بين شهربور و الخابور و كان البابانيون في الشمال.
تكللت كل هذه المقاومة عندما قدم الملك فيصل العربي ليعلن للعام و جه العراق العربي الاصيل و وجه العراق الاسلامي الاصيل و وجه العراق العراقي الاصيل بعربه و كرده و تركمانه و اقلياته الاخرى المتآخية. و كفى لهذا الحد فالامر متروك للتاريخ. أدناه مقتطفات للأستاذ الراحل جعفر الخيّاط من كتابه صور من تاريخ العراق في العصور المظلمة الجزء الأول 1971م بخصوص إمارة المنتفك.
لم تظهر على مسرح الحوادث في تاريخ العراق الحديث عن اسرة نبيلة تولت الامارة, و تحكمت في مقدرات العراق و مصائره دهرا طويلا من الزمن , مثل اسرة آل سعدون المعروفة. فقد بسطت نفوذها على القسم الأعظم من العراق الجنوبي مدة تناهز الأربع مئة سنة , و تولى مشيخة قبائل المنتفك و امارتها ما يزيد على العشرين شيخا من ابنائها البارزين.
و قد كانت هذه الاسرة العربية الكريمة أول من بعث الفكرة العربية من مرقدها في العراق الحديث , و حمل راية النضال من اجلها بالدم و الحديد في وجه الأتراك و االإيرانيين , بعد أن دثرت و إنطمست مآثرها على أيدي المغول الأثيمة .و الحق أن تاريخ العثمانيين في العراق , خلال الحقبة الطويلة التي حكموا فيها , كان تاريخا حافلا بالغزوات و الحملات التي كان يجردها الباشوات المتعاقبون في بغداد لتأديب الثائرين من آل السعدون في الجنوب و المتمردين من آل بابان في الشمال . و إن دل هذا على شيء فانه يدل على أن العنصريين الكبيرين اللذين يتألف منهما العراق في يومنا هذا كانا يقفان أبدا و دوما في وجه الحكم الأجنبي و التسلط الغريب . و قد كان العثمانيون يشعرون بثقل العبء الملقى على عاتقهم في هذا الشأن , و لذلك كانت تصرفاتهم و خططهم التي رسمت خلال مدة حكمهم كلها , و لاسيما في عهودهم الأخيرة , تستهدف ضعضعة الأسرة السعدونية القوية و القضاء عليها بالحركات العسكرية و التدابير الادارية , و بالعمل على انقسامها فيما بينها و التزام البعض من ابنائها ضد البعض البعض الآخر . فتم لهم ما أرادوا في الأخير و توقفوا في عملهم التمهيدي هذا , و لكن بعد أن أستنفدوا الكثير من الجهود و القوى و استنزفوا الأموال الطائلة لذلك .
و مع كل التوفيق الذي حالفهم في هذا السبيل , و النتائج العلمية التي توصلوا اليها , فقد بقي العراق عربي النجار يعربي العقيدة في الغالب و ظلت العقيدة مرفوعة الرأس ناصعة الجبين في القسم الأعظم من أرجائه . و يرجع شيء من الفضل في ذلك الى الأسرة السعدونية , و كفاح أبنائها البارزين أمثال مانع و محمد و ثامر و حمود و ثويني العبد الله و سعدون و عجيل و ناصر و منصور و غيرهم .
و لكن كيف نشأت هذه الأسرة النبيلة , و من أين أتت , و كيف حكمت و تأمرت يا ترى ؟ لقد كان أصل هذه الأسرة و منبتها مهبط الوحي , و موطن النبي العربي , الذي خرجت جحافل العروبة من أرجائه و أنتشرت في أنحاء المعمورة فبددت ظلماتها بنور الاسلام. و هي أسرة علوية حسنية هاشمية نزحت من الحجاز و هبطت من العراق في أوائل القرن التاسع عشر للهجرة . و تدل الكثير من الدلائل على أن نزوحها الأول كان من مدينة الرسول الأعظم , و لذلك نجد اليوم ان الوسم الذي يسم به آل السعدون أبلهم , و يطلقون عليه اسم ( الشبيبة) يقرب عند الوسم المعروف عند أشراف المدينة . و الثابت في نسبهم انهم ينحدرون من سلالة الشريف عمار بن مجالد من آل ثعلبة بن مطاعن , و الشريف مجالد هو الأخ الأصغر للأمير قتادة بن أدريس الذي فتح مكة سنة ثمان و خمسن و خمس مئة للهجرة. و لذلك لم يكن من المستغرب ان تحتفي قبائل المنتفق بهذا البيت النبيل و تتشرف بمصاهرته و الأمر الذي أدى به الى ترأسه عليها و لملمة شملها في جمهرة عشائرية كبيرة واحدة , و امارة قوية الشكيمة منيعة الجانب.
ملاحظة ما ذكره الخيّاط هنا عن نسب السعدون هو رأي لم يستطع في زمانه رحمه الله إثباته و الغالبية من النسابة إضافة إلى رأي السعدون أنفسهم أنهم من أشراف المدينة لذا ارجو أن يكون الموضوع هذا يتعلق بتاريخ السعدون ليس إلا.
مع التقدير
د.حميد علي الحياني |