ودان من الفتح الأسلامي عام 23 هـ / 644 م حتى مقتل أبن قراقوش عام 656 هـ / 1258 م
عندما فتح مصر عمرو بن العاص قائد الخليفة عمر بن الخطاب وتحقق له ذلك بعد دخوله الاسكندرية في محرم 21 هـ ( ديسمبر 641 م ) . وبعد ذلك بعام زحف عمرو بقواته غرباً وفتح قورينة وبرقة ، ثم أرسل قائده عقبة بن نافع الفهري فاندفع بقواته حتى زويلة ولندع السؤال مفتوحاً فيما إذا كانت زَويلة أو زوُيلة هي زلة إلا أنه يبدو وحسب البيانات التالية أن زلة ليست زويلة الخطاب ففي العام 23 هـ صيف 644 م فتح عمرو طرابلس الغرب (وهذا ما يذكره أبو المحاسن و الذهبي وابن عبدالحكم والبكري ) وكانت في ذلك الوقت تعرف باسم آخر تذكره المخطوطات العربية بصيغ مختلفة وأثناء حصاره المدينة وجه عمرو قائده بسر بن أرطأه إلى ودانففتح المنطقة وجمعها مع سرت في ولاية واحدة حسبما يذكر ابن حوقل .
إلا أن أهالي ودان لم يلتزموا بالصلح الذي عقدوه مع بسر وعندما توجه عقبة بن نافع غرباً في العام 46 هـ / 664 م ووصل إلى غدامس ( على الأغلب يجب أن يكون اسمها مغمداس إذ حدد موقعها في منطقة سرت ) خلف فيها القسم الأكبر من جيشه بقيادة زهير بن قيس ثم تابع زحفه على رأس أربعمائة فارس وأربعمائة جمل نحو ودان ففتحها بيسر وقطع أذن ملك هذه المنطقة عقوبة له على نكثه الصلح ، و تحذيراً من العودة إلى مثل ذلك التصرف . وبعد ذلك فتح جرمة عاصمة فزان وعامل الملك على نفس المنوال ثم توغل في جميع المواقع الحصينة في تلك البلاد ، وفتحها ووصل حتى كوار ، ومنها عاد إلى ثقل جيشه في زويلة ثم تابع طريقه بأتجاه الغرب .
يذكر البكري أنه في مطلع القرن العاشر الميلادي أسس عبدالله بن الخطاب من قبيلة هوارة مدينة زويلة ، وجعلها عاصمة فزان الواقعة في ظل حكمه وقطنها في العام 32 هـ / 968 م . و إذا ما صحت رواية الإدريسي فمن المفروض بالطبع أن تكون المدينة التي فتحها عقبة في 23 هـ غير هذه المدينة وربما أمر عبدالله بن الخطاب بنهب زويلة القديمة ، وتدميرها إثر المقاومة التي أبدتها ضده ، ثم بنى مكانها مدينة جديدة أطلق عليها نفس الأسم . وفي معجم البلدان لياقوت يرد اسم زويلة الخطاب وزويلة اخرى في تونس وثالثة في مصر وهي من أحياء القاهرة وتلفظ بصيغة التصغير زويلة .
إن حكم بني الخطاب استمر حتى نهاية القرن الثاني عشر الميلادي ، عندما وصل المغامر قراقوش ( العصفور الأسود ) إلى فزان قادماً من مصر وقضى على آخر أمير من هذه السلالة بتعذيبه حتى الموت . وكان يرجو من وراء ذلك الضغط عليه ليعترف بمكان كنوزه المخبأة وتتمثل البواعث على هذه الحملة في النقاط التالية : عندما تزايد ضغط الفرنجة خلال فترة الحروب الصليبية على الخليفة الفاطمي طلب مساعدة نور الدين الزنكي سلطان الشام فأرسل اليه قائده صلاح الدين الأيوبي إلى مصر الذي قام بدوره بتنحية الخليفة والاعتراف بالخليفة العباسي في بغداد .
وفي العام 569 هـ فتح تورانشاه أخو صلاح الدين اليمن لصالح أخيه . وبعد ذلك اقترح ابن اخيه المظفر تقي الدين على صلاح الدين القيام بفتح المغرب ، فوافقه على ذلك اتخذ جميع الترتيبات اللازمة لهذه الحملة إلا أنه تراجع عن مشروعه في اللحظة الأخيرة ، لاعتقاده أنه قد يصطدم بمقاومة فائقة . إلا أن عدداً من صغار القادة لم يكن راضياً عن ذلك فهرب شرف الدين قراقوش وابراهيم بن فراكتين من وحداتهم غرباً إلا أنهما انفصلا عن بعضهما بعد حين فقد فتح قراقوش بقواته المشكلة في أغلبها من قبيلة الغزسنتريا ( سيوة ) وأمر بالخطبة للسلطان صلاح الدين ولسيده المظفر ، و بهذا يعترف بسيادتهما وقد أبلغهما ذلك ثم أصبح صاحب أوجلة وزويلة وطرابلس وقابس وكثيراً من المدن والمناطق الأخرى .
وأثناء عملياته اللاحقة لقي تأييد أحد أحفاد الملثمين واسمه علي بن اسحاق الميورقي أي أنه من جزيرة ميورقة وبعد وفاته دعمه ابنه يحيى إلا أنه وقعت نزاعات بين الطرفين فانضم يحيى إلى قبيلة دياب العربية القاطنة في جبال طرابلس الساحلية ، ونازلا معاً قراقوش الذي كان قد أسس حكمه في تلك الأثناء في ودان، إلا أنه حوصر هناك . وعندما نفذت المؤن من المدينة استسلم بعد أن وضع شرطاً واحداً وهو أن يقوده ولده إلى القتل وعندما خرج من المدينة إلى المعسكر المنتصر خاطبه ابنه قائلاً إلى أين تقودنا يا والــدي ؟ فأجاب إنك تقودنا إلى حيث أرسلنا أسلافنا وجرى صلب قراقوش بناء على أمر يحيى وكان ذلك في العام 609 هـ .
وقد خلف ولداً آخر قدر له أن يبرز في أحداث هذه المنطقة وعرف ابن قراقوش بجرأته ومروءته وكان ذا جمال نادر وأسند إليه الخليفة المستنصر أن يتولى قيادة إحدى الواحات في العاصمة . إلا أن الحياة الهادئة لم ترق له فغادر إلى ودان حيث كان ظهوره مؤشر لحروب جديدة . إن ملك ( مـــاي ) كانم دونيه دبلامي الذي وسع فتوحاته حتى تلك المناطق هاجم هذا المشاغب وتمكن منه وقتله وأرسل رأسه إلى عاصمة كانم ليعرض أمام أعين الشعب وقد جرى ذلك في 656 هـ / 1258 م .