<div align="center">
تابع دور الأشراف في بناء سورية الحديثة
</div>
<div align="center">
السادة الأشراف والنضال العسكري ضد الاحتلال الفرنسي
</div>
معركة ميسلون: عادة ما تفخر الأقوام بمعارك ووقعات حربية انتصرت فيها على أعدائهم. ولكن الشعب السوري يعتز بمعركة خسرها عام 1919، ألا إنها معركة ميسلون الخالدة، التي تبقى في أذهان السوريين والفرنسيين على حد سواء.
أعلن السوريون للعاام استقلالهم ورفضهم لأي انتداب لما التأم المؤتمر السوري وتوج
الملك فيصل الهاشمي ملكا على سورية. وفي جمادى الآخرة عام 1338 للهجرة الموافق لشهر آذار (مارس) عام 1920م عين الأمير فيصل
رضا الركابي رئيساً للوزارة العربية الأولى . ولكن تبين أن هذه كانت الوزارة ضعيفة قريبة من الرضوخ لمطالب الفرنسيين الإنتدابية، فلما رأت ذلك الجماهير السورية هاجت، وقرر المؤتمر حجب ثقته عن الحكومة، فاضطرت الوزارة الركابية إلى الإستقالة. وعهد الملك فيصل برئاسة الوزارة إلى رئيس المؤتمر السوري،
الشريف هاشم الأتاسي ، الذي اضطر للاستقلال من رئاسته للمؤتمر. وإلى هذه الوزارة انتمى أيضاً: يوسف العظمة للحربية،
والشريف ساطع الحصري للمعارف، وعبدالرحمن الشهبندر للخارجية،
والسيد رضا الصلح لرئاسة مجلس شورى الدولة، وفارس الخوري للمالية، ويوسف الحكيم للزراعة والتجارة والأشغال العامة، وكان تشكيل الحكومة هذه في 3 آيار عام 1920م واستمرت حتى 24 تموز عام 1920م .
ولما أعلن المؤتمر السوري استقلال البلاد وجه الجنرال غورو إنذاره الشهير للحكومة السورية في 14 تموز عام 1920م، فكانت وزارة الأتاسي، ثاني الوزارات السورية، وزارة حرب، أعلنت في 8 أيار بعد تأليفها تأييدها لاستقلال سوريا واستعدادها للدفاع عن حقوقها والمطالبة بوحدة سورية بحدودها الطبيعية ورفض طلب الصهاينة جعل فلسطين وطنا لهم ورفض كل مداخلة أجنبية، ولما استشار الملك فيصل وزراءه في قضية الدفاع عن دمشق أجابه الوزير يوسف العظمة أن الدفاع أمر حتمي، وقال مقولته المشهورة: "لئلا يسجل التاريخ بأن قوات الإحتلال الفرنسي دخلت دمشق دون مقاومة اسمحوا لي أن أذهب لأموت" وأوصاهم بإبنته الوحيدة ليلى ...
<div align="center">
البطل السوري معالي وزير الدفاع الشهيد يوسف العظمة
</div>
وهكذا دارت رحى معركة ميسلون الشهيرة، في 24 تموز 1920.
خرج أهل دمشق إلى وادي ميسلون لملاقاة الجيش الفرنسي. أما السوريون، فلم يكن لديهم جيش نظامي وقد انفصلوا لتوهم عن الدولة العثمانية، ولا مدرعات ولا طائرات، وإنما بعض البنادق العتيقة من مخلفات الأتراك، والقليل من الذخيرة، والعصي والمسدسات. كان عدد السوريين ثلاثة آلاف رجل خرجوا بقيادة المرحوم تحسين الفقير، يعاونه الضابط
السيد شريف الحجار الحسيني، ومعهم الحرس الملكي الفيصلي، وفرقة رشاشات بسيطة يقودها الضابط المجاهد صبحي العمري الفاروقي. أما الفرنسيون فكانوا على أقل تقدير 40 آلف مجند مجهزين بأحدث الأسلحة، يقودهم الجنرال غواييه، يعاونه الكولونيل بيتلا، ويتقدمهم دبابات، وخيالة، ويدعمهم سرب من الطائرات الحربية.
<div align="center">

</div>
<div align="center">الفرنسيون يستعدون لمعركة ميسلون الخالدة
</div>
وفي صباح 24 تموز (يوليو) عام 1920 نشبت معركة ميسلون، التي أظهر فيها السوريون من الشجاعة المنقطعة النظير ما أثار الرعب في قلوب الفرنسيين، وعلموا أن هذه البلاد ستكون مقبرة لهم إذا كان هذا الشعب بهذه الضراوة في الدفاع عنها، وبالفعل دفن الفرنسيون خمسة آلاف جندي في أرض سورية قبل خروجهم منها نهائيا عام 1946.
ومن السادة الأشراف الذين اشتركوا في معركة ميسلون الخالدة:
السيد نسيب البكري ثم الحسني الذي رشحه السوريون فيما بعد لعرش سورية،
والشريف محمد حجازي الكيلاني، الذي قاد الثورات في دمشق وغوطتها أعواما على الفرنسيين فقتل منهم الكثير وكان من قواد ثورة 1925 الكبرى، ومنهم أخوه
الشريف رسلان حجازي الكيلاني. ومنهم
السيد شريف الخطيب الشريف الحسني، الذي قاتل إلى جانب نسيب البكري، وكان من الذين أحرقوا قصر العظم على الفرنسيين بعد دخولهم دمشق إثر معركة ميسلون، وقد توفي هذا الشريف ساجدا رحمه الله. ومنهم إخواننا الأشراف المغاربة الأدارسة الذين وفدوا إلى دمشق جماعات وأسرا نازحين إليها من المغرب والجزائر بعد أن ضاقت عليهم باحتلال الفرنسيين لها، فاستقبلتهم دمشق بكل وفتحت أبوبها لهم وأنزلتهم بين أهلها وأسكنتهم في بيوتها، فلما أصبح الفرنسيون على مشارف مدينة دمشق خرج للقائهم الأشراف الأدارسة بلباسهم المغربي التقليدي ليدافعوا عن مدينتهم الجديدة، وكانت كتيبة المغاربة يقودها العلامة
الشريف محمد اليعقوبي الإدريسي، مفتي المالكية بدمشق وإمامهم بالجامع الأموي، أخذوا بعض الأسلحة من الحكومة وتوجهوا إلى ميدان الشرف في ميسلون، وكم كانت دهشة الفرنسيين كبيرة لما رأوا أشراف المغاربة الأشاوس الذين دوخوهم بالأمس في أرض المغرب العربي يخرجون لهم تارة أخري، ولكن هذه المرة على مشارف دمشق الفيحاء!
وكان يقود المعركة الشهيد الكبير وزير الدفاع يوسف العظمة ويشرف عليها بنفسه، وقد تقدم المقاتلين وراح يصوب ببندقيته على الفرنسيين حتى أردوه قتيلا.
كانت النتيجة معروفة مسبقا في ميسلون – لكن الإباء الوطني دفع يوسف وجنوده الى التوجه نحو ميسلون لمجابهة جيش الإحتلال . واستشهد هناك هو وكثير من رفاقه ليصبحوا رمزا خالدا للمقاومة والدفاع عن الوطن , ويضع الجيش الوطني في مكانه الطبيعي .. دامت المعركة في ميسلون عدة ساعات استبسل السوريون في الدفاع عن مواقعهم بأسلحتهم الفردية القديمة مقابل طائرات ودبابات ومدفعية الفرنسيين.
وانتهت المعركة بتراجع المقاتلين إلى دمشق. ودخل الفرنسيون دمشق، ووقف عندها الجنرال غورو أمام جثمان يوسف العظمة ضاربا السلام احتراما لهذا البطل القومي، وزير الدفاع الذي كان يقاتل جنبا إلى جنب مع مواطنيه، رحمه الله.
<div align="center">
الشهيد يوسف العظمة، لم يكن من الأشراف، ولكن شرفه في شهادته وبطولته
</div>
----------------------------------------------------------------------------------------------
وفي حمص كان يجري إعداد مماثل للدفاع عن البلدة. ففي تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1919م عقد اجتماع ضخم في منزل محمد خالد بن محمد الأتاسي تواجد فيه قرابة مائة من شيوخ ورجال الدنادشة وغيرهم استقبلوا فيه مبعوث
الأمير زيد بن الشريف حسين الهاشمي، أخي الأمير فيصل، واتفقوا فيه على إعلان ثورة على المحتلين . ثم أوفد الأمير زيد من يجتمع بزعماء الحماصنة مرة أخرى بعد فترة قصيرة فعقد اجتماع في قرية الفتايا من أملاك الدنادشة حضره مندوبون عن أسر حمص الكبيرة
كآل الأتاسي ، وآل الحسيني
وآل الجندلي ، وآل الدروبي، وفيه وزعت ذخائر وبنادق على ثوار الدنادشة وتعهد الحماصنة فيه التعاون مع الدنادشة ومناصرتهم. وسرعان ما أطلق الدنادشة رصاص الثورة ذلك العام وكبدوا الفرنسيين خسائر فادحة في الأرواح .
وما أن سمعت حمص بسقوط دمشق إلى جنوبها حتى بدأت تعد العدة للدفاع عن نفسها، وكان على رأس المخططين للدفاع عن حمص أسر الأشراف فيها:
آل سويدان آغا، وآل الرفاعي، وآل الجندلي، وآل الأتاسي، وآل الجندي، وآل السباعي وغيرهم. فأسس آل الأتاسي وآل الدروبي لجنة الدفاع عن حمص، وترأسها
السيد عمر بك الأتاسي (من أصدقاء الملك فيصل وحاكم حمص عام 1919-1920) ثم ترأسها محيي الدين بك الدروبي. وعقدت فورا تحالفات بين هذه الأسر وبين العشائر المقيمة حول حمص للدفاع عن المنطقة، وقد تحدث المؤرخ جيلفن Gelvin عن طبيعة هذه التحالفات وأثرها في قيام الثورات والنضال المسلح، فيقول في كتابه Divided Loyalties:
"تلك المجموعة من الأواصر ربطت بين أسرتي الأتاسي والرفاعي القويتين الحمصيتين وبين قبيلتي بني خالد والأحسنة، على التوالي، وربطت آل الدروبي، كذلك من حمص، مع قبائل ولد علي والعقيدات والموالي. مندوبون من أسرتي الأتاسي والدروبي كانوا بارزين في لجنة الدفاع الوطني الحمصية، وعمر الأتاسي ومحي الدين الدروبي كلاهما تولى رئاسة اللجنة، كما تسلم عمر ووصفي الأتاسيان الإعانات الحكومية من دمشق، والتي استعملاها لإدارة نشاطات اللجنة. وإلى جانب "أتاسيون" و"رفاعيون" لم تقاتل القوات المجندة في معركة تلكلخ في كانون الأول (ديسمبر) من عام 1919م في وادي البقاع فحسب، بل، وبعد أن بدأت لجنة الدفاع الوطني الحمصية الترتيب للدفاع عن مدينة حمص ضد الجيوش الفرنسية الغازية في تموز (يوليو) عام 1920م، هبطت جماعات من البدو المدينة من نواحي قد تكون كمدينة تدمر في بعدها عن حمص، وفي أعداد تتراوح، حسب التقديرات المتباينة، بين ألف وخمسمائة وستة آلاف مجند، وفي مدة يومين"
وكان لعشائر النعيم في حمص دور أساسي في هذه الثورات إلى جانب عشائر بني خالد والعقديات والأحسنة والدنادشة. وقد تخطت التحالفات الأسرية منطقة حمص وتعدتها إلى منطقة حماة وبيوتات النفوذ فيها، فقد تعاقدت الأسر الحمصية مع أسر حماة الكبيرة كالأشراف
آل الكيلاني ،
وآل العظم ، وآغوات البرازية،
والسادة آل الشيشكلي وآل البارودي على دعم الثورات، وكانت الاجتماعات تعقد بين مندوبين عن تلك الأسر للتخطيط للأعمال النضالية، وكثيرا ما كانت حمص ترسل الشريف
وصفي بك الأتاسي (الذي عينه الملك فيصل حاكما على حماة قبل دخول الفرنسيين) إلى حماة لجيتمع بزعامئها من أجل التخطيط للثورات.
قبيلة النعيم والثورات على الفرنسيين:
لا بد هنا من التنويه بالسادة الرفاعية النعيمية وحروبهم مع الفرنسيين. فبالإضافة إلى مشاركتهم في معارك حمص، كان فرع النعيم بالجولان يذيق الفرنسيين الأمرين. ونعيم الجولان هو من فرع آل عز الدين. انتقلوا إليها من حمص في القرن الحادي عشر، واستوطنوها, وكانوا في بادئ الأمر عشيرة مسالمة، ثم حدث أن اشتبكوا مع الدروز في تلك المنطقة فظهروا عليهم وغلبوهم، ومنذ ذلك الوقت وهم أهل قوة وسلطان في منطقة الجولان، والبدو تكن لهم احتراما بحكم كونهم من آل البيت، والرئاسة في نعيم الجولان كانت لآل الطحان. وفي عام 1338 من الهجرة الموافق لعام 1920م ثار الحورانيون على الفرنسيين عقب معركة ميسلون ودخولهم دمشق، وكان يقودهم في هذه الثورة السادة النعيمية، فاشتبكوا مع الفرنسيين في وقعات عديدة كبدوهم الخسائر، وعلى رأسهم شيخ النعيم
السيد بركات بن عوض الطحان الذي كان قائما بواجب المشيخة حتى عام 1921م، ثم خلفه في النضال ابن أخيه
عبدالله بن أحمد الطحان النعيمي الذي كان مشتركا في ثورات حوران بقبيلته على الفرنسيين. ولما ضاق الفرنسيون ذرعا بالنعيم حكموا على شيخهم بالإعدام، حتى جاء العفو العام، ثم قتل في حادثة قطار رحمه الله. وللنعيم مواقف مشهورة في النضال ضد الفرنسيين، نذكر منها ما حدث في آب عام 1921م لما قرر الثوار مواجهة عبد القدوس مدير ناحية الفيق الذي كان يعرقل مهمات الثوار ويدافع عن الفرنسيين، فاتفقوا على خطفه أو أقتله. وقدمت وفود الثوار إلى بلدة فيق يترأسهم السيد عبدالله الطحان النعيمي على رأس مجموعة من رجالات عشائر النعيم ومعه ما يزيد عن عشرين خيالاً فقاموا بقتل الخائن عبد القدوس ثم التفوا حول الحامية الفرنسية فظفروا بها وقتلوا أفرادها ثم لجأ بعضهم إلى طبريا في فلسطين ومن ثم إلى جسر بنات يعقوب ومنها إلى القنيطرة أو الأردن، وصدرت إثر ذلك أحكام الإعدام ضد النعيم، وأعدم بعضهم فعلا من قبل الفرنسيين كما قامت السلطات الفرنسية بقتل بعض حلفائهم انتقاماً وقمعاً لأهالي هذه البلدة وغيرها.
يليه: نضال الأشراف السياسي من أجل الاستقلال
باسل الأتاسي