| بنات النبي صلى الله عليه وسلم
رقية ذات الهجرتين عليها السلام
ولدت رقية رضى الله عنها بعد اختها زينب فكانت قرة عين لوالديها الكريمين وما لبثت ان جاءت بعدها ام كلثوم فنشأتا سومعا متلاصقتين متعاطفتين ولقد اشتد تقاربهما وانسجامهما خصوصا بعد ان فارقتها زينب كبراهن الى منزل الزوجية فكانتا اشد توقا وخلوصا الى بعضهما وكأن القدر يرسم لهما في مستقبل الايام مصيرا واحدا بداية ونهاية .
جاء في كتب السيرة ما رواه ابن هشام ما يشهد على هذا التلازم العجيب اذ اجمعت كل الروايات التاريخية على وحدة الحال التي كانت قائمة بين الاختين رقية وام كلثوم .
بعد ان تزوجت زينب ابا العاص وقد قاربت سن رقية وام كلثوم من الزواج جاء ابو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم خاطبا لهما إلى ابنى اخيه عبدالعزى بن عبدالمطلب ابي لهب فقال فيما يروى ابن هشام والطبري وابن عبدالبر : جئنا نخطب ابنتينا رقية وام كلثوم وما اراك تضن بهما على ابنى عمك عتبة وعتيبة ابناء العم عبدالعزى .
فأجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : معاذ القرابة والرحم ، ولكن هلا امهلتني يا عم حتى اتحدث في هذا الى ابنتي ؟ وعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الامر على اهل بيته زوجته خديجة وابنتيه صاحبتا الشأن، سكتت خديجة رضى الله عنها قليلا في فترة تأمل فهي تعرف حق المعرفة ام جميل زوجة ابي لهب وتعرف قسوتها ولكنها خافت ان هي نطقت برأيها ان تغضب زوجها فيظن انها تريد ان تمزق اواصر القربى بينه وبين اهله فسكتت كما سكتت الفتاتان حياء واغضتا من الجواب رقة وخجلا .
وتم الامر وعقدت الخطبة في جو مشوب بالقلق وبارك الاب الحنون ابنتيه وترك امر رعايتهما لله عز وجل .
ولما لاح ضياء قبس الاسلام في مكة وبدد ظلمتها اذ أظلتها بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم تذكرت خديجة رضى الله عنها ابنتيها رقية وام كلثوم وما سيؤول اليه امرهما بين يدي ام جميل الظالمة وزوجها المطواع لها ويقول الطبري : اجتمعت قريش وائتمرت برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال قائلها : انكم قد فرغتم محمدا من همه فردوا عليه بناته فاشغلوه بهن ورد ابو لهب زواج ابنيه من بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا : ما رواه ابن هشام في السيرة : رأسي من رأسيكما حرام إن لم تطلقا ابنتي محمد ولم يكن الدخول قد تم وعادت الفتاتان الى ذويهما قال ابن سعد في الطبقات : ثم تزوجت رقية رضى الله عنها وعوضها رجلا صالحا كريما عزيزا عريق النسب واسع الثروة لطيف الخلق هو عثمان بن عفان بن ابي العاص بن عبدشمس وكان رضى الله عنه من اعز فتيان قريش حسبا ونسبا وجاها وغنى وزوجه عليه الصلاة والسلام من رقية وبارك لهما وفيهما وعليهما .
ولما اشتد اذى قريش بالمسلمين ونالوا منهم نيلا فاحشا فأذن الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة الى الحبشة فرارا بدينهم حتى لا يفتنوا قائلا لهم ما رواه ابن هشام والطبري وابن الكلبي : لو خرجتم الى ارض الحبشة فان بها ملكا لا يظلم عنده احد وهي ارض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما انتم فيه، فخرج عثمان بن عفان رضى الله عنه مع زوجته رقية التي كانت دامعة العين والهة القلب معذبة النفس وعانقت اباها وامها واخواتها فتكاد تشرق بغصتها .
يقول الطبري : اقام المهاجرون في حمى النجاشي موفورى الكرامة يتمتعون بحرية العمل والعبادة ولم يكن لينغص عليهم مقامهم سوى امرين اثنين: دسيسة قريش عليهم عند النجاشي واخبار اهليهم في مكة بما يلاقونه من اضطهاد وعذاب ونصب .
يقول ابن هشام مضت بالمهاجرين الحياة حتى سمعوا باسلام حمزة بن عبدالمطلب وعمر بن الخطاب رضى الله عنهما فأثر بعضم العودة رغبة بالمشاركة في صنع المستقبل ورؤية الاهل الذين طال بعدهم واشتد شوقهم اليهم اما الاخرون فارادوا ان يستمروا في مقامهم حتى يأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عثمان بن عفان ورقية من الذين عزموا على العودة وما ان وطئت اقدامهم ارض الوطن وتكحلت عيونهم برؤية مغاني الصبا ومراتع الشباب حتى فاضت بالدمع وكانت رقية اكثر العائدين حزنا لانها دخلت دار ابيها مشتاقة فقبلت اخواتها وبلهفة سألت عن الام العظيمة فسكتن ولم يجبن وكانت دموعهن ابلغ جواب لقد لحقت بالرفيق الأعلى يقول ابن اسحاق والطبري وكذلك في الإصابة ما نقله عن السيرة الهشامية وابن الكلبي ان رقية عرفت بان الام العظيمة لحقت بالرفيق الاعلى فبكت ونشجت وتشبثت بالاب العظيم الحنون الذي ضمها الى صدره الحنون ثم صبرت على قضاء الله وقدره .
ولقد هاجرت رقية رضى الله عنها الى يثرب مع من هاجر من المسلمين وفي المدينة وضعت طفلها عبدالله فملأ عليها دنياها الجديدة انسا وبهجة وعوضها عما لقيت في ماضي الايام من لوعة وعذاب ومصاب ولكن المؤمن مبتلى ممتحن فبينما كان الوليد الصغير نائما في مهده نقره ديك في وجهه فتسمم ومات بعد ايام فترنحت رقية رضى الله عنها تحت وطأة المصاب ووقعت فريسة الحمى فلازمها الزوج الحنون الرفيق عثمان رضى الله عنه بمرضها ويرعاها ويقوم على شؤونها.
وتناهى الى سمع عثمان رضى الله عنه صوت الجهاد يستنفر المهاجرين والانصار للتصدى لقافلة قريش الايبة من الشام فاراد الخروج معهم استجابة لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه عليه السلام امره بالبقاء قريبا من زوجته المريضة يواسيها ويخدمها .
واشتد الصراع بين الموت والحياة ثم رفت روح رقية على شفتيها وهي تحشرج ثم اطبقت جفنيها وفاضت روحها الى بارئها .
وبينما كان عثمان رضى الله عنه الزوج المفجوع بأعز زوجة وحبيبه يلثم جبينها واناملها ويغطى وجهها كان صوت البشير القادم من بدر يعلن انتصار المسلمين .
ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت عثمان وقد هزه نبأ وفاة رقية رضى الله عنها وتقدم منها يودعها وقد ظهر الأسى في عينيه والحزن في سيماه وانثنى بلطف ورقة على فاطمة التي كانت قد اكبت على مضجع اختها رقية تبكيها فرفعها بتؤدة ولين ومسح دموعها بطرف ثوبه عندئذ علا نشيج النسوه الحاضرات فأراد عمر بن الخطاب رضى الله عنه ان يمنعنه بسوطه فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال له مهما يكن من العين والقلب فمن الله والرحمة . ومهما يكن من اليد واللسان فمن الشيطان، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأب المفجوع على ابنته وشيعها حتى واراها الثرى الطيب في البقيع الطاهر وعاد الى البيت والمسجد يتابع جهاده في اداء الرسالة . |
__________________
[COLOR=blue][SIZE=7][FONT=Times]قالوا لنا قديما" ان نرحم عزيز قوم ذل...
لكن احدا" لم يقل لنا ماذا نفعل حيال ...
ذليل قوم عز .... فطغى
|