02-05-08, 07:58 AM
|
#6 (permalink)
|
| ][::. عضو .::][
تاريخ التسجيل: Jun 2007 العمر: 34
المشاركات: 89
| أسباب هجرة بني هلال وبني سليم إلى تونس في القرن الخامس بقلم: الأستاذ توفيق بلغيث | ((تابع للمقال))
ومن خلال هذه الأزمات التي تعرضت لها مصر يتبين أن أسباب هجرة بني هلال وبني سليم إلى تونس كانت في جزء منها نتيجة الأزمة الاقتصادية التي عاشتها مصر في القرن الخامس للهجرة، خاصة إذا علمنا أن تلك القبائل كانت تقطن في الصعيد المصري وأن مورد رزقها زراعة الأرض، ويتحدث عن ذلك المقريزي "فأنزلهم بلبيس وأمرهم بالزرع ونظر إلى الصدقة من العشور فصرفها إليهم فإشتروا إبلا فكانوا يحملون الطعام إلى القلزم"[106]. وفي ظل التراجع المتتالي لمياه النيل وما نجم عنه من الانعكاسات السلبية على المستوى الزراعي، فإن تلك القبائل أصابتها المجاعة كغيرها وبذلك عادت إلى عادتها القديمة وهي قطع الطرق وأخذ أمتعة الناس.
وتعكس قيمة النقود، ضمنيا، الوضع الاقتصادي الذي كانت عليه مصر إبان الهجرة الهلالية إلى الغرب، ويتجلى الوضع الاقتصادي من خلال ارتفاع وانخفاض العملة، فزيادتها يدل على غناء الدولة ورفاهيتها، وبزيادة قيمة العملة تكسب الدولة ثقة الرعية وطاعتها وانصياعها لها، أما انخفاض العملة فيرمز إلى تدهور الحالة الاقتصادية في البلاد وينجر عنه تردي الأوضاع المعيشية للسكان وتنخفض رواتب الموظفين ويزيد مقدار الضرائب. وتبين دراسة الدكتور الراضي دغفوس لتطور الدينار أن الحد الأقصى له وصل 4,39 غرام سنة 451هـ 1059م وحدّه الأدنى الذي بلغ 2,90 غرام سنة 429هـ 1037م، ومن ناحية أخرى "فإن وزنه انحط إلى مستوى 3,88 غرام سنة 444هـ 1052م وهو وزن ضعيف بالنسبة للمعدل العام"[107]. كما شهد الدينار انخفاضا سنة 445هـ 1053م حيث وصل إلى 3,88 غرام، عقبه استقرار في الوزن فاستمر إلى حد سنة 451هـ 1059م حيث وصل وزنه إلى 4,39 غرام وبعد ذلك انحدر الوزن من جديد بداية من سنة 456هـ 1063م إذ بلغ 3,49 غرام وبقي الحال على ذلك.
وتزامنت هذه المجاعة ـ مجاعة 444هـ ـ مع هجرة بني هلال وبني سليم، تلك الهجرة التي تمت على مراحل وأخذت فترة زمنية وعن ذلك يقول عبد الرحمان قيقة “ومن أشد المحن التي أصابت مصر في القرن الخامس الهجري تلك المجاعة الهائلة التي إجتاحت مصر إبتداءا من سنة 444هـ ودامت سنوات عديدة، وكانت معاصرة لزحف بني هلال وغيرها من قبائل الأعراب المستوطنة في صعيد مصر، لم تغادر الضفة الشرقية لنهر النيل قاصدة إفريقية دفعة واحدة ولكن جماعات مدة عشرة سنوات على الأقل"[108].
وساهم النيل باعتباره النهر الوحيد الحيوي الذي يعبر مصر في التأثير على حياة الأهالي، وإن أثر النيل يتجلى من خلال تقلبات مياهه ويعرف عنه أن زيادته تكون في شدة الحر وعند نقص الأنهار الأخرى، وبداية نقصانه عند زيادة الأنهار وفيضانها، وأول زيادة لنهر النيل تكون من بداية يونيو، ومعدل الماء 16 ذراعا إذا ارتفع عن ذلك ذراعا كان العام خير وصلاح للسكان، وإذا ارتفع ذراعين فإنه يضر بالمزروعات، أما إذا نقص مردود النيل بذراعين عن المعدل المذكور يتضرر السكان بذلك. وهنالك معدل مثالي تصله مياه النيل ويكون بذلك الرخاء للسلطان والرعية ويتحدث المقريزي عن تقلبات مياه النيل وابن تغري، فهذا الأخير يبين لنا ارتفاع النيل وانخفاضه في عهد المستنصر بالذراع والأصابع[109]. وعن زيادة مياه النيل أيام الهجرة يمكن القول أنه في 440 هـ تساوي 17,17 ذراعا وفي سنة 441 هـ يساوي 17,9 ذراعا وفي سنة 442 هـ يساوي 17,16 ذراعا وفي سنة 443هت يساوي 17,12 ذراعا أما في سنة 444هـ يساوي 17,16 ذراعا. وكذلك الحال بالنسبة لسنة 452 هـ حيث بلغ 16,9 ذراعا، أما بين 440هـ والسنة المذكورة سابقا فإن مستوى المياه لم ينزل عن 17 ذراعا، وخلال هذه السنوات كانت الهجرة الهلالية قد بدأت من مصر إلى إفريقية. أي أنه هنالك توافق بين سنوات فيضان النيل ولا سيما سنة 441 هـ و444 هـ و446 هـ وسنوات الغلاء في مصر من ناحية، وسنوات انطلاق هجرة بني هلال وبني سليم إلى إفريقية من ناحية أخرى[110]. فخلال السنوات المذكورة حدثت المجاعات وأهمها مجاعة 444هـ ومجاعة 445هـ كما أنه خلال هذه السنوات أيضا انحدر وزن الدينار، فلقد كان وزنه سنة 438هـ يساوي 4,10 غرامات، وأصبح سنة 440 هـ يساوي 4,08 غرامات ليصل سنة 443هـ يساوي 4غرامات، بينما في شدة الأزمة التي مرت بمصر سنة 445هـ كان يساوي 3,88 غراما. ولتقابل هذه المعايير المادية للاقتصاد المصري (مياه النيل، وزن الدينار...) يتجلى لنا الدور الفعال الذي لعبه الوضع الاقتصادي في الهجرة الهلالية إلى تونس.
وإذا كان العامل الاقتصادي يعتبر من بين العوامل الهامة التي دفعت الهجرة الهلالية إلى تونس، فقد كان هناك عوامل أخرى كانت بمثابة المكمل والمتمم لهذا العامل منها العامل الديني والصراع بين الشيعة والسنة في العالم الإسلامي. فلقد أعلنت منطقة الحجاز استقلالها عن الدولة الفاطمية وأصبح أئمتها في خطبهم المنبرية يدعون للعباسيين، ولا سيما بعد أن عجز المستنصر بالله الفاطمي عن كساء الكعبة من جراء الأزمة الاقتصادية التي مرت بها مصر، ويصف لنا ابن التغري تلك القطيعة "وكل هذه الأشياء كان ابن حمدان سببها، ووافق ذلك انقطاع النيل، وضاقت يد أبي هاشم محمد أمير مكة بانقطاع ما كان يأتيه من مصر واخذ قناديل الكعبة وستورها وصفائح الباب والميزان"[111]. وعلى نمط هذه القطيعة سار الشمال الإفريقي، فقام بقطع الخطبة للمستنصر بالله الفاطمي في زمن المعز بن باديس في سنة 441هـ. هذه القطيعة من المشرق والمغرب ستربك المستنصر نفسيا إذا أضفنا إلى ذلك الأزمة الاقتصادية التي كان يتخبط فيها الحكم المصري، مما جعل الخليفة الفاطمي يشجع القبائل الهلالية على الهجرة إلى تونس. ولأن السلطان الفاطمي كان قبل قدومه إلى مصر يفكر في توحيد المغرب والمشرق تحت سلطانه، وفي حين غفلة وجد البلاط الفاطمي خصمه ـ العباسيين ـ قد كسب معركة الولاء. وليس الوضع الاقتصادي والصراع بين الشيعة والسنة هما السببان الرئيسيان وراء هجرة القبائل الهلالية إلى تونس، بل أن هناك خاصية افتقدتها هذه القبائل أثناء وجودها في الصعيد المصري وحشرها في منطقة معينة مخصصة للرعي والانتجاع. فنحن نعرف أن تلك القبائل من خاصيتها النجوع والارتحال، فبفقدانها لتلك الخاصية ستندفع إلى الهجرة خاصة وأنها أرغمت سابقا على الزراعة والتجارة ذلك النمط الذي لم تألفه طيلة رحلتها من الحجاز إلى الشام، وبذلك يكون هذا العامل مكملا للعوامل السالفة الذكر، وبذلك تكون العوامل كلها مجتمعة سببا في هجرة القبائل الهلالية إلى تونس.
((وللحديث بقية-بإذن الله تعالى-)) | |
| |