ديار بني سعد :
شملت ديار بني سعد أنحاءً واسعة في بلاد مكّة المكرّمة والطائف فقد تواجدوا في نواحي مكّة شرقا وجنوبا شرقيّا وشمالا وشمالا شرقيّا كما تواجدو في بلاد الطائف جنوبا وجنوبا شرقيّأ وشرقا وشمالا وشمالا غربيّا ممتدّين في بلاد نجد في منطقة عالية نجد ومن معاقلهم في الجاهلية وادي تربة قال إبن شبة ( ت 262 هــ ) : " نزلت هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس ما بين غور تهامة إلى ما والى بيشة وبركا وناحية السراة والطائف وذا المجاز وحنين وأوطاس وما صاقبها من البلاد " ( 91 ) ويمتدّون إلى وادي نخلة قال الهمداني ( ت بعد 360 هــ ) : " كل هذه البلاد من تبالة إلى نخلة ديار هوازن فيها من كل بطونها "( 92 )
قلت : ديار هوازن الممتدة من تبالة إلى نخلة بنصّ الهمداني تشمل ناحية السراة والطائف وذا المجاز وحنين وما صاقبها بنصّ ابن شبّة وهوازن ثلاثة فروع كبرى وكلّها لبكر بن هوازن وهي :
1ــ بنوسعد بن بكر
2ــ بنو منبّه بن بكر وهم ثقيف
3ــ معاوية بن بكر
كما نصّ عليه علماء النسب ، ونصّ الهمداني بأنّ ديار هوازن الممتدة من تبالة إلى نخلة يدلّ دلالة واضحة أنّ فيها من كلّ بطونها وهذا يشمل بطون سعد بن بكر بن هوازن وقد امتدّت ديار قبائل هوازن من برك الغماد على ساحل البحر الأحمر غربا حيث ينزل بعض بني هلال هناك إلى بيشة وتبالة شرقا قال البكري ( ت 487 هــ ) : " حرة هلال بن عامر بالبرك والبريك بطريق اليمن التهامي " ( 93 ) وقال ياقوت الحموي : " حرة بني هلال : هو هلال بن عامر بن صعصعة بالبرك والبريك في طريق اليمن التهامي " ( 94 ) وكانت أرض هوازن في نجد تلي اليمن قال البكري وياقوت الحموي : " إنّ أرض هوازن في نجد ممّا يلي اليمن " ( 95 ) وتمتدّ هذه الديار إلى نواحي السراة والطائف وذا المجاز وحنين وأوطاس ونخلة وما صاقبها من البلاد وكان هذا خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين وكان يجاور هوازن في ديارهم في بلاد الطائف ومكّة المكرّمة قبائل مدركة لاسيّما هذيل بن مدركة ، قال إبن شبّة ( ت 262 هــ ) في ذكره منازل قبائل مدركة : " صارت مدركة بناحية عرفات وعرنة وبطن نعمان ورحيل وكبكب والبوباة وجيرانهم فيها طوائف من أعجاز هوازن " ( 96 ) لاسيّما بنو سعد بن بكر وديار مدركة هذه نصّ الهمداني على أنّها ديار هذيل بن مدركة قال الهمداني الذي عاش إلى ما بعد سنة 360 هــ ( 97 ) : " منازل هذيل عرنة وعرفة وبطن نعمان ونخلة ورحيل وكبكب والبوباة وأوطاس " ( 98 ) وقد نصّ لغدة ( ت 310 هــ ) على أنّ وادي نخلة من منازل هذيل ( 99 ) وقد نصّ على أنّ بني سعد هم الذين يجاورون هذيلا في الديار قال لغدة ( ت 310 هــ ) في ذكر بني سعد بن بكر : " هم جيران هذيل " ( 100 )
قلت : أعجاز هوازن هم بنو سعد بن بكر وبنو نصر وجشم والذين يجاورون مدركة في هذه الأنحاء هم بنو سعد بن بكر فهم جيران هذيل بن مدركة يجارونهم في منطقة شمال وشمال شرق مكة المكرمة وجنوب شرق وشرق مكّة المكرّمة وفيما يلي بيان أسماء مواضع بني سعد ومنازلهم في هذه الأنحاء وقد رتبناها على حروف المعجم :
1ــ أبام وأبيّم
أبام وأبيّم شعبان من شعاب نخلة اليمانية ، قال السعدي من بني سعد بن بكر :
وإنّ بهذا الشعب بين أبيّمٍ **** وبين أبام شعبة من فؤاديا ( 101 )
قلت : وما جعلنا نعدّ هذين الشعبين من ديار بني سعد أنهما بجوار الزيمة وهي من معاقل بني سعد وبلادهم قال البلادي : " أبام : شعب يسيل من جبل أمغر بهذا الاسم ، مقابل الزيمة من الشمال بينهما سيل اليمانية ، وأبام يصبّ فيها من الشمال على مرأى من الزيمة ، فيه نزل أهل الزيمة " وقال : " يجاوره من الشرق أبيّم شعب يدفع في نخلة أيضا من الشمال على مرأى من الزيمة " ( 102 ) وللمزيد أنظر الزيمة
2ــ أظلم
يقع أظلم على نحو 140 كيل شرق المدينة مع ميل إلى الجنوب وشرورى جبل ضخم إلى الشرق من أظلم وقد امتدّت ديار بني سعد إلى هذه الأنحاء قال أبو وجزة السعدي :
يزيف يمانيّه لأجزاع بيشةٍ **** ويعلو شآميه شرورى وأظلما ( 103 )
قال البكري : " قال إبن حبيب وقد أنشد قول أبي وجزة السعدي :
يريف يمانيّه لأجزاع بيشةٍ **** ويعلو شآميه شرورى وأظلما
بيشة : وادٍ من جهة اليمن ، وشرورى وأظلم من جهة الشام من منازل سعد قوم أبي وجزة " ( 104 )
قلت : توفّي ابن حبيب سنة 245 هــ وهذا يعني أن منطقتي أظلم وشرورى كانتا من ديار بني سعد خلال القرن الثالث للهجرة وأمّا بيشة فهي من معاقل هوازن قال ياقوت الحموي : " وفي بيشة بطون من الناس كثيرة من خثعم وهلال وسواءة بن عامر بن صعصعة وسلول وعقيل والضباب وقريش وهم بنو هاشم لهم المعمل " ( 105 )
3ــ الأعوص
الأعوص شعب من شعاب جبل داءة عند ملتقى النخلتين وقد ورد ذكره مصحّفا إلى الأعوض قال الزمخشري : " الأعوض : شعب لهذيل يصبّ من داءة وهي جبل يحجز بين نخلتين " ( 106 ) وقال ياقوت : " الأعوض : بالضاد المعجمة : شعب لهذيل بتهامة " ( 107 ) وقال البلادي في ذكره : " شعب يصبّ في نخلة اليمانية من الشمال بين راكة ( أراكة ) والمرختين ذكره ياقوت باسم الأعوض تصحيف " قال : " وهو من جبل داءة " ( 108 ) وهو من مواضع بني سعد في وادي نخلة ، قال أبو وجزة السعدي ( ت 130 هــ ) يذكر قومه بني سعد بن بكر في قصيدة له :
عفت مرّ من أحياء سعد فأصبحت ********** بسابس لا نار ولا نبح نابــــــــــح
فأجراع أوساف فالأعوص كـــــــله ********** فبيشة فالروضــــــات حتى المقازح ( 109 )
4ــ أملاح
قال أبو جندب:
أقول لم زنباع أقيمي ***** صدور العيس شطر بني تميم
وغرّبت الدعاء وأين منّي ***** أناس بين مرّ وذي يدوم
وحيّ بالمناقب قد حموها ***** لدى قرّان حتى بطن ضيم
وأحياء لدى سعد بن بكر **** بأملاح فظاهرة الأديم ( 110 )
قلت : هذا البيت يفيدنا أنّ بعض بني سعد يجاورون هذيلا في أملاح والأديم ، ويستفاد من بعض أشعار الهذليين وغيرهم أنّ أملاح هذا من نواحي مرّ والرجيع قال أبو ذؤيب :
أصبح من أمّ عمرو بطن مرٍّ فأكنـ **** ـاف الرجيع فذو سدرٍ فأملاح
وحشاً سوى أنّ فرّاد السباع بها **** كأنّها من تبغّي الناس أطلاح
وقال البريق الخناعي ورواها الأصمعي لعامر بن سدوس الخناعي :
وإن أمس شيخا بالرجيع وولدةٌ **** ويصبح قومي دون دارهم مصر
أسائل عنهم كلما جاء راكبٌ **** مقيما بأملاح كما ربط اليعر
وقال العباس بن المرداس السلمي :
أجلّلتها لحيان ثمّ تركتها **** بمرٍّ وأملاح تضيء الظواهرا ( 111 )
قلت : مرّ من منازل بني سعد كما سياتي بيانه وبطن مرّ على نحو 13 ميلا إلى الشمال من مكة المكرمة ، والرجيع موضع إلى الشمال من مكة المكرمة ، قال البلادي في ذكر الرجيع : " شمال مكة على ما يقرب من 65 كيلا ويعرف اليوم بالوطية " ( 112 ) ، وقرّان من منازل بني سعد أيضا وهذا يبيّن لنا اشتراك هذيل وبني سعد وتجاورهم في نواحي كثيرة من الديار
5ــ أنف : أنظر ذا المجاز
6ــ أوطاس
تقع أوطاس على نحو 143 كيلا شمال شرق مكة المكرمة وأوطاس موضع من ديار بني سعد بن بكر ذكره أبو وجزة السعدي في شعره فقال :
يا صاحبيّ أنظرا هل تؤنسان لنا **** بين العقيق وأوطاس بأحداج ( 113 )
وقد ذكر الهمداني كما في نصّه آنف الذكر أنّ قبيلة هذيل تنزل أوطاس وأوطاس من بلاد بني سعد قال صاحب المناسك وأماكن طرق الحج : " وأوطاس بها قصور وأبيات وحوانيت وبركة ، يسرة ويقال أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرضع في تلك الناحية " ( 114 ) و قال أبو الحصين الهذلي : " قدمت على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إحدى نساء بني سعد بن بكر ــ أمّا أو أختا أو خالة ــ بنجيّ مملوء سمنا وجراب اقط فدخلت عليه وهو في الأبطح فلما دخلت انتسبت له فعرفها صلى الله عليه وسلم ودعاها إلى الإسلام فأسلمت وصدّقت ثم أمر صلى الله عليه وسلم بقبول هديّتها وجعل يسائلها عن حليمة فأخبرته أنها توفّيت في الزمان ، قال : فذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سألها من بقي منهم ؟ فقالت : أخواك وأختاك وهم والله محتاجون إلى برّك وصلتك ولقد كان لهم موئل فذهب ، وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين أهلك ؟ فقالت بذنب أوطاس فأمر لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بكسوة وأعطاها جملا ظعينة وأعطاها مائتي درهم وانصرفت وهي تقول : نعم والله المكفول كنت صغيرا ونعم المرء كنت كبيرا عظيم البركة " ( 115 )
قلت : يفيدنا هذا النصّان أنّ منازل بني سعد بن بكر بن هوازن كانت في أوطاس منذ العهد الجاهلي ويجاورهم في هذه المنطقة قبيلة هذيل
7ــ بحرة
هي بحرة الرغاء وبحرة موضع في بلاد الطائف قال البلادي في ذكرها : " بحرة الرغاء : تعرف اليوم باسم البحرة : تلعة واسعة ذات أرض بيضاء تسيل من هضبة السوق فتدفع في ليّة من الجنوب يسار طريق الجنوب للخارج من الطائف مقابلة لمفيض اليسرى على 17 كيلا من الطائف " ( 116 ) وكانت من منازل بني سعد قال أبو وجزة السعدي يذكر بعض منازل قومه بني سعد بن بكر في قصيدة له :
عفت مرّ من أحياء سعد فأصبحت ********** بسابس لا نار ولا نبح نابــــــــــح
ومنها قوله :
فبحرة مسحوا مائه فضعاضـــــع **** فصوتة ذات الربــــــــــا والمنادح ( 117 )
قال ياقوت الحموي : " بحرة موضع من أعمال الطائف قرب ليّة قال إبن إسحاق : انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين على نخلة اليمانية ثم على قرن ثم على المليح ثم على بحرة الرغاء من ليّة فابتنى بها مسجدا فصلّى فيه فأقاد ببحرة الرغاء بدم وهو أول دمٍ أقيد به في الإسلام " ( 118 )
8ــ بدالة
بدالة وادٍ في شمال مكّة المكرّمة ، قال الأستاذ محمد بن علي الحتيرشي الهذلي : " بدالة : وادٍ شمال مكّة أعلاه لبني مسعود وأسفله لبني عمير يصبّ في وادي الزبارة " ( 119 ) وفي بدالة شارك بنو سعد بني سهم من هذيل قتالهم خزاعة قال السكري في ذكر يوم بدالة : " كانت بنو سهم بن معاوية قتلوا من بني حبتر في أولئك الأيّام أربعين أو خمسين رجلا وكان معقل بن خويلد بن واثلة بن مطحل قد قتل من خزاعة قبل ذلك عشرة رهط منهم المحتطب وعامر بن أقرم فقال عبد مناف بن ربع الهذلي ثم الجربي يذكر ذلك :
أنّى أصادف مثل يوم بدالة ***** ولقاءً مثل غداة أمس بعيد
شدّ الرجال ذوو الحديد فافلحوا ***** إنّ المحاول للعلاء عتيد ( 120 )
وفي بيان خبر هذا اليوم قال السكري : " كان من خزاعة رجل يقال له مجمّع واسمه عامر بن عبيد وكان سيّد القوم وإنّما سمّي مجمّعا لأنّه جمع خزاعة من أفناء القبائل من بطون كنانة منهم حلفاء فجمعهم على حلف بني مدلج فغزاهم هو وابن أخٍ له في غزاة عظيمة حتى صبّحوا دارا من بني سهم بن معاوية ودارا من بني سعد بن بكر وقتل عامر بن عبيد وقام عنده ابن أخ له يرتجز " وأورد الرجز قال : " حتى قتل ابن أُخي عامر بن عبيد معه وأخذ رجل من بني سعد بن بكر يقال له ابن جاع قمله وكان يصطاد على جيفة عامر النسور وقال راثية عامر بن عبيد جنوب بنت الحزن بن مرّة :
ألا يا عين جودي بهمر ***** على قتلى بن كعب بن عمرو
أصابتهم قبائل من هذيل ***** وآدتها بنو سعد بن بكر
وممّا قيل في هذا قول أميّة بن الأسكر أخو بني جندع بن ليث :
وما خلتني شمتّ يوم بدالةٍ ***** ولا الشجرات إذ تنحّر حبتر
ولا بابن جاع قمله عند عامرٍ ***** مقيتا عليه قاعدا يتنسّر ( 121 )
وقال معقل بن خويلد في ذلك :
كأنّك لم تسمع بيوم بدالة ***** ويوم الرّجيع إذ تبجّر حبتر
ورحنا بقوم من بدالة قرّنوا ***** وظلّ لهم يوم من الشرّ أعسر ( 122 )