العرب و تهمة القضاء على معالم الحضارة ( تخريب أفريقية ) ؟!!!
:: تمهيد ::
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، سبحانه نستغفره و نتوب إليه ؛ جاءنا بالنصر و فتح لنا البلاد فدخل الناس في دينه أفواجاً ، والصلاة والسلام على نبيه وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .
وبعد فيجب علينا كمجتمع عربي مسلم أن نصحح بعض الأفكار الخاطئة التي " روج لها بعض المؤرخين من الإفرنج ، حتى كادت تصبح كالحقيقة ، فسلم بها من جاء بعدهم ، في الغالب من غير نقاش ، تأثراً بنفوذهم العلمي .
يجب علينا أن نضع صورة واقعية أو قريبة من الواقع قدر المستطاع ، لنثبت : أن العرب الفاتحين ، لم يهدموا البنيان ، ولا قضوا على ما كان في ليبيا من سابق حضارة وعمران ، لسبب بسيط ، هو : أن آخر العهد الرومي ، قد محى كل ذلك ، بصراعه الديني ، و بسوء إدارته ، وفساد أخلاق حكامه ، ولم يترك من معالم العمران ، ما يُسأل العرب الفاتحون ، ولا من جاء بعدهم من هجرات عربية ، عن إفساده و القضاء عليه . ( 1 )
· الفصل الأول الفاتحين العرب وتهمة تدمير العمران في شمال أفريقا :
إن من واجبنا كعرب ومسلمين أن نصحح الأفكار الخاطئة وهذه التهم التي ألصقت بالعرب من معاداة للحاضرة ، وقضائهم في ليبيا على ما كان بها من زاهر العمران ؛ وهذا محض افتراء ، تمكن الكتاب الغرب من تعميقه ؛ من بين من أطلقوا هذه الفكرة في العصر الحديث : المؤرخ الانجليزي ألفرد ج . بتلر ، الذي اشتهر بين العرب بكتابه : (( فتح العرب لمصر )) ، وخاصة بعد أن ترجمه المرحوم محمد فريد أبو حديد ؛ فقد أسهب بتلر في وصف خصوبة المزارع العامرة ، وعدد المدن و القرى اليونانية الرومانية التي ورد ذكرها في تلك الجهات خلال التاريخ ، مدعياً استمرار العمران بها حتى زمن الفتح على الأقل ، ودافع عن زعمه هذا في حرارة ، في الصفحات 7 و 8 و 9 و10 من الطبعة الثانية للترجمة العربية ، ثم عاد إلى الأمر يؤكده كحقيقة في أماكن أخرى من كتابه ، ونقل عنه كثيرون من مؤرخي العرب المحدثين ، دون أن ينتبهوا إلى خبث المقصد فيما يدعيه هذا و أمثاله ، و من غير أن يكلفوا أنفسهم عناء التحقيق فيما يدعيه وفيما قدمه من مغالطات تكاد تكون مفضوحة ببعد الزمن ، بين من ينقل عنهم بتلر محتجاً بما ذكروه ، من أمثال سترابوت ، و بطليموس ، وبين الفتح الإسلامي ، وكأن الوضع الحضاري لليبيا ، في بداية العهد الروماني ، قد امتد إلى نهايته ، من غير أن يعتريه تدهور أو اضمحلال . " ( 1 )
أسباب القضاء على معالم الحضارة في افريقية :
إن الأسباب الحقيقة للخراب والاضمحلال وتدهور الوضع الحضاري في ليبيا ، قد حدث من قبل أن تطأ أقدام الفاتحين العرب هذه البلاد ؛ وكانت للأسباب عديدة نذكر منها :
السبب الأول : هو التصحر والجفاف الذي ضرب برقة في ذلك العهد ؛ يقول سينيزيوس Sinesio أسقف بطليموسة الشهير : " إن بنتاووليس ( برقة ) قد ضاعت ، قد انتهت ، قد اغتيلت ، قد ماتت ، و لا وجود لها ؛ لا بالنسبة إلينا و لا بالنسبة للإمبراطور ذلك أنه بالنسبة للامبراطور فإن أية ولاية لا تعطي فائضاً ما ، هي ولاية ضائعة ، وماذا يمكن أن تعطيه أرض تحولت إلى صحراء ؟ ))
هذا يدل على أن برقة قد تهدمت حضارتها من قبل قدوم الفتح الإسلامي بقرنييـــــ2ــن وبشهادة رجل يوناني ، وكان الجفاف والتصحر هو السبب الرئيسي للاستغناء الرومان عنها ودمار عمرانها .
السبب الثاني : لهذا الخراب والدمار الذي حل بالشمال الأفريقي هو الصراع بين المسيحيين الرومان الكاثوليك و المسيحيين الو ندال الإريانيين وثورات البربر ( السكان الأصليين للبلاد ) .
يقول بتلر : " فقد توالت النوازل على الدولة حتى خشي عليها ، فمن فساد خلقي إلى آخر سياسي وزادت عليها نكبات طبيعية فاجتاح الزلزال و الوباء بلاد الشرق كلها ، ولم تنج منه ليبيا أيضاً .
كما أن التنظيم لم يوقف يد الحاكم الروماني سالامون Salomone الذي خلف بلزاريوس على قيادة الجيش وإدارة الأرض المحتلة ، ولا ردعه عن التمادي في ملاحقة المسيحيين الذين يدينون بالأريانية ولا حال بينه وبين الإسراف في التنكيل باليهود و بالوثنيين من الوطنيين ، وكانت أعمال مصادرة الأموال وهدم المعابد ، ونفي وتشريد هذه الطوائف أقل ما يمكن أن ينزل بهم من عقاب . فأجج هذا بينهم حقداً أسوداً على الرومان ، وأكد و عمق الكراهية لحكمهم وحاكمهم الذي اتخذ من الصلف والكبرياء نهجا له وأسلوباً في معاملة الرعايا المستعمرين . " ( 2 ) .
أما الثورات التي قام بها البربر على رأسهم قبيلة لواته ، " لم يتمكن الإمبراطور من استعادة سلطانه على هذه الولاية( طرابلس إقليم المدن الثلاث ) إلا بعد حروب وحملات عسكرية أتت على معظم مظاهر العمران في البلاد ، و إلا بعد أن أفنت الرجال ، ويقدر جبون Gibbon ضحايا هذه الثورات في فترة العشرين سنة الأولى من حكم البيزنطيين للبلاد بعد التغلب على الوندال استناداً إلى ما ذكره بروكمبيوس في (( التاريخ السري )) بخمسة ملايين في أقطار الشمال الإفريقي . " ( 3 )
" وجاء من بعد الإمبراطور جستنيان أباطرة آخرون ضعاف أهملوا شأن هذه البلاد فيما أهملوه من شؤون الدولة حتى كان الإمبراطور (( فوكاس )) وهو جندي جاهل مشوه الخلقة جاء به الشعب بعد أن طوح بالإمبراطور موريق . " ( 4 ) .
" يقول المؤرخ ليوني كايتاني في حوليات الإسلام ( أنه لا فائدة ترجى من سرد أحداث تاريخ العهد البيزنطي في هذه الاقاليم المغربية ( البربرية ) فهي عبارة عن سلسلة متشابهة من المخازي و الجرائم و الجهل بأساليب الحكم و السياسة العقيمة ، والتعصب الأعمى للمعتقدات الدينية التي تتشابه في إفريقيا وفي آسيا وبقية المناطق وما يؤدي إليه هذا من اصطدام بين السلطة الحاكمة و بين رجال الدين ولكنه في هذه الأقاليم أبرز عنصراً ثالثاً خطيراً هو البربر أهل البلاد الأصليين الذين كانوا أبداً الضحية في جميع هذا الصراع وما يؤدي إليه من اضطهاد وسفك دماء . على أن كايتاني نفسه يعود فيذكر عن البربر أنهم كانوا دائمي الثورة على الحكم البيزنطي بحيث لم يعد أمام حكام وجند الإمبراطورية سوى هدف واحد هو الحرص الشديد على الاحتفاظ بالسلطة في حين أصبحت جميع الأهداف الأخرى تأتي في المرتبة الثانية . ( 5 ) .
السبب الثالث : الفساد الأخلاقي الذي حل بالرومان في أفريقية من اتخاذ امرائهم لخليلات ، واظطهاد البربر وغيرها من المفاسد الذي أدت إلى تدهور الأوضاع وانهيار الحضارة ، يقول الشاعر :
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ـــــــــــ فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
السبب الرابع : احتلال الفرس لبرقة وإلحاق الدمار بالمدن و القرى التي مروا بها وقاومتهم :
تعرضت المنطقة الشرقية ( برقة ) لغزو آخر فقد " داهمها الفرس بجيوشهم حينما امتد نفوذهم إليها فيما بين سنتي 615 و 618 للميلاد و يبدو أن فترة احتلال الفرس لبنتابوليس ( برقة ) قد صحبها إلحاق بعض الدمار و الفناء بالمدن و القرى التي مروا بها وقاومتهم ، وذلك على الرغم من تحفظ بتلر في عباراته التالية : (( وأكبر ظننا أن أخبار تدميرهم وتخريبهم للمواضع الأخرى مبالغ فيها ن فمثلاً يقول جيبون أنهم محوا من الوجود مدينتي قيرين و برقة في حين أن العرب وجدوا هاتين المدينتين بعد سنين من ذلك الوقت ، وكانتا جديرتين بفتح جديد )) . تجدر الإشارة هنا إلى أن بتلر يغالط في أمر قورينة إذ أنها لا وجود لها فعلاً في أخبار الفتح و العرب الفاتحين وقد يكونوا وجدوا برقة ولكنهم لم يتعرضوا بأي خبر لمدينة قورينة مما يؤكد عدم استمرار عمرانها بعدما لحق بها في الفتح الفارسي . " ( 6 ) .
" ودفاع بتلر عن الفرس في هذه القضية ، و نفيه لأن يكون قد أصاب مدينتي قورينة وبرقة الكثير من الدمار بأيدي الفرس مرتبط ارتباطاً وثيقاً بما سبق لنا من التلميح إليه في أول هذا الفصل من محاولته إلصاق تهمة القضاء على معالم الحضارة في البلاد بالعرب و ليس بغيرهم وإلا فإن العرب الفاتحين لم يجدوا شيئاً اسمه قورينة " ( 7 ) .
تصحيح واقع تاريخي :
" ومما تقدم جميعه يتضح لنا أن ذلك العمران الممتد فيما بين بنتابوليس ( برقة ) و مصر ، و ذلك الازدهار الاقتصادي في إقليم تريبوليس ( طرابلس ) ، مما يشير إليه مؤرخو العصر الحديث لم يكن سوى أكذوبة دست على التاريخ عن سوء قصد لإلحاق تهمة القضاء على معالم الحضارة الرومانية في هذه البلاد بالعرب الفاتحين وهي تهمة تبرئهم منها عبارات المؤرخين القدماء من مثل قول الأسقف سينزيوس : (( إن بنتابوليس ( برقة ) قد ضاعت ، قد انتهت ، قد اغتيلت ، قد ماتت ، ولا وجود لها ، لا بالنسبة إلينا ولا بالنسبة للإمبراطور ، ذلك أنه بالنسبة للإمبراطور فإن أية ولاية لا تعطي فائضاً ، هي ولاية ضائعة ؛ وماذا يمكن أن تعطيه أرض تحولت إلى صحراء ؟ . ))
ومن مثل قول مؤرخ جستنيان بروكوبيوس أن الوندال قد هدموا أسوار المدن في غرب ليبيا ومن مثل قول الذي نقل عنه جبون من أن الفرس قد هدموا المدن و القرى ومحوا مدينتي برقة و قورينة من الوجود ، وهي تهمة تبرئهم منها أيضاً تلك الأحداث التي رويناها .. "
" فالغزو الوندالي لغرب البلاد وثورات الليبيين ( البربر في ذلك الوقت ) عليه ، و مقاومتهم له ، وإخلاء البلاد من رجالها بعد إرهاق السكان اقتصادياً من قبل هرقل في ثورته على فوكاس في بنتابوليس ( برقة ) ، والاحتلال الفارسي وامتداده سنوات واستعادة هرقل لهذا الإقليم ، إلى جانب سوء الإدارة وفساد الحكم ، والصراع العقائدي المذهبي بين الاريانيين و الارثذوكس و الوثنيين الذي صاحب هذه الأحداث في شطري البلاد ، وانشغال الإمبراطورية البيزنطية بالأحداث الفارسية ، ثم بحروب الشام ومصر ضد العرب . جميعها هي المسؤول المباشر عن القضاء على معالم الحضارة الرومانية المنهارة حتى قبل ذلك في سائر أنحاء البلاد التي لم تكن يوم زحف إليها جيش الإسلام فاتحاً سوى آثار مدن مهجورة ، وبقايا عمران مندثر ، ولعل أكبر دليل على هذا قلة أسماء المدن و القرى التي ذكرت في أخبار الفتح واهمال ذكر مدن كانت العواصم الكبرى للإقليمين من مثل قورينة و لبتس مانيا مما يدل على أنها قد اندثرت تماماً حين الفتح الإسلامي . " ( 8 ) .
يتبع ،،،