| وأعد القائد طارق بن زيادة وجهز جيشا عدته اثنى عشر ألف مقاتل من العرب والبربر, وأبحرت الحملة في 5 رجب سنة 92 هـ (نيسان/إبريل سنة 711م) , في سفن عربية وأخرى أعدها (جوليان) . ونزلت الحملة على مرتفع جبلي يعرف بجبل (كالبي) وهو الذي دعي بعد ذلك بجبل طارق, ومازال يحمل هذا الاسم, ولما بلغ (روذريق rodriguo) خبر هذا الجيش جمع قواته من القوط والرومان والتقى مع طارق بن زياد على ضفاف بحيرة (خندة) المتصلة بنهر (برباط) قرب مدينة (شذونة) ونشبت معركة بين الفريقين في (28 رمضان سنة 92هـ / يوليو/ تموز سنة 711م) انتهت بهزيمة (روذريق) ودحر جيشه. أخبر طارق موسى بن نصير بهذا الفتح وطلب إليه مددا ليتابع مسيرته إلى (طليطلة) عاصمة القوط, بعد أن فتح (قرطاجة) وما حولها. استأذن موسى الخليفة الوليد بن عبد الملك بمتابعة الفتح فأذنه, فجهز موسى جيشا ضخما عدته ثمانية عشر ألف مقاتل وعبر البحر في رمضان سنة 93هـ ودخل الجزيرة الخضراء وفتح مدنا وحصونا, والتقى مع طارق بن زياد في (طلبيرة) قرب مدينة (طليطلة) , فوافاهما (روذريق) بجيش كبير ونشبت معركة ضارية, كانت حاسمة, وفيها قتل (روذريق) وسحق جيشه. من المؤرخين من جعل مقتل (روذريق) في المعركة الأولى التي جرت على بحيرة (خندة) . ومهما يكن من أمر, فإن هذه الموقعة كانت فاصلة قضت على مقاومة القوط, وفتحت أبواب المدن أمام جيش المسلمين, وبعدها اتجه موسى غربا ففتح مدنا, وأراد أن يقتحم إقليم (جليقة) غير أن الوليد بن عبد الملك أمره بالعودة إلى دمشق فتوقف عن فتح ذلك الإقليم وعاد إلى دمشق ومعه طارق بن زياد واستخلف على الأندلس ابنه عبد العزيز. ولما وصل إلى القيروان استخلف ابنه عبد الله على إفريقية وتوجه إلى مصر فدخلها ومعه ألوف الأسرى والسبايا, وكان عبد العزيز بن مروان أمير مصر, قد مات, فواصل السير إلى دمشق فدخلها سنة 86هـ والوليد في مرض موته, ولم يلبث أن مات وتولى الخلافة من بعده أخوه سليمان بن عبد الملك فاستبقى موسى عنده وحج معه, ومات موسى في المدينة . من المؤرخين من يقول إن سليمان نكب موسى وعزله, وإنه انصرف إلى وادي القرى, حيث نشأ, وأقام في حالة بائسة إلى أن توفي, وكان له من العمر 79 سنة. كان موسى شجاعا عاقلا, لم يهزم له جيش قط. وكانت سياسته في البلاد التي فتحها قائمة على احترام ديانة أهلها وحفظ أملاكهم وإبقائها في أيديهم ومنحهم الاستقلال الداخلي في إدارة أمورهم وتحكيم قضاتهم.
طارق بن زياد
هو طارق بن زياد الليثي بالولاء. أصله من سبي البربر, أسلم على يد موسى بن نصير فكان مولاه ومن أشهر رجاله. ولاه مرسى على قرطاجة بعد أن تم فتحها سنة 87هـ فأقام فيها إلى أوائل سنة 92هـ, ولما عزم موسى على فتح الأندلس جهز جيشا عدته اثنا عشر ألف رجل من العرب والبربر وولى عليه طارق بن زياد ووجهه لفتح الأندلس. عبر طارق المضيق بجيشه, تحمله مراكب عربية وأخرى أعدها لهم (جوليان) حاكم مدينة (سبتة) - وكان قد حالف موسى وطارقا - ونزل طارق بجيشه في رجب سنة 92هـ على الجبل الذي يعرف اليوم بجبل طارق, واستولى عليه وفتح حصن (قرطاجة) وتغلغل في أرض الأندلس. لما سمع (روزريق) ملك القوط بنزول الجيش العربي في أرض الأندلس, أعد جيشا كثيفا في مدينة (شذونة) والتقى مع جيش طارق على (نهر برباط) المتصل ببحيرة (لكة) ذلك في يوم الأحد 28 رمضان سنة 92هـ (19 يوليو / تموز سنة 711م) . وقد استمرت المعركة ثمانية أيام وانتهت بهزيمة (روزريق) وسحق جيشه, وكانت هذه الموقعة فتح الفتوح. وهنا تروي بعض المصادر أن (روزريق) قتل في هذه الموقعة, ويروي بعضها أنه اختفى واستطاع النجاة بنفسه وجمع فلول جيشه والتجأ إلى مدينة (ماردة) وأنه كمن لجيش العرب في شعاب جبلية بين (ماردة) و (طليطلة) . ثم أن طارق استولى على عدة حصون وتوجه شمالا نحو (طليطلة) عاصمة القوط, وكتب إلى موسى بن نصير أن يمده بمدد لمتابعة الفتح, فلحق به موسى بجيش عدته ثمانية عشر ألف مقاتل, وعبر البحر إلى الأندلس في سنة 93هـ فاحتل (قرمونة) و (إشبيلية) وعددا من المدن بين نهر (الوادي الكبير) ونهر (آنة) وحاصر (ماردة) وتراجع (روزريق) عنها وكمن لجيش موسى في شعاب جبلية بين (ماردة) و (طليطلة) , وفي الطريق الروماني الممتد بين (ماردة) و (سلمنقة) انقضّ (روزريق) بجيشه القوطي على جيش موسى وطارق في موقع قريب من بلدة (تمامس tamames) ونهر (باربالوس barbalos) عند موضع يسميه بعض مؤرخي المسلمين (السواقي) وكان اللقاء بين الجيشين في (سبتمبر / أيلول سنة 713م) . وفي هذه الموقعة هزم جيش القوط وقتل (روزريق) , قتله عبد العزيز بن موسى بن نصير ودخل موسى وطارق مدينة (طليطلة) وأقام فيها إلى سنة 94هـ ثم اتجه بجيشه غربا ففتح (سرقسطة) و (شاطبة) و (برشلونة) , واتجه طارق بن زياد شمالا إلى بلاد (البشكنس) حتى وصل إلى جبال (البرانس) . وكان موسى يهمّ بغزو (جليقة) لولا أن أتاه كتاب من الخليفة الوليد بن عبد الملك يأمره بالعودة إلى دمشق فعاد إليها ومعه طارق بن زياد وأقوال المؤرخين مضطربة في خاتمة أعمال طارق, والراجح أنه لم يولَّ عملا بعد ذلك. |