وداعاً أيتها الوردة البيضاء | " لم تعُدِ الحديقةُ تَقْوى على الصمودِ، لما ألَّم بها من حزن وألَمٍ على فقدانِ أعزِّ وردةٍ من بين ورودِها، ذلك الفقدانَ الذي ألجَمَها بِلجَام الشوقِ والحنينِ لها بعد رحيلها .
تلك الوردةُ التي اقتُلِعَت لَتلْقى حتفَها في ظُلمةِ الحياة القاسية التي لا ولن تُنصِفَها، بعدَما كانت سيدةً في حديقة ملأتها الورودُ والرياحينُ العَطِرةُ الفَوَّاحة، انتهى بها المطافُ إلى غرفة مظلمة رطْبة عفِنة تفوحُ بأنفاسها القبيحة.
لم تدرك هذه الجميلةُ اللطيفة عشقَ الاحديقة لها، ولم تعلم أن العذابَ سيكون رفيقَها، ظنَّتْ أن السعادةَ تكمُنُ في زَهريّةٍ تحتضُنها على رفوف الجدرانِ وفوقَ أسطُح المكاتب والموائدِ التي ستزِّينُها تحت سَطْوة الظلم والحرمانِ اللذين هما كالسوار حول معصمِها .
مضتِ الأيام والسنينُ، وبدأتِ الوردةُ بالذبول بعدَما أصابها الذهول بواقع الحياة المريرة التي تعيشها .
لم تستطع الحديقةُ الأم أن تفعل شيئاً وهي تعلَمُ مصيَر جميلتها الرقيقة، فأنشدَتْ تقولُ:
وداعاً بعدَما كان حبي يجملُكِ...
وداعاً بعدما كانت روحي تعانقُكِ...
وداعاً بعدما كنتُ بالقلب أحفظُكِ ...
وداعاً بعدما قتلتِ عاشقكِ
كانت تلك الأنشودة عزاءَها الوحيدَ الذي يُكفكفُ دموعَها ويحيي شوقَها، حتى أصبحت بعد ّلك أرضاً جرداءَ قاحلةً في مهبِّ الريح .
النحلةُ التي كانت ترتادُ الحديقةَ يوماً بعد يوم، قاصدةً تلك الوردةَ البيضاءَ لتقتاتَ على رحيقِها، ولتَقْوى به على بناء مستقبلها، سقَطْت ميتةً من فوق إحدى الورود التي لا تطرحُ رحيقاً، بل سُمّاً زُعافاً قاتلاً، بعدَ فناء الحديقة " .
مقتطفةٌ من كتاب " الشقي.. السعيد بين الشعر والخاطرة " للكاتب الشاعر: حيدر الزامل . |
التعديل الأخير تم بواسطة حيدر الزامل ; 14-03-08 الساعة 08:37 PM.
|