<div align="center">بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدي رسو الله وعلى آله وصحبه أجمعين
* الحديث عن طيبة الطيبة معطر بأريجها فوّاح بشذاها.. زاهر.. بنور اشراقها.. ولذلك الحديث عنها لا يتوقف ولا ينتهي.. ولما قد مَنَّ الله عليّ بالسلام على نبيه الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم والصلاة في الروضة المباركة والمسجد الشريف فقد وقفت على بعض الأمور التي تستحق الحديث عنها وتناولها باختصار شديد وتلميح اقتضته الفائدة.. وأوجزها في الوقفات التالية:
الوقفة الأولى..
مكتبة الشيخ عارف حكمت..
تعودت منذ شبابي المبكر بعد قضاء واجبات الزيارة للمصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبيه عليهما رضوان الله والصحابة أجمعين.. أن أقضى كثيراً من الوقت في البحث عما أشكل عليَّ معرفته وأجد ما يدلني عليه في مكتبات المدينة المنورة التجارية منها والعامة مثل مكتبة الشيخ عارف حكمت - يرحمه الله - التي كانت زاخرة بأمهات المصادر والمراجع من الكتب والمخطوطات.. ومنها النادرة وكانت مقصداً لطلاب العلم من جميع أنحاء العالم الإسلامي بما فيهم الحجاج.. فيجدون فيها من كنوز المعرفة ما لا يخطر على بال باحث. وهي أيضاً تشكل معلماً حضارياً ببنائها الحجرى من صخور حرار المدينة وهو المطل على قبلة المسجد النبوي الشريف وإلى جواره مبنى المحكمة الشرعية الكبرى.
تلك المكتبة التاريخية ضُمت إلى مكتبة الملك عبدالعزيز - يرحمه الله - عند تنفيذ التوسعة السعودية الثانية بعد هدم المبنى التاريخي الجميل لتوسعة الساحة القبلية للمسجد النبوي الشريف، وبُني للمحكمة موقع جميل وحديث ولم يُبنَ موقع بديل لهذا المعلم الحضاري والمركز الثقافي التاريخي.. لسبب لا يعرفه أحد.. وكان من الأجدر الحفاظ على هذا الطراز المعماري الذي يكتب تاريخ الحضارة الإسلامية في فترة من فتراته.
لقد كانت مكتبة الشيخ عارف حكمت مركز اشعاع ثقافي قصده كثير من علماء العالم الإسلامي والذين أضاءا آفاق الدنيا بنور علمهم وشهد لهم التاريخ بما قدموه لامة الإسلام. ومن العلماء الذين درسوا في المسجد النبوي الشريف واستفادوا من مكتبة عارف حكمت الشيخ محمد بن عبدالوهاب - يرحمه الله - كان على الجهات المسؤولة عن تطوير المدينة المنورة والمنطقة المركزية فيها المحافظة على هذه المعالم، وان اقتضت المصلحة هدم المبنى فكان بالإمكان استبداله بموقع غير بعيد عن المحكمة لتمكين الزائرين وطلبة العلم من الاستفادة منها كما كانت تؤدى رسالتها.
اما الجهات التي أرادت دعم مكتبة الملك عبدالعزيز - يرحمه الله - كان عليها الاهتمام أولاً بموقعها وثانياً تزويدها بالوسائل التقنية الحديثة أسوة بمكتبات الرياض وتأمين الكتب والمخطوطات لها خاصة وهي تحمل اسم مؤسس هذا الكيان الكبير، فلابد أن تكون المنجزات التي تحمل اسم جلالته لائقة به.
أما المخطوط فلدى أهل المدينة كثير مما تركه اسلافهم واعلامهم.. ولكن بخس التقديرات.. ومماطلة الدفع قد تكون -أو غالباً ما تكون- من الأسباب التي لا تدفع بالناس إلى التجاوب مع من يريد الشراء..!!
لقد استرجعتني ذاكرة المكان إلى تلك الذكريات الجميلة التي ما زالت منقوشة في الذاكرة، صورة ذلك الشيخ المسن بثوبه وكوفيته البيضاء وسديره البُني وهو المسؤول والمستقبل لزوار المكتبة وال**** لطلبة العلم والباحثين في بعض الأمور، كان يكفي اسماعه العنوان لتجده يحضر لك العديد من المراجع والمصادر التي تعين الباحث وتجعل أمامه العديد من الدراسات المختلفة، ما زالت صور رفوفها الزاخرة والمتخصصة وخزائن مخطوطاتها وطريقة تجليدها.. أمور كثيرة انمحت بزوالها.. وهذه دلالة غير صحية في محور تاريخ الأمم والشعوب.
الوقفة الثانية:
معالم المدينة وآثارها.. يا سمو الأمير
لقد فقدت المدينة المنورة الكثير من معالمها الاسلامية الدالة على معجزات الرسول الاعظم عليه افضل الصلاة واتم التسليم ودمرت كثير من الآثار التاريخية التي شكلت المفاصل المؤثرة في تاريخ الدعوة الاسلامية.. ومنها المواقع الفاصلة في تاريخ المسلمين ومنها موقعة أحد وموقعة الخندق. ومواقع القيادة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومراكز السيطرة للصحابة الكرام.. ومواقع كانت دروساً عملية للتجارة مع الله مثل بئر اريس.. تلك المعالم والآثار دمرت جميعها وبعضها آتٍ عليها الخراب والدمار بمثل ما يحدث في (أحد ومخبأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. والعين التي بها).
ان هذه المعالم والآثار تدمر بحجج واهية ليس فيها من صحيح الاخبار عند المعنيين بهذا التخريب واسباب ذلك كثيرة ومعروفة منذ اكثر من ثلاثة عقود وهم مَنْ بذروا بذور الفتنة وانشقاق الامة. انا نسأل الله ان يحمي البلاد والعباد منها بكل اسف تنطلق من منطلقات باسم الدين وباسم الاسلام.. ويدّعون انهم هم وحدهم الفرقة الناجية.. وهذه فتنة قاتلة ممزقة للامة في كل الظروف.. ولكن بقي الامل معقوداً على سمو الامير عبدالعزيز بن ماجد بن عبدالعزيز أمير المدينة المنورة الذي اجمع اهل المدينة على محبته.. وهو ثقة ولي الامر وهو المثقف الراجح التفكير المطلع على حضارات الامم وتاريخ الشعوب المدرك لاهمية الموروث الحضاري والكل يتطلع اليه ان يتخذ القرارات الحاسمة المعهودة عنه لوقف هذا العبث والتخريب الجاهل.. وهو المفوض والمؤتمن من الله ثم من ولي الامر.
الوقفة الثالثة:
ما يحدث في المواجهة الشريفة وأشياء أخرى يا معالي الرئيس
ما يحدث من بعض المكلّفين بالوقوف امام المواجهة الشريفة وحول الحجرة النبوية من مخالفات بارتفاع الصوت في نهر الزائرين والمسلِّمين على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ونبذهم بالبدع والشرك وغير ذلك بما لا يتفق مع من تحمّل المشاق للوصول إلى هذا المكان الذي نشد اليه الرحال. ثم ان الامة المحمدية بعيدة عن الشرك كما جاء في عدد من الاحاديث الصحيحة.. أيضاً فمن حق المسلم ان يتلمس اماكن مر بها ومواضع بقي فيها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لاستشعار عظمة هذا الدين العظيم وهذا الرسول المهدي من رب العالمين ولم ينكر ذلك أئمة السلف ومنهم الامام أحمد بن حنبل يرحمه الله.
ولا اعرف سبباً جعل المسؤولين في المسجد النبوي يكرسون ويجمعون كراسي المصاحف في محراب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا لمنع الناس من الصلاة فيه وكما يقول المرتكز على قائم المحراب ان ذلك أمر بدعي وهذا امر عجب اهو اعلم أم ائمة العلماء؟!
اما عن زيارة النساء ومصلاهن فحدث عن المخالفات التي ترتكبها المكلَّفات عند الابواب فلا كلمة طيبة أو معاملة كريمة ولا فراش تُصلّي عليه المصليات.. فهل حُرّمت زيارة النساء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهل تمنع صلاة النساء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟.
الوقفة الرابعة:
في مكتبة وقف البركة والشيخ عبدالعزيز مكوار
صدفة مباركة في مكان مبارك التقيت فيه بالشيخ عبدالعزيز مكوار مؤسس وقف البركة وناظره وفي صحبته الأخ العزيز والزميل الصديق القديم الجديد استشاري الجراحة الدكتور محمد حامد ابونواس. وكان ذلك امام الموجّه في صلاة المغرب وعند اصرار الشيخ ذهبت معه لأقف على مشاريع وقف البركة واهتماماته ومع بداية الجولة استوقفتني بعض الامور المعنية بالجانب الثقافي ومنها:
1- قاعة المحاضرات:
في بهو المركز اعدت قاعة للمحاضرات الأسبوعية مزودة بكل الوسائل المساعدة وتتسع لأكثر من مائة وخمسين شخصاً اما المحاضرون فيها فإما من علماء واساتذة المملكة او من العلماء الزائرين.
2- معرض المقتنيات الاجتماعية (الشعبية):
حاول الشيخ عبدالعزيز مكوار جمع ما يستطيع من الأدوات التي كان يستخدمها الأهالي والسكان والمجاورون بالمدينة المنورة وسمّى ذلك (متحفاً) غير ان هذا الجمع لا يتناسب ومصطلح المتحف وانما هي محاولة جادة للحفاظ على بعض المقتنيات وشيء من الموروثات الشعبية ذات العلاقة بالحياة المعيشية في مختلف السبل.
3- المكتبة وعدد من المخطوطات وكتاب أخبار مكة:
لقد احتلت المكتبة عدداً من غرف الدور الثاني لمركز وقف البركة وقد صنّفت الغرف حسب فنون الكتب التي بها. ومنها غرفة المخطوطات والكتب القديمة التي تحتاج إلى كثير من الاهتمام والرعاية. واستوقفني كتاب تاريخ مكة وما جاء فيها من اخبار للأزرقي بتوصيف انها طبعة جديدة في سنة 1352هـ وقد صححها وعلّق على حواشيها ووضع فهارسها (رشدي الصالح ملحس) وانها طبعت على نفقة المطبعة الماجدية لمحمد كامل كردي، ومحمد سعيد عبدالمقصود.
وهذه الطبعة الجديدة يعني انه سبق ان تمت طباعة الكتاب في سنة أو سنين قبل وهذه الطبعة تجيب على تلك التساؤلات التي قامت عندما اعلن سعادة الوجيه عبدالمقصود خوجة انه قام بإعادة طباعة تاريخ مكة للأزرقي التي قام والده بتحقيقها وطباعتها وكان ذلك في اثنينية تكريم معالي الشيخ عبدالملك بن دهيش.
خاصة وان جميع المهتمين بالتاريخ المكي من الحضور لم يحصلوا عليها وليس لديهم علم بها.
هذه الطبعة القديمة 1352هـ هي من اقدم الطباعات وأول التحقيقات لهذا الكتاب وبذلك وبعد اعادة طباعته من قبل الشيخ عبدالمقصود سوف تكون امامنا ثلاثة تحقيقات سعودية.
اولها: لمحمد سعيد عبدالمقصود.
وثانيها: ما قام بطباعته الشيخ صالح جمال.
والثالث تحقيق الشيخ الدكتور عبدالملك بن دهيش.
وهناك أيضاً تحقيقات أخرى في البلاد العربية ومنها الطبعة التونسية. لقد وجدت في مكتبة وقف البركة بعض كنوز المعرفة وهنا أطالب بما سبق وان طالب به الأخ الصديق محمد المنقري بدعم المكتبات القائمة لتتمكن من أداء رسالتها كما يجب ان يكون وأقول وليس بالضرورة ان تكون هذه المكتبات تابعة لجهة فالهدف أسمى وأسمى.
الوقفة الخامسة:
طريف هاشم ومحمد بن حسين وجميل الابداع.
رغم تباعد السنين وعوامل الانشغال تظل الاواصر الاخوية قوة جذب للبحث والسؤال عن أخ غائب أو صديق مسافر او زميل مهاجر. وتظل الامثال الشعبية في مثل هذه المواقف من وسائل التنفيس وكثيراً ما نقول لبعضنا المثل القائل (مسير الحي يتلاقى) وعندما تحقق اللقاءات فإن اجملها ما يكون في مناسبات البهجة والفرح. وهي التي كثيرا ما تكون من اسباب اللقاءات وفي مناسبة سعيدة التقيت بالأخ والصديق والفنان المبدع المتذوق السيد طريف حسين هاشم بعد غياب طويل وهو من اعلام مجتمع طيبة الطيبة في داره يلتقي الادباء والمثقفون وهاشميته ملتقى (الضيفان) المحيين للسيرة العطرة وكأني به في جوده يسير على خطى الطائي.. ينتظر القادمين إلى المدينة ليستقبلهم بما يليق بمحبي المدينة وساكنيها.
السيد طريف حسين هاشم من الجيل الوسيط الذي اكتسب اخلاقيات وآداباً ومواجيب من الجيل السابق مضيفها إلى معارف وعلاقات الجيل المعاصر هو ابن جيله وزمنه. لم تغيره كل المناصب التي مرّت به لأنه يعرف انه اكبر منها يحسن تعامله مع الناس.. هو دائماً يقف خلف دفع الشباب إلى مستقبل واعد.. لانه ابن السيد حسين هاشم احد اهم اعلام اصوات المدينة المنورة فقد ورث عنه الحس المرهف والابداع المتقن..
السيد طريف هاشم.. تراه دائماً وحوله كوكبة من المبدعين ومعه التقيت بالشاعر والكاتب الغنائي الاستاذ (محمد بن حسين) الذي تغنى بكلماته العديد من الفنانين منهم عبدالرب ادريس والرباعي وغيرهما.. لقد اطربنا محمد بن حسين بأسلوبه وطريقته في إلقاء بعض ما جاش في نفسه هو تلقائي في نظمه متفاعل مع كل الاشياء حوله، هو عاشق للجمال بكل اشكاله ومعانيه.
محمد بن حسين اعادني واعاد لي اصالة الكلمة الغنائية الحجازية المدنية والتي كنت استرق السمع اليها في ليالي الجزع وسواله.. وغيرها من بلدان وبساتين المدينة.. لقد كانت رائحة (الفاغية) فيها تعطر المكان.. وبرادها المعطر بالنعناع يجمع الخلان.. وكل عطور بساتينها جميعها ننشد تراتيل المحبة والوفاء لانها ارض الوفاء واهل الوفاء.
كلمات محمد بن حسين أعادتني إلى موسيقى سواقي عروة والى مكائن سقيا بساتين قباء.. والى تدفقات سيل العقول.. وهدير سيل العقيق. لقد حلق بي محمد بن حسين مسترجعاً ذلك الزمن الجميل في بساطته، الغني بمودته اعادني لكل شيء في المدينة.. إلى ذلك الاذان الجميل بصوت البلابل فيوقظ النائمين لاداء صلاة الفجر.
كلمات محمد بن حسين ووفاء حسين طريف هاشم جعلاني استرجع صور المناخة وبيت خالي محمد رجب والدكة الحجر والباب الشيش ورش السقا بالقربة امام الباب وترقص في عيني صورة باب المصري ودكان جدي المهجور ومباسط الورد والنعناع وبائعات القفف والبيض ومكانس الحجر.. ودكاكين الحلاوة البلدي والسمن البري متجها إلى سوق التمارة... واسترجعت مناظر شارع العينية وعم رشوان بائع الفول والسيد بكر رضوان.. وعيادة السمان مركب الاسنان ومذياعه على اذاعة صوت العرب ومصنع القازوزة.. وبائع الآيسكريم وعم كامل الدرويش والى سويقة وشارعها المرصوف بالحجر ودكاكينها التي تقفل بستارة الدوت ودكان البشاوري بائع الحنة..
الى مدرسة زقاق الطيار ودراستي فيها وزمالتي للاخ يوسف بشاوري وابراهيم بري وفسحتنا بالسحيرة والجبنة البلدي وبراد الشاي.
الى حوش عميرة وستي بالجامة التركي واقفة عند باب الحوش تنتظرني ارجع بالعيش المغربي المحمر إلى املاك جدي التي ضاعت ومنها من استولى عليها بحق حيناً وبقوة الاوامر حيناً آخر ومنها الفيروزية وارض الطرفاء وغيرها.. استرجعت من مخزون ذاكرتي كل الصور والمشاوير الجميلة ما بين سيد الشهداء وبين قباء وابيار علي وسيارة أحمد المعمار القديمة.. أردد مع محمد بن حسين وهو يقول:
أنا طيبة
انا طيبة!!
انا اللي كلي حنيّة..
(ونور).. و(عاطفة) .. و(طيبة)..
(انا المسكينة)..(والزينة)..
انا اللي اكره الشينة..
(انا مثوى رسول الله)..
بقلم الاستاذ الكبير هاني ماجد فيروزي
جريدة المدينة المنورة
ملحق
مجلة الاربعاء
http://www.almadinapress.com/index....rticleid=154236</div>