13-06-06, 03:53 PM
|
#1 (permalink)
|
][::.عضو متميز.::][
تاريخ التسجيل: Feb 2005
المشاركات: 412
| | <div align="center">رسالة إلى العقل والقلب
بقلم طارق أبو عبد الله
أما فكرت في نفسك قط من عساه يكون ذلك الرجل الذي شغل البشرية بما جاء به إلى يومنا هذا و بُعثت به من العدم أمة كانت تعيش في جاهلية عمياء فأصبحت في غضون سنوات قليلة دولة راسخة الأركان وحضارة مزدهرة امتدت في جميع أنحاء المعمورة لا يقف في وجهها شيء ؟
أما تأملت كيف استطاع رجل بمفرده – لو كان بمفرده – أن يحدث أكبر تغيير شهده التاريخ و هو على يقين بما جاء به و ما سيصل إليه من أول يوم بدأ فيه دعوته ؟ ألم تسأل ما الذي جناه هذا الرجل لنفسه من متاع الدنيا مقابل تحمله مشاق هذه الدعوة و الصبر على أذى قومه و تكذيبهم ثم جهادهم عليها جهادا كبيرا ؟ إذا أردنا الإجابة عن هذه الأسئلة فلابد أن نبدأ من البداية التاريخية التي يتفق عليها المصدقون به و المكذبون من قومه و من أهل الكتاب من وقت عاش إبراهيم عليه السلام.
هناك في تلك البقعة المباركة حيث ترك النبي إبراهيم عليه السلام ولده الرضيع إسماعيل و زوجته هاجر وحدهما في الصحراء بأمر من ربه و سافر إلى الشام تولى الله أمر الصبي و أمه و فجر لهما بئر زمزم ينبوعا صافيا و ماء معينا بمعجزة إلهية باقية إلى يومنا هذا يرتوي منها الحجاج و المعتمرون من جميع أنحاء الأرض ثم ألف الله حولهم قلوب مجموعة من البدو فعاشت معهما حول الماء و نما بينهم الفتى إسماعيل و تعلم لغتهم حتى أمر الله إبراهيم عليه السلام أن يعيد بناء البيت الحرام بعد أن هدمه طوفان نوح عليه السلام لكي يعبد الناس عنده ربهم .
فرفع إبراهيم و إسماعيل قواعد البيت و أذن إبراهيم في الناس بحج البيت فلبى الناس النداء - و ما زالوا يلبون إلى يومنا هذا – و ظل هذا البيت آية و قبلة للناس تحج إليه العرب و تعظمه أشد التعظيم و لا ينكر حقه و فضله يهودي و لا نصراني حتى أن الملك النصراني الذي أراد هدمه – و هو إبرهة – كي ينصرف الناس عنه إلى كنيسة بناها بالحبشة رد الله كيده في نحره و أرسل عليه طيرا من السماء ترميه بحجارة ملتهبة أهلكته و جنوده في حادثة خلدها القرآن في سورة كاملة[1]لم ينكرها أي من مشركي العرب و هم الذين كانوا يتلهفون لكي يجدوا خطأ واحدا في القرآن. و في نفس هذا العام وُلد من بني إسماعيل بجوار البيت ذلك الفتي اليتيم الأمي الذي عرف بين عشيرته بالصادق الأمين و عاش بينهم أربعين سنة كان فيها مثال الصدق و الشهامة و الأخلاق الفاضلة فنشأ حنيفا على ملة أبيه إبراهيم لا يشارك قومه في عبادتهم للأوثان و لا في لهوهم و لعبهم وحُبِّب إليه الخلوة فكان يخلو بنفسه في أحد جبال مكة يعبد ربه و يتأمل في ملكوت السماوات و الأرض حتى نزل عليه روح القدس و أمين الوحي جبريل عليه السلام فأقرأه أولى آيات القرآن الكريم ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ .) فعاد محمد يرجف بها فؤاده فدخل على خديجة زوجته قائلا زملوني زملوني[2]و أخبرها بما حدث فقالت " كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".
ثم ذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وكان امرءا تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا بن عم، اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا بن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقاله له ورقة: هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا[3]، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك.
و هذه كانت البداية .. بداية الرسالة.
و الآن نعود لنسأل أنفسنا نفس الأسئلة السابقة
هل كان هذا الرجل بمفرده أم أنه كان مؤيدا من عند الله عز و جل؟
و هل يجب عليّ أن أتخذ موقفا واضحا و منصفا منه أم يكفي أن أسير هكذا كما سار أبائي و أجدادي و لا أشغل نفسي بأمره؟
إن العقل الراجح و البحث المحايد إذا نظر في دعوى محمد –صلى الله عليه و سلم - للنبوة ذلك الأمر العظيم فعليه أن يبحث في ثلاثة أمور على الأقل هي
1. حياة محمد و سيرته و أخلاقه و تعامله مع أعدائه فضلا عن أصحابه
2. ما جاء به محمد و ما دعا إليه من عقائد و شرائع و معاملات
3. موقفه من الأنبياء السابقين الذين يتفق الناس على نبوتهم وأصحاب الديانات الأخرى من أهل الكتاب و موقف أهل الكتاب منه
وقبل أن نستطرد في هذا البحث أود أن نتفق معا على قاعدة في غاية الوضوح والبداهة وهي أن العقيدة الصحيحة المنزلة من عند الله في السماء لهداية البشر إلى ربهم يجب أن تكون هي أوضح الأمور و أبسط المسائل لا يكتنفها الغموض والتعقيد ولا يختلجها التكلف أو التناقض ويجب أيضا أن تكون مبنية على أدلة قوية واضحة وضوح الشمس لا على الظنون والأوهام ويجب ألا تحتاج الحقيقة إلى السب والشتم واختلاق الأكاذيب للإقناع بها ويجب أن يفهمها الناس على اختلاف عقولهم وأفهامهم بدون الحاجة إلى الخوض في متاهات الفلسفة و السفسطة.
فإذا اطمئن قلبك لسلامة هذا المنهج ونمت في نفسك روح البحث عن الحق في هذا الأمر الخطير فالجزء الأول من هذه الرسالة الصغيرة يضع أمامك خطوطا رئيسية و علامات في طريق بحثك لك أن تقرأها و تعرضها على قلبك و عقلك ثم تتبع ما تطمئن إليه نفسك و ينشرح له صدرك
و أما الجزء الثاني فيناقش جانبا آخر من قضية الدين – أهم قضية في حياة الإنسان الدنيوية والأخروية - و هي مناقشة عقلانية لبعض العقائد التي تربي بعضنا عليها بدون أن يعطي نفسه فرصة للتفكر فيها بهدوء إيمانا بأن الإنسان السوي هو الذي يحترم عقله و فطرته و لا يسير كالقطيع مغمض العينين في أمر قد يترتب عليه سعادته الأبدية أو شقاؤه الأبدي و لكنه الذي يعمل عقله و فكره و لا يعطلهما و يسأل ربه في كل وقت أن يهديه الصراط المستقيم الذي يوصله إليه
النبي الأمي
أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ ؟
كل من قرأ سيرة محمد و أخباره و أيامه من الباحثين المنصفين غير المسلمين أجمعوا على أن هذا الرجل قد اجتمعت فيه كل صفات الكمال البشري من حسن الخلق و رجاحة العقل و سلامة الفطرة و رقة الطبع و الشجاعة و بلاغة اللسان. هذا الفيلسوف الإنجليزي توماس كارليل الحائز على جائزة نوبل يقول في كتابه الأبطال : " لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متحدث هذا العصر أن يصغي إلى ما يقال من أن دين الإسلام كذب ، وأن محمداً خدّاع مزوِّر.
وإن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة ؛ فإن الرسالة التي أدَّاها ذلك الرسول ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرناً لنحو مائتي مليون من الناس ، أفكان أحدكم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها هذه الملايين الفائقة الحصر والإحصاء أكذوبة وخدعة ؟!
إلى أن قال : " وعلى ذلك ، فلسنا نَعُدُّ محمداً هذا قط رجلاً كاذباً متصنعاً ، يتذرع بالحيل والوسائل إلى بغيته ، ويطمح إلى درجة ملك أو سلطان ، أو إلى غير ذلك من الحقائر. وما الرسالة التي أدَّاها إلا حق صراح ، وما كلمته إلا قول صادق.
كلا ، ما محمد بالكاذب ، ولا المُلفِّق ، وهذه حقيقة تدفع كل باطل ، وتدحض حُجة القوم الكافرين.
ثم لا ننسى شيئاً آخر ، وهو أنه لم يتلق دروساً على أستاذ أبداً ، وكانت صناعة الخط حديثه العهد إذ ذاك في بلاد العرب ـ وعجيب وأيم الله أُمِّيَةَ العرب ـ ولم يقتبس محمد من نور أي إنسان آخر ، ولم يغترف من مناهل غيره ، ولم يكن إلا كجميع أشباهه من الأنبياء والعظماء ، أولئك الذين أشبِّههم بالمصابيح الهادية في ظلمات الدهور.
وقد رأيناه طول حياته راسخ المبدأ ، صادق العزم بعيداً ، كريماً بَرًّا ، رؤوفاً ، تقياً ، فاضلاً ، حراً ، رجلاً ، شديد الجد ، مخلصاً ، وهو مع ذلك سهل الجانب ، ليِّن العريكة ، جم البشر والطلاقة ، حميد العشرة ، حلو الإيناس ، بل ربما مازح وداعب ، وكان ـ على العموم ـ تضيء وجهه ابتسامةٌ مشرقة من فؤاد صادق ؛ لأن من الناس من تكون ابتسامته كاذبة ككذب أعماله وأقواله " . ويقول:
: " كان عادلاً ، صادق النية ، كان ذكي اللـب ، شهم الفؤاد ، لوذعياً ، كأنما بين جنبيه مصابيح كل ليل بهيم ، ممتلئاً نوراً ، رجلاً عظيماً بفطرته ، لم تثقفه مدرسة ، ولا هذبه معلم ، وهو غني عن ذلك"
و بعد أن أفاض كارليل في إنصاف النبي محمد ختم حديثه بهذه الكلمات : "هكذا تكون العظمة· هكذا تكون البطولة·هكذا تكون العبقرية"
أما <لا مارتين> الفيلسوف الفرنسي فيدافع بحرارة النبي صلى الله عليه وسلم وينفي بصرامة وقوة أن يكون كاذباً أو مفترياً على الله فيقول:
<إن حياة محمد، وقوة كقوة تأمله وتفكيره وجهاده، ورباطة جأشه لتثبيت أركان العقيدة الإسلامية··· إنه فيلسوف وخطيب ومشرع وهاد للإنسانية إلى العقل وناشر للعقائد المعقولة الموافقة للذهن وهو مؤسس دين لا فرية فيه ومنشئ عشرين دولة في الأرض وفاتح دولة في السماء من ناحية الروح والفؤاد، فأي رجل أدرك من العظمة الإنسانية ما أدرك محمد وأي آفاق بلغ إنسان من مراتب الكمال ما بلغ محمد· و يقول في موضع آخر : "أعظم حدث في حياتي هو أنني درست حياة رسول الله محمد دراسة واعية ، وأدركت ما فيها من عظمة وخلود، ومن ذا الذي يجرؤ على تشبيه رجل من رجال التاريخ بمحمد ؟! ومن هو الرجل الذي ظهر أعظم منه ، عند النظر إلى جميع المقاييس التي تُقاس بها عظمة الإنسان؟! إن سلوكه عند النصر وطموحه الذي كان مكرساً لتبليغ الرسالة وصلواته الطويلة وحواره السماوي هذه كلها تدل على إيمان كامل مكّنه من إرساء أركان العقيدة. إن الرسول والخطيب والمشرع والفاتح ومصلح العقائد الأخرى الذي أسس عبادة غير قائمة على تقديس الصور هو محمد ، لقد هدم الرسول المعتقدات التي تتخذ واسطة بين الخالق والمخلوق[4]"
و هذا جوتة الأديب الألماني : ""إننا أهل أوربة بجميع مفاهيمنا ، لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد ، وسوف لا يتقدم عليه أحد، ولقد بحثت في التاريخ عن مثل أعلى لهذا الإنسان ، فوجدته في النبي محمد … وهكذا وجب أن يظهر الحق ويعلو، كما نجح محمد الذي أخضع العالم كله بكلمة التوحيد"[5]
ويقول الأديب الروسي (ليو تولستوي) والذي حرمته الكنيسة بسبب آرائه الحرة الجريئة:
"أنا واحد من المبهورين بالنبي محمد الذي اختاره الله الواحد لتكون آخر الرسالات على يديه ، وليكون هو أيضاً آخر الأنبياء … ويكفيه فخراً أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق ، وجعلها تجنح للسكينة والسلام ، وفتح لها طريق الرقي والمدينة"[6]
ويقول العلامة شيريل ، عميد كلية الحقوق بفيينا :"إن البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها"
فهل ترى أن كل هؤلاء الأدباء و المفكرين – و لولا قصر الرسالة لذكرت أكثر من ذلك- من مختلف الجنسيات قد اخطأوا في مدح محمد؟ أو أنهم أجمعوا علي الثناء عليه بمحض الصدفة؟ أم أنهم كانوا غير مشهورين فأرادوا أن ينالوا الشهرة من خلال مدحهم له – صلى الله عليه و سلم- ؟ أم أن هذه الشخصية العظيمة تستحق فعلا الثناء والمدح؟ ترى هذا الرجل الذي لبث بين ظهراني قوم جاهليين و ظل فيهم أربعين سنة لا يشاركهم في عبادتهم للأوثان و لا يقارف منكرا مدة شبابه كله حتى إذا بلغ من العمر أربعين سنة و أصبح إلى الشيخوخة أقرب منه إلى الشباب أتى بهذا الأمر العظيم بعزيمة أمضى من السيف و أمل أسطع من البرق لا يكل و لا يمل حتى أدى رسالته و نجح في مهمته هل يمكن أن يكون مزوِّرا؟
هؤلاء أهل مكة قالوا له بألسنتهم قبل أن يبلغهم الدعوة " ما جربنا عليك كذبا قط" و كانوا يودعون عنده أماناتهم حتي بعد أن جهر بالدعوة لإنه عندهم ما زال الصادق الأمين و لو كذب مرة واحدة لما آمن به أحد منهم فهل تراه يذر الكذب على الناس ثم يكذب على الله ؟ و قد بلغ من حسن أخلاقه أن الرجل كان يأتيه قبل أن يسلم و هو أشد الناس كراهية له – ص – فما يمكث معه إلا قليل حتى يقوم من عنده داعيا قومه قائلا لهم جئتكم من عند خير الناس و قد أصبح أحبهم إليه –صلى الله عليه وسلم.
هب أن أخلاقه هذه كانت تكلفا مع الناس فهل يتحمل أن يتكلف أيضا داخل بيته مع زوجاته و بناته – على كثرتهن – أم أنه كان يحسن معاشرتهن[7]و يقول [خيركم خيركم لأهله و أنا خيركم لأهلي ] حتى أن أول من آمن به و صدقه زوجته خديجة؟ و حينما سئلت زوجاته عن حاله في بيته قالت كان في مهنة أهله - تعني في خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج فصلى وفي حديث آخر كان يخصف نعله ويخيط ثوبه ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته ولم يضرب بكفه امرأة قط و كان يستئذن زوجاته إذا أراد أن يُمَرّض في بيت إحداهن و كان يداعبهن و سابق عائشة زوجته مرتين فسبقته و سبقها وكان يمزح ولا يقول إلا حقا و كان يدعو أصحابه إلى إحسان عشرة النساء و يقول اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهنَّ بأمانة الله و كان يقول أن خير الدراهم هو الدرهم الذي ينفقه الرجل على أهل بيته
بل إن خادمه أنس بن مالك يقول : [خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي: أف، ولا: لم صنعت؟ ولا: ألا صنعت[.و كانت آخر وصيته قبل موته الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم يوصي بالمحافظة على الصلاة وإحسان معاملة الخدم والعبيد
و كان –ص- أكرم الناس فما سُئل شيئا يملكه و قال لا و كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر وكان مثالا في الحلم والصفح فقد روي أنه كان نائما تحت ظل شجرة و سيفه معلق عليها فجاء أعرابي فأخذ السيف و قال يا محمد من يمنعك مني فقال : الله . فسقط السيف من يد الرجل فأخذه النبي و قال له من يمنعك أنت الآن مني فقال لا أحد فعفا عنه وانصرف الرجل و قسم مرة مالا بين ناس فجاءه أعرابي فجذبه من طرف ردائه و قال هذه قسمة ما أريد بها وجه الله فغضب رسول الله و ما زاد على أن قال و من يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ رحم الله موسى فقد أوذي بأكثر من هذا و صبر و كان أرحم الناس و أرضاهم بقضاء الله انظر إليه و قد فاضت روح ابنه إبراهيم بين يديه فقال و هو تدمع عيناه : " تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون ".و كان أشجع الناس حتى أن الصحابة كانوا يحتمون به في المعركة إذا اشتد وطيسها و حمي أوارها. أفما آن للعاقل أن يفكر : هل يمكن أن تجتمع كل هذه الشمائل-التي لم تتغير طوال حياة صاحبها- إلا في نبي كريم متبع لملة أبيه إبراهيم؟ هل جنى محمد – ص – لنفسه من دعوته تلك شيئا من متاع الدنيا الزائل أم أنه كان يربط الحجر والحجرين على بطنه من الجوع و يقول اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة [8]؟ ألم يكن يظل بالشهر و الشهرين و لا توقد في بيته نار و يقول اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً في حين أنك ترى في كل دين آخر ما يكفل للكهنة و رجال الدين فيه مصادر الثروة و الغنى[9]فما الذي صبره على ذلك إن لم يكن من الصادقين ؟ و ما الذي حمله على ألا يقبل غلو أصحابه في حبه و مدحه فتراه لا يرفع نفسه عن قدره و يقول لأصحابه لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله و رسوله و في إحدى المواقف جلست جويريات يضربن بالدف صبيحة عرس إحدى نساء الأنصار و جعلن يضربن بالدف ويندبن من قتل من أبائها يوم بدر، إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال: دعي هذا، و قولي بالذي كنت تقولين و مصداق ذلك في كتاب الله :" قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ"
و لما توفي أحد المهاجرين قالت عنه امرأة من الأنصار : رحمة الله عليك يا أبا السائب، فشهادتي عليك: لقد أكرمك الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وما يدريك أن الله أكرمه). فقلت: بأبي أنت يا رسول الله، فمن يكرمه الله؟ فقال: (أما هو فقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري، وأنا رسول الله، ما يفعل بي). قالت: فوالله لا أزكي أحدا بعده أبدا
أترى لو كان محمد يتحامى الكذب دهاء و سياسة خشيةً أن يكشف الغيب قريبا أو بعيدا عن خلاف ما يقول ما الذي كان يمنعه أن يتقول ما يشاء في شأن ما بعد الموت و هو لا يخشى من يراجعه فيه و لا يهاب حكم التاريخ عليه؟ لقد منعه الخلق العظيم و تقدير المسئولية الكبرى أمام حاكم آخر أعلى من التاريخ و أهله[10]
هب أنه كان يكذب على الناس أفكان يكذب على نفسه أيضا؟ فقد كان مجموعة من الصحابة يحرسون النبي حتي نزلت هذه الآية : " يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ " فقال لهم (أيها الناس، انصرفوا فقد عصمني الله) [11]ولم يتخذ حرسا بعدها و قد وقف وحده في ميدان المعركة وسط المشركين و قد تفرق أصحابه من حوله و هو يهتف : أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب فمن ذا الذي حماه و عصمه حتى بلغ الرسالة كاملة و أدى الأمانة أوفى أداء؟ و ما الذي جعله واثقا تمام الثقة من النصر و التمكين لدينه حتى في أحلك المواقف و أقسى الأزمات[12]فيبشر أصحابه بعروش كسري و قيصر في حين أن اليهود و العرب يحاصرونهم من أسفل منهم و من فوقهم وقد زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر إلا إن كان موعودا من الله الذي لا يخلف الميعاد بالنصر والتمكين؟ هبه امتلأ رجاء ببقاء هذه الدعوة و ظهورها ما دام يتعهدها بنفسه فمن الذي تكفل له بعد موته ببقائها و حمايتها وسط أمواج المستقبل العاتية؟ و كيف يجيئه اليقين في ذلك و هو يعلم من عِبَر الزمان ما يفت في عضد هذا اليقين فكم من نبي قُتل و كم من كتاب فقد أو حُرِّف ؟[13]هل رأيت كاهنا أو ساحرا أو عرافا جاءه مثل هذا اليقين الذي لا يتزعزع و الثبات الذي لا يتردد؟؟
ومن الذي ألف حوله قلوب أصحابه و جمعهم على دعوته بعد أن كانوا قبائل متناحرة لا يجمعهم نظام ولا ينقادون تحت لواء[14]؟ أرأيت كيف استجابوا له في النهاية إذ دعاهم إلى ترك دين أبائهم وأجدادهم إلى عبادة الله وحده و ترك الأنفة والفخر إلى ضرب الظهور بالسياط إن شربوا الخمر أو قذفوا إنسانا و قطع الأيدي إن سرقوا أو أفسدوا في الأرض؟ فمن الذي حول طباعهم من الغلظة والبداوة وبعد أن كان أحدهم يأنف أن تسبق ناقته ناقة أخرى إلى رفق الإسلام و رحمته وتواضعه فأصبح السيد والعبد يقفان متجاورين في الصلاة؟ ومن الذي كان يجيب دعائه إذا دعا لأحد من أصحابه ؟ ألم يدعُ للمدينة المنورة بأكملها ألا يدخلها طاعون فما دخلها وباء إلى اليوم ؟ ألم يدع لقبيلة بأكملها أمام أصحابه أن تسلم وتأتيه فأسلمت عن بكرة أبيها؟ أتراه يغامر لو كان كاذبا بأمر كهذا؟ أيمكن لرجل أمي أن يغامر و يزعم أنه نبي يؤمن بجميع الأنبياء من قبله من أول آدم مرورا بموسى و عيسى عليهما السلام و يجعل الكفر بواحد منهم كالكفر بالجميع ثم يتحدى أهل الكتاب من اليهود و النصارى الموجودين في عهده – بل إلى قيام الساعة – و يناقشهم في أخص أمور دينهم بل و يفضحهم و يواجههم بتحريفهم لكتب أنبيائهم؟ لقد بلغ من تحديه إياهم أنه لما هاجر توجه إلى أحد معاقل اليهود في الجزيرة العربية و هي يثرب -و كان يمكنه أن يهاجر إلى أرض ليس بها أهل كتاب فما الذي دعاه إلى ذلك لو كان من الكاذبين؟ قل لي بربك لو كان هذا الدين من عند نفسه و ليس من عند الله فما حاجته للإيمان بالأنبياء السابقين و يدخل في هذه المواجهات[15]مع اليهود و النصارى و يعلن أن إلـهه و إلـههم واحد و لكنهم هم الذين غيروا شريعته و بدلوا و حرفوا. ثم إنك تجد أن علماء اليهود و النصارى المنصفين يدخلون في دينه أفرادا وجماعات و يتبعون شريعته منذ أن بعثه الله و إلى اليوم.[16] إن الكثيرين منهم عندما يتجردون من الأهواء و النزعات الشخصية و العصبية فإنهم سرعان ما يبصرون الحق و يعتنقونه بل إن عدداً من المستشرقين والمبشرين النصارى الذين بدئوا حملتهم مصممين على القضاء على الإسلام وإظهار عيوبه المزعومة ، أصبحوا هم أنفسهم مسلمين ، وما ذلك إلا لأن للحق حجته الدامغة التي لا سبيل إلى إنكارها. قال الله عز وجل " أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ "
ثم كيف يمكن لرجل عادي – لو كان عاديا – أن يؤلف وحده شريعة محكمة لا تدع أمرا من أمور الإنسان إلا ونظمته على الوجه الأمثل بدءا من طريقة الأكل و الشرب حتى نظام الحكم فما تركت خيرا من أمور الدنيا إلا و أمرت به و لا شرا إلا و نهت عنه و يشهد بذلك مفكرو الغرب أنفسهم و الدراسات الحديثة و الفضل ما شهدت به الأعداء. و ما زالت إلى اليوم هذه الشريعة معينا لا ينضب للباحثين و العلماء يستخرجون منها من الحكم الباهرة و الأحكام الدقيقة ما يدعو الناس للإيمان و التصديق.[17] كيف أمكن لرجل بمفرده- لو كان بمفرده- أن يحدث أكبر تغيير ديني و حضاري و سياسي و اجتماعي في العالم استمر إلى الآن حتى إن مفكري الغرب عندما اجتمعوا لكي يحددوا المائة الأوائل الذين كان لهم أكبر تأثير في تاريخ البشرية جعلوا محمدا على رأسهم و ظهر ذلك في كتاب المائة الأوائل لمايكل هارت[18]ألم تمر على أمة الإسلام مائتا عام إلا وكان المسلمون يعيشون نهضة علمية في شتى المجالات في حين كانت أوروبا ترزح تحت جبال من الجهل و التخلف و الخرافات؟!
ثم ألم يكن أولى به لو كان يدعي النبوة أن يخفف من تكاليف الشريعة لأقصى درجة ممكنة لكي يستكثر من الأتباع و لا ينفر الناس من الدخول في الدين الجديد [19]لكنك ترى أنه أخبرنا أن الله فرض علينا خمس صلوات في اليوم و الليلة منها ما يوافق ساعات نوم الإنسان و أمرنا بزكاة تؤخذ من أغنيائنا لترد على فقرائنا و أمرنا بصيام شهر كامل كل عام و بحج بيت الله الحرام مع ما في ذلك من مشقة للبعض ثم حض بعد ذلك على أداء الزيادة من هذه الطاعات و قيام الليل تقربا إلى الله ثم الأمر بالإحسان إلى الخلق بمختلف أنواع البر و صلة الأرحام والأقارب وإن قطعوا و العفو عن الأنام إن ظلموا و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الجهاد في سبيل الله ثم النهي عن لذائذ النفوس و شهواتها المحرمة كالزنا و كل ما يدعو إليه من نظر أو لمس أو تبرج و شرب الخمر و أكل الربا ثم يكون بعد ذلك أول الناس التزاما بما يدعو إليه حتى في خلوته حين يظن أن لا يراه بشر بل و يزيد على أصحابه في الطاعة ما لا يطيقونه هم[20]. فما الذي حمله على ذلك إن لم يكن من الصادقين في عبادته لربه و في نبوته؟ هل الذي يأمر بهذه الأوامر يمكن أن يكون كاذبا على الله؟ ( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَّا يَسْتَوُونَ ) ألا تعجب أنه مع كل تكليفات الإسلام هذه فإنه أوسع الأديان انتشارا و ذلك باعتراف غير المسلمين و يقبل عليه الناس من جميع الفئات و الأعمار حتى الأطفال.[21] لو كان محمد كاذبا فلماذا تركه الله ينشر دعوته طوال23 سنة بدون أن يعاقبه أو على الأقل بكشف كذبه للناس ولو بزلة لسان؟!
أو كان صدفة أن يولد هذا النبي و يحيا أكثر عمره بجوار بيت الله الحرام الذي بناه إبراهيم عليه السلام و ما زالت آثار إبراهيم موجودة فيه إلى اليوم ثم يتخذه قبلة في صلاته؟ ومن الذي حفظ الكعبة من التدمير على يد إبرهة والمشركين و حفظ مكانتها و مهابتها في قلوب المؤمنين ؟ تـُرى لو أن هذا الدين كان من تأليفه فهل تكون الكعبة المشرفة من بنائه أم تكون بئر زمزم من حفره؟! ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً )
النبأ العظيم
قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
كل المؤرخين مجمعون على أن النبي نشأ أميا لا يعرف القراءة و الكتابة و أنه لم يكن يقرض الشعر في حياته بينما كانت العرب تفتخر ببراعتها البلاغية و يقيمون الأسواق يتباهون فيها بالقصائد الطوال و المعلقات الجياد و لم يكن لمحمد أى شأن يذكر في هذا المضمار من قريب أو بعيد. ثم ماذا؟ ثم خرج علهم محمد بين عشية وضحاها بآيات بينات غاية في البلاغة و جمال النظم تحدى بها قومه بل تحدى بها العالم كله -وهكذا الرسل تأتي بمعجزات من جنس ما برع فيه أقوامهم ليكون أبلغ في الإعجاز- وقال للناس( لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ). فانظر إلى هذا النفي المؤكد بل الحكم المؤبد هل يستطيع عربي يدري ما يقول أن يصدر هذا الحكم و هو يعلم أن مجال المساجلات مفتوح بين العرب على مصراعيه؟ ألم يكن يخشى أن يثير هذا التحدي حميتهم الأدبية فيهبوا لمنافسته و هم جميع حذرون؟ سل نفسك لو طوعت لمحمد نفسه أن يصدر هذا الحكم على أهل عصره فكيف يصدره على الأجيال القادمة إلى يوم القيامة بل على الإنس و الجن؟ ثم سلها ألم يفز القرآن في هذا التحدي فلم يهم بمعارضته أحد إلا باء بالعجز الواضح و الفشل الفاضح على مر العصور و الدهور. [22] لقد نزل هذا التحدي إلى أن يأتوا بعشر سور مثله فما استطاعوا ثم نزل أكثر إلى سورة واحدة تضارع أقصر سور القرآن و أعلن أنهم لن يستطيعوا فهل سمعت أن رجلا ألف سورة مثل سور القرآن تلقاها العالم بمثل ما تلقى به القرآن؟ سل نفسك كيف ظل القرآن محفوظا إلى اليوم كما وعد الله (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) يتناقله المسلمون جيلا بعد جيل متواترا[23] بينهم بنفس اللغة لا تتغير فيه كلمة و لا حرف و لا حركة تشكيل بطريقة هي أعلى طرق الرواية تثبتا و حفظا في حين أن غيره من الكتب فُقِدت أو غُيِّرت أو اندثرت لغاتها الأصلية. سل التاريخ كم مرة تسلط الكفار على المسلمين فأثخنوا فيهم القتل و أكرهوا أمما منهم على الكفر و أحرقوا الكتب و هدموا المساجد و صنعوا ما كان يكفي القليل منه لضياع هذا القرآن كُلا أو بعضا كما فُعل بالكتب من قبله لولا أن يد العناية تحرسه فبقي وسط هذه المعامع رافعا راياته و أعلامه حافظا آياته و أحكامه...[24]
ألم تعجب كيف يسره الله القرآن للحفظ ما لم ييسر لأى كتاب آخر فتجد أن الطفل يبلغ السادسة من عمره و قد حفظ القرآن كله و قد يكون مع ذلك أعمى ! كيف يحدث ذلك الانسجام العجيب بين الفطرة البشرية و بين القرآن إلا أن يكون خالق النفس البشرية هو نفسه مصدر هذا القرآن؟
ثم إنك إذا تأملت طريقة نزول القرآن رأيت عجبا...فإنه لم ينزل جملة واحدة من السماء لكن كان ينزل مفرقا حسب الوقائع و الأحوال فربما نزلت بدايات سورة و لا تنزل خواتيمها أو أواسطها إلا بعد عشر سنين تكون خلالها نزلت سور أخرى و ختمت أو لم تختم فإذا هبط جبريل على النبي بآيات جمع النبي أصحابه ليكتبوا وراءه ثم يقول ضعوا آية كذا في سورة كذا في موضع كذا وآية كذا في سورة كذا و هكذا فتوضع الآية في مكانها الذي نزلت من أجله في أول السورة أو وسطها أو آخرها بين آيتين قد تكونا نزلتا قبلها بعشر سنين فتقرأ السورة فلا تحس بأي تنافر بين أجزائها. ثم إن الآية توضع مكانها الذي نزلت من أجله ولا يتغير هذا المكان بعد ذلك أبدا لا تقديما ولا تأخيرا حتى اكتمل هذا الكتاب المعجز في أجمل صورة و أعظم تركيب فأي تدبير محكم وأى تقدير مبرم وأى علم محيط لا يضل و لا ينسى ولا يتردد كان قد أعد لهذه المواد المبعثرة نظامها و هداها إلى ما قدره لها حتى صيغ منها ذلك العقد النظيم و سرى بينها هذا المزاج العجيب؟ [25](أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيرا )
و الآن سل نفسك هل رأيت كتابا ألف بهذه الطريقة أبد الدهر؟ وهل يستطيع كاتب أن يؤلف كتابا في مدة ثلاث و عشرين سنة لا يؤلفه مرتبا و لكن مفرقا قطعا قطعاً على غير ترتيب لا يقدم فيه و لا يؤخر و لكن يملي من وحي ضميره العبارات و الجمل مفرقة بين الحوادث و السنين فتجد كل جملة لها مكانا ينتظرها بين جاراتها لا يجور ولا يجار عليه و كأنه أحصى ما سوف تلده الأيام من مفاجآت الحوادث المستقبلية صغيرة و كبيرة في مدى دهره ثم قدّر ما سوف تتطلبه تلك النوازل من كلام فقدر لكل حادثة قدرها؟! فكيف لو كان أميا لا يقرأ ما يكتب له؟!!
هذا من جهة مبناه فإذا نظرت إلى محتواه وجدت من الإعجاز في المعاني ما لا يقل عن الإعجاز في النظم و المباني.[26]ذلك أن القرآن حوى بين طياته كل ما يحتاج الإنسان إليه في حياته لكي يحيا حياة طيبة صالحة. تحدث القرآن عن وحدانية الله عز وجل و أقام عليها البراهين العقلية القاطعة وذكر من صفات الرب الحسنى وأفعاله الكريمة و سننه في خلقه ومظاهر نعمه عليهم ما يزيد إيمان المؤمنين ويرقق قلوب الكافرين وذكر من آيات الله المبثوثة في كونه ودعا الإنسان للنظر والتأمل فيها وتحدث عن نشأة الإنسان و الغرض من خلقه و مصيره بعد موته ثم أخبره كيف يعبده و يتقرب إليه بأنواع العبادات البدنية والمالية والقلبية و تضمن الإخبار عن عالم الغيب من الملائكة و الجن و الشياطين و كذا الإخبار عن قصص الأمم السابقة و أحوالهم مع أنبيائهم وعقاب الله للأقوام الظالمين بما جعله الله عبرة لكل معتبر و رد القرآن على شبهات المشركين و حذر المعاندين و أنذرهم و بشر المؤمنين و ثبّـتهم وحاور أهل الكتاب فأسكتهم و ضرب للناس من كل شيء مثلا و تحدث عن أهوال يوم القيامة و علاماته و ذكر ما أعده الله لعباده المؤمنين في جنات النعيم و ما ينتظر الكافرين من عذاب أليم ثم رسم للإنسان منهجا يسير عليه في حياته و حد له حدودا ووضع له ضوابط تضمن له و لمجتمعه السعادة الكاملة و الأمن التام فذكر أحكام المعاملات المالية و أحكام النكاح و الطلاق و البيع و الشراء والدَيْن والميراث وأحكام الإمارة والقضاء و الحدود و القصاص حتى آداب الاستئذان والنظر والثياب ذكر القرآن منها ما يكفل للمجتمع طهارته و للإنسان عفافه و كرامته حتى مأكل الإنسان ومشربه أباح له كل طيب و حرم عليه كل خبيث على التفصيل و الإجمال وذكر أيضا آداب التعامل مع الوالدين و إن كانوا غير مسلمين ومع الزوجة و ذوي الأرحام وإن كانوا غير بارين حتى الخدم و العبيد و الأرامل والمطلقات والأيتام لم ينسهم القرآن حتى الطفل الرضيع والرجل الأعمى والأعرج ذكرهم الله (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً )
وهكذا لم تخل آية في القرآن من حكمة وموعظة أو بشارة أو إنذار أو أمر أو نهي لما فيه مصلحة العباد الدينية والدنيوية فلله درها من آيات كم ألانت قلبا قاسيا و كم فتحت عقلا مغلقا و كم شفت وساوس صدر مريض.
فهو معجزة كبيرة وشاملة وغنية تتجاوز كل الأزمنة والأمكنة، وتلبي جميع المطالب الإنسانية بدءً من العقائد وانتهاءً بأصغر الآداب الاجتماعية . [27]( فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ )
فإذا نظرنا إلى القصص القرآني سنجد أنه حوى أحسن القصص وقعا في النفوس وأصدقها أحداثا و أكثرها عبرة في الوقت الذي كانت كتب اليهود والنصارى حافلة بالمغالطات التاريخية وقصص العاهرات و نسبة النقائص والفواحش للأنبياء بينما القرآن قصصه في أرفع درجات السمو الأخلاقي و الكمال الإنساني. وإن تعجب فعجب قول من يدعي زورا وبهتانا أن القرآن استقى أخباره التاريخية من الكتب الموجودة بأيدي أهل الكتاب في عهده!! و كأن القرآن لم يفضح تزويرهم صراحة و يواجههم بتحريفهم و يكشف مغالطاتهم[28]ثم إنك تجد أن القرآن يحوي تفاصيل دقيقة لم تذكرها هذه الكتب وكفاك بقصتي يوسف وموسى عليهما السلام دليلا. [29]
فهل كان صدفة أن توافق أخبار القرآن عن الأمم السابقة و أنبيائهم الصحيح المحرر[30]من علوم أهل الكتاب و تزيد عليها و أما ما داخلها من التحريف و التغيير فلا يأبه له القرآن بل يصححه و يفضحه أحيانا كثيرة ؟ و ممن ؟ من رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب !!
كفاك بالعلم في الأمي معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم ؟
هب أن محمدا اطلع على أخبار الأولين فهل تراه اتخذ عند الله عهدا أن تصدق الأيام ما أخبر به من أمور المستقبل ولو بعد مئات السنين؟ فقد أخبر القرآن عن حوادث ستقع في المستقبل و حدثت كما أخبر تماما. فمثلا ذكر القرآن عن أناس معينين أنهم لن يسلموا وسيموتون على الكفر مثل أبي لهب وامرأته حمالة الحطب والوليد بن المغيرة فمن أين علم محمد أن هؤلاء لن يسلموا ؟! و كيف لم يخش أن تطوع لأحدهم نفسه فيعلن إسلامه نفاقا لكي يحرج محمدا؟ فيا عجبا لهذه الآيات هل كانت مؤلفة من حروف و كلمات أم كانت أغلالا وضعت في أعناقهم إلى الأبد؟ و مثل آخر في أول سورة الروم حيث دار بين الفرس الوثنيين و الروم النصارى أهل الكتابمعركةهزم فيها الفرس الروم ففرح المشركون بذلك لأنهم وثنيون مثلهم و حزن المسلمون فنزلت (الم . غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)
و لقد صدق الله وعده فتمت للروم الغلبة على الفرس بإجماع المؤرخين في أقل من تسع سنين و كان يومها هو اليوم الذي انتصر فيه المسلمون على المشركين في غزوة بدر. فكيف حدث ذلك بهذه الدقة إلا إذا كان الذي صدرت هذه الآيات عن علمه هو الذي صدرت هذه الحوادث عن مشيئته و حكمه؟
أما عن الآيات التي تتحدث عن خلق الكون و خلق الإنسان و الليل و النهار و الجبال و البحار والرياح و السحب والمطر والحيوان والنبات و النجوم والكواكب و الشمس و القمر والأرض و السماء فقد ذكر القرآن من أسرارها في كلمات وجيزة ما كانت تعجز علوم الدنيا حين نزل القرآن أن تتوقعه و لم يكتشفها العلم إلا في العصر الحديث و ما وقف أمامها فطاحل العلماء مبهورا أن يكون رجل أمي قد أتى بكلام مثل هذا منذ ألف و أربعمائة سنة!! ألم يخبر القرآن بأن للجبال أوتاد و أن البحر مسجور و الرياح لواقح و السحب ثقال و الكائنات أزواج و السماء ذات رجع و الأرض ذات صدع والليل و النهار مكوران على بعض و الشمس و القمر بحسبان و مواقع النجوم أمرها عظيم[31]!! هل كان أحد في ذلك الوقت يعرف المراحل الدقيقة لخلق الأجنة في بطون أمهاتها أو يعرف أن الذي يرتفع في الجو يضيق صدره من صعوبة التنفس أو أن كل شيء خلق من ماء أو أن الحديد نزل من السماء ليستقر في الأرض و لم يتكون داخلها كما يتكون البترول مثلا أو أن السماء تتسع باستمرار أو أن هناك أنواعا من النجوم مختفية عن الأنظار تسير في السماء تكنس ما حوله وصفها بأنها جوار كنس أو أن السماوات والأرض كانتا في بداية الخلق قطعة واحدة فتقها الله ؟ ( وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُون ) ؟ كل هذه الحقائق التي أثبتتها العلوم الحديثة وغيرها يذكرها القرآن في غاية الوضوح و أمثالها في السنة النبوية كثير و أسلم بسببها كثير من العلماء[32]فما الذي حمل محمدا على ذكر هذه الحقائق لقوم أميين ومن الذي ضمن له أن العلم سوف يثبت صحتها يوما من الأيام؟ [33] هذا غير الآيات التي تسبر أغوار النفس البشرية وتخبر بما يجول في خاطرها سواء كانت هذه النفس نفس مؤمن مصدق أو كافر معاند أو كتابي مرتاب . ألم تنزل الآيات تفضح المنافقين الموجودين في المدينة و تخبر بخطرات نفوسهم؟ ألم يدع الأعراب الإيمان فنزلت (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) ألم يكن الأولى لو كانت هذه دعوة شخصية ألا ينفر محمد الأتباع من حوله بل يستكثر منهم و يحتفظ بهم في صفه؟[34]ناهيك عن التأثير الكبير الذي أحدثه القرآن في نفوس أصحاب النبي يقول الأستاذ فتح الله كولن : " لقد أحدث القرآن في أول عهده بالنـزول وأول عهده بتشريفه الدنيا تأثيرا لا يمكن تصوره في الأرواح وفي العقول والقلوب أيضا، بحيث أن درجة الكمال التي وصلت إليها الأجيال التي نشأت في جوه النوراني كانت معجزة قائمة بذاتها لا نحتاج معها إلى ذكر أي نوع آخر من معجزاته. ولا يمكن العثور على أي أمثال لهم في مستواهم من ناحية التدين والتفكير وأفق الفكر والخلُق ومعرفة أسرار العبودية.
فالحقيقة أن القرآن قد أنشأ جيلا من الصحابة آنذاك لا نبالغ إن قلنا إنهم كانوا في مستوى الملائكة. وحتى اليوم فهو يقوم بتنوير قلوب المتوجهين إليه الناهلين من نبعه، ويهمس في أرواحهم أسرار الوجود. والذين يَدَعون أنفسهم بكل أحاسيسهم ومشاعرهم وقلوبهم وقابلية إدراكهم تسبح في جوه الذي لا مثيل لـه سرعان ما تتغير عواطفهم وأفكارهم، ويحس كل واحد منهم بأنه قد تغير بمقياس معين وأنه أصبح يعيش في عالم آخر" (هَذَا بَصَائِرُ للنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَومٍ يُوقِنُونَ ) ويمكنك أن تقرأ في القرآن لكي تشعر بهذا بنفسك فهو متاح على الإنترنت.
والآن آن لنا أن نسأل أنفسنا هذا السؤال : من أين أتى محمد بالقرآن؟ هناك ثلاثة احتمالات لا رابع لها. إما أن يكون من كلام محمد نفسه وإما أن يكون من كلام شخص آخر كان يتصل به محمد بصورة غير معروفة في جميع الأماكن والأزمنة ليتلقى منه الآيات و إما أن يكون وحيا من عند الله أوحاه إليه عن طريق الملك الذي أنزل على جميع الأنبياء من قبل و هو روح القدس جبريل عليه السلام كما أخبر بذلك القرآن نفسه.
فإذا نظرنا إلى الاحتمال الأول سنجد أن القرآن صريح في لأنه لا صنعة فيه لمحمد ولا لأحد من الخلق لكنه منزل من عند الله بلفظه ومعناه. فأى مصلحة لمحمد لو كان القرآن من كلامه أن ينسب بضاعته لغيره وينسلخ منها انسلاخا ولو انتحلها لما وجد أحدا من البشر يعارضه ويزعمها لنفسه؟ إن قومه أنفسهم قد استبعدوا هذا الاحتمال- أن يكون القرآن من تأليف محمد- لإنه عاش بينهم أربعين سنة يحضر مشاهدهم و يتعامل معهم ولم تبد عليه أثارة من تلك العلوم التي لا عهد لهم بها قبل ذلك. (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ) ثم إنك تقرأ كلام النبي وأحاديثه في كتب السنة و تقرأ القرآن فلا تحس بأنهما خرجا من ذات المنبع بل تجد الفرق في الأسلوب بينهما واضحا هذا خطاب إلهي و ذاك كلام بشري.. ثم لماذا لم يحو القرآن لو كان من عند محمد خطرات نفسه و آلامه و أحزانه المختلفة التي مرت به و هو الذي مرت به الأحداث الجسام مثل وفاة زوجته خديجة و عمه أبي طالب في عام واحد و محاصرة المشركين له و لأصحابه في أحد شعاب مكة ثلاث أعوام و مقتل عمه حمزة ووفاة جميع أبنائه في حياته إلا فاطمة ولكنك لا ترى إشارة لذلك في القرآن.
وهل تكون الآيات التي تعاتب النبي في القرآن و توجهه و تأمره و تنهاه من وضعه؟ أيكون من عنده ثم يجعل فيه حين دعا على بعض المشركين (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) أم يكون من عنده ثم يقول فيه لنفسه (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاه ) أو يقول فيه (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) و ذلك حين أقسم ألا يتناول نوعا معينا من الطعام ؟ بل إنه عبس مرة في وجه رجل مسلم أعمى جاء يسأله عن شيء لإنه كان مشغولا بدعوة أشراف قريش إلى الإسلام فنزلت سورة عرفت بسورة عبس , بدايتها : (عَبَسَ وَتَوَلَّى {1} أَن جَاءهُ الْأَعْمَى {2} وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى {3} أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى )
ألم يكن أولى به – لو كان كما يدعي المبطلون كاذبا – أن يكتم هذه الآيات؟
بل كانت تنزل به النوازل من شأنها أنها تحفزه إلى القول و كانت حاجته القصوى تلح عليه أن يتكلم بحيث لو كان الأمر إليه لوجد له مقالا و مجالا و لكنه كانت تمضى به الليالى و الأيام تتبعها الليالى و الأيام و لا يجد فى شأنها قرآنا يقرؤه على الناس.
ألم يرجف المنافقون بحديث الإفك عن زوجه عائشة رضي الله عنها و أبطأ الوحي و طال الأمر و الناس يخوضون حتى بلغت القلوب الحناجر و هو لا يستطيع إلا أن يقول بكل تحفظ و احتراس " إنى لا أعلم عنها إلا خيرا" ثم إنه بعد أن بذل جهده فى التحرى و السؤال و استشارة الأصحاب و مضى شهر بأكمله و الكل يقولون ما علمنا عليها من سوء لم يزد على أن قال لها آخر الأمر " يا عائشة أما إنه بلغنى كذا و كذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله و إن كنت ألممت بذنب فاستغفرى الله " هذا كلامه بوحى ضميره و هو كما ترى كلام البشر الذى لا يعلم الغيب و كلام الصدّيق المتثبت الذى لا يتبع الظن و لا يقول ما ليس له به علم على أنه لم يغادر مكانه بعد أن قال هذه الكلمات حتى نزل صدر سورة النور معلنا براءتها و مصدرا الحكم المبرم بشرفها و طهارتها . فماذا كان يمنعه- لو أن أمر القرآن إليه- أن يتقول هذه الكلمة الحاسمة من قبل ليحمى بها عرضه و بذب بها عن عرينه و ينسبها إلى الوحى السماوى لتنقطع ألسنة المتخرصين ؟ و لكنه ما كان ليذر الكذب على الناس و يكذب على الله [ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ . لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ . فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ] [35]
والآن إذا انتقلنا إلى الاحتمال الثاني – وهو أن يكون أحدا من الإنس أو الجن قد أوحى بهذا القرآن العظيم والشريعة الكاملة إلى محمد – فبرغم من تهاوي كثير من أركان هذا الاحتمال بما سبق ذكره إلا أنه لا مانع من مناقشة بعض ما قد يحيك في صدر المتشكك أو يقذف به الشيطان في فؤاد المرتاب. أولا الذي يردد هذه الشبهة يلزمه أن يخبرنا من هو هذا الشخص – سواء كان إنسا أم جنا - الذي آتاه الله علوم الأولين والآخرين وأطلعه على الغيب و ما هو كائن إلى يوم القيامة و زوده بالعلوم والمعارف الحديثة التي لم تكن لتخطر على بال أوسع الناس خيالا حينئذ فأخرج لنا هذا الكتاب مصدقا لما بين يديه من الكتب السماوية و مهيمنا عليها لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه!! لا شك أن هذا الشخص - لو كان موجودا لكان عربيا لأن القرآن بلسان عربي مبين – فهل تظن أن بين العرب الذين كانوا يعيشون في جاهلية عمياء في ذلك الوقت من كان يمكنه أن يفيض قلبه عن بعض علوم هذا الكتاب؟ هب أن هذا كان صحيحا في الكتاب فمن أين أتى النبي بالسنة - وهي جميع أقواله وأفعاله- وبها من الإعجاز ما يداني إعجاز القرآن؟ وهل كان محمد ذو الذكاء الثاقب والفطنة الحادة مخدوعا طوال 23 سنة [36]يظن أنه يوحي إليه من عند الله و ما هو من عند الله؟!! إن أى قارئ في سيرة النبي محمد ليلحظ بكل وضوح أنه كان صادقا في دعوته وفي جهاده – أو على الأقل كان يظن ذلك – فهل تظن أن رحمة الله وعدله وكرمه كانت تترك رجلا بهذه الأخلاق النبيلة و السجايا الكريمة والنوايا الصادقة التي شهد عليها أعداؤه يُغرر به طوال هذه المدة؟؟ و لماذا لم يعلن هذا الشخص عن ذاته –لو كان موجودا –ويعرفنا بنفسه أو ينسب هذا القرآن لشخصه فينال بذلك عز الدنيا وشرف الدهر؟! ما الذي جناه هذا الشخص لنفسه من دعوة الناس للإيمان بالله و اليوم الآخر والالتزام بالأخلاق الفاضلة؟ ثم كيف يمكنه أن يضع شريعة فذة ونظاما كاملا للحياة شهد بروعته الفلاسفة والمفكرون غير المسلمين؟ هب أن هذا حدث أيمكنه أيضا أن ينصر هذه الدعوة من محاولات وأدها المستمرة ويُمكِّن لهذا الدين في الأرض إلى يومنا هذا ويحفظ مصادره الأساسية من الضياع على مدار التاريخ؟ إن هذا مما تأباه العقول السليمة والفطر السوية وصدق الله إذ يقول: (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ . وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ . إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ .فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ )
والآن لم يبق إلا أن يكون وحيا من عند الله أوحاه إلى محمد ليخرج الناس من الظلمات إلى النور عن طريق رسول كريم هو جبريل عليه السلام (مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) ولم يبق إلا أن تقرأ آيات القرآن وكلام النبي بنفسك و تتدبرهما بعقلك وقلبك وانظر هل يكون هذا إلا تنزيل من لدن حكيم عليم؟
البشارة
وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَد
بالرغم مما نال الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل من تحريف و تبديل إلا أن الله شاء أن تبقى البشارة بالنبي محمد إلى يومنا هذا واضحة وضوح الشمس يراها كل من له عينان نذكرها إن شاء الله لكي تطمئن بها قلوب و تبتهج بها أرواح. أما في العهد القديم فإننا نجد موسى عليه السلام يبشر بظهور نبي ورسول مثله فعندما ينـزل موسى عن جبل الطور بعد ما كلمه ربه يقول مخاطباً بني إسرائيل: " قال لي الرب: قد أحسنوا في ما تكلموا. أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه، وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلاماً لم أوصه أن يتكلم به، أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى، فيموت ذلك النبي.
وإن قلت في قلبك: كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب؟ فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصِر، فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب، بل بطغيان تكلم به النبي، فلا تخف منه " (التثنية 18 / 17 – 22 )
والنص كما هو واضح يتحدث عن نبي عظيم يأتي بعد موسى عليه السلام، ويذكر صفات هذا النبي، والتي نستطيع من خلالها معرفة من يكون.ويزعم النصارى أن هذا النبي قد جاء، وهو عيسى عليه السلام،
لكن النص دال على نبينا صلى الله عليه وسلم، إذ لا دليل عند النصارى على تخصيصه بالمسيح، إذ يذكر النص التوراتي أوصاف هذا المبعوث المبشر به:
1) ) أنه نبي " أقيم لهم نبياً "، والنصارى يدعون للمسيح الإلهية، بل يدعي الأرثوذكس أنه الله نفسه، فكيف يقول لهم: أقيم نبياً، ولا يقول: أقيم نفسي.
2) ) أنه من غير بني إسرائيل، بل هو من بين إخوتهم أي أبناء عمومتهم "من وسط إخوتهم"، وعمومة بني إسرائيل هم بنو عيسو بن إسحاق، وبنو إسماعيل بن إبراهيم.
ومن المعهود في التوراة إطلاق لفظ " الأخ " على ابن العم، وعليه فهذا النبي يحتمل أن يكون من العرب تحقيقاً للبركة الموعودة في نسل إسماعيل، وقد يكون من بني عيسو بكر إسحاق. لكن أحداً من بني عيسو لم يدع أنه النبي المنتظر.
(3) هذا النبي من خصائصه أنه مثل موسى الذي لم يقم في بني إسرائيل نبي مثله، وفي التوراة السامرية ما يمنع صراحة قيام مثل هذا النبي فقد جاء فيها: " ولا يقوم أيضاً نبي في بني إسرائيل كموسى الذي ناجاه الله" (التثنية 4/10(
وهذه الخصلة، أي المثلية لموسى متحققة في نبينا صلى الله عليه وسلم، ممتنعة في المسيح، حيث نرى الكثير من أمثلة التشابه بين موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، والتي لا نجدها في المسيح، من ذلك ميلادهما الطبيعي، وزواجهما، وكونهما صاحبا شريعة، وكل منهما بعث بالسيف على عدوه، وكلاهما قاد أمته، وملك عليها، وكلاهما بشر، بينما تزعم النصارى بأن المسيح إله، وهذا ينقض كل مثل لو كان.
(4) من صفات هذا النبي أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، والوحي الذي يأتيه وحي شفاهي، يغاير ما جاء الأنبياء قبله من صحف مكتوبة" وأجعل كلامي في فمه"، وقد كان المسيح عليه السلام قارئاً(انظر لوقا 4/16-18.(
5) ) أنه يتمكن من بلاغ كامل دينه، فهو " يكلمهم بكل ما أوصيه به ". وهو وصف منطبق على محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كان من أواخر ما نزل من القرآن عليه صلى الله عليه وسلم قوله تعالى ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً )
وقبيل وفاة موسى عليه السلام ساق خبراً مباركاً لقومه بني إسرائيل، فقد جاء في سفر التثنية: "هذه البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته، فقال: جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس، وعن يمينه نار شريعة...."( التثنية 33/1-3.(
وجبل فاران هو جبل بمكة و يؤيد ذلك ما تقوله التوراة عن إسماعيل: " كان الله مع الغلام فكبر.وسكن في البرية وكان ينمو رامي قوس، وسكن في برية فاران، وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر " (التكوين21/20-21).) فالمقصود إذن بتلألأ الرب من جبل فاران هو بعثة النبي محمد من مكة ليكون إماما للمؤمنين ورحمة للعالمين
أما في العهد الجديد فإننا نجد البشارة أيضا واضحة ففي متى 43:21 قال المسيح لليهود : ( أقول لكم: إن ملكوت الله سينزع من أيديكم ويسلم إلى شعب يؤدي ثمره. ) فمن يا ترى هذا الشعب ؟ إن تلاميذ المسيح كانوا من بني إسرائيل حتى بولس كان من بني إسرائيل أيضا ولهذا لا يمكن تفسير كلام المسيح أن المقصود به هم تلاميذه. ولا يمكن أن يكون مقصود المسيح هم الوثنيون الذين اعتنقوا مبادىء بولس وإلا أي ثمرة هذه التي أداها الوثنيون لمبادىء المسيح وأي ملكوت لله هذا الذي سلم للوثنيين؟ لم يبق إذن إلا أن يكون مقصود المسيح هم المسلمون الذين عظموا المسيح وأمه ورفعوا راية التوحيد في الأرض وحملوا لواء العبودية لله رب العالمين. وفي إنجيل يوحنا (1/19-21) أرسل اليهود من أورشليم بعض الكهنة واللاويين يسألون يوحنا : «من أنت؟» فاعترف ولم ينكر، بل أكد قائلا: «لست أنا المسيح». فسألوه: «ماذا إذن؟ هل أنت إيليا؟» قال: «لست إياه!»؛ «أو أنت النبي؟» فأجاب: «لا» نجد ذكرا لثلاثة أشخاص هم إيليا والمسيح والنبي. فمن يا ترى يكون هذا النبي الذي كان اليهود ينتظرونه غير النبي محمد ؟ وفي موضع آخر من إنجيل يوحنا حيث يبشر بمجيء النبي المنتظر يقول المسيح موصياً تلاميذه: " إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر، ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم، ويكون فيكم... إن أحبني أحد يحفظ كلامي، ويحبه أبي وإليه نأتي، وعنده نصنع منـزلاً. الذي لا يحبني لا يحفظ كلامي، والكلام الذي تسمعونه ليس لي، بل للآب الذي أرسلني، بهذا كلمتكم وأنا عندكم، وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم …. قلت لكم الآن قبل أن يكون، حتى متى كان تؤمنون " (يوحنا14/15 – 30)
وفي الإصحاح الذي يليه يعظ المسيح تلاميذه طالباً منهم حفظ وصاياه، ثم يقول:"إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية، ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم" (يوحنا 15/26( 16/14-
ونبينا محمد هو روح الحق الذي مكثت تعاليمه إلى الأبد وعلمنا كل شيء و هو الذي مجد المسيح فنزهه مما نسبه إليه اليهود وهو الذي لا يتكلم من قبل نفسه ولكن ( مَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى . عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى )
وليس المقصود بقوله: " لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم" الرؤية البصرية والمعرفة الحسية، بل المعرفة الإيمانية. ومثله ما جاء في يوحنا"أجاب يسوع: لستم تعرفونني أنا، ولا أبي، لو عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً" (يوحنا 8/19(ومثله في الأناجيل كثير.
و كلمة المعزي التي في الترجمة الحالية للإنجيل هي ترجمة خاطئة للكلمة اليونانية البارقليط الموجودة كما هي في تراجم عالمية أخري والتي كانت موجودة حتى القرن التاسع عشر كما هي في الترجمة العربية للإنجيل مما يدل على أنها اسم علم.
وفي تفسير كلمة " بارقليط " اليوناني نقول: إن هذا اللفظ اليوناني الأصل، لا يخلو من أحد حالين، الأول أنه "باراكلي توس". فيكون بمعنى: المعزي والمعين والوكيل.
والثاني أنه " بيروكلوتوس "، فيكون قريباً من معنى: محمد وأحمد.
ويقول أسقف بني سويف الأنبا أثناسيوس في تفسيره لإنجيل يوحنا " إن لفظ بارقليط إذا حرف نطقه قليلاً يصير "بيركليت"، ومعناه: الحمد أو الشكر، وهو قريب من لفظ أحمد".
ويسأل عبد الوهاب النجار الدكتور كارلو نيلنو – الحاصل على الدكتوراه في آداب اليهود اليونانية القديمة- عن معنى كلمة " بيركلوتس " فيقول: " الذي له حمد كثير".
ويرى عبد الأحد داود أن تفسير الكنيسة للبارقليط بأنه " شخص يدعى للمساعدة أو شفيع أو محام أو وسيط " غير صحيح، فإن كلمة بارقليط اليونانية لا تفيد أياً من هذه المعاني، فالمعزي في اليونانية يدعى (باركالوف أو باريجوريس)، والمحامي تعريب للفظة (سانجرس)، وأما الوسيط أو الشفيع فتستعمل له لفظة " ميديتيا "، وعليه فعزوف الكنيسة عن معنى الحمد إلى أي من هذه المعاني إنما هو نوع من التحريف. يقول الدكتور سميسون في كتاب "الروح القدس أو قوة في الأعالي": "الاسم المعزي ليس ترجمة دقيقة جداً". بل إن أدوين جونس في كتابه " نشأة الديانة المسيحية" يعترف بأن معنى البارقليط: محمد، لكنه يطمس اعترافه بكذبة لا تنطلي على أهل العلم والتحقيق، فيقول بأن المسيحيين أدخلوا هذا الاسم في إنجيل يوحنا جهلاً منهم بعد ظهور الإسلام وتأثرهم بالثقافة الدينية للمسلمين.
ومما يؤكد أن لفظة روح الله دالة على الأنبياء أيضاً، ما جاء في رسالة يوحنا الأولى: "فلا تؤمنوا أيها الأحباء بكل روح من الأرواح، بل امتحنوا الأرواح حتى تعلموا هل هي من عند الله أم لا ؟ لأن كثيرين من الأنبياء الكذبة برزوا إلى هذا العالم " ( يوحنا(1) 4/1-2 )، فالأنبياء الصادقون هم روح الله، والأنبياء الكذبة هم روح الشيطان.
وبين يوحنا كيفية معرفة روح الحق من روح الضلال، فقال: " بهذا تعرفون روح الله: كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فهو من الله، وكل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فليس من الله، وهذا هو روح ضد المسيح الذي سمعتم أنه يأتي، والآن هو في العالم" (يوحنا (1) 4/2 - 6.(
ورسولنا هو روح الحق بدليل قول يوحنا، لأنه يعترف بالمسيح أنه رسول من عند الله، وأنه جسد، وأنه من الله كما سائر الناس هم من الله أي الله خلقهم.أما تفسير الكنيسة للبارقليط بأنه روح القدس بالمعنى الذي وضعته للأقنوم فهو تفسير خاطيء عقليا لعدة أمور:
أولا أن نصوص العهد القديم صريحة في أن الروح القدس كان موجودا أثناء حياة المسيح والأنبياء قبله يؤيدهم ويؤيد أتباعهم[37]في حين أن النبوءة فيها " إذا لم أذهب فإنه لا يأتيكم "
ثانيا أن النصارى يعتقدون باتحاد أقنومي المسيح وروح القدس فكيف يكونا متحدين ويرسل أحدهما الآخر؟؟
ثالثا قال المسيح عن البارقليط
ثالثا يلزم من يقول هذا أن يخبرنا ما الذي قدمه هذا الأقنوم للعالم خلال الألفي عام الماضية فمكث فيه للأبد وذكرهم بكل ما قاله المسيح ولم يستطع العالم أن يقبله وما هي النبوءات التي أخبر بها مؤلفو العهد الجديد وحدثت بالفعل. [38]
رابعا قول المسيح عن البارقليط كل ما يسمع يتكلم به يدل على أنه يتكلم في حين أن اعتقاد النصارى في الروح القدس أنه يلهم و يدل أيضا على أن كلامه ليس من عند نفسه و لكنه يبلغ ما يسمعه في حين يعتقد النصارى أن الروح القدس إله مساو لله فكيف يكون إلها ولا يتكلم من عند نفسه؟
خامسا قوله قلت لكم قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون يوحي بأن الذي يتحدث عنه المسيح لم يكن موجودا أصلا أثناء الكلام في حين أن الروح القدس كان موجودا و يوحي أيضا بأن هذا الشخص الذي يتحدث عنه المسيح سوف تدعو الناس للإيمان بنفسه و لكن أكثر الناس لن يقبلوه لذا دعا المسيح تلاميذه للإيمان به في حين أن تأثير الروح القدس الذي يدعيه النصارى في إلهام كتبة الأناجيل تأثير خفي لا يستلزم من أحد الإيمان بشيء محدد يترتب عليه ثواب وعقاب ويجعل المسيح يركز عليه بهذه الطريقة .
وبذلك فإننا نرى في البارقليط النبوءة التي ذكرها القرآن الكريم ( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ )
إلى الذين تهفو أرواحهم شوقا إلى نور الله .. إلى الذين تساءلت عقولهم كثيرا فلم يجدوا لهم آذانا صاغية ولم يجدوا جوابا شافيا .. إلى كل من اشتاق لأن يعرف الحقيقة ناصعة البياض لا لبس فيها ولا غموض .. ها قد آن الأوان لذلك
الإسلام
وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
عندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم ما الإسلام كان أول ما قال: ( أن تعبد الله ولا تشرك به) وإذا نظرت في القاموس عن معنى كلمة إسلام ستجد أن معناها الحرفي لها هو الإذعان والانقياد و الاستسلام. ولما كان كل موصوف له من اسمه نصيب فالإسلام إذن يعني أن تُسلم الوجه والقلب والجوارح وجميع أمورك لله رب العالمين فلا تكون عبادتك وقصدك وتوجهك في جميع تصرفاتك إلا إلى إلـه واحد هو الله عز وجل وأن تنقاد بجسدك وقلبك وروحك لأمر الله ونهيه وأن تستسلم لحكمه وتقف عند حدوده هذا باختصار هو الإسلام. (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ )
والإيمان بالله على النحو السابق يستلزم عدة أمور منها أن تؤمن أن الله واحد في ذاته لا قسيم له ولا ند له ولا معبود بحق سواه وأن تؤمن بربوبيته سبحانه فلا شريك له أى أنه وحده هو خالق السماوات والأرض من العدم وأنه هو وحده الذي يملك أمور جميع الخلائق من خلق ورزق وإماتة وإحياء قال تعالى (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ . فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ )
و أن الله له الأسماء الحسنى والصفات العلى فلا شبيه له ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ )[39] وأنه منزه عن النقص والقصور و عن الزوجة والولد(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) وأنه لا يشبه أحدا من خلقه فهو فوق خلقه أجمعين محيط بهم بعلمه وسمعه وبصره وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد له السلطان والقهر، والخلق والأمر السماوات مطويات بيمينه، والخلائق مقهورون في قبضته ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ) وهو أول ليس قبله شيء وآخِر ليس بعده شيء فلا يفني ولا يموت ولا تأخذه سِنة ولا نوم و لا يحدث أمر في هذا الكون إلا بقضائه وقدره، وحكمته ومشيئته. فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن لا يخرج عن مشيئته لفتة ناظر، ولا فلتة خاطر بل هو المبدئ المعيد، الفعال لما يريد (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ) لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه ولا مهرب لعبد عن معصيته، إلا بتوفيقه ورحمته ولا قوة له على طاعته، إلا بمشيئته وإرادته فلو اجتمع الإنس والجن، والملائكة والشياطين على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها دون إرادته ومشيئته، لعجزوا عن ذلك . ( ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ . لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ )
لذا فهو وحده المستحق للعبادة –والعبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله من أعمال القلوب والجوارح –فلا يستعان إلا به ولا يُتوكل إلا عليه ولا يُخاف إلا منه ولا يرجى إلا إياه هذا هو التوحيد الذي دعا إليه جميع الأنبياء فكان كل منهم يقول لقومه ( اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ ) و الإيمان بالله يستلزم من العبد أن يؤمن بجميع رسله من لدن آدم حتى محمد – صلى الله عليه وسلم –وهو خاتمهم وأفضلهم وبالكتب المنزلة على هذه الرسل مثل التوراة والإنجيل والقرآن وأن تؤمن بملائكة الله و اليوم الآخر ( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) حين يجمع الله الناس ثم يحاسبهم و يدخل المؤمنين الجنة -دار كرامته ويعذَب الكافرون في النار. وللإسلام أركان لا يتم إلا بها هي شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا.
هذا هو الإسلام عقيدة صافية نقية لا تعقيد فيها ولا ألغاز ولا أسرار يستأثر بها البعض دون البعض. دين لا يتعارض مع الفطرة البشرية. دين يجعل مسئولية الإنسان أمام الله وحده ويجعل كل إنسان مسئول عن عمله وحده فلا تزر وازرة وزر أخرى. دين لا يجعل بين الله والإنسان وساطة ولا تباع فيه صكوك غفران ولا يملك أحد - حتى النبي نفسه - أن يغفر لأحد أو يدخله الجنة بل يجعل علاقة الإنسان بربه علاقة مباشرة. دين جعل قلب الإنسان معلقا بربه لا بصورة ولا تمثال ولا قطعة خشب أو حديد على أى شكل كانت. دين لا طبقية فيه ولا أفضلية لأحد دون أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح قال رسول الله لابنته فاطمة : (يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا ) . دين لا يفرق في حدوده بين وزير و غفير قال رسول الله ( وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ). دين يحترم عقل الإنسان ولا يحجر على تفكيره بل دعا إلى التفكير والنظر والتدبر في آيات الله المتلوة والمبثوثة في كونه[40]. دين لا يتعارض مع مستجدات العلم و مطالب الحياة مهما تقدمت بالإنسان العهود. دين وضع أفضل منهج للتعامل مع غرائز الإنسان فلا رهبانية معقدة [41]و لا إباحية منحلة ولكن منهج وسط يعترف بحاجات الإنسان و يوفر له أطهر السبل لإشباعها. دين لم تقم فيه سلطة مقدسة تحكم باسم الإله زاعمة أن حقها في الحكم والتشريع مستمد من قرابتها أو تفويضها من الله ولم تظهر فيه كنيسة تستذل رقاب الناس بوصفها الممثلة لابن الله; المستمدة لسلطانها من سلطان الابن أو سلطان الأقنوم .[42]دين عرّف الإنسان بنفسه ومكانه في هذا الكون وحرره من عبوديته لذاته أو لبشر مثله و أخبره بالغاية من وجوده في هذه الحياة وهي ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون ). جعل الإسلام حياة الإنسان كلها تصب في هذه الغاية فصار لها معنى وصارت كل حركة من حركات الإنسان يبتغي بها وجه الله حتى اللقمة يضعها الرجل في فم زوجته يثاب عليها من الله. الإسلام ليس مجرد شعائر منفصلة عن الحياة تؤدي في دور العبادة ولكنه منهج متكامل للحياة جاء ليتولى قيادة الحياة البشرية وتنظيمها وتوجيهها وصيانتها فما ترك جانبا من جوانب الحياة إلا تناوله بالرعاية والإصلاح. الإسلام لم يغفل غرائز الإنسان أو يتجاهلها ولكنه يعترف بها ويرشّـدها [43]. الإسلام هو الدين الذي أنشأ من ظلمات الجاهلية في غضون مائتي عاما حضارة أذهلت العالم و صارت مؤلفاتها هي المورد العلمي الأول لجامعات أوروبا في حين أن النصرانية احتاجت إلى نحو من ألف وخمسمائة سنة لكي تنشئ ما يمكن أن يدعى حضارة مسيحية!![44]والإسلام هو الدين الذي يقف اليوم في مواجهة جميع أديان العالم التي توحدت ضده مما يدل على أنه هو الحق إذ أن الباطل يتعدد والحق لا يتعدد. و هو الدين الوحيد الذي يضع أنبياء الله في أسمى مكانة و أرفع منزلة و يجعلهم معصومين من الزلل و المعاصي. وهو الدين الذي صلاته هي أجمل الصلوات وأخشعها يقف فيها الغني بجوار الفقير في صفوف منتظمة .. الكل سواسية يناجون ربهم ويسألونه وحده المغفرة بلا غناء ولا موسيقى ولا تصفيق.[45]دين متميز حتى في ندائه للصلاة بالأذان. فالأذان له معنى ويحوى ركائز العقيدة وليس مجرد صلصة أجراس أو ضجيج أبواق. دين جعل نظافة البدن وطهارة الإنسان شعيرة من شعائره التي لا تجد لها مثيلا في غيره. دين لا يحتاج أتباعه لإجراء تغييرات وتعديلات فيه كلما جد عليهم جديد لإن شريعته منزلة من عند الله العليم الحكيم الذي يعلم كل شيء وأثبت التاريخ و التجارب البشرية أنها الوحيدة الصالحة لقيادة ركب الحياة في كل زمان ومكان. وهو الدين الذي نقلت إلينا تصرفات نبيه وأقواله وأفعاله وحركاته وسكناته كاملة ووجدناها مثالا للخلق الفاضل المستقيم وهو الذي ظل كتابه محفوظا بحفظ الله منذ نزل إلى اليوم فتجد الآية التي تطبع اليوم في أحدث المصاحف هي نفسها التي كانت مكتوبة على الجريد أيام الرسول والآية التي يتلوها المسلم الأمريكي هي نفسها التي يتلوها المسلم الصيني. ( فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ. أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ )[46]
المسيح عليه السلام
وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار
يتبوأ المسيح عيسى بن مريم وأمه عليهما السلام مكانة سامية في الإسلام فالمسيح هو كلمة الله و روح منه ألقاها إلى مريم عليهما السلام وهو بشر كما أن الرسل جميعا من البشر وهو رسول من أولي العزم من الرسل [47]و هم أفضل الرسل جميعا وذًكر في القرآن أكثر من 25 مرة وأمه مريم بنت عمران من أفضل نساء العالمين لم تُذكر امرأة باسمها في القرآن غيرها. قال تعالى في سورة آل عمران :
( وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ {42} يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ {43} ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ {44} إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ {45} وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ {46} قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُلَهُ كُن فَيَكُونُ {47} وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ {48} )
و قد كانت حياة المسيح مليئة بالمعجزات من لحظة ولادته حتى رفعه إلى السماء فقد كانت ولادته معجزة إلهية جعلها الله آية للعالمين حيث ولد من غير أب و قد وصف الله أحداث ولادته في سورة مريم [48]فقال تعالى :
( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً {16} فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً {17} قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً {18} قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً {19} قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً {20} قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً {21} فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً {22} فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً {23} فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً {24} وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً {25} فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً {26} فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً {27} يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً {28} فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً {29} قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً {30} وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً {31} وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً {32} وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً {33} ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ
الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ {34} مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ {35} وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ {36} فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيم )
ثم أمده الله بالمعجزات الدالة على نبوته كما أمد الرسل من قبله بالمعجزات. قال تعالى حاكيا عن عيسى بن مريم: ( وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ {49} وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ {50} إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ )
ثم يذكر الله ختام قصة عيسى مع بني إسرائيل عندما كذبوه و كفروا به : ( فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ {52} رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ {53} وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ {54} إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ {55} فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ {56} وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ {57} ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ {58} إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ {59} الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ)
وذلك أن اليهود حاولوا قتل عيسى عليه السلام فنجاه الله منهم وتوفاه بالنوم ثم رفعه إلى السماء الثالثة فهو يحيا فيها حتى ينزل قبل يوم القيامة و أُلقى شبهه على شخص غيره فأخذه اليهود وقتلوه. قال تعالى عنهم:( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً . بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيما ) و عندما ينزل عيسى بن مريم في آخر الزمان فإنه سوف يكسر الصليب ولا يقبل إلا الإسلام وتندحر الملل الكافرة و يعم السلام وتكثر البركة وتُرفع الشحناء والضغينة قال صلى الله عليه وسلم " الأنبياء إخوة لعلات دينهم واحد وأمهاتهم شتى وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض سبط كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل بين ممصرتين فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويعطل الملل حتى يُهلك الله في زمانه الملل كلها غير الإسلام ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال الكذاب وتقع الأمنة في الأرض حتى ترتع الإبل مع الأسد جميعا والنمور مع البقر والذئاب مع الغنم ويلعب الصبيان والغلمان بالحيات لا يضر بعضهم بعضا فيمكث ما شاء الله أن يمكث ثم يُتوفى فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه.." [49] وقد وردت على لسان نبينا عدة نصوص في فضل المسيح ومريم الصديقة عليهما السلام فقد قال
النبي صلى الله عليه وسلم :(ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها ) وقال (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء: إلا مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون ) وقال :(رأى عيسى بن مريم رجلاً يسرق فقال له: أسرقت؟ قال: كلا، والذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني ) وقال عن الرجل الذي يؤمن بعيسى قبل أن يسمع عن محمد [img]style_images/1/p1.gif'> (إذا آمن بعيسى، ثم آمن بي فله أجران ) وقال-وهذا الحديث بشرى لكل نصراني- :(من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) [50]وقد كانت رسالة المسيح عليه السلام متممة لرسالة موسى و مبشرة برسالة محمد باسمه الصريح كما مر بنا – "حتى متى كان تؤمنون" – وكانت لبني إسرائيل فقط و لم تكن هي الرسالة الأخيرة للبشرية لذلك لم يشأ الله أن يظل الإنجيل ولا كلام المسيح محفوظا بكامله للناس.
والآن بعد أن عرفت نظرة الإسلام للمسيح عليه السلام فإني سائلك: ترى لو كان هذا الدين من عند محمد ولم يكن محمد رسولا من عند الله ما الذي دعاه لأن ينظر للمسيح هذه النظرة المعتدلة بعيدا عن غلو النصاري إلى تقديسه وانحراف اليهود إلى عدائه؟ ألم يكن أحرى به لو كان كاذبا أن ينحاز إلى إحدى الطائفتين لكي ينال تأييدها بدلا من أن يواجههما جميعا؟ ما الذي كان يمنعه لو كان كاذبا أن يدعى أن إلهه الذي يعبده هو المسيح –ولم يكن لينكر عليه أحد– فينال بذلك تأييد الدولة الرومانية القوية بالإضافة لنصارى الجزيرة العربية؟ (فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ )
والآن لنحاول مناقشة بعض ما يعتقده الناس في المسيح عليه السلام بهدوء بعيدا عن التعصب الأعمى .
لعلك إذا سألت أفراد الأسرة النصرانية الواحدة عن طبيعة المسيح عليه السلام تسمع إجابات شتى فمن قائل هو الله – تعالى الله عما يصفون – و من قائل هو ابن الله والمثقف منهم سيقول لك إن به جزء بشري يسمى ناسوتا و جزء إلهي يسمي لاهوتا !! و هذا انعكاس للغموض الذي يكتنف شخصية المسيح لدى النصارى و للتعقيد الذي أقحمته الكنيسة في مسألة الإله وهي التي من المفترض أن تكون من أبسط أمور العقيدة لدى الإنسان. ويتفق عموم النصارى على أن هذا الإله أو نصف الإله لم يكن بالقوة الكافية حتى نالت منه يد البشر بالتعذيب والإهانة والصلب في حادثة هي أشبه بالتمثيليات الدرامية أو الأساطير البدائية منها إلى الحقيقة الإلهية! ومن العجيب أن يُعتقد أن هذه الجريمة الكبرى من البشر في حق الإله إنما كانت سببا لخلاص البشر و مغفرة خطاياهم وذنوبهم التي هي أقل خطرا بكثير من محاولة قتل الإله نفسه !! و لأن كل من هذه العقائد أصبحت مسلمات راسخة في عقول كثير من الناس غير خاضعة للنقاش ولا التفكير فهذه دعوة لكل باحث عن الحقيقة بصدق لكي يعيد النظر فيما يعتقده و تربى عليه ولم تتح له فرصة للنقاش فيه من قبل.
هب أنك أخطأت في حق والدك خطأ يسيرا و أغضبته وبينما أنت نادم وتحاول أن ترضي أباك إذا بأخيك الأصغر تأخذه عاطفة الأخوة و التضحية فتفتق ذهنه عن فكرة غبية وهي أن يضحي بنفسه من أجلك فيسلم لك نفسه لكي تقتله أمام أبيك و بذلك يتحمل هو الإثم عنك وتنجو أنت من تبعة الذنب ووخز الضمير فهل تقبل أنت أو يقبل أبوك هذا الكلام؟؟ فكيف لو اقترح عليك أخوك أن تقتل والدك نفسه تكفيرا عن خطيئتك؟! بالطبع هذا كلام لا يقبله عقل. ولكن لماذا تقبله في حادثة الصلب المزعومة وترضاه للمسيح عليه السلام ولا ترضاه لأخيك الصغير؟ لعلك تجيب بأن المسيح ما نزل إلى الأرض أصلا إلا لهذه المهمة وهي التضحية بنفسه لكي يغفر الله خطايا البشر! وإني أسألك: الذي يريد أن يضحي بنفسه من أجل إنسان يتحمل عنه الآلام أم يتحمل منه الآلام؟؟! هل خطيئة آدم بأكله | |
| |