مصادر التشريع عند الإباضية كما يقول الشيخ علي يحي معمر هي: القرآن والسنة والإجماع والقياس، والاستدلال ويندرج تحته الاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة . وبعض علماء الإباضية يطلقون على الإجماع والقياس والاستدلال كلمة الرأي فيقولون أن مصادر التشريع هي القرآن والسنة والرأي وبسبب ذلك أخطأ بعض ممن كتب عنهم فظن أنهم ينكرون الإجماع.
ومن أصولهم التشريع ما يلي:
• إذا تعارض قول الرسول (صلى الله عليه وسلم ) وعمله، ولا يمكن الجمع بينهما، فالقول أقوى لأنه أساسا موجه إلينا أما عمله فيحتمل الخصوصية. ومن أمثلة ذلك ما رواه الترمذي عن أبي هريرة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) قال" من أصبح جنبا أصبح مفطرا" والذي يعارضه الحديث الذي رواه البخاري عن عائشة أنه كان يصبح جنبا وهو صائم. فالإباضية يأخذون بحديث أبي هريرة بناء على هذا الأصل، وهو الأحوط ، أما غيرهم فيأخذون بحديث عائشة بحكم أنه في البخاري وهو عمل النبي (صلى الله عليه وسلم )
• الحديث الأحادي لا يحتج به في أمور العقائد لأنه يوجب العمل ولا يوجب العلم فلا تبني عليه المعتقدات لأن المعتقدات يجب أن تنشأ عن الحجج اليقينية القطعية ولا تنشأ عن الحجج الظنية ونتيجة لذلك فقد اختلفوا مع المذاهب الأخرى في بعض فروع العقائد. ومنها رؤية الله تعالى في الآخرة وخلود مرتكب الكبيرة في النار إن لم يتب .
• الأعمال التي صدرت عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) في بعض العبادات لسبب عارض، أو فعلها ولم يعد إليها، أو لم يثبت أنه داوم عليها ، لا يعتبروها سنة، وإنما يرونها واقعة حال يمكن الإتيان بها في ظروف مشابهة فقط ، ومنها:القنوت في الصلاة، ورفع الأيدي عند التكبير والجهر بكلمة آمين بعد الفاتحة.
• أساس العقيدة في الله تبارك وتعالى هو التنزيه المطلق فلا يشبهه ولا يشبه شيئا من الخلق وما جاء في القرآن الكريم أو في السنة النبوية المطهرة مما يوهم التشبيه فانه يؤول بما يفيد المعنى ولا يؤدى إلى التشبيه ويبتعدون كل البعد عن وصفه تعالى بما يوهم التشبيه ويثبتون له الأسماء الحسنى والصفات العليا كما أثبتها لنفسه.
أما أهم المراجع و الكتب و التي دافعت دفاعا مستميتا عن القرآن الكريم و السنة الشريفة , و بينت صدق و صحة الإباضية فهي :
• شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب.
• المدونة الكبرى في جزأين للعلامة أبي غانم الخرساني .
• قاموس الشريعة للعلامة جميل بن خميس السعدي , وهو يشتمل على 92 مجلدا .
• بيان الشرع للعلامة محمد بن ابراهيم الكندي , و يشتمل على 72 مجلدا .
• المصنف للعلامة أبي بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي , و يشتمل على 72 مجلدا .
• مؤلفات محمد بن يوسف اطفيش , لاسيما كتابه : النيل و شفاء العليل , و تيسير التفسير .
• مشارق أنوار العقول في جزئين للعلامة عبد الله بن حميد السالمي , و كذلك كتابه : اللمعة المرضية من أشعة الإباضية.
• مؤلفات العلامة علي يحيى معمر خاصة كتبه : الإباضية في موكب التاريخ في أربعة أجزاء , و الإباضية بين الفرق الإسلامية , و الإسلام و القيم الإنسانية.
• الحق الدامغ للشيخ أحمد الخليلي.
• كتاب : في رحاب القرآن , و الذي يشمل تفسير الإمام الشيخ العلامة : إبراهيم بيوض , للقرآن الكريم
أئمة الإباضية الأولون
• الإمام جابر بن زيد التميمي.
• الإمام عبد الله بن إباض
• الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة
• الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي
• الإمام أبو بلال مرداس بن حدير
أئمة الدولة الرستمية
• الإمام عبد الرحمن بن رستم
• الإمام أفلح بن عبد الوهاب
أعلام الإباضية
• الشيخ علي يحي معمر
• الدكتور عمرو خليفة النامي
• الشيخ إبراهيم بيوض
• الشيخ أبو اليقضان إبراهيم
• المجاهد سليمان الباروني
• الشيخ أحمد الخليلي
• الشيخ أبو اسحق إبراهيم اطفيش
مراجع
• الدكتور عمرو النامي , لكتاب أجوبة ابن خلفون: 9-12
• كتب سير الأئمة و أخبارهم, أبي زكريا يحي بن أبي بكر, ديوان الوطني للمطبوعات الجامعية,1984 الجزائر.
• موقع أشعة من الفكر الاباضي
دور الكندي في الفلسفة
كان يعقوب بن اسحاق الكندي (805 - 873) أول مسلم حاول إستعمال المنهج المنطقي في دراسة القرآن , كانت أفكار الكندي متأثرا نوعا ما بفكر المعتزلة ومعارضا لفكر أرسطو من عدة نواحي . نشأ الكندي في البصرة و إستقر في بغداد وحضي برعاية الخليفة العباسي المأمون, كانت إهتمامات الكندي متنوعة منها الرياضيات و العلم و الفلسفة لكن إهتمامه الرئيسي كان الدين [18].
بسبب تأثره بالمعتزلة كان طرحه الفكري دينيا وكان مقتنعا بأن حكمة الرسول محمد النابعة من الوحي تطغى على إدراك وتحليل الإنسان الفيلسوف هذا الرأي الذي لم يشاركه فيه الفلاسفة الذين ظهروا بعده . لم يكن إهتمام الكندي منصبا على دين الإسلام فقط بل كان يحاول الوصول الى الحقيقة عن طريق دراسة الأديان الأخرى وكانت فكرته هو الوصول الى الحقيقة من جميع المصادر ومن شتى الديانات و الحضارات [19].
كان الخط الفكري الرئيسي للكندي عبارة عن خط ديني إسلامي ولكنه إختلف عن علماء الكلام بعدم بقاءه في دائرة القرآن و السنة وإنما خطى خطوة إضافية نحو دراسة الفلسفة اليونانية وقام بإستعمال فكرة أرسطو والتي كانت مفادهاان الحركة وإن كانت تبدو عملية لا متناهية فإن مصدرها الثبات وإن هذه الكينونة الثابتة هي التي حولت الثبات الى حركة فقام الكندي بطرح فكرة مشابهة ألا وهي إن لا بد من وجود كينونة ثابتة وغير متحركة لتبدأ نقطة إنطلاق حركة ما. كان الكندي لحد هذه النقطة موافقا لأرسطو ولكنه ومن هذه النقطة أدار ظهره لفكر أرسطو ولجأ الى القرآن لتكملة فكرته عن الخلق و النشوء وإقتنع بأن الله هو الثابت وإن كل المتغيرات نشأت بإرادته [20].
لكن الفلسفة التقليدية اليونانية كانت لاتعترف بهذه الفكرة على الإطلاق وعليه فإن الكندي حسب تعريف المدرسة الفكرية اليونانية لايمكن وصفه بفيلسوف حقيقي ولكنه كان ذو تأثير على بداية تيار فكري حاول التناغم بين الحقيقة الدينية و الميتافيزيقيا [21].
و في عصره (عصر المعتصم) سيحاول الكندي أن ينخرط في معركة "نصرة العقل" ضد أفكار الهرمسية و الأفلاطونية المحدثة لذلك سنجده يؤلف "الرد على المنانية و المثنوية" و سيرفض نظرية الهرمسية و الأفلاطونية المحدثة عن وجود جملة من العقول السماوية (و هي الطريقة التي تجعل بها الهرمسية وسائط بين العقل الكلي أو العقل العاشر الفعال و الإنسان ) و هي أساس نظرية الفيض التي تجعل معرفة الإنسان قابلة للحصول عن طريق الفيض أو الغنوص [2]. يرفض الكندي هذا الاتصال و يميز بين "علم الرسل" الذي يحدث عن طريق الوحي (الوسيلة الوحيدة بين الله و الإنسان ) و "علم سائر البشر" الذي لا يحدث إلا عن طريق البحث و الاستدلال و الاستنتاج . في مجال الوجود و على عكس الفلاسفة اللاحقين سيتنى الكندي فكرة "حدوث العالم" مستندا إلى مجموعة من المفاهيم الأرسطية : فجرم العالم متناه و الزمان متناه أيضا و الحركة متناهية , إذا العالم متناه و محدث : حسب تعبير الكندي : " الله هو العلة الأولى التي لا علة لها الفاعلة التي لا فاعل لها المتممة التي لا متمم لها , المؤيس الكل عن ليس و المصير بعضه لبعض سببا و علة " . و واضح هنا أن أثر الثقافة الإسلامية واضح في كلام الكندي الذي لم يصله الكثير بعد من ترجمات كتب أرسطو .
إضافة لذلك يقرر الكندي أن الحقيقية الدينية و الحقيقة الفلسفية واحدة فلا تناقض بينهما , غير أن ظاهر النص قد يوحي ببعض الاختلاف إذا لم يعمل العقل في مجال تأويل معقول .
بالمقابل سيؤلف الكندي "رسالة في الفلسفة الأولى" ليهديها إلى الخليفة المعتصم و هي بمجملها تخطئة لموقف الفقهاء و المتكلمين من علوم الأوائل (الفلسفة) و الدعوة إلى الاستفادة لما ورد في علوم الأوائل من علوم مفيدة . الرسالة بمجملها تعتبر دفاعا عن الفلسفة وسط حالة الرفض لكل ما هو أجنبي لكنها لاترقى إلى تأسيس فهم و ترسيخ الفكر الأرسطي بشكل واضح [3].
دور الرازي في الفلسفة
تميز الجيل الذي ظهر بعد الكندي بصفة اكثر حزما وراديكالية , فكان أبو بكر الرازي (864 - 923) الذي وصف بكونه ذو تيار فكري رفض إقحام الدين في شؤون العقل ورفض في نفس الوقت نظرة أرسطو للميتافيزيقيا وكان فكره أقرب الى الغنوصية أو (العارفية) حيث قال الرازي إن من المستحيل ان يكون منشأ المادة عبارة عن كينونة روحية ورفض الرازي ايضا فكرة والتي كانت مفادهاان الحركة وإن كانت تبدو عملية لا متناهية فإن مصدرها الثبات ورفض في نفس الوقت تحاليل علماء الكلام عن الوحي و النبوة [22].
كان الرازي مقتنعا إن التحليل العقلي و المنطقي هي الطريقة الوحيدة للوصول الى المعرفة وعليه فإن الكثير من المؤرخين لايعتبرون الرازي مسلما بالمعنى التقليدي للمسلم ويرى الكثيرون انه كان الإنعطافة الحقيقية الأولى نحو الفلسفة و الفيلسوف كما كان يعرف في الحضارة اليونانية. كان الرازي طبيبا بارعا ومديرا لمستشفى في الري في ايران وكان جريئا في مناقشة التيار الفكري الذي سبقه وكان مؤمنا إن الفيلسوف الحقيقي لايستند على تقاليد دينية بل يجب عليه التفكير بمنآى عن تأثير الدين وكان مقتنعا إن الإعتماد على الدين غير مثمر لإختلاف الأديان المختلفة في وجهات النظر حول الخلق وماهية الحقيقة [23].
أكبر نقد تم توجيهه الى الرازي كان نقدا عميقا جدا بالرغم من بساطته و النقد البسيط العميق كان إذا كانت الفلسفة الطريقة الوحيدة للوصول الى الحقيقة فماذا عن عامة الناس او الناس البسطاء الغير قادرين على التفكير الفلسفي هل يعني هذا بأنهم تائهون للابد , يأتي أهمية هذا النقد بسبب كون الفلسفة في المجتمع الإسلامي ولحد هذا اليوم مرتبطة بطبقة النخبة وباشخاص إتسموا بذكاء عالي وهذا كان مناقضا لمفهوم الأمة الإسلامية الواحدة والأفكار الروحية المفهومة من قبل الجميع وليس البعض [24].
دور الفارابي في الفلسفة
الفارابي كما يظهر على عملة كازاخستان.
بدأ الفارابي من من نقطة الإنتقاد الموجهة للرازي وللفلسفة بصورة عامة وكان النقد عبارة عن فائدة الفلسفة في تنظيم الحياة اليومية للإنسان البسيط الذي يرى الفلسفة شيئا بعيدا كل البعد عن مستوى أستيعابه ولايجد في ذلك النوع من المناقشات اي دور عملي ملموس في حياته اليومية . حاول أبو نصر محمد الفارابي (874 - 950) الفيلسوف من تركستان تضييق حجم الفجوة بين المسلم البسيط و الفلسفة ويعتبره البعض رائدا في هذا المجال حيث حاول في كتابه "آراء أهل المدينة الفاضلة" التطرق الى القضايا الإجتماعية و السياسية المتعلقة بالإسلام. في كتاب "الجمهورية" طرح أفلاطون فكرة إن المجتمع المثالي يجب ان يكون قائده فيلسوفا يحكم حسب قوانين العقل والمنطق وتبسيطها لتصبح مفهومة من قبل الإنسان البسيط . من هذه الفكرة حاول الفارابي ان يطرح فكرته حول إن الرسول محمد كان بالضبط ما حاول أفلاطون ان يوضحه عن صفات قائد "المجتمع الفاضل" لقدرته حسب تعبير الفارابي من تبسيط تعاليم روحية عليا وإيصالها الى الإنسان البسيط [25].
بهذه النظرة إبتعد الفارابي كليا عن مفهوم الخالق في الفلسفة اليونانية الذي كان بعيدا كل البعد عن هموم الإنسان البسيط والذي لم يخاطب الإنسان يوما, ولكن الفارابي ضل ملتقيا مع فكر أرسطو في نقطة إن قرار الخلق لم يكن عبثيا ولا متسرعا. إستخدم الفارابي فكرة النشوء اليونانية التي كانت تختلف عن فكرة الخلق في الديانات التوحيدية فحسب النظرية اليونانية فإن النشوء يبدأ من كينونة أولية ثابتة ولكن سلسلة النشآت تخضع لقوانين طبيعية بحتة وليست لقوانين دينية او إلهية [26]. حاول الفارابي تطويع هذه الفكرة من النظرة التوحيدية للخلق فقال إن الإنسان بالرغم من منشأه على هذه الأرض فإنه إمتداد لسلسلة من أطوار النشوء التي بدأت من المصدر الى السماء العلى الى الكواكب والشمس و القمر وإن الإنسان له القدرة بأن يزيل أتربة هذه التراكمات من النشوء لكي يرجع الى الخالق الأولي وكان هذا التحليل بالطبع مخالفا لفكرة القرآن عن خلق الإنسان [27]
الكثير من الدراسات تعتبر الفارابي أهم من استطاع إيصال و شرح علوم المنطق بالعربية , بالمقابل سنجد أن الفارابي كان يشغله هاجس الوحدة و التوحيد في ظل دول و إمارات إسلامية متفرقة في عهد الدولة الحمدانية , كان الفارابي يتطلع لتوحيد الملة عن طريق توحيد الفكر لذلك سنجده يحاول التوحيد بين الأمة (الشريعة) و الفلسفة في كتاب الحروف [4] و سيحاول ان يجمع بين رأي الحكيمين : أفلاطون و أرسطو في كتاب الجمع بين الحكيمين [5], و سنجده أيضا عكس الكندي يحاول أن يدخل العرفان أو الغنوص في منظومته الفكرية فيقبل نظرية العقول السماوية و الفيض لكن العرفان لا يتحقق عند الفارابي بنتيجة النفس و التأمل بل المعرفة و السعادة (الصوفية العرفانية) هي نتيجة المعرفة عن طريق البرهان . و كما في نظرية الإفلاطونية المحدثة : العقل الأول الواجب الوجود لا يحتاج شيئا معه بل يفيض وجوده فيشكل العقل الثاني فالثالث حتى العقل العاشر التي يعطي الهيولى و المادة التي تتشكل منها العناصر الأربعة للطبيعة : الماء و الهواء و النار و التراب . و الدين و الفلسفة يخبراننا الحقيقة الواحدة فالفلسفة تبحث و تقرر الحقائق و الدين هو الخيالات و المثالات التي تتصور في نفوس العامة لما هي عليه الحقيقة , و كما تتوحد الفلسفة مع الشريعة و الملة كذلك يجب أن تبنى المدينة الفاضلة على غرار تركيب الكون و العالم بحيث تحقق النظام و السعادة للجميع . هذا كان حلم الفارابي المقتبس من فكرة المدينة الفاضلة لأفلاطون [6].
كتاب الحروف
يحتل كتاب الحروف للفارابي أهمية خاصة بين أعماله و يعتبر الكتاب بحثا في الفلسفة الأولى , إضافة إلى نقاش علماء اللغة و الكلام حول الكثير من الإشكاليات التي كانت تتعلق أساسا بعلاقة اللغة و المنطق و إشكالية اللفظ/المعنى عن طريق محاولة استنتاجية منطقية لتأسيس مفهوم الكلي و تشريع دور المنطق في البيئة الإسلامية التي كانت رافضة لها . يحاول الفارابي بداية شرح كيفية تكون المعرفة بدءا من الإحساس فالتجربة فالتذكر فالفكرة من ثم نشأة العلوم العملية و النظرية [7] . وبين الفكرة و نشأة العلوم يضع الفارابي مرحلة نشوء اللغة : فبعد تولد الفكرة عند الإنسان تأتي الإشارة ثم التصويت (إخراج أصوات معينة) و من تطور الأصوات تنشأ الحروف و الألفاظ (و يختلف النطق حسب الجماعات البشرية و فيزيولوجيتها و بيئتها ) و هكذا تتشكل الألفاظ و الكلمات : المحسوس أولا ثم صورته في الذهن ثم اللفظ المعبر عنه . في مرحلة لاحقة تتكون العبارات و التعابير من دمج الكلمات و الألفاظ لتعبر ليس فقط عن الأسياء بل عن العلاقات التي تربط بينها . الفارابي هنا يستخدم أسلوب برهانيا ليحدد العلاقة بين اللفظ و المعنى و يقرر أسبقية المعنى على اللفظ (مخالف بذلك لمدرسة أهل الكلام الذين يعطون الأسبقية للفظ على المعنى ). و بنفس السياق أيضا يقرر أن نظام الألفاظ (اللغة) هي محاولة لمحاكاة نظام الأفكار (في الذهن) و ما نظام الأفكار في الذهن إلا محاولة لمحاكاة نظام الطبيعة في الخارج من علاقات بين الأشياء الفيزيائية المحسوسة [8]. إضافة إلى ذلك فقد تقرر نتيجة تحليل الفارابي أن هناك نظامين : نظام للألفاظ يحاول محاكاة ترتيب العلاقة بين المعاني في النفس, و نظام آخر مستقل للمفهومات و المعقولات تحاول محاكاة ترتيب الأشياء الحسية في الخارج الفيزيائي . و من هنا ضرورة وجود علمين : علوم اللغة أو علم اللسان الذي يعنى بصر ألفاظ اللغة و علاقاتها مع مدلولاتها و معانيها . و علم المنطق الذي يعنى بترتيب العقل للمفاهيم و طرق الاستنتاج السليم للقضايا من البدهيات أي قواعد التفكير السليم.
يلي ذلك حسب ترتيب الفارابي مرحلة جمع اللغة و صون الألفاظ من الدخيل و الغريب ثم تقنين اللغة عن طريق وضع القواعد التي تضبط طريقة كتابتها و نطقها (نشأة علوم النحو) , و هكذا تتطور ما يمكن تسميته بالعلوم العامية .
يترافق ذلك مع تطور للعلوم العملية من قياس و تقنية , و من ثم سيتلو ذلك نشأة العلوم القياسية التي تعرف بالعلوم الطبيعية , هي العلوم بحق ضمن المفهوم الأرسطي الذي يتبناه الفارابي أيضا أي علوم الرياضيات و المنطق و لأسلوب القياسي الاستنتاجي . فتتميز الطرق الاستدلالية : الخطبية و الجدلية و السفسطائية و التعاليمية (الرياضية) و أخيرا البرهانية و يتضح أن المعرفة اليقينية تنحصر في الطرق البرهانية , و هكذا تتشكل الفلسفة ليليها بعد الذلك نشأة الشريعة أو الدين أو بمصطلح الفارابي الملة فحسب الفاربي : الفلسفة يجب أن تسبق الملة و ما الملة (الشريعة) إلا وسائل خطبية للجمهور و العوام لنقل الحقائق التي نتوصل لها عن طريق الفلسفة [9].
لكن في بعض الحالات (و يقصد هنا حالة الأمة الإسلامية) لا تتشكل الفلسفة في مرحلة مبكرة بل يتشكل الدين بشكل مسبق و من هنا يحصل التعارض بين تأويلات الدين و تاوبلات الفلسفة و واجب الفلاسفة تبيين الحقائق بحيث يبدو ما تقرره الملة ليس إلا مجرد مثالات لما تقرره الفلسفة [10].
دور الثقافة الشيعية
لاقت محاولة الفارابي لتفسير النشوء في الفلسفة اليونانية والتي كانت مختلفة نوعا ما عن فكرة الخلق قبولا وتعاطفا من قبل الصوفية و الشيعة وخاصة الإسماعيليين الذين تمكنوا من تشكيل كيان سياسي لهم في تونس وقاموا بتأسيس الدولة الفاطميةعام 909 والذي كان معارضا للخلافة السنية في بغداد وفي عام 973 إمتد نفوذ الإسماعيليين الى القاهرة وقاموا ببناء جامع الأزهر [28].
بدأ الفكر الإسماعيلي بالإقتناع بأن الإمام الشيعي هو بطريقة ما عبارة عن ضل الله في الأرض وكانت هناك قناعة بان الرسول محمد بن عبد الله عهد بالعلم الحقيقي الى علي بن أبي طالب وسلالته من بعده وتم تسمية هذا العلم المتوارت "النور المحمدي" . كان الفكر الإسماعيلي يعتقد إن الفلسفة تركز فقط على الجانب العقلي والمنطقي في الدين ولاتعير إهتماما الى الجانب الروحي ولهذا نشأ تيار يركز على فهم المعاني الدفينة للقرآن وسمي هذا العلم علم الباطن وبدلا من إستعمال العلم والقياسات لفهم العالم الخارجي إستعمل الإسماعيليون تلك الوسائل لفهم التفكير الداخلي الباطني للإنسان [29].
قام الإسماعيليون بدمج بعض الأفكار الزردشتية مع الإفلاطونية المحدثة لتوضيح فكرتهم الفلسفية التي كانت عبارة عن فكرة قديمة نوعا ما ومفاده ان الحياة او الحقيقة او الأعمال اليومية لها وجهان وجه نراه في الحياة الدنيا ووجه خفي يقع في السماوات العلى وعليه وحسب هذا المفهوم فإن اي صلاة او دعاء او زكاة يقوم به الإنسان في هذه الحياة هي في الحقيقة نسخة مشابهة لنفس تلك الفعاليات في السماء العلى مع فرق مهم وهو ان نسخة السماء العلى هي الخالدة وذات ابعاد حقيقية وإن السماء العلى نفسها هي أكثر حقيقية من الحياة الدنيا [30].
من الجدير بالذكر ان فكرة بعدي الحياة الدنيا و السماء العلى كانت فكرة إيرانية قديمة تركها الفرس عندما إعتنقوا الإسلام ولكن الإسماعيليين أعادوها للحياة ودمجوها مع فكرة النشوء اليونانية وتحليل الفارابي القائلة إن الإنسان بالرغم من منشأه على هذه الأرض فإنه إمتداد لسلسلة من أطوار النشوء التي بدأت من المصدر الى السماء العلى الى الكواكب والشمس و القمر وإن الإنسان له القدرة بأن يزيل اتربة هذه التراكمات من النشوء لكي يرجع الى الخالق الأولي [31].
كانت السماوات العشر التي تفصل الإنسان عن الله حسب المفهوم الإسماعيلي مرتكزة على الرسول محمد و أئمة الشيعة السبع حسب الإسماعيلية (علي , الحسن , الحسين , علي زين العابدين ,زيد بن علي ,جعفر الصادق , اسماعيل بن جعفر الصادق) , ففي السماء الأولى كان الرسول محمد وفي السماء الثانية علي بن أبي طالب , وبعد الأئمة السبع وأخيرا وفي السماء الأقرب الى الأرض كانت فاطمة إبنة الرسول محمد [32]. وكان هذا بالطبع مخالفا لفكرة أرسطو و تحليل الفارابي لتلك الفكرة حيث كانت الفلسفة اليونانية تؤمن إن هناك "الأول" ومن هذا الأول نشأ "الثاني"الذي إتصف بالذكاء ونتيجة لقدرة الثاني على إستيعاب فكرة الأول نشأ "الثالث" ومن الثالث نشأ "السماء العلى" ومنه نشأت النجوم و الكواكب والشمس والقمر ومنه اتى العاشر والأخير الذي كان بمثابة جسر رابط بين الحياة الدنيا و السماء العلى [33]
علم الباطن
تعتبر الباطنية فرقة من فرق الشيعة ويطلق عليه ايضا القرمطية او القرامطة و الإسماعيلية وكانوا يأمنون حسب تعبيرهم ان "لكل ظاهر باطنا والظاهر بمنزلة القشور والباطن بمنزلة اللب المطلوب" ويعتقد ان لفظة الباطنية ظهرت مع ميمون بن ديصان الأحوازي الذي إختاره جعفر الصادق وصيا على حفيده محمد بن إسماعيل [34]
كانت الفكرة الرئيسية لعلم الباطن هو معرفة الأبعاد الخفية للدين وتم التكثيف من إستعمال الرموز التي حسب إعتقاد الإسماعيليين أظهرت حقائق عميقة لم يتمكن الحواس اوالمنطق من إدراكها . كانت الوسيلة الرئيسية هي التأويل والذي كان بإعتقادهم سوف يرجع بهم الى لحظة الوحي بالتالي الى اللوح المحفوظ [35] . حاول الفيلسوف الفرنسي هينري كوربن (1903 - 1978) توضيح فكرة التأويل حيث كان كوربن مهتما بتاريخ ودور الثقافة الشيعية فقال كوربن ان التأويل يمكن تشبيهه بالتناغم في الموسيقى حيث كان الإسماعيليون يزعمون إنهم قادرون على سماع عدة مستويات عند سماعهم لآية قرآنية وكانوا يحاولون سماع الصدى الفردوسي بالإضافة الى الكلمات المجردة [36]
طرح المفكر الإسماعيلي أبو يعقوب السجستاني (توفي عام 971) نظريته حول افضل وسيلة لمعرفة كينونة وماهية الخالق الا وهي وسيلة نفي النفي , على سبيل المثال يبدأ المرء بالقول إن الله ليس كينونة وإن الله ليس بعالم كل شيئ ثم يبدأ المرحلة الثانية وهي نفي هذا النفي بقول ان الله ليس ليس كينونة وإن الله ليس ليس بعالم كل شيئ. كانت الفكرة الرئيسية من هذا الطرح هو محاولة إظهار ان اللغة الإنسانية غير قادرة على وصف طبيعة الخالق [37]
بعد السجستاني حاول المفكر الإسماعيلي حميد الدين كرماني (توفي عام 1020) يوضح اهمية إسلوب نفي النفي في بعث الطمأنينة الداخلية إذا تم إستعمالها بحكمة وإنها ليست عبارة عن خداع عقلي بل محاولة لتنوير الباطن [38]. من الجدير بالذكر ان فلسفة نفي النفي يتم إستعمالها بكثافة لحد هذا اليوم وخاصة في مجال البحوث الإحصائية العلمية حيث يبدأ الفرضية عادة بنفي ثم يتم نفي هذا النفي , على سبيل المثال يبدأ باحث ما بدراسة علاقة التدخين بالسرطان فيبدأ من فرضية انه لاعلاقة بين التدخين و السرطان وتدريجيا من خلال الأرقام و الأحصاءات يتم نفي هذا النفي. كانت لمدرسة الفكر الباطني والفكر الإسماعيلي أعظم الأثر في نشوء حركة إخوان الصفا الفلسفية لاحقا.
إخوان الصفا
تحت تأثير الفكر الإسماعيلي إنبثقت جماعة اخوان الصفاء في البصرة في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري وكانت إهتمامات هذه الجماعة متنوعة وتمتد من العلم و الرياضيات الى الفلك و السياسة وقاموا بكتابة فلسفتهم عن طريق 52 رسالة مشهورة ذاع صيتها حتى في الأندلس ويعتبر البعض هذه الرسائل بمثابة موسوعة للعلوم الفلسفية , كان الهدف المعلن من هذه الحركة "التظافر للسعي الى سعادة النفس عن طريق العلوم التي تطهر النفس" للإطلاع على نبذة مختصرة من رسائل إخوان الصفا إقرأ هذا الرابط [39]. من الأسماء المشهورة في هذه الحركة كانت أبو سليمان محمد بن مشير البستي المشهور بالمقدسي، وأبو الحسن علي ابن هارون الزنجاني [40].
تأثرت رسائل إخوان الصفا بالفلسفة اليونانية والفارسية والهندية وكانوا يأخذون من كل مذهب بطرف ولكنهم لم يتأثروا على الإطلاق بفكر الكندي وإشتركت مع فكر الفارابي و الإسماعيليين في نقطة الأصل السماوي للأنفس وعودتها إلى الله وكان فكرتهم عن منشأ الكون يبدأ من الله ثم الى العقل ثم الى النفس ثم الى المادة الأولى ثم الأجسام و الأفلاك و العناصر والمعادن و النبات و الحيوان فكان نفس الإنسان من وجهة نظرهم جزءا من النفس الكلية التي بدورها سترجع إلى الله ثانية يوم المعاد. والموت عند إخوان الصفاء يسمى البعث الأصغر، بينما تسمى عودة النفس الكلية إلى الله البعث الأكبر [41]. وكان إخوان الصفا على قناعة إن الهدف المشترك بين الأديان و الفلسفات المختلفة هو أن تتشبه النفس بالله بقدر ما يستطيعه الإنسان [42].
كانت كتابات إخوان الصفا ولاتزال مصدر خلاف بين علماء الاسلام وشمل الجدل التسائل حول الإنتماء المذهبي للجماعة فالبعض إعتبرهم من أتباع المدرسة المعتزلية والبعض الآخر إعتبرهم من نتاج المدرسة الباطنية وذهب البعض الآخر الى حد وصفهم بالإلحاد و الزندقة [43] ولكن إخوان الصفا أنفسهم قسموا العضوية في حركتهم الى 4 مراتب [44]:
• مَن يملكون صفاء جوهر نفوسهم وجودة القبول وسرعة التصور. ولا يقل عمر العضو فيها عن خمسة عشر عامًا؛ ويُسمَّوْن بالأبرار والرحماء، وينتمون إلى طبقة أرباب الصنائع.
• مَن يملكون الشفقة والرحمة على الأخوان. وأعضاؤها من عمر ثلاثين فما فوق؛ ويُسمَّوْن بالأخيار الفضلاء، وطبقتهم ذوو السياسات.
• مَن يملكون القدرة على دفع العناد والخلاف بالرفق واللطف المؤدِّي إلى إصلاحه. ويمثل هؤلاء القوة الناموسية الواردة بعد بلوغ الإنسان الأربعين من العمر، ويُسمَّوْن بالفضلاء الكرام، وهم الملوك والسلاطين.
• المرتبة الأعلى هي التسليم وقبول التأييد ومشاهدة الحق عيانًا. وهي قوة الملكية الواردة بعد بلوغ الخمسين من العمر، وهي الممهِّدة للصعود إلى ملكوت السماء؛ وإليها ينتمي الأنبياء [45] .
كتاب الإشارات لإبن سينا
وصلت الفلسفة الإسلامية الى إحدى قممها على يد ابن سينا (980 - 1037) الذي ولد لعائلة شيعية في إحدى قرى "بخارى" وتأثر منذ صغره بفلسفة الفارابي و الإفلاطونية المحدثة [46]. أدرك ابن سينا إن الفلسفة بحاجة الى التأقلم مع متغيرات الإمبراطورية الإسلامية الذي أصبح فيه الخليفة بعيدا كل البعد عن صفات قائد المدينة الفاضلة التي دعى إليها أفلاطون وإعتبرها الفارابي مطابقة لصفات الرسول محمد . كان ابن سينا مقتنعا ان الرسول محمد هو أرفع شأنا من الفيلسوف لكونه معتمدا على الإتصال المباشر بالمعرفة الإلهية ولكنه وفي نفس الوقت كان معاديا لفكرة الأيمان الأعمى حيث كان ابن سينا متأثرا بفكر أرسطو بإستعمال العقل و المنطق والأدلة للوصول الى ماهية الخالق بل إعتبر ابن سينا إستعمال هذه الوسائل واجبا على كل مسلم لكي يحرر فكره من الخرافة و الأساطير ومن الجدير بالذكر ان ابن سينا لم يكن عابدا متزهدا حيث ان هناك مصادر تشير الى وفاته وهو في الثامنة و الخمسين من العمر لإفراطه في شرب النبيذ [47].
طرح ابن سينا فكرته في الإثبات العقلي على وجود الخالق التي يجب ان تبدأ حسب رأيه بفهم طريقة تفكير الإنسان أولا وأعطى مثال الشجرة لتوضيح فكرته. فالشجرة وحسب مثال ابن سينا تتألف من جذر و جذع و اوراق ولحاء وعندما يحاول الإنسان فهم موضوع معين فيجب عليه تقسيم الموضوع الى عدة أقسام ثانوية ويتوقف عملية التقسيم هذه لحد التوصل الى جزء غير قابل للقسمة وسوف يساعد هذه الطريقة حسب رأي ابن سينا في الوصول الى جوهر المسألة التي قد تم تعقيدها لأسباب خارجية [48].
كان ابن سينا موافقا لفكر أرسطو بأن الحركة وإن كانت تبدو عملية لا متناهية فإن مصدرها الثبات وإن هذه الكينونة الثابتة هي التي حولت الثبات الى حركة وأضاف ابن سينا بان إنعدام المحرك الأولي معناه ان الكون كله عبارة عن فوضى ولكن الكون ليس بفوضى وعليه فإن خلقه من الأساس كانت منظمة ورجع ابن سينا الى فكرة تبسيط الأشياء الى أجزاءها الأولية البسيطة لغرض فهمها فقال ان الله فكرة الله هي البساطة نفسها حيث ان الفكرة غير قابلة لتقسيم او تفريع أكثر [49].
قدم ابن سينا طرحه الفكري عن الخلق و النشوء الذي كان مشابها لفكرة الإفلاطونية المحدثة عن الفضاءات العشرة او السماوات العشرة المتسلسلة لنشوء الكون التي تفصل الإنسان عن الله وركز على الطبقة الأخيرة او الجسر الرابط بين الحياة الدنيا و السماء العلى وقال ان هذا الجسر عبارة عن الوحي من جبريل الى الرسول محمد. في سنواته الأخيرة إنكب ابن سينا على كتابة كتابه المشهور كتاب الإشارات حيث كان هناك في هذا الكتاب توجه واضح وصريح نحو الفلسفة المشرقية وفيه ذكر مصطلح الإشراق وكان لهذا الكتاب أعظم الأثر في نشوء المدرسة الفكرية الإشراقية على يد يحيى السهروردي [50]
الغزالي والإسماعيليي
بدأ أبو حامد محمد بن محمد الغزالي (1058 - 1111) التعمق في فائدة التحليل المنطقي و العقلي والفلسفة من الأساس في إثبات او نفي الخالق , كان الغزالي باحثا من الطراز الرفيع حيث تولى وهو في الرابعة والثلاثين من عمره إدارة المدرسة النظامية في بغداد وكان الهدف الرئيسى للوزير السلجوقي نظام الملك من هذا التعيين هو قيام الغزالي بالتصدي للفكر الإسماعيلي [51] لكن طموح الغزالى لم يتوقف عند هذه الرغبة الضيقة للوزير السلجوقي حيث أن بحثه عن اليقين المطلق عن طبيعة الخالق دفعه الى التعمق في دراسة جميع المذاهب الفكرية والتوجهات الفلسفية وإنتهى به البحث الى الإستنتاج إن جميع الفلسفات والمدارس الفكرية السابقة قد فشلت في إثبات وجود الخالق لكون فكرة الخالق غير خاضعة للقياس من الأساس وأعلن في كتابه "تهافت الفلاسفة" فشل الفلسفة في إيجاد جواب لطبيعة الخالق وصرح إن الفلسفة يجب ان تبقى مواضيع إهتماماتها في المسائل القابلة للقياس و الملاحظة مثل الطب و الرياضيات و الفلك وإعتبر الغزالي محاولة الفلاسفة في إدراك شيئ غير قابل للإدراك بحواس الإنسان منافيا لمفهوم الفلسفة من الأساس [52].
كان لتعمق الغزالى في دراسة التيارات الفكرية و الفلسفية السابقة دور سلبي فبدلا من إقترابه نحو اليقين بالخالق زاد إقترابه من الشك وإنتهى به الأمر بالإصابة بمرض الكآبة وترك مهنة التدريس وكان في تلك الفترة من حياته مقتنعا ان الدليل الوحيد للوصول الى اليقين بشأن وجود الخالق هو ملاقاته وجها لوجه بعد الموت [53]. للخروج من هذه الأزمة بدأ الغزالي تدريجيا يقتنع إن هناك جانبا روحيا غير ملموس في الإنسان لايمكن تجاهله وبغض النظر عن منشأ هذا الجانب فإن هناك فصلا واضحا بين ما أسماه "عالم الشهادة" و"عالم الملكوت" ويقصد به الجزء الظاهر المحسوس والخاضع لقوانين الفيزياء مع الجزء المعنوي الغير الملموس [54].
إستخلص الغزالى الى فكرة أنه من المستحيل تطبيق قوانين الجزء المرئي من الإنسان لفهم طبيعة الجزء المعنوي وعليه فإن الوسيلة المثلى لفهم الجانب الروحي يجب ان يتم بوسائل غير فيزيائية وإختار الغزالي طريق التصوف للوصول الى اليقين بوجود الخالق أثناء الحياة بدلا من الإنتظار الى مابعد الموت للوصول الى الحقيقة . يظهر الطابع الصوفي للغزالي جليا في كتابه مشكاة الأنوار من خلال تفسيره للآية 35 من سورة النور والتي تنص على [55] "اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" حيث قال الغزالي إن النور المقصود هنا يشير الى الله والى كل جسم مضيئ آخر مثل المشكاة والنجوم وحتى العقل المستنير لأن ضوء العقل المستنير قادر على عبور حاجز الزمن والفضاء وكان الغزالي يقصد بالعقل المستنير العقل القادر على التخيل و التصور وإدراك إن الجانب الروحي يتطلب نظرة غير حرفية وغير فيزيائية لفهمها [56].
بهذه النظرة ألغى الغزالى أي دور للفلسفة في إثبات او عدم إثبات وجود الخالق من خلال طرحه الفكري بأنه لايمكن إستعمال الفلسفة في الوصول الى اليقين الذي لايقبل الجدل حول ماهية الله ففكرة الله كانت حسب نظره واقعة خارج نطاق التفكير المنطقي ولكن هذا التصريح الخطير لم تكن نهاية الفلسفة حيث قام ابن رشد من قرطبة بإحياء دور الفلسفة في الوصول الى معرفة الله حيث إعتبر ابن رشد الفلسفة اعلى مراتب التدين [57].
مفهوم ابن رشد
ابن رشد 1126-1198), أحد أهم الفلاسفة المسلمين , اشتهر في الغرب خصوصا بشروحاته لكتب و فلسفة أرسطو.
من المفارقات التأريخية حول ابن رشد (1126 - 1198) هو إختلاف وجهات النظر حوله بين المسلمين المعاصرين له وبين وجهة نظر الغرب له , فقد إعتبره الغرب من أهم الفلاسفة المسلمين على الإطلاق حيث ترجمت أعماله الى اللاتينية و العبرية وأثرت أفكاره بشكل واضح على كتابات على الفلاسفة المسيحيين واليهود ومنهم بالتحديد توماس أكويناس [58] (1225 - 1274) و ألبرت الكبير [59] (1206 - 1280) و موسى بن ميمون [60] (1135 - 1204) و أيرنست رينان (1823 - 1892) بينما لم يلق ابن رشد نفس الإهتمام من المعاصرين له حيث فضل الفيلسوفان المعاصران له , يحيى السهروردي و مؤيد الدين العربي إتباع منهج ابن سينا بدلا من منهج ابن رشد [61].
كان ابن رشد متعمقا في الشريعة الإسلامية بحكم منصبه كقاضي إشبيلية وحاول التقريب بين فلسفة أرسطو و العقيدة الإسلامية حيث كان ابن رشد مقتنعا انه لايوجد تناقض على الإطلاق بين الدين و الفلسفة وإن كلاهما يبحثان عن نفس الحقيقة ولكن بإسلوبين مختلفين وقام بالرد على كتاب تهافت الفلاسفة للغزالي في كتابه المشهور "تهافت التهافت" وأصر على عكس الغزالي على قدرة الفلسفة بإيصال الإنسان الى اليقين الذي لايقبل الجدل حول ماهية الله [62].
شدد ابن رشد على نقطة في غاية من الأهمية كانت غائبة عن بال من سبقوه وهي إن الفلسفة و علم الكلام و الصوفية والباطنية وغيرها من التيارات الفكرية تشكل خطرا على الأشخاص الذين ليس لهم القدرة على التفكير الفلسفي وان الشخص الغير المتعمق او الذي يأخذ بقشرة الفكرة سوف يتعرض الى صراعات نفسية و فكرية تؤدي به الى الشك و التشتت بدلا من اليقين و التنور [63].
في محاولة من ابن رشد لتضييق الفجوة بين الدين و الفلسفة طرح ابن رشد فكرته حول افضل وسيلة لتفسير الدين و الخالق من وجهة نظر فلسفية فقال إن على الفيلسوف القبول ببعض الأفكار الدينية لكي يصبح فعالا في الوصول الى طبيعة الخالق ومن هذه الأفكار [64]:
• وجود الله
• وحدانية الله
• كون الله فريدا من نوعه
• عدالة الله
• الحياة بعد الموت
• خلق الله للكون
قام ابن رشد بتوضيح فكرته اكثر قائلا ان القرآن على سبيل المثال قد ذكر ان الله قد خلق الكون ولكنه لم يوضح كيف تم هذا الخلق ومتى تم هذا الخلق وبهذا فإن القرآن قد فتح الباب على مصراعيه للفيلسوف بان يستعمل العقل و المنطق للتعمق في هذه النقطة وبهذا إعتبر ابن رشد التحليل الفلسفي لأمور الدين قمة التدين وليس منافيا لمفهوم الدين [65]
العصر الحديث
مقالة رئيسية: نهضة عربية
مقالة رئيسية: إسلام سياسي
بعد انتهاء العصر الذهبي للإمبراطورية الإسلامية , يمكننا ان نقول بشكل عام انه قد ساد نوع من الخمول في الحركة الفكرية و الفلسفية . سادت في المناطق الإسلامية بين معظم الأوساط الدينية فلسفات أكثر ارتباطا بفلسفة الإشراق (السهروردي و محي الدين بن عربي ) و حكمة المتعالين (الملا صدرا ) التي كانت أساسا تشكل الثقافة و العلم للطرق الصوفية التعبدية التي انتشرت بين سائر الناس .
لكن عودة الاتصال بالغرب بعد بدء الحملات العسكرية الأوروبية على البلدان الإسلامية أعاد من جديد ضرورة التفكير الفلسفي و طرح مفهوم النهضة بين مفكرين كانوا يحاولون الإجابة عن سؤال سبب التخلف .
سؤال التخلف سيسيطر على الساحة الفكرية و سيطرحه بداية بعض رجال الدين مثل : جمال الدين الأفغاني و محمد عبده و رشيد رضا و شكيب أرسلان و رفاعة الطهطاوي إضافة لمفكرين أكثر علمانية أهمهم : شبلي شميل , ساطع الحصري . و سيقى هذا السؤال مطروحا بسبب فشل المحاولات التحديثية و التجارب العلمانية للحكومات العربية بعد الاستقلال في تجربة تحديث البلدان العربية و الإسلامية . سيبقى السؤال مطروحا بأساليب مختلفة فمثلا سيؤلف أبو الحسن الندوي كتاب ماذا خسر العالم بتخلف المسلمين ؟ .
لكن كل هذه المحاولات يمكن ان نقول أنها كانت تندرج في إطار الفكر عامة و الفكر السياسي خاصة أكثر منها محاولات فلسفية عميقة , فأسئلة مثل : ما معنى الوجود و ما هي ماهيته ؟ من النادر أن تبحث فيما تعاني أمة ما من مشكلة وجود حقيقة و مشكلة إثبات ذات .
ربما تكون إحدى المحاولات الفلسفية النادرة لمسلم في العصور الحديثة هي تجربة الشاعر المفكر محمد إقبال الذي صاغ معظم فكره تقريبا بشكل قصائد باللغتين الفارسية و الأردية . إضافة لبعض محاضرات في الفكر السياسي الإسلامي , و كتاب فريد من نوعه يدعى تجديد الفكر الإسلامي .
الفلسفة الشيعية الحديثة
في إطار الثقافة الشيعية الإيرانية ستستمر الفلسفة موجودة لكنها عموما مسخرة لتدعيم الأفكار الدينية . الفكر المعتزلي يبقى واضحا ضمن إطار الفكر الشيعي محاولا إعطاء معقولية للعقائد الشيعية الغيبية . من أهم الشيعة العرب في مجال الفلسفة سيبرز محمد باقر الصدر في كتابي "فلسفتنا" و "اقتصادنا" و هو يحاول فيهما التمييز بين مباديء الفكر الإسلامي و اختلافاته عن الفكر الغربي في الفلسفة و الاقتصاد . في إيران سيبرز بعض الباحثين الذين سيكون لهم دور كبير في إحياء فكر الثورة التي ستنتج لاحقا الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الخميني : أهم هذه الشخصيات مرتضى مطهري و علي شريعتي .إلا أن الثورة الإسلامية ستحمل معها تغييرات جذرية في الفكر الشيعي عندما ستستعيض عن فكرة الإمامة بفكرة ولاية الفقيه , و هذه الفكرة ستؤدي إلى خلافات و مناظرات بين العديد من مفكري الشيعة .
محاولات إعادة قراءة التراث
عربيا , منذ منتصف الثمانينات و طوال عقد التسعينات ستشهد الساحة الثقافية محاولات جديدة لحل سؤال النهضة المطروح دائما و أبدا و ستأخذ هذه المرة شكلا فلسفيا أكثر عن طريق محاولة إعادة قراءة التراث الإسلامي بغية إيجاد حلول للسؤال العصي عن الحل . قد يرى البعض في هذه المحاولات تجارب لإعطاء الفكر العلماني الغربي جذور تراثية إسلامية و بالتالي إعطاء الفكر الغربي نوعا من المشروعية في الساحة الثقافية الإسلامية , و قد يراه آخرون محاولة لاستجداء حلول حقيقية و ليس مجرد تلفيق و ذلك من روح الأمة نفسها بحيث تكون النهضة متابعة لتجربتها الحضارية .
إحدى اهم و أوائل هذه التجارب ستكون مشروع عابد الجابري الذي بدأ من اواخر السبعينات في كتاب "نحن و التراث" لكنه سيتكامل في مشروع نقد العقل العربي الذي تألف من أربعة أجزاء : تكوين العقل العربي , بنية العقل العربي , العقل السياسي العربي , و أخيرا العقل الأخلاقي العربي . بالمجمل سيحاول الجابري أن يعيد تفكيك و تركيب التراث الإسلامي ليعين محددات العقل العربي : في الجزء الأول سيدرس ظروف تشكيل العقل العربي و الأنظمة الفكرية التي تشكله , ثم يتابع في الجزء الثاني ليتابع دراسة النظمة الفكرية الثلاث التي حددها في الجزء الأول : البيان و العرفان و البرهان و سيستمر الجابري في تحليل البنى و الإشكاليات في هذه الأنظمة المعرفية و صداماتها الفكرية و السياسية متحيزا دوما للنظام البرهاني (و هو بشكل أساسي الفكر الفلسفي اليوناني تحديدا الأرسطي ) معتبرا ابن رشد الأبرز في تقديم المشروع البرهاني في الحضارة العربية لكن هذا المشروع البرهاني لم يكتب له النجاح في الأرض الإسلامية لكنه سيتابع تقدمه في الغرب الذين سيتقبلون فكر ابن رشد و هو فكر أرسطي أصيل .
الأهمية الأساسية لمشروع الجابري ستكون في أنه سيكون شرارة تشعل هذه الساحة الفكرية و النقدية في قراءة التراث الفلسفي الإسلامي , و سيتعرض الجابري لردود من كافة الاتجاهات , فالاتجاهات العلمانية سيعتبرون أن الجابري بدأ يميل نحو الإسلاموية , في حين سترد عليه محاولات اخرى بأنه بتبجيله لابن رشد يحاول فقط أن يثبت النظام الأرسطي أي الفكر الغربي .
نقد نقد العقل العربي سيكتبه جورج طرابيشي في دمشق , لكن في المغرب موطن الجابري سيرد عليه طه عبد الرحمن الذي يعتقد أن ابن رشد لم يكن سوى مقلدا لأرسطو و شارحا جيدا لأفكاره و ليس له في الإبداع نصيب . محاول طه عبد الرحمن الأساسية ستكون في كتابه تجديد المنهج في قراءة التراث .
ستظهر أيضا دراسة للمرزوقي الفيلسوف التونسي بعنوان إصلاح العقل في الفلسفة العربية و كتاب تجليات الفلسفة العربية: منطق تاريخها من خلال منزلة الكلي : المرزوقي يحاول رسم نموذج يوضح به حركيات الفكر في ظل الثقافة الإسلامية و كيف أثرت على الفكر اليوناني و الفلسفة اليونانية . يعتبر المرزوقي أهم ما تم إنجازه في إطار الثقافة العربية الإسلامية هو تحرير مفهوم الكلي من إطار الواقعية إلى إطار الإسمية . و هذا هو ما ساعد لا حقا على تطوير العلوم و المعارف من رياضيات و فلك و ميكانيك . فواقعية الكلي في إطار الفلسفة الأفلاطونية او الأرسطية تجعل نتائج الفلسفة حقائق واقعية لا شك فيها و بالتالي الفلسفة كانت جامدة غير قابلة للتطوير . لكن تمازج تجربة تعقيل العلوم النقلية أي وضعها في إطار قوانين , و تجربة تنقيل العلوم الفلسفية الفكرية اليونانية و ترجمتها قد فكك تدريجيا فكرة واقعية الكلي النظرية و العملية : هذا التفكيك سيتم بداية عن طريق نقد سيقوم به الغزالي و ابن سينا , لكن تدشين الإسمية سيتم على يدي ابن تيمية و ابن خلدون .
هذه الأفكار سترسم صورة مغايرة تماما عن نموذج الجابري الذي يدين الغزالي و ابن سينا معتبرا إياهم من أنصار و ناشري المنج العرفاني (العقل المستقيل) , كما سيعيد طرح شخصية ابن تيمية كلاعب أساسي في الساحة الفلسفية و هو كثيرا ما كان يعتبر مجرد فقيه حنبلي سلفي متعصب . و بهذا سيكون متفردا في هذه النظرية .
المصادر
مراجع كتب
1. ↑ محمد عابد الجابري , تكوين العقل العربي
2. ↑ محمد عابد الجابري , تكوين العقل العربي
3. ↑ محمد عابد الجابري , تكوين العقل العربي
4. ↑ محمد عابد الجابري , تكوين العقل العربي
5. ↑ أبو يعرب المرزوقي , تجليات الفلسفة العربية
6. ↑ محمد عابد الجابري , تكوين العقل العربي
7. ↑ محمد عابد الجابري , بنية العقل العربي ص 419
8. ↑ محمد عابد الجابري , بنية العقل العربي ص 421
9. ↑ أبو يعرب المرزوقي , تجليات الفلسفة العربية
10. ↑ محمد عابد الجابري , بنية العقل العربي ص 424
• موسوعة روتليدج
• موقع الفلسفة الإسلامية
• إسلام فور يو
• موقع دار العلوم
• الحوالي
• روتليدج
• الفلسفة الإسلامية من موقع
www.ottobw.dds.nl
• سقراط من wsu.edu
• أناكسيمين
• أفلاطون من موسوعة ستانفورد
• نيوأدفينت
• [66]
• محاضرة عن علم الكلام
• علم الكلام من السنة إنفو
• الكلام من الشيعة كوم
• الكندي
• الكندي من موقع الفلسفة الإسلامية
• الرازي من موقع الفلسفة الإسلامية
• الفارابي من موقع المعلم
• مقالة من موقع الفلسفة الإسلامية
• الاسماعيلية من lexicorient.com
• الزرادشتية وتأثيراتها على الديانات الابراهيمية
• [67]
• كتاب من موقع أمازون
• [68]
• ابن سينا
• ابن سينا من موقع الفلسفة الاسلامية
• الغزالي من موقع sunnah.org
• موقع الإمام الغزالي
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبة وسلم
• فلاسفة مسلمون:الغزالي
• كتب الغزالي
• الفلسفة الإسلامية
(منقول من موسوعة ويكبيديا الحرة )