حديث الذباب السلام عليكم و رحمة الله وبركاته
بسمـ الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله
الطيبين وأصحابه الميامين حديث الذباب الحمد لله ربالعالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدىبهداه إلى يوم الدين، أما بعد:فقد وصف اللهتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه لا ينطق عن الهوى، وآتاه من السنة النبوية مثلما آتاه من القرآن، وجعل السنة وحي كما أن القرآن وحي فجاء عن المقدام بن معد يكربالكندي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه))1. ومما ترتكزعليه شهادة أن محمداً رسول الله تصديقه بما أخبر، ومما أخبر به النبي صلى الله عليهوسلم الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضيالله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم لينزعه، فإن فيإحدى جناحيه داء، والأخرى شفاء)) رواه البخاري (3142). وقد وقع فيشراك الفهم الخاطئ كثير من الناس، فجعلوا هذا الحديث مما يعارض العقل، وردوهوأعرضوا عنه جهلاً منهم بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وليس هذا الحديث هو ماردوه فحسب بل أشياء كثيرة من الدين ردوها لأنها عارضت عقولهم يقول الإمام الشاطبيرحمه الله تعالى: "ردُّ الأحاديث التي جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم، ويدَّعونأنها مخالفة للمعقول، وغير جارية على مقتضى الدليل، فيجب ردها كالمنكرين لعذابالقبر، والصراط والميزان، ورؤية الله عز وجل في الآخرة، وكذلك حديث الذباب وقتله،وأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، وأنه يقدم الذي فيه الداء، وحديث الذي أخذأخاه بطنه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بسقيه العسل، وما أشبه ذلك من الأحاديثالصحيحة المنقولة نقل العدول؛ ربما قدحوا في الرواة من الصحابة والتابعين رضي اللهتعالى عنهم - وحاشاهم -، وفيمن اتفق الأئمة من المحدثين على عدالتهم وإمامتهم؛ كلذلك ليردُّوا به على من خالفهم في المذهب، وربما ردوا فتاويهم وقبحوها في أسماعالعامة لينفروا الأمة عن اتباع السنة وأهلها"2.
والعجب هو: كيف ينكر المنكرون ما جعل الله في هذا المخلوق العجيب من الإعجاز؟ والله عز وجل قد جعل وجود الذبابة في حد ذاته إعجازاً يقول سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}(الحج:73)، يقول العلامة السعدي رحمه الله تعالى: "(يا أيها الناس) هذا خطاب للمؤمنين والكفار، المؤمنون يزدادون علماً وبصيرة، والكافرون تقوم عليهم الحجة، (ضرب مثل فاستمعوا له) أي: ألقوا إليه أسماعكم، وتفهموا ما احتوى عليه، ولا يصادف منكم قلوباً لاهية، وأسماعاً معرضة، بل ألقوا إليه القلوب والأسماع، وهو هذا: (إن الذين تدعون من دون الله) شمل كل ما يدعى من دون الله، (لن يخلقوا ذباباً) الذي هو من أحقر المخلوقات وأخسها، فليس في قدرتهم خلق هذا المخلوق الضعيف فما فوقه من باب أولى، (ولو اجتمعوا له) بل أبلغ من ذلك لو (يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه) وهذا غاية ما يصير من العجز، (ضعف الطالب) الذي هو المعبود من دون الله (والمطلوب) الذي هو الذباب، فكل منهما ضعيف، وأضعف منهما من يتعلق بهذا الضعيف، وينزله منزلة رب العالمين"3. وقد شرح كثير العلماء حديث: ((إذا وقع الذباب في شرابأحدكم فليغمسه... الحديث))،وذكروا ما فيه من المعاني والفوائد فقال العلامة بدرالدين العيني صاحب "عمدة القاري شرح صحيح البخاري": "الذباب بضم الذال المعجمةوتخفيف الباء الموحدة قال أبو هلال العسكري: الذباب واحد، والجمع ذبان كغربان يعنيبكسر الذال، والعامة تقول: ذباب للجمع، والواحدة ذبابة...، وحكى سيبويه في الجمع ذب - بضم أوله والتشديد -، وقال الجوهري: الذباب معروف الواحدة ذبابة، ولا تقل ذبابة،وجمع القلة أذبة، والكثير ذباب مثل غراب وأغربة وغربان وأرض مذبة ذات ذباب، وقيل: سمي ذباباً لكثرة حركته واضطرابه، وقد أخرج أبو يعلى بسند لا بأس به عن ابن عمرمرفوعاً: عمر الذباب أربعون ليلة، والذباب كله في النار إلا النحل، وقال الجاحظ: كونه في النار ليس تعذيباً له؛ بل ليعذب أهل النار به، وقال الجوهري: يقال إنه ليسشيء من الطيور يلغ إلا الذباب، وقال أفلاطون: الذباب أحرص الأشياء حتى إنه يلقينفسه في كل شيء ولو كان فيه هلاكه، ويتولد من العفونة، ولا جفن للذبابة لصغرحدقتها، والجفن يصقل الحدقة، فالذبابة تصقل بيديها، فلا تزال تمسح عينيها، وهو منأكثر الطيور سفاداً، وربما بقي عامة اليوم على الأنثى، وأدنى الحكمة في خلقه أذىالجبابرة، وقيل: لولا هي لجافت الدنيا"4. وهنا سؤالهو:هل الذباب ينجس الطعام أم لا؟وما طهارة ما سقط في الطعام من غير الذباب هل ينجسأم لا؟ يقول ابنحجر رحمه الله: "رجح جماعة من المتأخرين أن ما يعم وقوعه في الماء كالذباب والبعوضلا ينجس الماء، وما لا يعم كالعقارب ينجس؛ وهو قوي"5. وأيالجناحين للذباب هو الذي فيه الشفاء؟ يذكربعضهم أنه بعد التأمل والتتبع وجد أنه الأيمن قال ابن حجر رحمه الله: "ذكر بعضالعلماء أنه تأمله فوجده يتقي بجناحه الأيسر، فعرف أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء،والمناسبة في ذلك ظاهرة"6. وهناقد يصعب على البعض الفهم، فلا يستطيع أن يجمع بين الداء والدواء في وقت واحد، فكيفيجتمع السقم والشفاء في جناحي الذباب؟ وقبل بيان الإشكال لابد أن نربي أنفسنا علىاليقين بما أخبر به سيد المرسلين، وأما إمكان ذلك ففيما نقله ابن حجر بيان ذلك: "قال الخطابي: تكلم على هذا الحديث من لا خلاق له فقال: كيف يجتمع الشفاء والداء فيجناحي الذباب؟ وكيف يعلم ذلك من نفسه حتى يقدم جناح الشفاء؟ وما ألجأه إلى ذلك؟قال: وهذا سؤال جاهل أو متجاهل، فإن كثيراً من الحيوان قد جمع الصفات المتضادة، وقدألَّف الله بينها، وقهرها على الاجتماع، وجعل منها قوى الحيوان، وأن الذي ألهمالنحلة اتخاذ البيت العجيب الصنعة للتعسيل فيه، وألهم النملة أن تدخر قوتها، أو أنحاجتها أن تكسر الحبة نصفين لئلا تستنبت؛ لقادر على إلهام الذبابة أن تقدم جناحاًوتؤخر آخر، وقال ابن الجوزي: ما نقل عن هذا القائل ليس بعجيب، فإن النحلة تعسل منأعلاها، وتلقى السم من أسفلها، والحية القاتل سمها؛ تدخل لحومها في الترياق الذييعالج به السم، والذبابة تسحق مع الأثمد لجلاء البصر، وذكر بعض حذاق الأطباء أن فيالذباب قوة سمية يدل عليها الورم والحكة العارضة عن لسعه، وهي بمنزلة السلاح له،فإذا سقط الذباب فيما يؤذيه تلقاه بسلاحه، فأمر الشارع أن يقابل تلك السمية بماأودعه الله تعالى في الجناح الآخر من الشفاء، فتتقابل المادتان، فيزول الضرر بإذنالله تعالى، واستدل بقوله "ثم لينزعه" على أنها تنجس بالموت كما هو أصح القولينللشافعي، والقول الآخر كقول أبي حنيفة أنها لا تنجس، والله أعلم"7. وهنايقف الألباني رحمه الله مدافعاً عن أبي هريرة رضي الله عنه راوي الحديث، وأن الحديثثابت سنداً ومتناً، وبعد أن ذكر أسانيد الحديث الصحيحة قال: "أما بعد، فقد ثبتالحديث بهذه الأسانيد الصحيحة عن هؤلاء الصحابة الثلاثة: أبي هريرة، وأبي سعيد،وأنس؛ ثبوتاً لا مجال لرده، ولا للتشكيك فيه، كما ثبت صدق أبي هريرة رضي الله عنهفي روايته إياه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافاً لبعض غلاة الشيعة منالمعاصرين؛ ومن تَبِعَه من الزائغين، حيث طعنوا فيه رضي الله عنه لروايته إياه،واتهموه بأنه يكذب فيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاشاه من ذلك، فهذا هوالتحقيق العلمي يثبت أنه بريء من كل ذلك، وأن الطاعن فيه هو الحقيق بالطعن فيه؛لأنهم رموا صحابياً بالبهت، وردُّوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لمجرد عدمانطباقه على عقولهم المريضة! وقدرواه عنه جماعة من الصحابة كما علمت، وليت شعري هل علم هؤلاء بعدم تفرد أبي هريرةرضي الله عنه بالحديث - وهو حجة ولو تفرد - أم جهلوا ذلك، فإن كان الأول فلماذايتعللون برواية أبي هريرة إياه، ويوهمون الناس أنه لم يتابعه أحد من الأصحابالكرام؟! وإن كان الآخر فهلا سألوا أهل الاختصاص والعلم بالحديثالشريف؟ وماأحسن ما قيل: فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة *** وإنكنت تدري فالمصيبة أعظم |
__________________ <جميع مواضيعى منقولة مالم أذكر غير ذلك> يظل القلب يذكركم و تبقى النفس تشتاق فيا عجبا ً لصحبتكم لها في الروح أفاق ¨°o.O ( غنى & محبة & مرهفة &هبة الله) O.o°¨ |