بسم الله الرحمن الرحيم
" إن التلذذ بالقرآن لمن فتحت له أبوابها لا يعادله أي لذة أو متعة في هذه الحياة ... ولكن أكثر الناس لا يعلمــون "
مفاتيح تدبر القرآن والنجاح في الحيــاة
إعداد : د. خالد عبد الكريم اللاحم / أستاذ القرآن وعلومه المساعد بجامعة الإمام/
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا
والصلاة والسلام علىأفضل الأنبياء والمرسلين وخاتمهم محمد بن عبد الله عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاةوأتم التسليم
أما بعد..
فإن الوسيلة الأولى لإصلاح النفس وتزكية القلب والوقاية من المشكلات وعلاجها هو العلم ووسيلته الأولى القراءةوالكتاب ..
وإن الإحالة على كتاب يقرأ ويفهم ويطبق هي الطريقة العملية للتغير والتطوير . فلو تأملنا حال السلف ابتداء من النبي صلوات ربي وسلامه عليه وانتهاء بالمعاصرين من الصالحين لوجدنا أن القاسم المشترك بينهم هو القيام بالقرآن وفي صلاة الليل خاصة .
فإن قراءة القرآن في صلاة الليل هي أقوى وسيلة لبقاء التوحيد والإيمان غضاً طرياً ندياً في القلب .
ولكن هناك من يشتكي من عدم فهم القرآن وصعوبته وهذا غير صحيح فالقرآن واضح جلي كتاب علمي تربوي يسره الله على العباد ووضحه ..
( لكن هذا من مداخل الشيطان على العبد حتى يحرمه من هذا النعيم و الهدايه لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر )
, أو أنه كان يتأثر بآية ثم بعد فترة يعود إليها ولكن يفتقد ذلك التأثير !! وذلك لانصرافهم عن القرآن واشتغالهم بمؤلفات تبحث في طرق النجاح والسعادة في الحياة .. لذلك ولعلاج هذه المشكلة كان هذا البحث الذي يتحدث عن وسائل عملية تمكن بإذن الله من الانتفاع بالقرآن الكريم , وهي التي كان سلفنا الصالح يتبعها .
ومن أخذ بهذه الوسائل فإنه سيجد بإذن الله تعالى أن معاني القرآن تتدفق عليه .
قال سهل بن عبدالله التستري ( لو أعطي العبد بكل حرف من القرآن ألف فهم لم يبلغ نهاية ما أودع الله في آية من كتابه لأنه كلامالله وكلامه صفته وكما أنه ليس لله نهاية فكذلك لانهاية لفهم كلامه ... وإنما يفهمكل بمقدار مايفتح الله على قلبه .. )
فإن فهم القرآن وتدبره مواهب من الكريم الوهاب يعطيها لمن صدق في طلبها .. وليس ذلك المتكئ على أريكته المشتغل بشهوات الدنيا ويريد فهم القرآن .. هيهات هيهات ولو تمنى على الله الأماني .
التدبر يعني التفكر والتأمل لآيات القرآن من أجل فهمه , وإدراك معانيه , وحكمه , والمراد منه .
علامات التدبر :-
1) اجتماع القلب والفكر حين القراءة ودليلة التوقف تعجباً وتعظيماً
2) البكاء من خشية الله
3) زيادة الخشوع
4) زيادة الإيمان ودليله التكرار العفوي للآيات
5) الفرح والاستبشار
6) القشعريرة خوفاً من الله تعالى ثم غلبة الرجاء والسكينة
7) السجود تعظيماً لله عز وجل
فمن وجد واحدة من هذه الصفات أو أكثر فقد وصل إلى حالة التدبر والتفكر , أما من لم يحصل أياً منها فهذا هو المحروم ..
قال ابراهيم التيمي ( من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق ألا يكون أوتي علما لأن الله نعت العلماء
فقال تعالى { قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذايتلى عليهم يخرون للإذقان سجداً،، ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ،،ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا } (2)
المفتاح الأول / حب القرآن
إن القلب آلة الفهم والعقل , وهو بيد الله وحده سبحان هوتعالى
قال تعالى { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلونبها .. الآية }(3)
وقال { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } (4 )
فتذكر وأنت تحاول فهم القرآن أن القلوب بيد الله تعالى وأن الله يحول بين المرء وقلبه فليست العبرة بالطريقة والكيفية بل الفتح من الله وحده , وما يحصل لك من التدبر فهو نعمة من الله تستوجب الشكر
علاقة حب القرآن بالتدبر : معلوم أن القلب إذا احب شيئاً تعلق به واشتاق اليه وشغف به وانقطع عمّا سواه , والقلب إذا أحب القرآن تلذذ بقراءته واجتمع على فهمه ووعيه فيحصل بذلك التدبر المكين والفهم العميق , وبالعكس .
عليه فتحصيل حب القرآن منأنفع الأسباب لحصول أقوى وأعلى مستويات التدبر .
علامات حب القلب للقرآن :
1) الفرح بلقائه
2) الجلوس معه أوقاتاً طويله دونملل
3) الشوق إليه متى بعد عنه العهد
4) كثرة مشاورته والثقةبتوجيهاته والرجوع إليه فيما يشكل من أمور الحياة .
5) طاعته , أمراً ونهياً
فمتى وجدت هذا العلامات فإن الحب موجود , ومتى فقدت فحبه مفقود .
فإنه ينبغي لكل مسلم أن يسأل نفسه هذا السؤال : هل أنا أحب القرآن؟
قال أبو عبيد " لا يسأل عبد عن نفسه إلا بالقرآن فإن كان يحب القرآن فإنه يحب الله ورسوله"
وسائل تحقيق هذه المحبة :
1) التوكل على اله والاستعانة به .. وسؤاله سبحانه أن يرزقك ( حب القرآن ) ويكرر ذلك ويتحرى مواطن الاجابة ويجتهد في السؤال بتضرع وإلحاح وحرص شديد أن يجاب وأن يعطى .
2) فعل الأسباب : وخير الاسباب في هذا المقام ( العلم ) ووسيلته : القراءة .. أي القراءة عن عظمة القرآن مما ورد في القرآن والسنة وأقول السلف في تعظيم هموحبهم للقرآن .
المفتاح الثاني : أهداف قراءةالقرآن
معظم الناس لا يستحضر هدف واضح لقراءة القرآن .. لذلك فهو لا يستشعر أهميته , فترى مثلاً حافظاً للقرآن غير عامل ولا متخلق به .
وقراءة القرآن يجتمع فيها مقاصد خمسة ونيات كلها عظيمه , وأهداف قراءة القرآن مجموعة في قولك ( ثمّ شعّ ) :
(الثاء ) : ثواب , ( الميم ) : مناجاة .. ( الميم ) : مسأله , ( الشين ) : شفاء , ( العين ) : علم .. ( العين ) : عمل .
فمتى قرأ المسلم القرآن مستحضراً المقاصد الخمسة معاً كان انتفاعه بالقرآن أعظم وأجره أكبر .
ومن قرأه يريد العلمرزقه الله العلم , ومن قرأه يريد الثواب فقط أعطي الثواب ,
قال ابن تيمية ( من تدبرالقرآن طالباً الهدى منه تبين له طريق الحق )
والكلام في هذاالمفتاح كثير لايتسع المجال لذكره (5)
المفتاح الثالث / القيام بالقرآن :
إن هذا المفتاح من أهم المفاتيح لتدبرالقرآن وأعظمها شأناً وقد ورد عدد من النصوص تؤكد أهميته , قال تعالى { ومن الليل فتهجد به نافلة ... الآية } ( 6)
وقال { يا أيها المزمل ،، قم اليل إلا قليلاً .... الآيات } (7 )
وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره , وإن لم يقم به نسيه " (8)
فهذا هو بيت القصيد في تدبر القرآن والانتفاع به , فمن كان يقومبه آناء الليل والنهار .. تجد ان اجابته حاضره وسريعه , وتجده وقـّافاً عند كتابالله , وبالعكس.
المفتاح الرابع / أن تكون القراءةفي ليل :
ان الليل _ وخاصة وقت السَّحَر _من أفضل لأوقات للتذكر , فالذاكرة تكون في أعلى مستوى بسبب الهدوء والصفاء , وبسبب بركة الوقت حيث النزول الإلهي .
ومما يدل على أن القراءة في ليل أحد مفاتيح التدبر
قوله تعالى { ومن الليل فتهجد به نافلة لك .. الآية } (9)
وقوله { إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلا }(10)
قال الشيخ عطيه سالم يحكي عن شيخه الشنقيطي رحمه الله :
" لايثبت القرآن في الصدر , ولايسهل حفظه , وييسر فهمه إلا القيام به في جوف الليل" ,
وقال السري : ( رأيت الفوائد ترد في ظلام الليل )
وقال النووي : ( ينبغي للمرء أن يكون اعتناؤه بقراءةالقرآن في الليل أكثر , وفي صلاة الليل أكثر , والأحاديث والآثار في هذا كثيرة .... الى آخر كلامه رحمه الله )
المفتاح الخامس / التكرار الأسبوعي للقرآن أو بعضه :
أهمية ذلك : كلما تقاربت أوقات القراءة وكلما كثر التكرار كان أقوى في رسوخ معاني القرآن الكريم , ومن أجل ذلك كان السلف يواظبون على قراءة القرآن ويحرصون أكثر على كثر تلاوته وتكرارها .
وان عادات النجاح ليست كثيره بل هي واحد وهي : المحافظه على قراءةحزبك من القرآن , بل هي عبادة وليست عادة .
كيفية تحزيب القرآن ومدةالختم : قراءة القرآن مثل العلاج لابد أن يكون بمقدار معين لايزيد ولا ينقص حتى يحدث أثره .مثل المضاد الحيوي .. ان طالت المده ضعف أثره وان تقارب اكثر من المناسب أضر بالبدن .
فكذلك قراءة القرآن .
كيفية تطبيق هذا المفتاح : بتطبيق قاعدة ( أدومه وإن قل ) .. وبالتدرج في القراءة والتحزيب .
المفتاح السادس / أن تكون القراءة حفظاً :
أهمية هذا : ان مثل الحافظ للقرآن وغير الحافظ , كاثنين مسافرين الأول زاده التمر , والآخر زاده الدقيق , فالأول متى ماجاع اخذ التمر وأكل , والثاني لابد له من النزول والعجن وايقاد النار والخبز والانتظار .
والعلم مثل الدواء لا يؤثر حتى يدخل الجوف ويختلط بالدم , وان لم يكن كذلك فإن أثره مؤقت .
عن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب )(11)
وقال ابن تيمية " انا جنتي وبستاني في صدري أنّى رحت فهي معي " وهو يريد بذلك القرآن والسنة .
وقال سهل بن عبدالله لأحد طلابه : أتحفظ القرآن ؟ قال : لا . قال : واغوثاه لمؤمن لايحفظ القرآن ! فبم يترنم ! فبم يتنعم ! فبم يناجي ربه! )
وهذا المقصود من كون الحفظ احد مفاتيح التدبر لأنه متى كانت الآية محفوظة فتكون حاضرة .
المفتاح السابع / تكرار الآيـات :
إن الهدف من التكرار هو التوقف لاستحضار المعاني , وكلما كثرالتكرار كلما زادت المعاني التي تفهم من النص , والتكرار أيضاً قد يحصل لا إرادياًتعظيماً أو إعجاباً بما قرأ ,وهذا مشاهد في واقع الناس .
فالتكرارنتيجة وثمرة الفهم والتدبر وهو أيضاً وسيلة اليه حينما لايوجد , قال ابن مسعود رضيالله عنه ( لاتهذوه هذ الشعر ولا تنثروه نثر الدقل , قفوا عند عجائبه وحركوا بهالقلوب , ولايكن هم حدكم آخر السورة )
وهكذا كان حال السلف رحمهم الله ورضي عنهم .
المفتاح الثامن / ربط الألفاظ
بالمعاني :
مفهومه : أي حفظ المعاني , وهو أيضاً ربط الآية بالواقع؛ أي تنزيل الآية على المواقف والأحوال اليومية التي تمر بالشخص , هو التمثيل بالقرآن في كل حدث يحصل في اليوم والليلة , بحيث يبقى القرآن حياً في القلب تؤخذ منه الإجابات والتفسيرات للحياة .
أنواعه : عفوي , قصدي
العفوي / إلهامات وفتوحات يفتحها الله على من يشاء من عباده
القصدي / هو أن تقوم بالربط ثم التكرار حتى يرسخ ويثبت
والتكرار الذي يحقق الربط نوعان : تكرار آني , تكرار اسبوعي
الآني / تكرار الايات اثناء قرائتها
الاسبوعي / تكرارها اسبوعياً
كيفية الربط / ان تكرر اللفظ مع استحضار معنىجديد في كل مره , حتى تمر على كل المعاني التي يمكن ان تتذكرها من النص أو اللفظ .
المفتاح التاسع / الترتيل :
يعني الترسل والتمهل .
ومن ذلك مراعاة المقاطع والمبادئ وتمام المعنى , بحيث يكون القارئ متفكراً فيما يقرأ .
قال الحسن البصري ( يا ابن آدم كيف يرق قلبك وإنما همتك آخر السورة ! )
قال ابن مفلح رحمهالله ( أقل الترتيل ترك العجلة في القرآن عن الإبانة , وأكمله أن يرتل القراءةويتوقف فيها)
والصحيح أن من أسرع في القراءة فقد اقتصر على مقصدواحد من مقاصد القراءة وهو : الثواب .
ومن رتل وتأمل فقد حقق المقاصد كلها وكمل انتفاعه بالقرآن واتبع هدي النبي صلوات ربي وسلامه عليه وصحابته الكرام رضي الله عنهم .
المفتاح العاشـ ـر / الجهربالقراءة :
عن ابو هريرة قال : " ليس منّا من لم يتغن بالقرآن يجهربه "
وعنه ايضاً قال أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت أن يجهر بالقرآن )( 12)
قال ابن عباس لرجل ذكر انه يسرع القراءة ( إن كنت فاعلاً فاقرأ قراءة تسمعها أذنك ويعيها قلبك )
وعن ابي ليلى قال ( إذا قرأت فاسمع أذنيك فإن قلبك عدل بين اللسان والأذن )
فإن الجهر بما يدور في القلب أعون على التركيز والانتباه ولذلك تجد الانسان يلجأ اليه قسراً عندما تتعقد الأمور ويصعب التفكير .
ختاماً /
ان من يواظب على قراءة القرآن كما تم بيانه ووصفه من حال السلف فإن هذا سيؤدي إلى حياة قلبه وقوة ذاكرته وصحة نفسه وعلو همته وقوة ارادته , وهذه هي مرتكزات النجاح الحقيقيه , ذلكم النجاح الشامل المتكامل الثابت في حال الشده كما هو في حال الرخاء .
إن من يطبق هذه المفاتيح العشرة فسيرى بأم قلبه نور القرآن ...
ويكون ممن قال الله فيهم { إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكيا} ( 13)
نسأل الله أن نكون من أهل القرآن وأن يجعله ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا .
انه القادرعلى ذلك ... لمن خلصت نيته .
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلــــــــــى الله عليه وسلم
الهوامش :
1- بتصرف شديــد
2- الاسراء 107-109
3- الحج 46
4- الانفال 24
5- من كلامي .. للاستزاده الرجوع للكتاب .
6- الاسراء 79
7- المزمل 1-5
8- صحيح مسلم
9- الاسراء 79
10-المزمل 6
11-سنن الترمذي
12-صحيح البخاريومسلم
13-مريم 58
تدبر القرآن وتعقله وتأمله : للدكتور ناصر العمر حفظه الله
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد:
إن كتاب الله فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، ولاتنفد عبره، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: { إنا سمعنا قرآنا عجباً، يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا }، قال الله _تعالى_: { وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم }، كتاب ربنا من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن خاصم به فلج، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم.
نــورٌ علـــى مَرِّ الزمــــان تألـقا وأضـاءَ للدنيا طريقــــاً مُشرقـــا
وهــدى من الرحمن يهدينا بـه للصالحـات وللمكـــارم والتقى
هــــذا كتـــــاب الله زاد قلوبـــنا وشفاؤنا مـن كــــل داء أرهقــا
هـــــذا هو القرآن مصـــدر عزنا فبه تبوأنا المكـــــان الأســمقا
ياحــــافـظ القرآن لست بحافظ حتى تكون لما حفظت مطبقاً
ماذا يفيـدك أن تسمى حافظاً وكتاب ربك في الفؤاد تمزقـــــا
يا أُمَّتي القـرآن حبـلُ نجاتنــــا فتمَسَّكِي بِعُرَاه كي لانغـــــرقا
ولتجمعي حول الكتاب شتاتنا حتــى نزيل تنــــاحراً و تفــــرقا
ولتجعليه محـكما في أمـــــرنا وثقي بوعــــد الله أن يتحققـــا
ولعل سبيل الخلوص إلى تلك المعاني وعظم تأثر المرء بها منوط بتدبر القرآن، ولهذا قال الله تعالى: { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً } [النساء:82]، { أفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } [محمد:24]، فدل هذا على أن ترك التدبر حال أقوام عن الانتفاع به على الرغم من خصائصه التي أودعها الله فيه.
وهنا يعرض السؤال: ماهو التدبر الذي تربط به كل تلك المعاني العظام؟، أقول هذا لأني وجدت كثيراً من الناس يتحدث عن تدبر القرآن وعن أهميته، مع أنه لم يحرر تلك المعاني، ويترتب على هذا معرفة أسباب التدبر وطرقه.
وفي هذه العجالة أحببت أن أبين الفرق بين مفهوم التأمل والتعقل والتدبر، فالذي يظهر أن هناك فروق بين هذه الثلاثة.
الفرق بين التأمل والتدبر والتعقل ومعرفة المعنى:
فإن تأمل القرآن هو كما قال ابن القيم: ( تحديق ناظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبره وتعقله ). فهو إذن يشتمل على ثلاثة أمور:
1- رؤية معانيه ومراميه بجلاء ومعرفتها بوضوح.
2- جمع الفكر على تدبره.
3- جمع الفكر على تعقله.
فابن القيم جعل مطالعة المعاني أمرا، والتفكر أمر ثان، والتعقل شيء ثالث، وهي معان متقاربة إذا اجتمعت حصل التأمل.
أما التدبر فقد قيل في معناه: ( هو التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة ).
ويقول بعضهم في تعريف التدبر: ( وهو عند أهل العلم بكتاب الله - جل وعلا -: العمل على تحقيق وتحديق النظر في ما يبلغه المعنى القرآني المَدِيدُ من درجات الهداية إلى الصراط المستقيم. وهذا نظر لا يتناهَى، فإن المعنى القرآني له أصل يبدأ منه ولكن منتهاه لا يكاد يبلغه أحدٌ من العباد، فصاحب القرآن الكريم في سفر دائم طلبًا للمزيد من المعنى القرآني.
وكلّ تَعَقُلٍ وتَفَكُّرٍ وتَفَقُّهٍ وتَفَهُّمٍ للبيان القرآني لا يحقق العلم بدرجة من درجات الهداية إلى الصراط المستقيم لا يكون من تدبر القرآن الكريم في شيْءٍ ).
والذي يظهر هو أن التدبر: معنى أخص من المعرفة التفصيلة لمعاني الآيات، فالتدبر يقتضي النظر إلى ما تصير إليه عاقبة الكلام في الجملة، وهذا يدفع للعمل بما تم تدبره لاستحضار العاقبة، وفي هذا تعلق واضح بأصل المعنى اللغوي للتدبر الدال على نظر في ما يؤول إليه آخر أمره، ولهذا أثر عن الحسن قوله: ( إن هذا القرآن قرأه عبيد وصبيان لم يأخذوه من أوله، ولا علم لهم بتأويله، إن أحق الناس بهذا القرآن من رئي في عمله قال الله - تبارك وتعالى -: { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب }، وإنما تدبر آياته إتباعه بعمله، يقول أحدهم لصاحبه: تعال أقارئك، والله ما كانت القراء تفعل هذا والله ما هم بالقراء ولا الورعة لا كثر الله في الناس أمثالهم لا كثر الله في الناس أمثالهم ). فجعل تدبره إتباعه بعمل لأنه الأمر الذي تدعو إليه عاقبته عند من تأمله.
أما التعقل ففيه معنى يقضي بإدراك المعاني المجملة التي تعقل الإنسان وتمنعه من مخالفته.
وكل من التدبر والتعقل لا يتم إلاّ بعلم مجمل المعاني ومراميها.
ولكن ليس من شرط هذا العلم أن يكون تفصيلياً لكل كلمة وكل حرف، بل قد يكون التدبر بإدارك المعنى الإجمالي، وعقل الكليات المرادة بالآية، ولاشك أن التدبر يكمل كلما كان العلم بالمعاني أكمل، وإن لم يكن شرط المعرفة التفصيلية للمعاني وأوجهها لازم لمطلق التدبر.
فمن قرأ { ألم } ولم يعلم حقيقة معناها أو علم أنها أحرف لا معنى لها في ذاتها مجردة، ولكن فهم مرمها، والمقصد من إيرادها، وهو الإشارة إلى إعجاز القرآن اللغوي، حصل له نوع من التدبر المحمود لتلك الأحرف رغم أنه لا معنى لها مجردة في حد ذاتها.
هذا والله أسأل أن يجعلنا من التالين لكتابه الكريم، المتدبرين لآيات القرآن العظيم، المنتفعين بما نقول ونسمع، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه والتابعين
أ. د. ناصر بن سليمان العمر