14-12-11, 04:32 AM
|
#1 (permalink)
|
| ][::. عضو .::][
تاريخ التسجيل: Feb 2007
المشاركات: 1
| [[ مشروعية إهداء قراءة القرآن الكريم إلى الأموات ]] بقلم الشريف / صلاح جاد سلام |
بسـم الله الـرحمـن الرحيم
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ، حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه وسابغ نعمه التي لا تعد ولا تحصى ، ثم صلاة وسلاما دائمين متلازمين على رسوله الأمين المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ومولانا وإمامنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين .
وبعد
ففي مقالة نشرتها جريدة ( صوت الأزهر ) يوم الجمعة بتاريخ 18 من ذي الحجة سنة 1425 هـ الموافق 28 من يناير سنة 2005 م تحت عنوان ( الحجج الدامغات في ثبوت مشروعية إهداء قراءة القرآن وسائر القربات للأحياء والأموات ) كتبها الأستاذ الدكتور جودة أبو اليزيد مهدى الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف ،، قال :
من الحقائق المؤكدة التى قررها القرآن الكريم والسنة المطهرة والإجماع . وأكدها علماء الأصول أن الله سبحانه شرع الأحكام لحكم ومصالح يعود نفعها على العباد رحمة بهم وتيسيرا عليهم كما قال جل شانه : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ، { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } . ولكن فريقا من الناس قد عمدوا إلى تضييق رحمة الله الواسعة . وجنحوا إلى التشديد على الأمة ، فحرموا ما أحل الله ، افتراء على الله ، وأشاعوا في أجهزة الدعوة والإعلام تحريم أمور كثيرة ، توافرت الأدلة والبراهين على حلها واستحبابها.
ومن ذلك دعواهم أن قراءة القرآن وإهداء سائر القربات للغير أحياءا وأمواتا من البدع المحرمة ، وهذه الدعوة مجانبة للحق والصواب ، افتراء على الله ورسوله .
وهذه طائفة من الأدلة الشرعية المثبتة لجواز قراءة القرآن الكريم والذكر والعبادة وإهداء ثوابها للأحياء والأموات على السواء .
فالدليل الاول :
أن الإمام البخارى رضى الله عنه جعل عنوان باب من كتاب الجنائز في صحيحه باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة . وروى فيه بسنده عن طلحة بن عبد الله بن عوف أنه قال :
صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، قال : ليعلموا أنها سنة .
والدليل الثانى :
وفيه مشروعية صلاة الجنازة على القبر ، كما يفيد مشروعية الصلاة مطلقا بجوار القبور ما لم تنبش ما رواه البخارى –فى نفس الكتاب والباب من صحيحه –عن أبى هريرة رضى الله عنه :
أن اسود –رجلا كان أو امرأة – كان يقم المسجد فمات ، ولم يعلم النبى صلى الله عليه وسلم
بموته . فذكره ذات يوم ، فقال صلى الله عليه وسلم : " ما فعل ذلك الإنسان ؟ "
قالوا : مات يا رسول الله .
قال : " أفلا آذنتمونى ؟ "
فقالوا : إنه كان كذا وكذا …قصته ،،،
قال : فحقروا شأنه ،
قال : " فدلونى على قبره " فأتى قبره ، فصلى عليه . …
ولا يخفى أن صلاته صلى الله عليه وسلم مشتملة على تلاوة القرآن والدعاء لرحمة الميت .
الدليل الثالث :
أخرج الإمام أحمد والطبرانى وغيرهما عن معقل بن يسار أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
البقرة سنام القرآن وذروته . ونزل مع كل آية منها ثمانون ملكا . واستخرجت ( الله لا إله إلا هو الحى القيوم ) من تحت العرش فوصلت بها ، و( يس ) قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله تبارك وتعالى والدار الآخرة إلا غفر له. و اقرءوها على موتاكم " .
وقد رد الأمير الصنعانى فى ( سبل السلام ) 2 / 244 على من قال إن المراد بالميت هنا المحتضر بقوله : وهو شامل للميت . بل هو الحقيقة فيه . آهـ
الدليل الرابع :
وهو من كتاب ( الروح ) لابن القيم السلفى حيث روى فيه عن الخلال عن الحسن الوراق قال :
حدثنى على بن موسى الحداد وكان صدوقا ، قال : كنت مع أحمد بن حنبل ومحمد بن قدامة الجوهرى فى جنازة . فلما دفن الميت جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر . فقال أحمد : يا هذا ، إن القراءة عند القبر بدعة . فلما خرجنا من المقابر ، قال محمد بن قدامة لأحمد بن حنبل :
يا أبا عبد الله . ما تقول فى مبشر الحلبى ؟
قال : ثقة ..
قال : كتبت عنه شيئا ؟
قال : نعم ،
قال : فأخبرنى مبشر عن عبد الرحمن بن العلا بن اللجلاج عن أبيه أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها . وقال : سمعت ابن عمر يوصى بذلك .
فقال له أحمد : فارجع ، وقل للرجل يقرأ ….
هذه هى السلفية الحقة ، لا السلفية المختلقة المدعاة .
الدليل الخامس :
ما نقل عن السلف الصالح تطبيقا من المصادر السلفية المنصفة . فقد نقل ابن القيم أيضا فى كتاب ( الروح ) عن العلامة الخلال السلفى عن الإمام الشعبى أنه قال : كانت الأنصار إذا مات لهم ميت اختلفوا إلى قبره يقرءون عنده القرآن .
الدليل السادس :
ما رواه الإمام أحمد والبخارى ومسلم عن الإمام ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال :
مر النبى صلى الله عليه وسلم على قبرين فقال : " إنهما ليعذبان وما يعذبان فى كبير "
ثم قال : " بلى . أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة ، وأما الآخر فكان لايستتر من بوله " ،
قال :
ثم أخذ عودا رطبا فكسره باثنتين ، ثم غرز كل واحد منهما على قبر ، ثم قال :
" لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا " .
قال الإمام الخطابى : فيه دليل على استحباب تلاوة القرآن الكتاب العزيز على القبور ، لأنه إذا كان يرجى عن الميت التخفيف بتسبيح الشجر ، فتلاوة القرآن العظيم أعظم رجاء وبركة .
الدليل السابع :
أخرج ابن أبى شيبة من طريق أبى الشعثاء جابر بن زيد – وهو من ثقات التابعين ــ أنه كان يقرأ عند الميت سورة ( الرعد ) . قال الحافظ ابن حجر : سنده صحيح .
وفى ( سبل السلام ) للصنعانى أخرج أبو الشيخ فى ( فضائل القرآن ) وأبو بكر المروزى فى كتاب ( الجنائز ) عن أبى الشعثاء –صاحب ابن عباس – أنه يستحب قراءة سورة ( الرعد ) ،،
وزاد : فإن ذلك يخفف عن الميت .
وفيه أيضا عن الشعبى : كانت الأنصار يستحبون أن تقرأ عند الميت سورة ( البقرة ) .
هذه بعض الأدلة والحجج التى تثبت وتؤكد مشروعية قراءة القرآن وإهداء ثوابها للأموات ،،
وبالله التوفيق ، وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . انتهى
وحقيقة الأمر أننى كنت قد سمعت قبيل ذلك أن هناك من أعلن فى بعض أجهزة الإعلام أن قراءة القرآن للأموات بدعة مجانبة للحق ، وسئلت فى ذلك لاستيضاح رأيى حول هذا القول ،،،
فما كان منى إلا أن تفكرت فى الأمر ،، ثم أجبت قائلا :
بلدنا التى ولدنا ونشانا فيها مدينة عريقة ، هى مدينة ( جرجا ) فى صعيد مصر ،
وقد اشتهرت منذ القدم بأنها بلد العلم والعلماء ، والمقصود من ذلك الدين الإسلامى بمذاهبه ،،
(حتى إن الشيخ من أبنائها كان – دائما — يذيل توقيعه بكلمة الشافعى الجرجاوى أو الحنفى الجرجاوى ….وهكذا )،،،
ومع ذلك ،،، لم نر أحدا من علماء ( جرجا ) على كثرتهم وعلو مراتبهم فى حفظ القرآن الكريم وعلوم الدين المتنوعة يبدع أو يحرم قراء ة القرآن الكريم للأموات . وليس من المعقول مطلقا أن يجتمعوا كلهم على ضلالة أو بدعة أو محرم .
ثم إننى عقدت العزم على أن أبحث فى هذا الموضوع مما فى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وأعمال السلف الصالح من أهل الفقه والعلم ، مستعينا بالله تعالى متوكلا عليه .
فلما قرأت كلام فضيلة الأستاذ الدكتور جودة ، وهو من شيوخ العلماء فى الأزهر الشريف ، وممن يؤخذ عنهم العلم والفقه ، أثبت مقالته بأكملها على اعتبار أنها فى صميم البحث ، ومن عناصر التحقيق فيه …
وبذلك … وامتدادا لما سبق … نقول …والله أعلى وأعلم :
إن الحث على قراءة القرآن الكريم وفضائل الأعمال جاء على جهة الإطلاق ، والإطلاق فى ذاته أمر عام يقتضي عموم الأمكنة والأزمنة والأشخاص والأحوال ما لم يقيد بدليل ، وإلا كان ذلك ابتداعًا في الدين بتضييق ما وسَّعه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم .
و الفاتحة أعظم سور القرآن الكريم ، وقراءتها عمل صالح لاريب فيه ، والتوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح مجمعٌ عليه، والفاتحة ( أم القرآن ) من أعظم صور الدعاء ، والدعاء للميت بقراءتها دعاء ،، بل أعظم دعاء .
* فى كتاب ( الدعاء ) للإمام الاأكبر الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر السابق رحمه الله تعالى ، قال :
قال شيخ الإسلام الإمام النووى: ويستحب للزائر الإكثار من قراءة القرآن والذكر والدعاء لأهل تلك المقبرة وسائر الموتى والمسلمين أجمعين ، ويستحب الاكثار من الزيارة ، وأن يكثر الوقوف عند أهل الخير والفضل . آهـ
وإذن فإن شيخ الأزهر الإمام الأكبر الشيخ سيد طنطاوى رحمه الله يقر بقراءة القرآن الكريم للأموات مستدلا بقول الإمام النووى رحمه الله تعالى .
* بالرجوع إلى كتاب ( الأذكار ) للإمام الحافظ شيخ الإسلام يحيى النووى ( ت 676هـ ) رحمه الله فى باب ما ينفع الميت من قول غيره ، نجده يقول :
أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم ويصلهم ثوابه . واحتجوا بقوله تعالى :
{ والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان } الحشر 10 وغير ذلك من الآيات المشهورة بمعناها .
وقال أيضا : قال الشافعي والأصحاب يُستحبّ أن يقرءوا عنده ( أي الميت ) شيئاً من القرآن ، قالوا فإن ختموا القرآن كان حسناً ،
وروينا في سنن البيهقي "بإسناد حسن" أن ابن عمر استحبّ أن يقرأ على القبر بعد الدفن أول سورة البقرة وخاتمتها". انتهى كلام الإمام النووي
أى أن الإمام النووى رحمه الله يقر بقراءة القرآن الكريم للأموات .
* فى موضع آخر يقول الإمام النووى رحمه الله :
وروينا فى سنن أبى داود وابن ماجة عن معقل بن يسار الصحابى رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " اقرءوا ( يس ) على موتاكم " ، قلت اسناده ضعيف . فيه مجهولان . لكن لم يضعفه أبو داود ( ت 275 هـ ) .
* روى الإمام أبو القاسم الطبرانى ( ت 360 هـ ) عن ابن عمر رضي اللّه عنه أنه أوصى أن يُقرأ على قبره فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة .
وإذن ،، فالإمام الطبرانى يقر بقراءة القرآن الكريم للأموات .
* للإمام علاء الدين أبى الحسن علي بن سليمان المرداوي السعدي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي ( ت 885 هـ ) في كتابه ( الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ) وقد نقل الإمام موفق الدين, أبو محمد عبد الله بن أحمد ابن قدامة المقدسي الحنبلي ( ت 620هـ ) في كتابه ( المغني ) عن الإمام أحمد أنه نهى عن القراءة على القبر ، ثم رجع عن هذا النهي حين بلغه عن ابن عمر أنه أوصى بقراءة الفاتحة وخواتيم سورة البقرة عليه بعد دفنه ، وصار من مذهبه استحباب قراءة القرآن على القبر ، كما هو مثبت في كتب الحنابلة،
قال الإمام المرداوي :
ولا تُكره القراءة على القبر على أصح الروايتين،
وقال الإمام ابن قدامة : ولا بأس بالقراءة عند القبر .
وإذن ،، فالإمام ابن قدامة يقر بقراءة القرآن الكريم للأموات .
وكذلك الإمام المرداوي الحنبلي يقر بقراءة القرآن الكريم للأموات .
* قال الإمام ابن قدامة المقدسي وكذلك الشيخ بهاء الدين عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي في قول واحد : وأما قراءة القرآن وإهداء ثوابه للميت ، فالإجماع واقع على فعله من غير نكير ، وقد صح الحديث : " إن الميت ليعذب ببكاء أهله " والله سبحانه أكرم من أن يوصل إليه العقوبة ، ويحجب عنه المثوبة . آهـ .
* نص الإمام أحمد على أن الميت يتأذى بالمنكر عنده ،،
وفى هذا روى عن أبن عباس رضي الله عنهما أنه قال جنبوا الميت جار السوء,
وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها : إن الميت يؤذيه في قبره ما يؤذيه في بيته , ففيهما دلالة على المسألة , فإن الميت إذا تأذى بالمنكر ، انتفع بالخير بطريق الأولى .
* قال الإمام عبد القادر الجيلاني الحنبلي رضى الله عنه في ( الغنية لطالبي طريق ) : ويقرأ إحدى عشرة مرة { قل هو الله أحد } وغيرهما من القرآن ، ويهدي ثوابه ذلك لصاحب القبر ، وهو أن يقول : اللهم إن كنت قد ثبتني على قراءة هذه السورة فإني قد أهديت ثوابها لصاحب هذا القبر .
* جاء فى كتاب ( شرح العقيدة الطحاوية ) ، للإمام ابن أبي العز الحنفي ( ت 792 هـ ) :
وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعا بغير أجرة ، فهذا يصل اليه ، كما يصل ثواب الصوم والحج ،،، فإن قيل : هذا لم يكن معروفا في السلف ولا أرشدهم اليه النبي صلى الله عليه وسلم ،
فالجواب : إن كان مورد هذا السؤال معترفا بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء ، قيل له : ما الفرق بين ذلك وبين وصول ثواب قراءة القرآن؟
وليس كون السلف لم يفعلوه حجة في عدم الوصول ، ومن أين لنا هذا النفي العام ،،،
فإن قيل : فرسول الله صلى الله عليه وسلم أرشدهم الى الصوم والحج والصدقة دون القراءة ،
قيل : هو صلى الله عليه وسلم لم يبتدئهم بذلك .
وإذن ،، فهذا إقرار واضح بقراءة القرآن الكريم للأموات .
* فإذا ذهبنا إلى ( غالية المواعظ و مصباح المتعظ و قبس الواعظ ) للعلامة المحقق القاضى خير الدين أفندي الآلوسي البغدادي ( ت 1317هـ ) رحمه الله تعالى فى المجلس الثالث عشر فى الإيمان بالكتب المنزلة ، نجده يقول :
واتفق أكثر الأئمة على وصول ثواب القراءة للميت ، ومذهب المعتزلة خلافه لقوله تعالى : { وأن ليس للانسان إلا ما سعى } .
وفى ( رد المحتار على الدر المختار ) وحاشيته للعلاّمة الحنفي محمد أمين بن عمر الشهير بابن عابدين ( ت 1252هـ ) رحمه الله تعالى أن من دخل إلى المقبرة يقرأ ( يس ) ، فقد ورد :
( من دخل المقابر فقرأ سورة ( يس ) خفف الله عنهم يومئذ . وكان له بعدد من فيها حسنات )
وفى حديث : " من قرأ الإخلاص إحدى عشرة مرة ، ثم وهب أجرها للأموات ، أعطى من الأجر بعدد الأموات " ،،
وفى شرح اللباب : ويقرأ من القرآن ما تيسر له من ( الفاتحة ) وأول ( البقرة ) إلى { المفلحون} و " آية الكرسى " و { آمن الرسول } و" سورة يس " و " تبارك " الملك و " سورة التكاثر " و " الإخلاص " اثنى عشر مرة ، أو إحدى عشرة أو سبعا أو ثلاثا ،،
ثم يقول : اللهم أوصل ثواب ما قرأناه إلى فلان أو إليهم ،، فقد صرح علماؤنا فى باب الحج عن الغير بأن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره ،، صلاة أو صوما أو صدقة أو غيرها ،
بل قيل الأفضل لمن يتصدق نفلا أن ينوى لجميع المؤمنين والمؤمنات ، لأنها ثصل إليهم ، ولا ينقص من أجره شيء . وهو مذهب أهل السنة . لكن استثنى مالك والشافعى العبادات البدنية المحضة كالصلاة والتلاوة ، فلا يصل ثوابها إلى الميت عندهما ، بخلاف غيرها ، كالصدقة والحج ،، وخالف المعتزلة فى الكل .
يقول الآلوسى رحمه الله تعالى :
أقول ما مر عن الشافعى ( ت 204 هـ ) هو المشهور عنه ، والذى حرره المتاخرون من الشافعية ، وصول القراءة إلى الميت إذا كان بحضرته ، أو دعا له عقبها ولو كان غائبا ، لأن محل القراءة تنزل الرحمة والبركة ، والدعاء عقبها أرجى للقبول ، ومقتضاه أن المراد انتفاع الميت بالقراءة ، لا حصول ثوابها له . ولهذا اختاروا فى الدعاء : اللهم أوصل مثل ثواب ما قرأته إلى فلان ، وأما عندنا فالواصل إليه نفس الثواب .
وإذن فإن الآلوسى رحمه الله تعالى يقر بقراءة القرآن الكريم للأموات .
[ تواتر أن الشافعي زار قبر الليث بن سعد وأثنى عليه خيرًا وقرأ عنده ختمة ، وقال أرجو أن تدوم ، فكان الأمر كذلك ]
وفى موضع آخر يقول الآلوسى رحمه الله تعالى :
وأما فى القراءة للميت بالإستئجار فلا يصح على القول الأصح .
قال شيخ مشايخنا العلامة ابن عابدين فى حاشيته من جملة كلام كثير : قال تاج الشريعة فى شرح الهداية : إن القرآن بالأجرة لايستحق الثواب ، لا للميت ولا للقاريء.
* نقل الخلوتى فى حاشية المنتهى الحنبلى عن شيخ الإسلام تقى الدين ما نصه : ولا يصح الإستئجار على القراءة وإهدائها إلى الميت ، لأنه لم ينقل عن أحد من الأئمة الإذن فى ذلك . وقد قال العلماء إن القاريء إذا قرأ لأجل المال فلا ثواب له ، فأى شيء يهديه إلى الميت . وإنما يصل إلى الميت العمل الصالح ، والإستئجار على مجرد التلاوة لم يقل به أحد من الأئمة ، وإنما تنازعوا على التعليم .
* فى كتاب ( الروح ) للحافظ أبى عبد الله شمس الدين محمد ابن قيم الجوزية ( ت 751هـ ) رحمه الله أنه اختلف فى إهداء الثواب إلى الحى ، فقيل يصح ، لإطلاق قول أحمد يفعل الخير ويجعل نصفه لأبيه وأمه .
وقد نقل عن جماعة أنهم جعلوا ثواب أعمالهم للمسلمين وقالوا: نلقى الله تعالى بالفقر والإفلاس ، والشريعة لاتمنع ذلك .
* قال الشيخ خير الدين الرملى الحنفى ( ت 1081 هـ ) فى الولوالجية : لو زار قبر صديق أو قريب له وقرأ عنده شيئا من القرآن فهو حسن .
* قال الشيخ صدر الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الشافعي الدمشقي العثماني ( ت بعد سنة 780هـ ) في كتابه ( رحمة الأمة في اختلاف الأئمة ) : وأجمعوا على أن الاستغفار والدعاء والصدقة والحج والعتق تنفع الميت ويصل إليه ثوابه ، وقراءة القرآن عند القبر مستحبة " آهـ .
* فى ( تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين ) للحافظ أبى الليث نصر بن محمد السمرقندي الحنفي ( ت 375 هـ ) رحمه الله قال :
روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له بالمغفرة " .
وفى موضع آخر فى نفس المصدر ، جاء أن يزيد الرقاشى روى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال : سبع يؤجر فيهن المرؤ من بعده ، من بنى مسجدا فله اجره مادام يصلى فيه . ومن أجرى نهرا ، فما دام يجرى فيه الماء ويشرب منه الناس كان له أجره . ومن كتب مصحفا وأحسنه كان له أجره مادام يقرأ فيه أحد . ومن استخرج عينا ينتفع بمائها كان له أجرها ما بقيت . ومن غرس غرسا كان له أجره فيما أكل الناس منه والطير . ومن علم علما كذلك . ومن ترك ولدا يستغفر له ويدعو له من بعده . يعنى إذا كان الولد صالحا وقد علمه الأب القرآن والعلم فيكون أجره لوالده ، من غير أن ينقص من أجر ولده شيء . فإذا كان الوالد لايعلمه القرآن ويعلمه طريق الفسق ، يكون وزره على أبيه من غير أن ينقص من وزر ولده شيء .
وفى ذات المصدر ( تنبيه الغافلين ) فى باب ما جاء في فضائل القرآن :
روى يزيد بن أبى حبيب عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال :
" من استظهر القرآن خفف الله تبارك وتعالي عن أبويه العذاب وغن كانا كافرين " .
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال : حرضنا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي تعلم القرآن . ثم أخبرنا عن فضله ، وقال : " تعلموا القرآن " ، ثم أخبرنا عن فضله ، وقال : إن القرآن يأتي أهله يوم القيامة أحوج ما يكون إليه .
قال : فيقدم علي صاحبه بأحسن صورة ، فيقول : أتعرفنى ؟
فيقول من انت ؟
فيقول : انا الذي كنت تحبه وتكرم ، وكنت تسهر ليلك بي ، وتدأب نهارك ، يعني من دعائك ان تقرا نهارك .
قال : فيقول : لعلك القرآن . ثم يقدم علي الله فيعطي الملك بيمينه والخلد بشماله ، ويوضع تاج الملك علي رأسه ، ويلبس والداه المسلمان حلتين ما يقوم بهما الدنيا وأضعافها ،
فيقولان : من أين لنا هذا ولم تبلغه أعمالنا ؟
فيقال : بفضل ولدكما بقراءة القرآن أعطيتما ذلك . آهـ
وإذن فإن السمرقندى رحمه الله يقر بقراءة القرآن الكريم للأموات .
* وأما الإمام السيوطي الشـافعي ( ت 911 هـ ) رحمه الله فقد أفرد فصلاً كاملاً عن قراءة القرآن للأموات في كتابه ( شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور ) وبرهن على صحة هذا العمل ،
وعلى وصول ثوابه إلى الميت فقال:
اختلف العلماء في وصول ثواب القرآن للميت ، فجمهور السلف والأئمة الثلاثة على الوصول .
وقال : إن المسلمين مازالوا في كل عصر يجتمعون ويقرءون لموتاهم من غير نكير ، فكان ذلك إجماعا . آهـ
* قال الإمام الحافظ ابن الصلاح في فتاويه : و أهل الخير والبركة في مواصلة الأموات بالقرآن .
* قال الفقيه الحنبلي بهاء الدين المقدسي في كتاب ( العدة شرح العمدة في فقه إمام السنة أحمد بن حنبل ) : و أما قراءة القرآن و إهداء ثوابه للميت فالإجماع واقع على فعله من غير نكير. آهـ
* قال العلامة البدر العيني في شرحه على كنز الدقائق : يصل إلى الميت جميع أنواع البر من صلاة أو صوم أو حج أو صدقة أو ذكر أو غير ذلك . آهـ .
* قال ابن رشد في كتابه ( النوازل ) ما نصه : وإن قرأ الرجل وأهدى ثواب قراءته للميت جاز ذلك ، وحصل للميت أجره . آهـ .
* قال العلامة ابن الحاج في كتابه ( المدخل ) ما نصه : لو قرأ في بيته وأهدى إليه لوصلت ،، وكيفية وصولها : أنه إذا فرغ من تلاوته وهب ثوابها له ، أو قال: اللهم اجعل ثوابها له ، فإن ذلك دعاء بالثواب لأن يصل إلى أخيه ، والدعاء يصل بلا خلاف ،
* فى كتاب ( مواهب الجليل لشرح مختصر خليل ) وهو من أشهر كتب المالكية ، قال العلامة أبو عبد الله المعروف بالخطاب المالكي :
ونقل ابن الفرات عن القرافي أنه قال :
الذي يتجه أنه لهم ( الأموات ) بركة القراءة ، كما يحصل لهم بركة الرجل الصالح يدفن عندهم أو يدفنون عنده ،،، ثم قال في وصول ثواب القراءة للميت : وإن حصل الخلاف فيها ، فلا ينبغي إهمالها ،،، فلعل الحق هو الوصول . آهـ
* قال الشيخ منصور بن يونس البهوتي الحنبلي ( ت 1051هـ ) فى كتابه ( الروض المربع شرح زاد المستنقع ): ولا تكره القراءة على القبر...آهـ
* فى كتاب ( تبين الحقائق شرح كنز الدقائق ) لفخر الدين عثمان الزّيلعي الحنفي ( ت743 هـ ) فى ( باب الحج عن الغير ) قال : الأصل في هذا الباب أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره عند أهل السنة والجماعة ، صلاة كان أو صوماً أو حجاً أو صدقة أو تلاوة القرآن أو الدعاء أو غير ذلك من جميع أنواع البر، ويصل ذلك إلى الميت وينفعه. آهـ
* فى كتاب ( المقصد الأرشد ) للإمام أبى بكر صالح المروزي ( ت 275 هـ ) وهو من تلامذة الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه قال :
سمعت أحمد بن حنبل يقول : إذا دخلتم المقابر فاقرءوا آية الكرسي و{ قل هو الله أحد} ثلاث مرات، ثم قولوا: اللهم اجعل فضله لأهل المقابر.
* جاء فى كتاب ( قضاء الأرب في أسئلة حلب ) للإمام الحافظ قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي في كتابه ( قضاء الأرب في أسئلة حلب ) أنه سئل عن إهداء ثواب قراءة القرآن للميت، فأجاب بالجواز.
* قال الشطي الحنبلي في تعليقه على غاية المنتهى :
"قال في الفروع وتصحيحه: لا تكره القراءة على القبر وفي المقبرة, نص عليه, وهو المذهب, فقيل تباح, وقيل تستحب, وكذا في الإقناع".
* قال الإمام المحدّث مرتضى الزبيدي في شرح الإحياء :
وأخرج أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني في فوائده عن أبي هريرة رفعه: من دخل المقابر ثم قرأ بفاتحة الكتاب و{ قل هو الله أحد } و{ ألهاكم التكاثر } ،
ثم قال : إني جعلت ثواب ما قرأت من كلامك لأهل المقابر المؤمنين والمؤمنات كانوا شفعاء له إلى الله تعالى .
* في كتاب ( الروح ) للحافظ ابن القيم رحمه الله تعالي جاء قوله :
وأما قراءة القرآن واهداؤه له تطوعا بغير أجرة ، فهذا يصل إليه كما يصل ثواب الصوم والحج . فإن قيل : فهذا لم يكن معروفا في السلف ، ولايمكن نقله عن أحد منهم ، مع شدة حرصهم علي الخير ، ولأرشدهم النبي صلي الله عليه وسلم إليه . وقد أرشدهم إلي الدعاء والاستغفار والصدقة والحج والصيام ، فلو كان ثواب القراءة يصل ، لأرشدهم إليه ، ولكانوا يفعلونه .
فالجواب :
إن مورد هذا السؤال ، إن كان معترفا بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء والاستغفار . قيل له : ما هذه الخاصية التي منعت وصول ثواب القرآن ،، واقتضت وصول ثواب هذه الأعمال ؟
وهل هذا إلا تفريق بين متماثلات ؟
وإن لم يعترف بوصول ثواب تلك الأشياء إلي الميت ، فهو محجوج بالكتاب والسنة والإجماع وقواعد الشرع .
وأما السبب الذي لم يظهر ذلك في السلف ، فهو أنهم لم يكن لهم أوقاف علي من يقرأ ويهدي إلي الموتي ، ولاكانوا يعرفونه البتة ، ولاكانوا يقصدون القبر للقراءة عنده كما يفعله الناس اليوم ، ولا كان أحدهم يشهد من حضره من الناس علي أن ثواب هذه القراءة لفلان الميت ، بل ولا ثواب هذه الصدقة والصوم .
ثم يقال لهذا القائل : لو كلفت أن تنقل عن واحد من السلف أنه قال : اللهم أوصل ثواب هذا الصوم لفلان لعجزت ، فإن القوم كانوا أحرص شيء علي كتمان أعمال البر ، فلم يكونوا ليشهدوا علي الله بإيصال ثوابها إلي أمواتهم .
فإن قيل : فرسول الله أرشدهم إلي الصوم والصدقة والحج دون القراءة .
قيل : هو صلي الله عليه وسلم لم يبتدئهم بذلك . بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم .
فهذا سأله عن الحج عن ميته فأذن له . وهذا سأله عن الصيام عنه فأذن له . وهذا سأله عن الصدقة فأذن له . ولم يمنعهم مما سوي ذلك .
وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وإمساك ، ووصول ثواب القراءة والذكر ؟
والقائل إن أحدا من السلف لم يفعل ذلك ، قائل ما لا علم له به ، فإن هذه شهادة علي نفي ما لم يعلمه ، فما يدريه أن السلف كانوا يفعلون ذلك ولا يشهدون من حضرهم عليه ؟
بل يكفي اطلاع علام الغيوب علي نياتهم ومقاصدهم ، لاسيما والتلفظ بنية الإهداء لايشترط كما تقدم .
وسر المسألة أن الثواب ملك للعامل ، فإذا تبرع به وأهداه إلي أخيه المسلم أوصله الله إليه .
فما الذي خص من هذا ثواب قراءة القرآن ، وحجر علي العبد أن يوصله إلي أخيه ؟
وهذا عمل سائر الناس حتي المنكرين في سائر الأمصار ، من غير نكير من العلماء . آهـ
و يقول أيضا :
وقالت طائفة أخري : القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره ، وإنما نفي ملكه لسعي غيره . وبين الأمرين من الفرق ما لايخفي ،،، فاخبر تعالي أنه لا يملك إلا سعيه . وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه ، وهو سبحانه لم يقل لاينتفع إلا بما سعي ،، وكان شيخنا يختار هذه الطريقة ويرجحها . آهـ
وإذن فإن الحافظ ابن القيم رحمه الله يقر بقراءة القرآن الكريم للأموات .
وبالنظر فى قول المانعين استنادا إلى تفسير قوله تعالى { وأن ليس للإنسان إلا ما سعي } بأنه كما لايحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه ، كذلك لايحمل عليه وزر غيره ، ولأن قراءة القرآن من الأحياء للموتى ليست من عملهم ولا كسبهم ، ولأنها من باب القربات التى يقتصر فيها على النصوص ، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء ،، فإن الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجة يقول :
" إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه " .
وهذا الحديث يقطع بأن الولد من كسب أبيه ، وهو أثر سعيه ، فإذا قرأ الولد القرآن الكريم ، فله بكل حرف ثواب ، وله الخيرة أن يبذله لأبويه ، أو يبقيه لنفسه .
وإذ قد تحقق أن الولد من سعي أبيه ، فلا مانع ـ قياسا عليه ـ أن يكون التلميذ من سعي أستاذه . كما ان ألمريد من سعي شيخه ، وكذا المحب من سعي محبوبه ، لأن هذا كله إنما هو واقع الحال ، والحاصل أن المسلم بأعماله الصالحة وسلوكياته الطيبة ،، مما يطلق عليه سعيه في الحياة الدنيا ، إنما يجني آثار هذا السعي .
وبنفس المنطق ، فإن غير الولد ممن يقرءون القرآن لأقاربهم أو معارفهم او إخوانهم في الدين ، إنما يتأتي ذلك منهم نتيجة لسعي هذا الميت ، وأثرا من آثار سعيه في هذه الحياة الدنيا ،
تلك التي كانت تتمثل في صلاحه وتقواه ، وحسن عشرته مع الناس ، ومعاملاته المتنوعة مع آحادهم قبل موته ، فلا جرم اأن يترحموا عليه ويستغفروا له ، ويهدي له بعضهم هدايا من القربات ، صوما وحجا وصدقات وتلاوة قرآن ،،
وهي بلا شك ولا ريب عين الأساس ومنتهي الرجاء والملاذ ، بل وخير الذكر والدعاء .
ولقد ثبت بالسنة المتواترة وإجماع الأمة إن الميت يصلى عليه ( وفيها قراءة أم الكتاب بعد التكبيرة الأولى ) ويدعى له ويستغفر له ، و كل هذا من سعي غيره ،،
كما أن { ليس للإنسان إلا ما سعى } تكون من طريق العدل , فأما من باب الفضل فجائز أن يزيده الله ما شاء ،، قاله الحسين بن الفضل,
ونقل عن القرطبي أن كثيرًا من الأحاديث تدل على هذا القول , ونقل عنه أيضًا أنه قال :
ويحتمل أن يكون قوله : { إِلا مَا سَعَى } النجم 39 خاصة بالسيئة لما في الحديث :
"وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها له حسنة "
ثم إن الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض ، وتلك منفعة بعمل الغير.
وقال تعالى في قصة الغلامين اليتيمين { وكان أبوهما صالحا } فانتفعا بصلاح أبيهما ، وليس هو من سعيهما.
وأما عن ما شهر من خلاف بعض الشافعية من أن القراءة لا تصل إلى الميت , فهو محمول على القراءة التي تكون بلا دعاء بالإيصال وبغير ما إذا كانت القراءة على القبر, فإن الشافعي أقرّ ذلك.
لذا سلك بعض الشافعية ممن يقولون بعدم وصول القراءة للأموات مسلكاً حسناً ، فقالوا: إذا قرأ وقال بعد قراءته اللهم إن كنت قبلت قراءتي هذه فاجعل ثوابها لفلان صح ذلك ، وعدّوا ذلك من باب الدعاء.
فإذا ساق القائل بعدم الوصول دليلا آخر ، ظنا منه أنه دليل قاطع ، وهو قوله تعالي :
{ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } ، أو قوله تعالي : { ولاتجزون إلاما كنتم تعملون } ،
فلعل القائل بمنع الوصول بناء على هذا قد ضيق ما كان واسعا .
والجواب أغنانا به ابن القيم وتكفل ، إذ قال أيضا في كتابه ( الروح ) :
إن هذه الآية أصرح في الدلالة علي أن سياقها إنما ينفي عقوبة العبد بعمل غيره وأخذه بجريرة غيره . فإن الله تعالي قال : { فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلاما كنتم تعملون } ، فنفي أن يظلم بأن يزاد عليه في سيئاته ، أو ينقص من حسناته ، أو يعاقب بعمل غيره . ولم ينف أن ينتفع بعمل غيره ، لا علي وجه الجزاء ، فإن انتفاعه بما يهدي إليه ليس جزاء علي عمله ، وإنما هو صدقة تصدق الله بها عليه وتفضل بها عليه من غير سعي منه ، بل وهبه ذلك علي يد بعض عباده ، لا علي وجه الجزاء .
وعند التوقف أمام قول القائل بعدم الوصول ، مستدلا بلفظ الحديث الشريف : " إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث … " الحديث ، يجيب الحافظ ابن القيم أيضا في ( الروح ) فيقول :
استدلال ساقط .. فإنه لم يقل انقطع انتفاعه ، وإنما أخبرعن انقطاع عمله ، وأما عمل غيره فهو لعامله ، فإن وهبه له وصل إليه ثواب عمل العامل ، لا ثواب عمله هو ، فالمنقطع شيء ،، والواصل إليه شيء آخر .
وكذلك الحديث الشريف الآخر : " إن مما يلحق الميت من حسناته وعمله " ، فلا ينفي أن يلحقه غير ذلك من عمل غيره وحسناته . آهـ
وفي موضع آخر في كتاب " الروح " لابن القيم جاء ما يلى :
وقد ورد في سنن ابن ماجة من حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال :
قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :
" إنما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره أو ولدا صالحا تركه أو مصحفا ورثه أو مسجدا بناه أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهرا اكتراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته " رواه أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري ( ت 311هـ) في صحيحه ،، آهـ
والمقصود بقوله صلى الله عليه وسلم : "أو علم ينتفع به" ما تركه الميت من العلم النافع ،
كتعليمه الناس القرآن ونحو ذلك ، لذا فالحاصل أن المحققين من أهل العلم يرون أن من عمل عملا فقد ملك ثوابه ، إن استوفى شروط القبول ، فله أن يهبه لمن يشاء ، ما لم يقم بالموهوب له مانع يمنعه من الانتفاع بما وهب له ، ولا يمنع من ذلك إلا الموت على الكفر والعياذ بالله.
* فإذا انتقلنا إلي الجامع لأحكام القرآن [ تفسير القرطبي ] للإمام أبى عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري القرطبي المالـكي ( ت 671 هـ ) رحمه الله تعالي نجده يقول :
وقيل : إن الله عز وجل إنما قال : { و أن ليس للإنسان إلا ما سعي } ولام الخفض معناها في العربية الملك والإيجاب ، فلم يجب للإنسان إلا ما سعي ، فإذا تصدق عنه غيره ، فليس يجب له شيء ، إلا أن الله عز وجل يتفضل عليه بما لا يجب له ، كما يتفضل علي الأطفال بإدخالهم الجنة بغير عمل .
وقال عالم مرو الربيع بن أنس الخراساني المروزي ( ت 139هـ ) : { وأن ليس للإنسان إلا ما سعي } يعني الكافر ، وأما المؤمن فله ما سعي وما سعي له غيره .
يقول القرطبى رحمه الله تعالي : قلت : وكثير من الأحاديث يدل علي هذا القول ، وأما المؤمن يصل إليه ثواب العمل الصالح من غيره . آهـ
وفى [ التذكار في فضائل الأذكار ] للإمام القرطبي رحمه الله تعالي ، نقل عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال :
" من قرأ كل يوم مائتى آية نظرا فى المصحف شفع في سبع قبور حول قبره " .
* في حديث العسيب الرطب جاء فى مسند الحافظ سليمان بن داود بن الجارود أبى داود الطيالسي ( ت 204هـ ) : فوضع على أحدهما نصفًا وعلى الآخر نصفا وقال : " إنه يهون عليهما ما دام فيهما من بلوتهما شىء "،
قالوا: ويستفاد من هذا غرس الأشجار وقراءة القرآن على القبور ،،، وإذا خفف عنهم بالأشجار فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرآن ؟ . آهـ .
وإذن فإن الإمام القرطبى رحمه الله يقر بقراءة القرآن الكريم للأموات .
وعليه … يحق لنا أن نبادر فنقول :
وهل يوجد ثواب أعظم من ثواب قراءة القرآن الكريم كلام رب العالمين ؟
إن الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضى الله عنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ولد صالح يدعو له أو صدقة جارية من بعده أو علم ينتفع به " .. هذه الثلاث في الحقيقة من سعيه ومن عمله كما جاء في الحديث الشريف : " إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه " .
والصدقة الجارية كالوقف ونحوه إنما هى من آثار عمله ، وقد قال ربنا تبارك وتعالي :
{ إنا نحن نحيى الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم } ، وكذا العلم الذي علمه للناس وانتشر بينهم ، هو أيضا من عمله ومن سعيه .
وقد ثبت في الصحيح : " من دعا إلي هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا " ،،
وقوله تعالي : { وأن سعيه سوف يرى } يندرج تحته كل ذلك .
* روى عبد الرحمن بن العلاء بن اللَّجْلاَجِ ، عن أبيه قال : قال لي أبي ( أى اللَّجْلاَجُ أبو خالد ) : يا بُنَيَّ ، إذا أنا متُّ فأَلْحِدْني ، فإذا وضَعْتَني في لحدي فقل : بسم الله ، وعلى ملة رسول الله ، ثم سُنَّ عليَّ التراب سنًّا – أي ضَعْه وضعًا سهلاً – ، ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها ؛ فإني سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقولُ ذلك . أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ، قال الهيثمي : ورجاله موثوقون .
وقد رُوي هذا الحديث موقوفًا على ابن عمر رضي الله عنهما . كما أخرجه الخلاَّل في جزء " القراءة على القبور " والبيهقي في " السنن الكبرى " وغيرهما ، وحسّنه النووي وابن حجر .
* عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
" إذا مات أحدُكم فلا تحبسوه ، وأَسْرِعوا به إلى قبره ، وليُقْرَأْ عند رأسه بفاتحة الكتاب ، وعند رجليه بخاتمة سـورة البقرة في قبره " .
أخرجه الطبراني والبيهقي في شعب الإيمان ، وإسناده حسن كما قال الحافظ في الفتح ، وفي روايـة " بفاتحة البقرة " بدلاً من " فاتحة الكتاب " .
وتوجد أحاديث بأسانيد ضعيفة تقر بوصول ثواب قراءة القرآن الكريم إلى الأموات ،، من مثل :
* حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عن النبي صلى الله عليه وسلم قـال :
" من مر على المقابر ، وقرأ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } إحدى عشرة مرة ،ثم وهب أجره للأموات ، أُعْطِيَ من الأجر بعدد الأموات " .
رواه النسائي والرافعي في تاريخه ، وخرَّجه الخلاَّل في "القراءة على القبور" و أبو محمد السمرقندي في فضائل سورة الإخلاص .
* عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قـال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" مَنْ دخـل المقـابر، ثم قرأ فاتحة الكتاب و{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } و{ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}، ثم قـال : اللهم إني قد جعلتُ ثوابَ ما قرأتُ من كلامِكَ لأهل المقابر من المؤمنين والمؤمنات ، كانوا شُفَعاء له إلى الله تعالى " . خرَّجه أبو القاسم الزنجاني في " فوائده " .
* عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" مَنْ دخل المقابر ، فقرأ سورة يس ، خفَّف الله عنهم ، وكان له بعددِ من فيها حسنات " .
خرَّجه عبد العزيز صاحب الخلاَّل .
* قال الحافظ شمس الدين بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي في جزئه الذي ألَّفه في هذه المسألة : " وهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة ، فمجموعها يدل على أن لذلك أصلاً ، وأن المسلمين ما زالوا في كل في كل مصر وعصر يجتمعون ويقرءون لموتاهم من غير نكير ؛ فكان إجماعًا " آهـ .
* عن أم عفيف النهدية رضي الله عنها قـالت : " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بايع النساء؛ فأخذ عليهن أن لا تُحَدِّثْنَ الرَّجُل إلا مَحْرَمًا،وأَمَرَنَا أن نقرأ على مَيِّتِنا بفاتحةِ الكتاب " .
رواه الطبراني في المعجم الكبير .
* عن أم شريك رضي الله عنها قالت : " أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَنْ نَقْرَأَ عَلَى الْجِنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ " . رواه ابن ماجه .
* أخرج الخلاَّل في " القراءة على القبور " عن إبراهيم النخعي رحمه الله قال :
" لا بَأْسَ بقراءةِ القرآنِ في المقابِر "
وأخرج أيضًا عن الحسن بن الصَّبَّاح الزعفراني قال : سأَلْتُ الشافعيَّ عن القراءة عند القبور ، فقال : " لا بَأْسَ بِهَا "
* فى كتاب ( إغاثة الطالبين ) للعلامة السيد البكرى أبى بكر عثمان بن محمد شطا الدمياطي ( ت1302 هـ ) رحمه الله تعالي ، ورد ما يؤكد علي وصول ثواب قراءة القرآن للميت ،،
قال رحمه الله : أما القراءة فقد قال النووى في شرح مسلم :
المشهور من مذهب الشافعي أنه لا يصل ثوابها إلي الميت .
[ جاء في ( رياض الصالحين ) للنووى رحمه الله في باب الدعاء للميت بعد دفنه والقعود عند قبره ساعة للدعاء والإستغفار والقراءة ، قال :
قال الشافعي : ويستحب أن يقرا عنده شيء من القرآن . وإن ختموا القرآن كله كان حسنا ]
ويكمل البكري قول النووي في شرح مسلم :
وقال بعض أصحابنا ( ابن الصلاح والمحب الطبري وابن أبي الدم وصاحب الذخائر وابن أبي عصرون ) ـ وهو مذهب الأئمة الثلاثة ـ : يصل ثوابها للميت بمجرد قصده بها ولو بعدها . واختاره كثيرون من أئمتنا . واعتمده السبكي وغيره ، فقال :
والذي دل عليه الخبر بالإستنباط أن بعض القرآن إذا قصد به نفع الميت وتخفيف ما هو فيه نفعه ،
إذ ثبت أن الفاتحة لما قصد بها القاريء نفع الملدوغ نفعته ، وأقره النبي صلي الله عليه وسلم بقوله : " وما يدريك أنها رقية " . وإذا نفعت الحى بالقصد ، كان نفع الميت بها أولى ،،
ثم يقول : والحاصل أنه إذا نوى ثواب قراءة له ، أو دعا عقبها بحصول ثوابها له ، أو قرأ عند قبره ، حصل له مثل ثواب قراءته ، وحصل للقاريء أيضا الثواب .
ثم يقول : وقد نص الشافعي والأصحاب علي ندب قراءة ما تيسر عند الميت عقبها . أي لأنه حينئذ أرجي للإجابة . ولأن الميت تناله بركة القراءة كالحي الحاضر .
قال ابن الصلاح : وينبغي الجزم بنفع اللهم أوصل ثواب ما قرأته … وعبارة المغنى : قال ابن الصلاح : وينبغي أن يقول اللهم أوصل ثواب ما قرأنا لفلان ، فيجعله دعاء ، ولايختلف في ذلك القريب والبعيد ، وينبغي الجزم بنفع هذا .
ويقول : وعليه عمل الناس . وما رآه المسلمون حسنا فهوعند الله حسن . آهـ
وإذن فإن العلامة السيد البكرى رحمه الله يقر بقراءة القرآن الكريم للأموات .
* فى مصدر آخر لأحد علماء القرن الهجري التاسع العلامة عبد الرحمن بن عبد السلام بن عثمان الصفورى الشافعى رحمه الله تعالي في كتابه ( نزهة المجالس ومنتخب النفائس ) ،،، جاء قوله تحت عنوان ( فوائد ) ما يلي :
الأولى :
عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم :
" ما من عبد يقوم علي قبر مؤمن ، فيدعو بهذ الدعاء إلا غفر الله لذلك الميت :
الحمد لله الذي لا يبقى إلا وجهه ، ولا يدوم إلا ملكه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، إلها واحدا صمدا وترا ، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ، ولم يكن له كفوا أحد ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، جزى الله محمدا النبي الأمى ما هو أهله "
الثانية :
عنه أيضا ( أي عن أنس رضي الله عنه ) عن النبي صلى الله عليه وسلم :
" إذا قرأ المؤمن آية الكرسي وجعل ثوابها لأهل القبور ، أدخل الله في كل قبر من أهل المشرق والمغرب أربعين نورا ، ووسع عليهم مضاجعهم ، وأعطي الله للقاريء ثواب سبعين نبيا ، ورفع بكل آية درجة ، وكتب له بكل ميت عشر حسنات "
الثالثة :
رأيت فى كتاب ( المختار ومطالع الأنوار ) عن النبي صلي الله عليه وسلم :
" لايأت علي الميت أشد من الليلة الأولى ، فارحموا موتاكم بالصدقة ، فمن لم يجد ، فليصل ركعتين ، يقرأ فيهما " فاتحة الكتاب " و " آية الكرسى " و { ألهاكم التكاثر } و { قل هو الله أحد } إحدي عشرة مرة ، ويقول : اللهم إنى صليت هذه الصلاة وتعلم ما أريد ، اللهم ابعث ثوابها إلي قبر فلان بن فلان ، فيبعث الله من ساعته إلي قبره ألف ملك ، مع كل ملك نور وهدية ، يؤنسونه في قبره إلي أن ينفخ في الصور ، ويعطي الله المصلي بعدد ما طلعت عليه الشمس حسنات ، ورفع له أربعين ألف درجة ، وأربعين ألف حجة وعمرة ، ويبنى له ألف مدينة في الجنة ، ويعطى ثواب ألف شهيد ، ويكسي ألف حلة " .
[ وهنا نقول : وليس هذا علي الله ببعيد ولا بعزيز ولا بكثير ] .
قال مؤلف الكتاب المذكور :
وهذه فائدة عظيمة ، ينبغي لكل مسلم أن يصليها كل ليلة لأموات المسلمين .
الرابعة :
من دخل المقابر وقال : اللهم رب هذه الأرواح الفانية والأجساد البالية والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة ، أدخل عليهم رحمة منك وسلاما منى ، كتب الله له من الحسنات بعدد الأموات . حكاه القرطبى عن الحسن البصري .
وفي " ربيع الأبرار " بعدد من مات من آدم إلي يوم القيامة ، وأن النبي صلي الله عليه وسلم كان يقولها إذا دخل المقابر .
وعن أنس ( رضي الله عنه ) عن النبي صلي الله عليه وسلم :
" من دخل المقابر وقرأ سورة " يس " خفف الله عنهم ، وكان له بعدد من مات فيها حسنات "
وعن النبى صلي الله عليه وسلم :
" أيما مسلم قرأ " يس " وهو في سكرات الموت ، لم يقبض روحه ملك الموت حتى يجيئه رضوان خازن الجنان بشربة من شراب الجنة ، فيشربها علي فراشه ، فتقبض روحه وهو ريان .
وأيما مسلم قرأت عنده سورة " يس " إذا نزل به الموت ، نزل بكل حرف عشرة آلاف ملك بين يديه صفوفا ، يصلون عليه ، ويستغفرون له ، ويشهدون غسله وجنازته ودفنه " .
ذكره ابن العماد في الذريعة .
وعن علي بن أبى طالب كرم الله وجهه عن النبي صلي الله عليه وسلم :
" اقرأ { يس } فإن فيهاعشر بركات :
ما قرأها جائع إلا شبع ، ولاظمآن إلا روى ، ولاعار إلا كسى ، ولا أعزب إلا تزوج ، ولا خائف إلا أمن ، ولا مسجون إلا خرج من السجن ، ولا مسافر إلا أعين على سفره ، ولا من ضلت له ضالة إلا وجدها ، ولا مريض إلا عوفى ، ولا عند ميت إلا خفف الله عنه " .
و ذكر الثعلبى رحمه الله تعالي من حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" من دخل المقابر فقرأ { يس } خفف الله عنهم يومئذ ، وكان له بعدد من فيها حسنات "
وعن النبي صلي الله عليه وسلم :
" من مر علي المقابر وقرأ { قل هو الله أحد } إحدى عشرة مرة ، ثم وهب ثوابها للأموات ، أعطى من الأجر بعدد الأموات " .
وإذن فإن الصفورى الشافعى رحمه الله يقران بقراءة القرآن الكريم للأموات .
* فى [ معاهد التنصيص ] لأبي الفتح عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن أحمد العباسى الشافعي ( 963هـ ) جري ذكره فى المرجع الموسوم ب [ تعريف القدماء بأبي العلاء ] جمع وتحقيق مصطفى السقا وعبد السلام هارون وآخرين باشراف د. طه حسين ،،،
ورد في هذا المصدر ما يأتى :
قال السلفي :
سمعت أبا المكارم بأبهر ، وكان من أفراد الزمان ، ثقة ، مالكي المذهب ، قال : لما توفي أبو العلاء المعري اجتمع علي قبره ثمانون شاعرا ، وختم عند قبره في أسبوع واحد مائتا ختمة . آهـ
وإذن فإن أبا الفتح عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن أحمد العباسى الشافعي رحمه الله يقر بقراءة القرآن الكريم للأموات .
* في جريدة ( عقيدتي ) في 7 من شهر صفر سنة 1427 هجري الموافق 7 من شهر مارس ميلادى ، تحت عنوان ( فتاوي في كلمات ) ، جاء سؤال يقول :
[ هل ثواب قراءة القرآن تصل للميت ؟ ] ،،،
وكانت الفتوى الإجابة بنعم . ثواب تلاوة القرآن يصل للميت . وهذا هو رأي جمهور العلماء ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أنه لايبقي من أعمال ابن آدم بعد موته إلا أشياء ، منها الدعاء من ابنه ، والدعاء ذكر ، وذلك القرآن ذكر ، وهو خير الذكر ، وبالتالي يصل الثواب للميت .
آ هـ
وفى بعض الفتاوى التى جاءت فى هذا الصدد ، جاء ما يأتى :
وقد نص أصحاب المذاهب على ذلك :
– فجاء في " الفتاوى الهندية " على مذهب السادة الحنفية :
" ويُستحب إذا دُفِن الميت أن يجلسوا ساعة عند القبر بعد الفراغ ، بقدر ما يُنحر جزور ويقسم لحمها ؛ يَتْلُونَ ، ويَدْعُون للميت " ،
وذكر أن ذلك قول الإمام محمد بن الحسن رحمه الله ، وأن مشايخ الحنفية أخذوا به .
– وأما السادة المالكية : فالمُعْتَمَـدُ عندهم استحبابُ ذلك ؛ ففي حاشية الدسوقي على "الشرح الكبير" : " ذهب ابن حبيب إلى الاستحباب ، وتأوَّل ما في السماع من الكراهة قائلاً :
إنما كره ذلك مالك إذا فعل ذلك استنانًا ، نقله عنه ابن رشد ، وقاله أيضًا ابن يونس ،
واقتصر اللخمي على استحباب القراءة ولم يعول على السماع ،
وظاهر" الرسالة " أن ابن حبيب يستحب قراءة {يس } ، وظاهر كلام غيرهما أنه استحب القراءة مطلقًا " . آهـ
وجاء في ( النوازل الصغرى ) لشيخ الجماعة سيدي المهدي الوزّاني المالكي :
وأما القراءة على القبر : فنص ابن رشد في ( الأجـوبة ) ، وابن العـربي في ( أحكام القرآن ) لـه ، والقـرطبي في ( التذكرة ) على أنه ينتفع بالقراءة ،أى الميت، سواء قرأ في القبرأو قرأ في البيت ، ونقله عن كثيرين من أئمة المالكية ، كأبي سعيد بن لُبٍّ ، وابن حبيب ، وابن الحاجب ، واللخمي ، وابن عرفة ، وابن المواق ، وغيرهم .آهـ
– أما السادة الشافعية : فقد قال الإمام النووي في " المجموع " :
" قال أصحابنا : ويُستحب للزائر أن يُسلِّم على المقابر ، ويدعو لمن يزوره ولجميع أهل المقبرة ، والأفضل أن يكون السلام والدعاء بما يَثْبُتُ في الحديث ، ويُسْتَحَبُّ أن يقرأ من القرآن ما تيسَّر ويدعو لهم عقبها ، نصَّ عليه الشافعيُّ ، واتفق عليه الأصحاب " .آهـ
وقال في ( الأذكار ) : " ويُسْتَحَبُّ أن يقعد عنده بعد الفراغ ساعةً ، قدر ما يُنحر جزور ويقسم لحمها ، ويشتغل القاعدون بتلاوة القرآن ، والدعاء للميت ، والوعظ ، وحكايات أهل الخير ، وأحوال الصالحين ،،،
قال الشافعي والأصحاب : يُستحب أن يقرأوا عنده شيئًا من القرآن ؛ قالوا : فإن ختموا القرآن كله كان حسنًا " آهـ .
وقال في ( رياض الصالحين ) : " قال الشافعي رحمه الله : ويُستحب أن يُقرأ عنده شيءٌ من القرآن ، وإن ختموا القرآن عنده كان حسنًا " . آهـ .
– وكذلك السادة الحنابلة ؛ صرحوا بجواز ذلك .
قال العلامة المرداوي في ( الإنصاف ) :
قوله ( ولا تُكره القراءة على القبر في أصح الروايتين ) وهذا المذهبُ ، قاله في ( الفروع ) ، ونصّ عليه – يعني الإمام أحمد – ، قال الشارح : هذا المشهور عن أحمد ، قال الخلاَّل وصاحبُه :
المذهب رواية واحدة : لا تكره ، وعليه أكثر الأصحاب ؛ منهم القاضي ، وجزم به في ( الوجيز) وغيره ، وقدّمه في ( الفروع ) ، و( المغني ) ، و ( الشرح ) ، وابن تميم ، والفائق ، وغيرهم
والمتصفح لكتب السير والتراجم والتواريخ يرى عمل السلف على ذلك وتتابع الأمة عليه ، من غير نكير ، بما في ذلك السادة الحنابلة وأصحاب الحديث ،
ويكفينا في ذلك ما ذكره الحافظ الذهبي في ( سير أعلام النبلاء ) في ترجمة أبي جعفر الهاشمي الحنبلي ( ت 470 هـ ) شيخ الحنابلة في عصره ، قال :
" ودفن إلى جانب قبر الإمام أحمد ، ولزم الناس قبره مدةً حتى قيل : خُتِم على قبره عشرة آلاف ختمة " .
وذكر أهل السير في ترجمة ابن تيمية رحمه الله أن الناس اجتمعوا لختم القرآن له على قبره وفي بيوتهم ، كما ذكره ابن عبد الهادي الحنبلي و ابن كثير في البداية والنهاية ،
* فى ( تسلية المصاب عند فقد الأحباب ) طبعة سنة 1358 هجرى لفضيلة الشيخ محمد عبد السلام المنير المرشد العام بالمملكة المصرية آنذاك ، قال رحمه الله :
وأما ثواب الأعمال البدنية كالصلاة والصوم والقراءة ونحو ذلك فالصحيح الوصول ، وهو مذهب الإمام أحمد وأبى حنيفة وطائفة من أصحاب مالك والشافعى لما ياتى من الأحاديث والآيات إن شاء الله ،،
فمن الآيات ما تقدم ، وقوله تعالى : { الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين امنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم } .
فلو لم ينفعهم ذلك لم يخبر الله تعالى به ترغيبا .
وأما الأحاديث ، فمنها ما روى الإمام أحمد من حديث الحسن بن سعد بن عبادة أن أمه ماتت ، فقال : يا رسول الله ،، إن أمى ماتت ، أفأتصدق عنها ؟
قال : " نعم ".
قلت : فأى الصدقة أفضل ؟
قال : " سقى الماء ". قال الحسن : فتلك سقاية آل سعد بالمدينة ، ورواه النسائى أيضا .
ومنها عن معقل بن يسار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" اقرءوا على موتاكم { يس } . رواه أبو داود وابن ماجه ورواه الإمام أحمد ولفظه : " يس قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله تبارك وتعالى والدار الآخره إلا غفر له واقرؤها على موتاكم "
وفيه دليل على وصول القراءة إلى الميت . فإنه صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نقرأها على موتانا . وأمره فى هذا المكان أمر إرشاد ، لا يجوز أن يعرى عن فائدة . ولا فائدة للعبد بعد موته أعظم من الثواب ، فإنا نعلم يقينا أن الميت من أحوج الناس إلى ما يقربه من رحمة الله ويبعده من عذابه ،، وقد امتنع عليه ذلك بعد موته بفعل نفسه ، فما بقى يحصل له ذلك إلا بفعل غيره ، والحصول هو الثواب المترتب على القراءة ، والله أعلم .
ثم يقول :
أول القائلون بعدم وصول ثواب القراءة للميت مثل هذا بأنه محمول على المحتضر ، وهذا على سبيل المجاز ، والحقيقة هنا ممكنة ، والمجاز لا يسار اليه إلا عند تعذر الحقيقة ،، فوجب حمله على من نزل به الموت بالفعل ، وكان العز بن عبد السلام ممن يقول بعدم الوصول ، فلما مات رآه بعض إخوانه فى المنام . فقال له : هات ما كنت تقول فى دار الدنيا ،، فقال : وجدت الأمر على خلاف ما كنت أظن ، وجدت كل ذلك ينفع .
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " ما على أحدكم إذا أراد أن يتصدق بصدقة تطوعا أن يجعلها عن والديه إذا كانا مسلمين ، فيكون لوالديه أجرها ،
وله مثل أجورهما ، من غير أن ينقص من أجورهما شيئا " رواه حرب فى مسائله بسنده .
وروى محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (ت 318 هـ ) بإسناده عن السيدة عائشة رضى الله عنها أنها اعتقت عن أخيها عبد الرحمن عبدا بعد موته .
وروى الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطنى البغدادي ( ت 385 هـ ) وغيره عن عطاء بن أبى رباح مرسلا أن رجلا قال : يا رسول الله ، إن أبى مات ، أفأعتق عنه ؟ قال : " نعم "
وروى الدارقطنى أيضا عن الحسن والحسين رضى الله عنهما أنهما كانا يعتقان عن أبيهما على بن أبى طالب رضى الله عنه بعد موته .
وعن ابن أسيد مالك بن ربيعة الساعدى قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل من بنى سلمة فقال : يا رسول الله ، هل بقى من بر أبوى شيء أبرهما به بعد موتهما ؟
قال : " نعم ، الصلاة عليهما ، والاستغفار لهما ، وافتقاد عهدهما بعدهما ، وصلة الرحم التى لاتوصل إلا بهما ، وإكرام صديقهما " رواه ابو داود وابن ماجة واللفظ لأبى داود .آهـ
وإذن فإن الشيخ محمد عبد السلام المنير رحمه الله يقر بقراءة القرآن الكريم للأموات .
* وننتقل إلي مرجع جامع موثق ، يرجع الي ما فيه من أحكام ، ومن ثم فلا ينبغى أن يخلو منه بيت من بيوت المسلمين ، ألا وهو كتاب (( الفقه على المذاهب الأربعة )) طبعة وزارة الأوقاف المصرية .
إذ جاء في آخر كتاب الصلاة ، بعنوان [ خاتمة في زيارة القبور ] ما نصه :
زيارة القبور مندوبة للإتعاظ وتذكر الآخرة ، وتتأكد يوم الجمعة ويوما قبلها ويوما بعدها ، وينبغي للزائر الاشتغال بالدعاء والتضرع والاعتبار بالموتى وقراءة القرآن للميت ، فإن ذلك ينفع الميت علي الأصح . آهـ
وقد وردت فتاوى متعددة تؤكد على مشروعية إهداء ثواب قراءة القرآن الكريم إلى الميت ، وعلى رأسها ما جاء عن أمانة الفتوى بالأزهر الشريف ، ، فليرجع إليها من يشاء .
وهكذا ،،،
وصلنا خلال استعراضنا لما سبق من مصادر ومراجع قوية راجحة إلى قناعة تامة بأن ثواب قراءة القرآن الكريم يصل إن شاء الله تعالي إلى الميت بحسب ما قرأنا وعلمنا آنفا .
علي أنه بقى شيء بالغ الأهمية ، يندرج تحت أمانة البحث ،
ذلك أنني لاأزال أبحث عن رأي موثق لشيخ علماء عصرنا ، مجدد هذا القرن الإمام محمد متولي الشعراوى رحمه الله تعالي في هذا الموضوع ، وعند العثور علي ذلك أثبته بمشيئة الله تعالي ، باعتباره تتمة واجبة ولازمة .
والله أعلى وأعلم .
ثم اللهم ربنا لك الحمد كما ينبغى لجلال ووجهك وعظيم سلطانك وسابغ نعمك .
اللهم صل وسلم وبارك علي خير خلقك أجمعين ، الذى أرسلته رحمة للعالمين سيدنا ومولانا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، في كل وقت وحين ، وعلي آله وصحبه وأزواجه وذرياته وتابعيه ومن تبعهم باحسان علي هديه وشريعته وسنته الي يوم الدين ،
واغفرلنا يا رب العالمين ولآبائنا ولمشايخنا ولذرياتنا ولأصحاب الحقوق علينا وارحمنا برحمتك الواسعة أجمعين ، واحشرنا اللهم مع نبينا والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، فأنت حسبنا ونعم الوكيل .
اللهم آمين .
ويحسن فى كل آخر الحمد لله رب العالمين .
الشريف / صـلاح جـاد سـلام | |
| |