الفصل الأول
(أمية العرب بين الجاهلية والإسلام)
(1) أمية العرب قبل الإسلام: معروف أنّ الأمّة العربية كانت قبل الإسلام موسومة بالأمية مشهورة بها لاتدرى ما الكتابة ولا الخط ، وكان الجهل فاشيا فيهم ، والأمية شائعة بينهم خصوصا فى الأقطار البدوية ، فالكتابة والعلم إنما يكثران حيث يكثر العمران . . ولم يشدد عن هذه القاعدة إلاّ أفراد قلائل فى قريش ، تعلموا الخط ودرسوه قبيل الإسلام وكادت تتفق كلمة المؤرخين على أن قريشا فى مكة لم تأخذ الخط إلا عن طريق حرب بن أميّة بن عبد شمس ، ولكنهم اختلفوا فيمن أخذ عنه حرب ، فرواية أبى عمرو الدانى تذكر أنه تعلم الخط من عبدالله بن جدعان ، وفيها يقول زياد بن أنعم: قلت لابن عباس معاشر قريش هل كنتم تكتبون فى الجاهلية بهذا الكتاب العربى تجمعون فيه مااجتمع وتفرقون فيه ماافترق ، هجاء بالألف واللام والميم ، والشكل والقطع ، ومايكتب به اليوم ؟ قال ابن عباس : نعم قلت : فمن علمكم الكتابة قال : حرب بن أمية ، قلت : فمن علم حرب بن أمية ؟ قال : عبدالله بن جدعان قلت : فمن علم ابن جدعان ؟ قال: أهل الأنبار ، قلت : فمن علم أهل الأنبار ؟ قال: طارىء طرأ عليهم من أهل اليمن من كندة ، قلت: فمن علم ذلك الطارىء ؟ قال: الخلجان بن الموهم كان كاتب هود نبى الله عز وجل . أمّا رواية الكلبى فتقص علينا أنّ حربا تعلم الكتابة من بشر بن عبدالملك ، وفيها يقول عوّانة: أول من كتب بخطنا هذا وهو الجزم ، مرامرة بن مرة ، وأسلم بن سدرة ، وكذا عامر بن جدرة وهم من عرب طىء تعلموه من كاتب الوحى لسيدنا هود عليه السلام ثم علموه أهل الأنبار، ومنهم انتشرت الكتابة فى العراق والحيرة وغيرها، فتعلمها بشر بن عبدالملك أخو أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل ، وكان له صحبة بحرب بن أمية لتجارته عندهم فى بلاد العراق ، فتعلم حرب منه الكتابة ، ثم سافر معه بشر إلى مكة فتزوج الصهباء بنت حرب أخت أبى سفيان فتعلم منه جماعة من أهل مكة ، ومن هناوجد عدد يحذق الخط والكتابة قبيل الأسلام ، ولكنهم نزر يسير بجانب تلك الكثرة الغامرة من الأميين ، أولئك أهل مكة ، أما المدينة ، فكان بينهم أهل الكتاب من اليهود ، وقد دخل النبى عليه السلام المدينة وفيها يهودى يعلم الصبيان الكتابة ، منهم المنذر بن عمر وأبى بن وهب وعمرو بن سعيد ، وزيد بن ثابث الذى تعلم كتابة اليهود بأمر من النبى عليه السلام . مما تقدم يتضح لنا مايلى:
(أ) أنّ السمة الغالبة على أمّة العرب هى الأميّة أى الجهل بأمور الكتابة والقراءة ، وأطلقت الأميّة على أمة العرب من باب التغليب قال سبحانه : (هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم)
وقال عليه الصلاة والسلام : (إنّا أمّة أمّية ، لانكتب ولا نحسب الشهر) .
(ب)أنّ الكتّاب كانوا فى مكة قلة يعدون على الأصابع ، ويؤكد صحة هذا القول مارواه البلاذرى فى كتابه (فتوح البلدان) : (إن الإسلام دخل وفى قريش سبعة عشر رجلا كلهم يكتب ، أما فى الأوس والخزرج ، ( فكانوا أحد عشر) ، ويمكن القول إن أمر الكتابة قد اقتصر على النخبة أو الصفوة من سادة قريش والمدينة . هذا بالنسبة للعرب عامة ، فماذا عن محمد عليه السلام وهو موضوع هذا البحث أى هل كان من تلك الصفوة أو القلة التى كان لها حظ فى الكتابة أم لا ؟
مما لاشك فيه أن النبى عليه السلام لم يكن من تلك النخبة ، فهو كغالبية قومه عاش حياته أميا ، قال ابن عباس رضى الله عنه :(كان نبيكم عليه السلام أميا لايكتب ولا يقرأ ولايحسب) .
وكان يمتهن الرعى فى صغره،والتجارة فى شبابه(فى مال غيره)، فانظر إلى حال رجل عاش مثل هذه الحياة ، هل كان يمكن له أن يتحصل على شىء نفيس ونادرفى ذلك الوقت - تعلم القراءة والكتابة –أم لا ؟
إن القرآن الكريم البلسم الشافى ، الذى فيه نبأ ما قبلنا وخبر ما بعدنا ، قد وضع لنا الحل والفصل فى هذه القضية ، التى تبرز من خلال تناول الباحث للعناوين اللاحقة فى أمية الرسول عليه السلام ،وقبل الشروع فى تفصيل تلك المباحث رأى الباحث أن يتناول لفظة ( الأمية ) ومدلولها فى لسان العرب الفصيح ،
نظرا لما أورده المستشرقون من دعوة فاسدة روجوا لها بأن لفظتى الأمى والأميين اللتين وردتا فى القرآن الكريم يقصد بهما الأمة التى لم يبعث فيها رسول ، وليس الجهل بالقراءة والكتابة ، وإنما قالوا ذلك من أجل إثبات أنّ محمداً رسول الله عليه الصلاة والسلام كان يحسن القراءة والكتابة .
(2) الأميّة لغة واصطلاحا : اعتمدت فى هذا الأمر على المعاجم اللغويةالتى ورد فيها أنّ :(الأمّىّ): نسبة إلى الأم أوالأمة ، وأنه لايقرأ ولا يكتب والعيى الجافى ، (أمّىّ ، الأمّى) هو الذى لايقرأ ولايكتب والأمى منسوب إلى الأم ، وهو على ما ولدته أمه لم يكتسب الكتابة ولا القراءة ، وإنه منسوب قديما إلى أمة العرب لأن أكثرهم كانوا من الأميين لا يكتبون ولا يقرأون ومن هنا قيل (النبى الأمى) ، (الأمى) من لا يكتب والجلف الجافى ، (الأمى والأمان) من لا يكتب أو من على خلقة الأمة ، لم يتعلم الكتابة وهو باقى على جبلته . (والأمى) الذى لايكتب ، قال الزجاج: (الأمى الذى على خلقة الأمة لم يتعلم الكتابة وهو على جبلته) ، وقيل لسيدنا محمد عليه السلام الأمى لأن أمة العرب لم تكن تكتب ولا تقرأ المكتوب وبعثه الله رسولا وهو لايكتب ولا يقرأ من كتاب . ومن خلال هذا التفحص لما تعنيه هذه الكلمة فى المعاجم ألاحظ أنها ترد ويراد بها الأمى نسبة إلى الأم ، أى على الحالة التى ولدته عليها أمه ، والأميون: الذين لا يقرأون الكتابة ولايكتبون ، وهو جمع أمى . (3)الأمّة الأمّيّة فى القرآن الكريم : قال سبحانه و تعالى: (هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين) قال ابن عباس: الأميون العرب كلهم من كتب منهم ومن لم يكتب ،لأنهم لم يكونوا أهل كتاب ، وقيل الأميون الذين لايكتبون وكذلك كانت قريش . وقال ابن كثير: (الأميون هم العرب كما قال سبحانه:( وقل للذين أوتوالكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلمو فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد)
(ورسولا منهم) يعنى محمدا عليه السلام وما من حى من العرب
إلا ولرسول الله عليه السلام فيهم قرابة وقد ولدوه ، قال ابن اسحاق: ( إلا حى تغلب ، فإن الله سبحانه طهر نبيه عليه السلام منهم لنصرانيتهم فلم يجعل لهم عليه ولادة وكان أميا لم يقرأ من كتاب ولم يتعلم )
قوله سبحانه : (يتلوا عليهم آياته ) يعنى القرآن ويزكيهم أى يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان (ويعلمهم الكتاب) الخط بالقلم ، لأن الخط فشى فى العرب بالشرع لما أمروا بتقييده بالخط .
وقال ابن عاشور:المراد ب (الأمّيّين) العرب لأن وصف الأمية غالب على الأمة العربية يومئذٍ ، ووصف الرسول عليه السلام بمنهم أى لم يكن غريبا .
(والأميون : صفه لموصوف محذوف دلّ عليه صيغة جمع العقلاء ، أى فى الناس الأميين وصيغة جمع الذكور فى كلام الشارع تشمل النساء بطريقة التغليب الاصطلاحى ، أى فى الأميين والأميات فإن أدلة الشريعة قائمة على إنها تعم الرجال والنساء إلاّ فى أحكام معلومة .
(والأميون الذين لايقرؤون الكتابة ولا يكتبون ، وهو جمع أمى نسبة إلى الأمة، يعنون بها أمة العرب لأنهم لايكتبون إلا نادرا ، فغلب هذا التشبيه فى الإطلاق عند العرب حتى صار يطلق على من لا يكتب ولو من غيرهم ، قال تعالى فى ذكر بنى إسرائيل(ومنهم أميون لايعلمون الكتاب إلاّ أمانيى) .
وكان اليهود ينتقصون المسلمين بأنهم أميون ، قال سبحانه: (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا فى الأميين سبيل) .
يتبع فى مشاركة جديدة إنشاء الله