حيلة التمجيد بعبقرية محمد لتفريغ دعوته من كونها رسالة ربانية
من أساليب الخدع الكبرى التي خدع بها فريقٌ من أعداء الإسلام بعض أبناء المسلمين ، ما أخذوا يعلنونه ويرددونه في صفوف المسلمين بأقوالهم وكتاباتهم وخطاباتهم عن شخصية محمد صلوات الله عليه من تمجيد بعبقريته ، وثناء على حركته الإصلاحية الإنسانية ، وإطراء لأقواله ، وبعض مناهجه التي رفعت الأمة العربية من الحضيض الذي كانت فيه ، ودعت الشعوب الأخرى إلى الخير والصلاح وسلوك سبيل المجد ، وهم إذ يسوقون إليه عبارات التمجيد والمدح والثناء يعتمدون أن يبعدوا عنه كلّ وصف من أوصاف النبوة والرسالة الربانية ، إذ يثبتون له وصف العبقرية الإنسانية فقط .
ثم أخذوا يكررون ذلك على أسماع الذين فتنوا بأقوالهم من أبناء المسلمين ، ويدسون فيه ما يوحي إليهم بأن احتمال العبقرية ليس وقفاً على محمد ، بل يمكن أن يأتي في كل عصر من بعده عبقري يستطيع أن يقود الناس إلى إصلاحٍ جديد ، يناسب متطلبات العصور المتطور ، أو أن تجتمع الأمة فتعادل قوة ذلك العبقرية ، وغرضهم من ذلك أن ينقضوا عقيدة المسلمين الراسخة بأن محمداً خاتم رسل الله وأنبيائه .
ثم بعد هذا التمجيد الكبير لشخص محمد بوصفه بالعبقرية ، ينتقلون إلى صيغة جديدة يغلفونها بمكر شديد ، ويلبسونها أقنعة خادعة من العبارات التي تتصنع الفلسفة ، فينسفون بها من عقول الذين يلقون إليهم السمع عقيدتهم بالوحي ، وعقيدتهم بالمعجزات وعقيدتهم بأن القرآن كلام الله ، ويوحون إليهم بأن كل ذلك من صنع محمد ، وقد آزرته في ذلك طلائع الإصلاح العربية ، إلى آخر هذا التضليل الذي أخذوا يصوغون له العبارات المتنوعة ، المشحونة بالأكاذيب والافتراءات الخالية من أي مستندٍ عقلي أو واقعي .
ولما انطلت حيلتهم هذه على ثُلَّة من أبناء المسلمين أدخلوا في روعهم أن رسالة الإسلام كانت ثورةً عربية على أوضاعٍ اجتماعية ، تزعمها عبقري مصلح منهم ، وأن رسالته ومبادئه كانت صالحة لشعوب تلك العصور ، وقد أصبحت اليوم بالية بدائية غير مناسبة لأن تكون أسساً للإصلاح في القرن العشرين ، من أجل ذلك يجب أن تقوم ثورات حديثة ، تحمل أسساً جديدة للإصلاح ، مناسبة لهذا القرن ، يتزعمها عبقري جديد ، يقوم في هذا العصر بمثل الدور الذي قام به محمد من قبل ، وأطلقوا بين أتباعهم المفتونين بهم من أبناء المسلمين العرب مقالة قائلهم المشهورة : "من الطبيعي أن يستطيع أي رجل مهما ضاقت قدرته أن يكون مصغراً ضئيلاً لمحمد ، ما دام ينتسب إلى الأمة التي حشدت كل قواها فأنجبت محمداً ، أو بالأحرى ما دام هذا الرجل فرداً من أفراد الأمة التي حشد محمد كل قواه فأنجبها في وقت مضى ، تلخصت في رجل واحد كل حياة أمته ، واليوم يجب أن يصبح كل حياة هذه الأمة في نهضتها الجديدة تفصيلاً لحياة رجلها العظيم ، كان محمد كل العرب ، فليكن كل العرب اليوم محمداً".
وهكذا يصغ هذا الزيف في مثل هذا الكلام الذي يبتسم ظاهره ابتسامة عريضة ، ولكن وراء هذه الابتسامة نهم شديد لافتراش الإسلام والمسلمين , والإجهاز على كيان الأمة العربية ، وضمن هذا الأخذ والرد في حيل العبارة الكلامية الخادعة للمغفلين أو الجاهلين يبدو للبصير الحاذق مبلغ الكيد العظيم للرسالة الربانية ، التي لم يأت بها محمد صلوات الله عليه من تلقاء نفسه ، وإنما تلقاها من الوحي ، ولم تكن ثمرة عبقريته الخاصة ، وإنما كانت تنزيلاً من عند الله ، مع أنه صلوات الله عليه أوفر الناس عبقرية ، وأكثرهم كمالاً إنسانياً .
ولكن هؤلاء المخربين يريدون أن يجعلوا محمداً نتاج الأمة العربية ، وأن يجعلوا دينه ثمرة عبقريته الفذة ، وأن يفتحوا الباب لعباقرة مُحدثين يأتون برسالة جديدة من عند أنفسهم ، تحتل مركز الرسالة الإسلامية الربانية .
ولا تخفى على المتأمل نفثة الكيد والحقد التي تقذفها عبارة قائلهم : "كان محمد كل العرب فليكن كل العرب اليوم محمداً" . أي : فليصنع العرب اليوم رسالة جديدة تناسب العصر الحاضر غير رسالة الإسلام التي أنتجتها بحسب تضليلهم عبقرية محمد من قبل .
ولو صح هذا الكلام بالنسبة إلى رسالة محمد لكان أكثر صحة لو قيل بالنسبة إلى الرسالات الربانية التي جاء بها عيسى وموسى من قبل ، ولا سيما معظم ما فيها محرف منتقد ، لكنهم لا يحملون هذا التضليل إلا في صفوف المسلمين فقط ، وبالنسبة إلى رسالة الإسلام فقط . فإذا أضفنا إلى هذا أن أصحاب هذه الدعوة صليبيون متعصبون سراً لصليبيتهم لم تخف علينا الدوافع التي تدفعهم إليها ، ولا عتب عليهم أن يمكروا بالإسلام وهم يعادونه ، إنما العتب كل العتب على أبناء المسلمين الذين تنطلي عليهم حيل الأعداء ، فيجندون أنفسهم في صفوفهم ، أو يضعون أنفسهم في الصفوف الأولى من صفوف الكتائب الموجهة لحرب الإسلام والمسلمين.
المصدر : كتاب أجنحة المكر الثلاث