كعب بن زهير بن أبي سلمي من أهل نجد اشتهر في الجاهلية، ولما ظهر الإسلام أسلم أخوه (بجير) فغضب منه نهاه عن الاندفاع فى هذا الدين وهجاه وهجا الرسول معه وبلغ هجاؤه النبى _صلى الله عليه وسلم_ فتوعده وأهدر دمه,فأرسل إليه بجير يخبره بسوء العاقبة التى تنتظره فاستجار كعب بالقبائل أملاٌ أن تجيره إحداها,فلم تقبل حمايته قبيلة وأخيراٌ لجأ إلى المدينة وتوسل بأبى بكر,فأقبل به على الرسول , وأنشد هذه القصيدة ثم أعلن إسلامه فعفا عنه _صلى الله عليه وسلم_ فلا يَغُرَّنْكَ ما مَنَّتْ وما وَعَـدَتْ * إنَّ الأمانِـيَّ والأحْـلامَ تَضْليـلُ
كانَتْ مَواعيدُ عُرْقوبٍ لَهـا مَثَـلا * ومـا مَواعِيدُهـا إلاَّ الأباطيـلُ
أرْجو وآمُلُ أنْ تَدْنو مَوَدَّتُهـا * ومـا إِخـالُ لَدَيْنـا مِنْـكِ تَنْويـلُ
أمْسَتْ سُعادُ بِأرْضٍ لا يُبَلِّغُهـا * إلاَّ العِتـاقُ النَّجيبـاتُ المَراسِيـلُ
بانَتْ سُعادُ فَقَلْبي اليَوْمَ مَتْبـولُ * مُتَيَّـمٌ إثْرَهـا لـم يُفَـدْ مَكْبـولُ
وَمَا سُعَادُ غَداةَ البَيْن إِذْ رَحَلوا * إِلاّ أَغَنُّ غضيضُ الطَّرْفِ مَكْحُـولُ
هَيْفاءُ مُقْبِلَةً عَجْزاءُ مُدْبِـرَةً * لا يُشْتَكـى قِصَـرٌ مِنهـا ولا طُـولُ
تَجْلُو عَوارِضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابْتَسَمَتْ * كأنَّهُ مُنْهَـلٌ بالـرَّاحِ مَعْلُـولُ
شُجَّتْ بِذي شَبَمٍ مِنْ ماءِ مَعْنِيةٍ * صافٍ بأَبْطَحَ أضْحَى وهْوَ مَشْمـولُ
تَنْفِي الرِّياحُ القَذَى عَنْهُ وأفْرَطُهُ * مِنْ صَوْبِ سارِيَةٍ بِيـضٌ يَعالِيـلُ
أكْرِمْ بِها خُلَّةً لوْ أنَّها صَدَقَتْ * مَوْعودَها أَو ْلَوَ أَنَِّ النُّصْـحَ مَقْبـولُ
لكِنَّها خُلَّةٌ قَدْ سِيطَ مِـنْ دَمِهـا * فَجْـعٌ ووَلَـعٌ وإِخْـلافٌ وتَبْديـلُ
فما تَدومُ عَلَى حالٍ تكونُ بِها * كَمـا تَلَـوَّنُ فـي أثْوابِهـا الغُـولُ
ولا تَمَسَّكُ بالعَهْدِ الذي زَعَمْتْ * إلاَّ كَمـا يُمْسِـكُ المـاءَ الغَرابِيـلُ
ولَـنْ يُبَلِّغَهـا إلاَّ غُذافِـرَةٌ * لهـا عَلَـى الأيْـنِ إرْقـالٌ وتَبْغيـلُ
مِنْ كُلِّ نَضَّاخَةِ الذِّفْرَى إذا عَرِقَتْ * عُرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهولُ
تَرْمِي الغُيوبَ بِعَيْنَيْ مُفْـرَدٍ لَهِـقٍ * إذا تَوَقَّـدَتِ الحَـزَّازُ والمِيـلُ
ضَخْمٌ مُقَلَّدُها فَعْمٌ مُقَيَّدُها * في خَلْقِها عَـنْ بَنـاتِ الفَحْـلِ تَفْضيـلُ
غَلْباءُ وَجْناءُ عَلْكـومٌ مُذَكَّـرْةٌ * فـي دَفْهـا سَعَـةٌ قُدَّامَهـا مِيـلُ
وجِلْدُها مِنْ أُطومٍ لا يُؤَيِّسُـهُ * طَلْـحٌ بضاحِيَـةِ المَتْنَيْـنِ مَهْـزولُ
حَرْفٌ أخوها أبوها مِن مُهَجَّنَـةٍ * وعَمُّهـا خالُهـا قَـوْداءُ شْمِليـلُ
يَمْشي القُرادُ عَليْها ثُـمَّ يُزْلِقُـهُ * مِنْهـا لِبـانٌ وأقْـرابٌ زَهالِيـلُ
عَيْرانَةٌ قُذِفَتْ بالنَّحْضِ عَنْ عُرُضٍ * مِرْفَقُها عَنْ بَناتِ الزُّورِ مَفْتولُ
كأنَّما فاتَ عَيْنَيْها ومَذْبَحَها * مِنْ خَطْمِهـا ومِـن الَّلحْيَيْـنِ بِرْطيـلُ
تَمُرُّ مِثْلَ عَسيبِ النَّخْلِ ذا خُصَلٍ * في غارِزٍ لَـمْ تُخَوِّنْـهُ الأحاليـلُ
قَنْواءُ في حَرَّتَيْها لِلْبَصيرِ بِها * عَتَقٌ مُبينٌ وفـي الخَدَّيْـنِ تَسْهيـلُ
تُخْدِي عَلَى يَسَراتٍ وهي لاحِقَةٌ * ذَوابِـلٌ مَسُّهُـنَّ الأرضَ تَحْليـلُ
سُمْرُ العَجاياتِ يَتْرُكْنَ الحَصَى زِيماً * لم يَقِهِنَّ رُؤوسَ الأُكْمِ تَنْعيـلُ
كأنَّ أَوْبَ ذِراعَيْهـا إذا عَرِقَـتْ * وقـد تَلَفَّـعَ بالكـورِ العَساقيـلُ
يَوْماً يَظَلُّ به الحِرْباءُ مُصْطَخِداً * كأنَّ ضاحِيَـهُ بالشَّمْـسِ مَمْلـولُ
وقالَ لِلْقوْمِ حادِيهِمْ وقدْ جَعَلَتْ * وُرْقَ الجَنادِبِ يَرْكُضْنَ الحَصَى قِيلُوا
شَدَّ النَّهارِ ذِراعا عَيْطَلٍ نَصِـفٍ * قامَـتْ فَجاوَبَهـا نُكْـدٌ مَثاكِيـلُ
نَوَّاحَةٌ رِخْوَةُ الضَّبْعَيْنِ لَيْسَ لَها * لَمَّا نَعَى بِكْرَها النَّاعـونَ مَعْقـولُ
تَفْرِي الُّلبانَ بِكَفَّيْهـا ومَدْرَعُهـا * مُشَقَّـقٌ عَـنْ تَراقيهـا رَعابيـلُ
تَسْعَى الوُشاةُ جَنابَيْها وقَوْلُهُمُ * إنَّك يا ابْـنَ أبـي سُلْمَـى لَمَقْتـولُ
وقالَ كُلُّ خَليـلٍ كُنْـتُ آمُلُـهُ * لا أُلْهِيَنَّـكَ إنِّـي عَنْـكَ مَشْغـولُ
فَقُلْتُ خَلُّوا سَبيلِي لاَ أبالَكُـمُ * فَكُـلُّ مـا قَـدَّرَ الرَّحْمـنُ مَفْعـولُ
كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وإنْ طالَتْ سَلامَتُهُ * يَوْماً على آلَـةٍ حَدْبـاءَ مَحْمـولُ
أُنْبِئْتُ أنَّ رَسُولَ اللهِ أَوْعَدَني * والعَفْـوُ عَنْـدَ رَسُـولِ اللهِ مَأْمُـولُ
وقَدْ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ مُعْتَـذِراً * والعُـذْرُ عِنْـدَ رَسُـولِ اللهِ مَقْبـولُ
مَهْلاً هَداكَ الذي أَعْطاكَ نافِلَةَ * الْقُـرْآنِ فيهـا مَواعيـظٌ وتَفُصيـلُ
لا تَأْخُذَنِّي بِأَقْوالِ الوُشاةِ ولَمْ * أُذْنِبْ وقَـدْ كَثُـرَتْ فِـيَّ الأقاويـلُ
لَقَدْ أقْومُ مَقاماً لو يَقومُ بِـه * أرَى وأَسْمَـعُ مـا لـم يَسْمَـعِ الفيـلُ
لَظَلَّ يِرْعُدُ إلاَّ أنْ يكـونَ لَـهُ مِـنَ * الَّرسُـولِ بِـإِذْنِ اللهِ تَنْويـلُ
حَتَّى وَضَعْتُ يَميني لا أُنازِعُهُ * في كَفِّ ذِي نَغَمـاتٍ قِيلُـهُ القِيـلُ
لَذاكَ أَهْيَـبُ عِنْـدي إذْ أُكَلِّمُـهُ * وقيـلَ إنَّـكَ مَنْسـوبٌ ومَسْئُـولُ
مِنْ خادِرٍ مِنْ لُيوثِ الأُسْدِ مَسْكَنُهُ * مِنْ بَطْنِ عَثَّرَ غِيلٌ دونَـهُ غيـلُ
يَغْدو فَيُلْحِمُ ضِرْغامَيْنِ عَيْشُهُما * لَحْمٌ مَنَ القَـوْمِ مَعْفـورٌ خَراديـلُ
إِذا يُساوِرُ قِرْناً لا يَحِلُّ لَـهُ * أنْ يَتْـرُكَ القِـرْنَ إلاَّ وهَـوَ مَغْلُـولُ
مِنْهُ تَظَلُّ سَباعُ الجَـوِّ ضامِـزَةً * ولا تَمَشَّـى بَوادِيـهِ الأراجِيـلُ
ولا يَزالُ بِواديهِ أخُـو ثِقَـةٍ * مُطَـرَّحَ البَـزِّ والدَّرْسـانِ مَأْكـولُ
إنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضاءُ بِهِ * مُهَنَّـدٌ مِـنْ سُيـوفِ اللهِ مَسْلُـولُ
في فِتْيَةٍ مِنْ قُريْشٍ قالَ قائِلُهُمْ * بِبَطْـنِ مَكَّـةَ لَمَّـا أسْلَمُـوا زُولُـوا
زالُوا فمَا زالَ أَنْكاسٌ ولا كُشُفٌ * عِنْـدَ الِّلقـاءِ ولا مِيـلٌ مَعازيـلُ
شُمُّ العَرانِينِ أبْطالٌ لُبوسُهُمْ * مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ فـي الهَيْجَـا سَرابيـلُ
بِيضٌ سَوَابِغُ قد شُكَّتْ لَهَا حَلَـقٌ * كأنَّهـا حَلَـقُ القَفْعـاءِ مَجْـدولُ
يَمْشونَ مَشْيَ الجِمالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهُمْ * ضَرْبٌ إذا عَرَّدَ السُّودُ التَّنابِيلُ
لا يَفْرَحونَ إذا نَالتْ رِماحُهُمُ * قَوْمـاً ولَيْسـوا مَجازِيعـاً إذا نِيلُـوا
لا يَقَعُ الطَّعْنُ إلاَّ في نُحورِهِمُ * وما لَهُمْ عَنْ حِياضِ المـوتِ تَهْليـلُ