فصل
باب علـم القراءات والرسم العثماني
إبدال الحــــــــــروف
الــمثـــــــــــال الأول
من المسائل التي شغلت العلماء , وحارى فيها النحاة , وأخذت قسطاً وافراً من ابحاثهم , مسألة رسم القرآن وقيده في المصحف الشريف , وكما هو معلوم للجميع أن للقرآن منهجاً خاصاً أتبعه العلماء في كتابـــــة القرآن وقـــد عــرِف بالرسم العثماني أو بالرسم التوقيفي و هي طريقة للكتابة مخالفة لقواعـــــــد الإمـلآء في بعـــض المواطن الفقهية و خاصة بكتاب الله وحده أخذها العلماء بالتواتر خلفاً عن سلف , و مازلت مثاراً للعلماء وعقبة للنحاة , وأعيت الباحثين .
خذ المثال التالى شاهداً على إبدال تاء التانيث المربوطة بتاء تأنيث مفتوحـــة وذلك فــــى سبعة مواضع في كتاب الله تعالى , فقد كتبت لفظة (إمرأة) فيها هكذا (امرأت) بتـــــاء مفتوحــــــــة , مخالفة لقواعد الاملاء
كماهو في الآيات التالية
أنظر الى القيــــاس الرقمي اولاً
إمـــرأة // إمـرأت
2770 // 2704
قال الله تعالـــــــــى :
1- إِذْ قَالَتْ امْرَأَت عِمْرَانَ / آل عمران الآية 35
2 - امْرَأَت الْــعَزِيزِ تُرَاوِدُ / يــوســـــف الآية 30
3 - قَالَتْ امْرَأَت الْعَــــزِيزِ / يــوســف الآية 51
4 - وَقَالَتْ امْرَأَت فِرْعَوْنَ / القـصـص الآية . 9
5 - اِمْرَأَت فِــــــــــرْعَوْنَ / التـحـريــم الآية 11
6 - اِمْرَأَت نُــــــــــــــوحٍ / التـحـريـــم الآية 10
7 - وَاِمْرَأَت لُـــــــــــوطٍ / التـحـــــريم الآية 10
المثير للإنتباه أنها فـي غير هذه المواضع السبعه كتبت بتـــاء مــــــــــربوطـــــــــــــــة
التفسير : في الآيات السبع السابقة الخطاب كان موجه الى إمرأةٍ بعينها في كل قصــــة
من قصص القرآن في حين أن الحديث في المواطن الأخرى يناقش مسائل عامة تجري على مجموعة من النساء فخاطب المفرد و يريد الجمع , فاعتمد حرف التاء المنقوص رقما والقريب معنى , دلالة على الفطنة وبراعة في التفسير , وبهدف تكريم المجموعة الاحقة من النساء تابع القراءة لتشاهد ذلك .
كمايلــــــــــــــــــــي :
قال الله تعالـــــــــــلى
وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوْ إمْـــــــرَأَةٌ ...
سورة النساء الآية 12
المقصود في هذه الآية أنه يخاطب مجتمع النساء في مسألة خاصة تتكرر داخل إطــار الأمــــة , فأراد الناسخ و أقصد الكاتب أن يؤسس للمفسر بالإنقاص في رسم الحــروف ( في المسألة الأولى ويتم في المسألة الثانية ) يــــــــــــوم كــــــــان كاتب الوحـــــــي شديد القرب من منازل القرآن الكريم , فأخذ عن الرسول عـــن جبريـــل عـــن الله عز وجل , فيصبــــح هذا الباب هو الأكثر قرباً من التفسير بالمأثور كونه يعتمـــــــد على صحيح المنقول وهو الرسم العثمانــــــي , فقد خطه الصحابة في الكتبة الأولى للقرآن الكريـــــم رضي الله عنهم .
وقولــــــــــه تعالى
وَإِنْ امـــــــــــرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَــــــا ....سورة النساء الآية 128
نفس التفسير السابق , بالاضافة الى انهن من النساء المؤمنات , اللوتي أخــــذن شرف التخاطب لإرتقاءهن في سلم الإيمان , كما بينا سابقاً في جدول العبادات من سورة الاحزاب الآية 35 , لمزيد من الإيضاح ارجع الى الجدول .
وقوله تعالـــــــــــــــــــــى
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * سورة النمل الآية 23
كما ترى إمرأة صاحبت عرش و تيجان , بيدها قرار الحرب والسلام , واليها ترفع كتب الأنبياء , كذلك خاطبها القرآن بالتكريم والتفخيم , فهي إمرأة فوق كل نســـــاء عصرهــــــــا , تنحني لها أعناق الرجال , ثم أمنت بالله ورسوله و ... * قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيم * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيـــمِ *
ثم .... : * قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِـــــــــــينَ *
وقوله تعـــــــــــالى
وامـــــــــــرَأَةً مُؤْمِنَـــــــــــــــــــــــــــــــةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ *سورة الأحزاب الآية 50
وهذه وهبت نفسها للنبي , فرفع القرآن مقامها الى مقــام النبوة , فلا يــــــــــــكون
خطابهــــا كخطاب إمرأة لوط عليه السلام , التي بيدها خسرت مقامها , و كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أنزلــــوا الناس منازلهم * عن عائشة أم المؤمنين * مرفــــــوع , رواه ابــــــــــو داود رضي اللـه عنهمــا .
المعنى أن إمرأة لوط خسرت المقام الشريف في خطاب الوحي لها عندمـــــــــا تعرض لذكرهــا فخفض قدرها , بعد ما خانت نبيها وزوجهـــــــــــا لوط , فأبرز ذلك النقـــــــــص لمقامهـــــــــــــا بإبدال الحـــــروف , وإنقاص قيمها العدديه, فالتاء المبسوطة أدنــــى درجة من التاء المربوطة في العد والحساب , راجع جدول الحروف والارقـــــــــــــام .
تابع باب علم القراءات و الرسم العثماني
الــمــثـــال الثانــي في رسم الكلمة ( نعـمـــة ) وقد طابقت قواعد الإملآء في الآيات الثلاث التالية , وخالفت في الآيات التي تلتّها .
قال الله تعالى في الآيات التالية
الآيــــات
- يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ / آل عمـران 171
- وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ / المائــــدة 7
- فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْــلٍ / آل عمران 174
و الآيـــات
- وَاذْكُرُوا نِعْمتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً / آل عـمران 103
- وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا / إبراهـــيم 34
- فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ / الطــــور 29
الكلمة بتاء مربوطة الكلمة بتاء مبسوطة
نعمــــــــت // نعمــــــــة
1704 // 1770
نتيجة التفسير الرقمي :
النعمة بالتاء المربوطة أعظم و أعم وأشمل ولها درجات , والنعمت بتاء المبسوطة هي نعمة واحدة و محدودة , والجمع نِعَمّ .
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمــــــــَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ( أي النعمة الواحدة )
من هنا ندرك أن السلف كان عندهم إدراك تام في سبب إبدال الحروف مكنهم من التميز بين المعانــــــــي , مــن حيث الكثرة والقلة , لتنبيه السامع الى اختلاف المعنى بسليقــــــــــــة صادقة , توارثوها عن أجدادهـــــــــــم بالسماع و النطق , جيلاً بعد جيــــــــل , عبروا عنها بالرسم الصادق , الرسم التوقيفي , فسّرتها لنــــــــا الأرقـــــــــــام في عصرنــــا الراهن , كما فسرتها لهــم بلاغــــــــــــة الحــــــــروف فـــــــــــي عصرهــــــــــــــــم , فيصبـــــــــح القاســــــــم المشترك بيننا وبينهم الرسم التوقيفي .
الأمثلة كثيرة جداً في هذا الباب و نكتفي بهذا القدر من المسألة كونـــــه مدخلاً جديـــداً الى فقه الحـروف .
.../ يتبع .