بسم الله الرحمن الرحيم
إخواني الكرام الأفاضل / أعضاء ومتصفحي منتديات السادة الأشراف السلام عليكم ورحمة اللة وبركاتة وبعد : فقد كتب الأستاذ الدكتور / سعد الصويان هذا الموضوع البدو والحضر الأصل واحد : إن التغير يسير دائما من البداوة إلى الحضارة وليس العكس لأن التمدن، كما يقول / ابن خلدون، غاية البدوي بينما لا يتشوف الحضري إلى أحوال البادية أما في النموذج المحلي فإن المراوحة بين البداوة والحضارة أمر غير مستغرب، فقد نجد أن الأسرة أو الفخذ بكامله يتحول، لسبب أو لآخر، من البداوة إلى الحضارة أو العكس، حسب ما تمليه المصلحة والظروف والتحول من البداوة إلى الحضارة عملية مستمرة لكنها تتم ببطء وعلى مراحل حينما يصل البدوي إلى درجة من الفقر لا يملك معها راحلة لتحمله ولا شيئا من المواشي فإنه يضطر إلى الاستقرار فى إحدى القرى أو المدن ( يهَثل ) للبحث عن عمل يعتاش منه، كأن يعمل جمّالا أو راعيا لأهل البلدة أو سائقا لسوانيهم أو قد يصل إلى درجة من الغنى وتكدس الثروة بحيث يصبح من المستحيل عليه أن يدير كل ما يمتلكه من قطعان الماشية مما يضطره إلى بيع بعضها واستثمار القيمة في شراء الدور والمزارع والعقارات ثم يصل بعد ذلك إلى مرحلة يجد فيها نفسه ملزما بالاستقرار في المدينة لإدارة أملاكه والإشراف عليها ومزاولة الأعمال التجارية وقد يتحول الحضر إلى البداوة نتيجة جفاف الآبار أو استنزاف التربة أو اضطراب الأحوال السياسية مثال ذلك قبيلة الحويطات التي يستنتج البعض من اشتقاق الاسم أنهم كانوا في الأصل فلاحين وتردد الروايات الشفهية أن الزميل من سنجاره والدغيرات من عبده كانوا أصلا فلاحين ورعاة ماعز وشياه لا يتعدون شعابهم وجبالهم، ولم يقتنوا الإبل ويتوغلوا في الصحراء إلا مؤخرا بعدما قويت قبيلة شمر وتذكر الرواية الشفهية أنه حينما مرت فلول شمر المنهزمة أمام عنزة في موقعة بيضا نثيل على / مفتاح الغيثي، زعيم الدغيرات، وجدوه ( يرغى ) أي يصنع الإقط من حليب الغنم، ولما طلبوه أن يترك ( السوادين ) أي الغنم وبيوت الشعر، وينهزم معهم بالسلّة، أي الخيل والإبل والرجال، أجابهم بأنه وكل جماعته أهل سوادين، مما يعني أنهم لم يكونوا يملكون إلا الغنم وبيوت الشعر دون الإبل والخيل والدغيرات يدعون / أولاد علي ويقال إن علياً هذا كان في الأصل يحترف تأبير النخل لأهالي جو في منطقة أجا وكانت له ابنة رائعة الجمال وفي ذات يوم مر بها شباب من شبان القبيلة، الذين كانوا يحضرون إلى جو في الصيف لجني ثمار نخيلهم، فبهرهم جمالها لكنهم عابوها بأن أباها يعمل أبارا ولما اشتكت الفتاة لأبيها وروت له ما حدث لها مع شباب القبيلة صمم الرجل على أن يثأر لكرامته ويثبت رجولته ونبل أصله ودبر خطة تكفل له ذلك لكنه لم يشرع بها إلا بعد ارتحال القبيلة لأنه أراد أن يؤجل المواجهة معهم لحين يتم استعداداته لما ارتحلت القبيلة عمد إلى مكان مشهور بجودة الملح وجلب منه حاجته وانكب على تجهيز ما يحتاجه من ملح البارود، وكانت البارود المستخدمة آنذاك هي النوع المسمى فتيل وكان محتاجا لكمية كبيرة تكفيه مهما طالت المناوشات بينه وبين القبيلة حينما يحضرون في الموسم القادم وفعلا لما توافدت القبيلة في الصيف لجني النخيل جلس لهم هو وأبناؤه في قمة الجبل الذي يحرس جو وصدهم عن دخول المكان وأعلن ملكيته المطلقة لجو ولا أحد يدخلها إلا بإذن منه ووفق شروطه هو بذلك أصبحت جو ملكا للدغيرات وبالإضافة إلى الفلاحين والبدو رعاة الإبل هنالك طرف ثالث يدخل ليضيف دليلا آخر على عدم دقة فرز أهل الجزيرة العربية إلى صنفين منفصلين ومتمايزين تمام التمايز : بدو وحضر الطرف الثالث هم الشوايا، أو ( الشاوية ) وهم البدو المتخصصون في تربية الماعز والضأن وعلى خلاف أهل الإبل، لا يستطيع الشوايا التوغل في الصحراء ولا يحتملون مشاق النجعة البعيدة، لعدم استطاعة ماشيتهم على ذلك وحاجتها للماء بشكل يومي هذا الصنف من البدو لا يربّون الخيول ولا يمارسون الغزو وليست لديهم النزعة الحربية التي لدى رعاة الإبل وغالبيتهم يدفعون أتاوة ( خاوة ) للقبائل القوية التي يعيشون في كنفها وتحت حمايتها، وعلى هذا الأساس يعدون أدنى منزلة من رعاة الإبل لكنهم مع ذلك من القبائل الأصيلة والنبيلة وكثيرا ما يورد الشعراء مقطوعات شعرية يصفون فيها نبل رعاة الإبل وأفضليتهم وعدم استطاعة أهل الغنم مجاراتهم في بعد النجعة والارتحال يقول / ابن قويفل يمدح الشعلان بأنهم أهل إبل ينزلون بعيدا في الخلاء وليسوا أهل غنم :-
نَزل الخلا ما هم فراقين سِقسان = ما سَقسِقوا للعنز تتلي ظَعَنهم
ويقول / ابن سبيل :-
مظهورهم كِن الطماميع تشعاه = يتلي سلف خيّال من قرّبت به
يا قِرب مسراحه وما أبعد معشّاه = تِمسي محَوّشة الغنم تشتمت به
ويقول / نافع بن فضليه من بني علي من حرب :-
يِمطِر على دارٍ يِرِبَّه خليفان = بالقيض رعيان الغنم ما يجونه
ما يدهله يا كود خيلٍ وقطعان = فيها النصي كن الغدارين لونه
ويقول الشاعر / أبو جري بعدما رحل عنه الشيخ / جزاع بن عجل من عبده من شمر :-
شالوا على العتلات ما هن قَعادين = طوال الخطا ما هن رحايل شواوي
وِدّي بهم يا جري لو هم تعيبين = لا شك ما عانق هل الخور شاوي
بغيت أشيل وصار ما من بعارين = هَلَ الندا شالوا وانا صرت ثاوي
ويقول / عدوان الهربيد من السويد من شمر موجها الكلام إلى جريس، ابن أخيه، قائلا له إننا أهل غنم نسوقها ( نجل الحبص ) ولا نستطيع مجاراة قبيلة الرمال في حلهم وترحالهم :-
جينا نِجِلّ الحبص جَلّ الوداعِ = قرايفٍ ما بين رامي ومصفار
نتلي مصلّح ناقته والمتاعي = ربعٍ يدورون المغازي والأسفار
هل الشداد مدَلّهين القطاع = كم راس حيدٍ زوّلوا عنه الأشجار
مِطنين راع الضان بالانقطاع = ومرضين بعصير النزل كل صقّار
ياج ريس قِل عن دربهم بانهزاع = ما ظَنّتي بارى هل القود حمّار
ويقول صاحب غنم كان جارا لــ / رفاعي ابن عشوان من شيوخ مطير يندب حظه لأنه راعي غنم لا يستطيع مجاراة رفاعي وجماعته من أهل الإبل وفي البيت الأخير يسائل نفسه قائلا ما الذي حداني لمصاحبة هؤلاء حيث أنني لا أمتلك لا إبلا ( أدوّه ) لها ولا خيلا ( أتاعي ) لها، أي أناديها :-
شدّوا وشالن البني الجحاليف = من فوق كل مشَرهَفٍ ما يباعِ
وتقاودوا قحص المهار المزاغيف = وقادوا لقطعانٍ يقودَه رفاعي
وراعى الغنم ياخذ زمانين ما شيف = غدت على ساقة هل البل ضياع
مقسوم وإلا ما عليّه تحاتيف = يا عاد لا مدَوّه معهم ولاني متاعي
وهكذا ينقسم أهل الجزيرة حسب نمط الإنتاج إلى حضر مستقرين يعملون في فلاحة الأرض، وشوايا شبه مستقرين يقومون على رعي الشاء والماعز، وبدو رحل يقومون على رعي الإبل إلا أن هذه الفئات الثلاث، رغم تمايزها الإنتاجي ونمط حياتها اليومي، تشكل مع بعضها البعض طبقة الأصيلين، أي المنحدرين من أصول قبلية التي تقابلها طبقة غير الأصيلين ممن لا ينتمون لأصول قبلية لا يقل الحضري عن البدوي فخرا بانتمائه القبلي الذي يعد جواز المرور إلى طبقة الأصيلين هذا يجعل الحضري ابن عم البدوي بحكم انتماء الاثنين إلى نفس القبيلة، بما يفترضه ذلك من تسلسلهما من نفس الجد والمتوقع من أبناء القبيلة الواحدة، بدوهم وحضرهم، أن يتكاتفوا ويتآزروا ويعين بعضهم بعضا ومما يعزز هذه العلاقة ويمنحها صفة الديمومة ما يقوم بين بدو القبيلة وحضرها من اتصالات مكثفة وزيارات متبادلة وتبادل خدمات ومنافع وتزاوج وتضامن وتكافل ولا يقل حضر القبيلة عن بني عمهم البدو في تمسكهم بقيم البادية من كرم وشجاعة وربما شاركوهم في غزواتهم وفي أحيان كثيرة لا تكاد تميز لهجة البدوي منهم من لهجة الحضري ويصطبغ الانتماء القبلي بين البدو والحضر بنظرة أرستقراطية تتحدد من خلالها المهام والأدوار التي يمكن للأصيلي ممارستها وتلك التي لا تليق به وتحط من قدره من ينحدرون من أصول قبلية لا يليق بهم من الحرف إلا القتال والرعي وفلاحة الأرض والتجارة أما ممارسة الحرف اليدوية والمهن الوضيعة فإنه مما يخدش في الأصل وربما أدى إلى الخلع من القبيلة لذلك يتركون الحدادة والخرازة والجزارة والصياغة وما شابهها من الحرف إلى طبقة الصناع الذين لا ينتمون إلى أصول قبلية انتهى كلامه .
البداوة والحضارة طريقة حياة وقبائل البادية كان لها الدور الكبير في الفتوحات الإسلامية بمشاركة إخوانهم القرويين وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يجعل الإخوه وأبناء العم في الميمنة مثلا حتى ينصروا دين الله فإذا قتل أحد منهم ثار إخوانه وأبناء عمهم أولا لدينهم ثم لدمهم ولم يهزم فيلة كسرى إلا بادية بني تميم إذ أن أحد فرسانهم ألبس الإبل من رأسها إلى مناسمها لباسا أسودا وأطلقها على الفيلة فخافت الفيلة وتضعضعت ثم تقدم الرجال جنب الإبل من تحتها وقطعوا مناطق صناديق الفيلة فسقط الرمات الفرس فقتلهم المسلمون فانهزمت الفرس شر هزيمة وقد قال الفاروق أبو حفص / عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه : أوصيكم بالأعراب خيرا فإنهم مادتكم أي أصلكم ودور بادية الجزيرة العربية في توحيد المملكة العربية السعودية ظاهر للعيان ولا ينكره إلا جاهل أو حاسد أو معاند وقد ذكر ذلك في كتاب الإخوان لكاتب لبناني نصراني عاش في الغطغط والأرطاويه سنتين في عهد الملك / فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله وأسكنه فسيح جناته وقد كان ولاء أحد القبائل للشريف إلا أنه ولاءا متقلبا لضعف الشريف الذي أرسل شريفا اّخر وأعطاه مرسوما ( فرمان ) ليجبي زكاتها إلا أنها لم توافقه بل أسأت إليه وإلى معزبه حيث جرت المرسول بحصان على الأرض والغلمان يسفهونه ويجرون وراء الفرس التي تجره وقد قال هذا الشريف قصيدة يبين فيها ما جرى له ويحذر الشريف الحاكم من تلك القبيلة وجميع البوادي حيث قال :-
مهبول يا باغي من البدو مرسوم = البدو ما يعطون حبة شعيره
أحذرك صبيان الفضى عدهم قوم = وأهل مهار كل يوم مغيره
وقال / الاّخر :-
والناس للناس من بدو وحاضرة = بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم في الغنيمة سهمان للفارس وسهم للراجل وأغلب الفرسان من البادية وقد تألفهم صلى الله عليه وسلم بأن أعطى / الأقرع بن حابس التميمي من فرسان البادية مئة ناقة وأعطى فارسا اّخر مئة ناقه فغضب الفارس / عباس بن مرداس السلمي لأنه أعطاه ثمانين ناقه وقال قصيدة يخاطب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر فيها أنه أطيب من الأقرع وأن والده مرداس أطيب من حابس فتألفه الرسول وزاد له إلى المئة .
فضل أهل البادية على أهل الحاضرة :-
وإليكم هذه الفقرة التي اقتبستها من كلام مؤرخ وعالم مشهود له بالعلم والفضل ألا وهو العلامة / ابن خلدون رحمه الله وأسكنه فسيح جناته من مقدمته الشهيرة في فضل أهل البادية على أهل الحضر قال رحمه الله : أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر وسببه أن النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيئة لقبول ما يرد عليهما وينطبع فيها من خير أو شر قال كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه وبقدر ما سبق إليها من أحد الخلقين تبعد عن الآخر ويصعب عليها اكتسابه فصاحب الخير إذا سبقت إلى نفسه عوائد الخير وحصلت لها ملكته بعد عن الشر وصعب عليه طريقه وكذا صاحب الشر إذا سبقت إليه أيضا عوائده وأهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ وعوائد الترف والإقبال على الدنيا والعكوف على شهواتهم منها وقد تلونت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق والشر وبعدت عليهم طرق الخير ومسالكه بقدر ما حصل لهم من ذلك حتى لقد ذهبت عنهم مذاهب الحشمة في أحوالهم فتجد الكثير منهم يقذعون في أقوال الفحشاء في مجالسهم وبين كبرائهم وأهل محارمهم لا يصدهم عنه وازع الحشمة لما أخذتهم به عوائد السوء في التظاهر بالفواحش قولا وعملا وأهل البدو وإن كانوا مقبلين على الدنيا مثلهم إلا أنهم في المقدار الضروري لا في الترف ولا في شيء من أسباب الشهوات واللذات ودواعيها فعوائدهم في معاملاتهم على نسبتها وما يحصل فيهم من مذاهب السوء ومذمومات الخلق بالنسبة إلى أهل الحضر أقل بكثير فهم أقرب إلى الفطرة الأولى وأبعد عما ينطبع في النفس من سوء الملكات بكثرة العوائد المذمومة وقبحها فيسهل علاجهم من علاج الحضر وهو ظاهر وقد يتوضح فيما بعد أن الحضارة هي نهاية العمران وخروجه إلى الفساد ونهاية الشر والبعد عن الخير فقد تبين أن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر والله يحب المتقين ولا يعترض على ذلك بما ورد في صحيح البخاري من قول الحجاج لسلمة بن الأكوع وقد بلغه أنه خرج إلى سكنى البادية فقال له : ارتددت على عقبيك تعربت فقال : لا ولكن رسول الله أذن لي في البدو فاعلم أن الهجرة افترضت أول الإسلام على أهل مكة ليكونوا مع النبي حيث حل من المواطن ينصرونه ويظاهرونه على أمره ويحرسونه ولم تكن واجبة على الأعراب أهل البادية لأن أهل مكة يمسهم من عصبية النبي في المظاهرة والحراسة ما لا يمس غيرهم من بادية الأعراب وقد كانوا المهاجرون يستعيذون بالله من التعرب وهو سكنى البادية حيث لا تجب الهجرة وقال في حديث / سعد بن أبي وقاص عند مرضه بمكة اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم ومعناه أن يوفقهم لملازمة المدينة وعدم التحول عنها فلا يرجعوا عن هجرتهم التي ابتدأوا بها وهو من باب الرجوع على العقب في السعي إلى وجه من الوجوه وقيل أن ذلك كان خاصا بما قبل الفتح حين كانت الحاجة داعية إلى الهجرة لقلة المسلمين وأما بعد الفتح وحين كثر المسلمون واعتزوا وتكفل الله لنبيه بالعصمة من الناس فإن الهجرة ساقطة حينئذ لقوله لا هجرة بعد الفتح وقيل سقط إنشاؤها عمن يسلم بعد الفتح وقيل سقط وجوبها عمن أسلم وهاجر قبل الفتح والكل مجمعون على أنها بعد الوفاة ساقطة لأن الصحابة افترقوا من يومئذ في الآفاق وانتشروا ولم يبق إلا فضل السكنى بالمدينة وهو هجرة فقول الحجاج لسلمة حين سكن البادية ارتددت على عقبيك تعربت نعى عليه في ترك السكنى بالمدينة بالإشارة إلى الدعاء المأثور والذي قدمناه وهو قوله لا تردهم على أعقابهم وقوله تعربت إشارة إلى أنه صار من الأعراب الذين لا يهاجرون وأجاب سلمة بإنكار ما ألزمه من الأمرين وأن النبي أذن له في البدو ويكون ذلك خاصا به كشهادة خزيمة وعناق أبي بردة أو يكون الحجاج إنما نعى عليه ترك السكنى بالمدينة فقط لعلمه بسقوط الهجرة بعد الوفاة وأجابه سلمة بأن اغتنامه لإذن النبي أولى وأفضل فما آثره به واختصه إلا لمعنى علمه فيه وعلى كل تقدير فليس دليلا على مذمة البدو الذي عبر عنه بالتعرب لأن مشروعية الهجرة إنما كانت كما علمت لمظاهرة النبي وحراسته لا لمذمة البدو فليس في النعي على ترك هذا الواجب دليل في مذمة التعرب والله .
وقال رحمه الله : أن أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر والسبب في ذلك أن أهل الحضر ألقوا جنوبهم على مهاد الراحة والدعة وانغمسوا في النعيم والترف ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى واليهم والحاكم الذي يسوسهم والحامية التي تولت حراستهم واستناموا إلى الأسوار التي تحوطهم والحرز الذي يحول دونهم فلا تهيجهم هيعة ولا ينفر لهم صيد فهم غارون آمنون قد ألقوا السلاح وتوالت على ذلك منهم الأجيال وتنزلوا منزلة النساء والولدان الذين هم عيال على أبي مثواهم حتى صار ذلك خلقا يتنزل منزلة الطبيعة وأهل البدو لتفردهم عن المجتمع وتوحشهم في الضواحي وبعدهم عن الحامية وانتباذهم عن الأسوار والأبواب قائمون بالمدافعة عن أنفسهم لا يكلونها إلى سواهم ولا يتقون فيها بغيرهم فهم دائما يحملون السلاح ويتلفتون عن كل جانب في الطرق ويتجافون عن الهجوع إلا غرارا في المجالس وعلى الرحال وفوق الأقتاب ويتوجسون للنبات والهيعات ويتفردون في القفر والبيداء مدلين ببأسهم واثقين بأنفسهم قد صار لهم البأس خلقا والشجاعة سجية يرجعون إليها متى دعاهم داع أو استنفرهم صارخ وأهل الحضر مهما خالطوهم في البادية أو صاحبوهم في السفر عيال عليهم لا يملكون معهم شيئا من أمر أنفسهم وذلك مشاهد بالعيان حتى في معرفة النواحي والجهات وموارد المياه ومشارع السبل وسبب ذلك ما شرحناه وأصله أن الإنسان ابن عوائده ومألوفه لا ابن طبيعته ومزاجه فالذي ألفه في الأحوال حتى صار خلقا وملكه وعادة تنزل منزلة الطبيعة والجبلة واعتبر ذلك في الآدميين تجده كثيرا صحيحا والله يخلق ما يشاء انتهى .
ومما يبدو لي أن ابن خلدون أراد الموغلين بالحضارة مثل أهل الأمصار القديمة مصر والشام من البيزنطيين وغيرها من البلاد المتحضرة أما أهل نجد وتهامة وعموم الجزيرة العربية فقروية يشاركون بواديهم بأغلب الخصال من مرءة وكرم وشجاعة وغيرها وقد أنصف أحد المستشرين أمراء عقيل من أهل القرى ومن معهم من الرعاة من أبناء البادية عندما قال : ( إنهم وإبلهم كأنما قطعوا من صخرة واحدة ) والمدينة المنورة قرية في بداية الإسلام ومع ذلك فمنها بدأ النفاق في شخص / عبدالله بن أبي بن سلول ومن اتبعه وقال تعالى : ( ومن أهل المدينة من مردوا على النفاق .... الاّية ) وممن أنصف الفئتين في نجد الشاعر الفارس الأمير / بداح بن بشر العنقري رحمه الله وأسكنه فسيح جناته أمير قرية ثرمداء عاصمة الوشم والمقتول عام : 1139 هجري عندما قال :-
الطيب ما هو بس للظاعنينا= الطيب قسم للوجيه المغاليح
البدو واللي بالقرى نازلينا = كل عطاه الله من هبة الريح
والقروي والبدوي يتمتعون بصفاة كثيرة مشتركة ويزيد عليها البدوي بصفاة خاصة به دون غيره وفي كل خير ألا ترى أن صرحاء العرب يذهبون بأبنائهم إلى البادية ليقسوا عودهم وخير مثال حي أمامنا سيد ولد اّدم ولا فخر رسول الله / محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم والذي استرضع في بني سعد وافتخر بذلك وغيره الكثير من السلف الصالح ومنهم الإمام / الشافعي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته تربى في هذيل ومن البوادي من تعلم وأصبح يضاهي بل ويتفوق على القروي وقد رأيت ذلك ولمسته بنفسي ومنهم الطيار والمهندس والدكتور والقاضي والأديب وخير مثال للأدب الأديب / حسين بن سرحان العتيبي رحمه الله وتأمل يا رعاك الله كلام / ابن خلدون وأن المقصود به ليس الحاضرة في نجد وما شابهها من الأقاليم في الجزيرة العربية :-
أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر وسببه أن النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيئة لقبول ما يرد عليهما وينطبع فيها من خير أو شر قال كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه وبقدر ما سبق إليها من أحد الخلقين تبعد عن الآخر ويصعب عليها اكتسابه فصاحب الخير إذا سبقت إلى نفسه عوائد الخير وحصلت لها ملكته بعد عن الشر وصعب عليه طريقه وكذا صاحب الشر إذا سبقت إليه أيضا عوائده وأهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ وعوائد الترف والإقبال على الدنيا والعكوف على شهواتهم منها وقد تلونت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق والشر وبعدت عليهم طرق الخير ومسالكه بقدر ما حصل لهم من ذلك حتى لقد ذهبت عنهم مذاهب الحشمة في أحوالهم فتجد الكثير منهم يقذعون في أقوال الفحشاء في مجالسهم وبين كبرائهم وأهل محارمهم لا يصدهم عنه وازع الحشمة لما أخذتهم به عوائد السوء في التظاهر بالفواحش قولا وعملا وأهل البدو وإن كانوا مقبلين على الدنيا مثلهم إلا أنهم في المقدار الضروري لا في الترف ولا في شيء من أسباب الشهوات واللذات ودواعيها فعوائدهم في معاملاتهم على نسبتها وما يحصل فيهم من مذاهب السوء ومذمومات الخلق بالنسبة إلى أهل الحضر أقل بكثير فهم أقرب إلى الفطرة الأولى وأبعد عما ينطبع في النفس من سوء الملكات بكثرة العوائد المذمومة وقبحها فيسهل علاجهم من علاج الحضر وهو ظاهر وقد يتوضح فيما بعد أن الحضارة هي نهاية العمران وخروجه إلى الفساد ونهاية الشر والبعد عن الخير فقد تبين أن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر والله يحب المتقين . وقد أوصى الملهم من أمة / محمد فاروق الإسلام والمسلمين الخلفة الراشد أبو حفص / عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه في اّخر أيامه بالأعراب خيرا معللا ذلك بأنهم مادتكم أي أصلكم ويفهم التفضيل من فحوى حديث : ( للفارس سهمان ) إذ أن جل البوادي إن لم يكن كلهم فرسان بعكس أهل القرى والذين لم يولي أغلبهم الخيل بالعناية من صدر الإسلام وإلى اليوم .
فضائل ومميزات حياة البادية والبداوة والبدو ( مقدمة / ابن خلدون ) :-
تعتبر البادية وحياة البادية رغم بساطتها فى بعض الأمور وقسوتها فى أمور أخرى منشأ الأنبياء والحكماء وملجأ للصالحين والزهاد والعباد فمن جهة كونها منشأ الأنبياء والحكماء يروى عن / أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله علية وسلـم قال : ( ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم " فقال أصحابه وأنت " فقال نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة ) رواه / البخاري ومفهوم أن رعى الغنم لا يكون إلا فى البوادي ومن جهة كون البادية ملجأ وملاذ للصالحين والزهاد والعباد فيتأكد هذا المعنى بالأحاديث النبوية التالية :-
عن / أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال : قال رجل : أي الناس أفضل يا رسول الله ؟ قال : ( مؤمن مجاهد بنفسه وماله فى سبيل الله ) قال : ثم من ؟ قال : ( رجل معتزل فى شعب من الشعاب يعبد ربه ) وفى رواية( يتقى الله ويدع الناس من شرة ) متفق علية وعنة قال : قال رسول الله صلى الله علية وسلم : ( يوشك أن يكون خير مال المسلم ) رواه البخاري وعن / أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه فى سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعه أو فزعة طار علية يبتغى القتل أو الموت مظانة أو رجل فى غنيمة فى رأس شعفة من هذه الشعف أو بطن واد من هذه الأودية يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين ليس من الناس إلا فى خير ) رواه مسلم
وحياه البداوة فى تاريخ الإنسانية أقدم من حياة الحضر وفى ذلك يقول العلامة / ابن خلدون فى مقدمته تحت عنوان " البدو أقدم من الحضر وسابق علية " أن البدو هم المقتصرون على الضروري فى أحوالهم وعوائهم وأن الحضر هم المعتنون بحاجات الترف فى أحوالهم وعوائهم ثم يقول : ( فخشونة البداوة قبل رقة الحضارة أما عن صفات البدو أنفسهم فأهمها القرب إلى الخير والشجاعة إلى جانب الكرم والجوده والأمانة وفى هذه المعاني يقول / ابن خلدون فى مقدمته تحت عنوان " أهل البدو أقرب الى الخير من أهل الحضر" :-
أن النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت مهيأة لقبول ما يرد عليها وينطبع فيها من خير أو شر فإذا سبق أحد الخلقيين إلى النفس تبعد عن الآخر ويصعب عليها اكتسابه فصاحب الخير إذا سبقت إلى نفسه عادات الخير وحصلت له ملكتها بعد عن الشر وصعب علية طريقة وكذلك صاحب الشر إذا سبقت إلى نفسة عادات الخير وحصلت له ملكتها بعد عن الشر وصعب علية طريقة وكذلك صاحب الشر إذا سبقت إلى نفسة عادات الشر بعد عن الخير وصعب علية طريقة وأهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملذات وعادات الترف والإقبال على الدنيا والعكوف على شهواتهم منها تتلون نفوسهم بكثير من مذمومات الأخلاق والشر والبدو وان كانوا مقبلون على الدنيا مثل أهل الحضر ألا أن هذا الإقبال يكون فى المقدار الضروري لا في الترف، ولا شيء من أسباب الشهوات والملذات ولأنهم أقرب إلى الفطرة الأولى فهم أبعد عما ينطبع فى النفس من سؤ الملكات والعادات المذمومة والقبيحة ويقول / ابن خلدون فى مقدمته تحت عنوان " أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر " :-
والسبب فى ذلك أن أهل الحضر ألقوا جنوبهم على مهاد الراحة والدعة وانغمسوا فى نعيم الترف ووكلوا أمورهم فى المدافعة عن أحوالهم وأنفسهم إلى واليهم والحاكم الذي يسوسهم والحامية التى تولت حراستهم فهم آمنون قد ألقو السلاح وتوالت على ذلك أجيال وأما أهل البدو لتفردهم عن المجتمع وتوحشهم فى الضواحي وبعد عن الحامية وانتباذهم عن الأسرار والأبواب قائمون بالمدافعة عن أنفسهم لا يوكلونها لسواهم فهم دائما يحملون السلاح ويتفردون فى القفر والبيداء مدلين ببأسهم واثقين بأنفسهم وقد صار لهم البأس خلقا والشجاعة سجية يرجعون إليها متى دعاهم داع أو استفزهم صارخ وأهل الحضر إذا خالطوا البدو فى بادية أو صاحبوهم فى معرفة النواحي والجهات وموارد المياه والسبل والطرق ولفضائل البادية والبداوة والبدو فقد كان الخلفاء والأمراء فى عصور الحضارة الإسلامية يدفعون بأبنائهم إلى البادية لاكتساب صفات الشجاعة والفروسية وحتى تشتد سواعدهم وتقوى عزائمهم وتأهيلهم لتحمل المشاق والمسئوليات الجسام كما كان الآباء الذين يريدون لأبنائهم أن يكونوا من الشعراء يرسلون أبنائهم إلى البادية لتعلم اللغة ولتستقيم ألسنتهم وتصح مترادفاتهم وتصفوا قرائحهم وبالنسبة لبعض الأقوال الشرعية التى وردت فى ذم التعرب وهو سكنى البادية فقد أشار إليها العالم الفقيه / عبدالرحمن بن خلدون معتبرا أنها ليست دليلا على مذمة ( البداوة ) والتي عبر عنها بالتعرب وساق / ابن خلدون أدلة كثيرة منقولة ومعقولة تؤكد عدم مذمة البداوة والبدو وأشار أن النهى عن التعرب أو سكنى البادية كان مرتبط بوقت معين وظروف معينة وهى ظروف وجوب الهجرة على المسلمين وملازمة المدينة المنورة مع النبي صلاه الله علية وسلم .
وعن النصر والغلبة وأثر البداوة فيها عند / مضر وغيرها من كتاب تاريخ العلامة / ابن خلدون رحمه الله وأسكنه فسيح جناته حيث قال : كان شرح الإمام الحافظ رحمه الله تعالى عن أثر البداوة والغلظة في تحفيز النصر وتغيير المعادلات العسكرية على النفس البشرية " ... وكذلك الآدمي المتوحش إذا أنس وألف وسببه أن تكون السجايا والطبائع إنما هو عن المألوفات والعوائد وإذا كان الغلب للأمم إنما يكون بالإقدام والبسالة فمن كان من هذه الأجيال أعرق في البداوة وأكثر توحشاً كان أقرب إلى التغلب على سواه إذا تقاربا في العدد وتكافآ في القوة والعصبية وانظر في ذلك شأن / مضر مع من قبلهم من / حمير و / كهلان السابقين إلى الملك والنعيم، ومع / ربيعة المتوطنين أرياف العراق ونعيمه، لمَّا بقي / مضر في بداوتهم وتقدمهم الآخرون إلى خصب العيش وغضارة النعيم، كيف أرهفت البداوة حدهم في التغلب، فغلبوهم على ما في أيديهم وانتزعوه منهم وهذا حال بني طيىء وبني عامر بن صعصعة وبني سليم بن منصور من بعدهم، لما تأخروا في باديتهم عن سائر قبائل / مضر واليمن ولم يتلبسوا بشيء من دنياهم، كيف أمسكت حال البداوة عليهم قوة عصبيتهم ولم تخلفها مذاهب الترف حتى صاروا أغلب على الأمر منهم وكذا كل حي من العرب يلي نعيماً وعيشاً خصباً دون الحي الآخر فإن الحي المتبدي يكون أغلب له وأقدر عليه إذا تكافآ في القوة والعدد سنة الله في خلقه " وكان شرحه رحمه الله في سياق انتصار أمة بني عامر وبني سليم وقبائل اليمن في العراق وشمال أفريقية في سنوات قلال وفي فترة وجيزة مسحت فيها معالم كانت تسمى ممالك ولا يقف كلام الإمام إلى هذا المعنى فط وإنما ينساق إلى الإلتزام بالدين وبالعقيدة الصحيحة وهو ما حصل بالفعل عندما ملكهم الفاطميين شمال أفريقية على أساس أن يدينوا لهم بالولاء وأن يدعوا لهم فوق المنابر ولكنهم أخذوا الملك ولم يسبوا الصحابة ولم يدينوا يقبلوا بالبدعة منهاجا وصدق الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه حين قال : لا يزال الله يعز الإسلام ما أعز الله قيس ألا إن قيس فرسان الله في أرضه أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه . هذا والله يحفظكم ويرعاكم منقول بتصرف يسير مع خالص التحية وأطيب الأمنيات وأنتم سالمون وغانمون والسلام .