بسم الله الرحمن الرحيم
ياربّ إنْ عَظمت ذُنوبي كَثْرةًً
فلقد عَلِمتُ بأنَّ عَفْوَك أعْظَمُ
إن كان لا يَرْجوك إلا مُحْسِنٌ
فَبِمـن يَلوذ ويستجيرالمُجْرِمُ
أدْعُوك ربِّ كماأمرتَ تَضرُّعاً
فإذا رَدَدْتَ يدِي فمن ذا يَرْحم
مالي إليك وسيلةٌ إلا الرّجـا
وجَميلُ عَفـوك ثم أني مُسْلِمُ
يقول أحد الدعاة حدثني صاحبلي .. قال : كنت ذاهباً إلى إحدى الدول العربيةلمهمة
تستغرق يوماً واحداً وبعد أن أنهيتمهمتي , عدت إلى المطار استعداداً للإياب وكلِّي تعب ونصب من هذه الرحلة التي ماذقت فيها النوم إلا غفوات ..
فالتفتُّ يمنة ويسرة وبحثت عن المسجد لأصلِّي , فوجدت في المطارمكاناً أُعِدَّ للصلاة .. فذهبت إليه ونمت نوماً عميقاً , وقبيل الظهر استيقظت علىبكاء شاب يصلي ويبكي بكاءً مريراً , قال : فعدت لنومي وقد أعياني التعب والنصب , ثمدنا ذلك الباكي مني بعد لحظات , وأيقظني للصلاة , ثم قال : هل تستطيع أن تنام؟
قال : قلت : نعم , قالالشاب : أما أنا فلا أقدر على النوم , ولا أستطيع أن أذوق طعمه , قال : قلت : نصليوبعد الصلاة يقضي الله أمراً كان مفعولاً ، قال : ثم أقبلت عليه بعد ذلك ,فقلت : ما شأنك ؟؟
قال الشاب : أنا من الرياض ومن أسرة غنية كل ما نريده مهيأ لنامن المال والملبس والمركب .. ولكنني مللت الروتين والحياة .. فأردت أن أخرج خارجالبلاد ثم أجَّلت النظر هل أذهب إلى دولة يذهب إليها الناس , فاخترت بين دول عدةهذه البلاد التي أنا وإياك في مطارها حتى لا يعرفني أحد وما كان همي فعل فاحشة بللعب وضياع وقت ولهو وتفسح .
ولما وصل هذا الشاب إذا برفقة سوء قد أحاطت به إحاطة السوار بالمعصم .. فاطمأن إليها بادئ الأمر وما زالوا معه من فساد إلى فساد ومن عبث إلى عبث حتىأتوا به إلى خطوات الزنا مع الجواري والفتيات الغانيات الفاجرات ..
وما زالوا به حتى انفرد بواحدةٍ منهن وما زالت تلاعبه حتى وقع عليهاوزنى بها .. ولما بلغ به الأمر مبلغه وبلغت فيه الشهوة ذروتها وأخرج ما في جوفه إذابحرارة تلسع قلبه وتضرب ظهره ..
وبدأ يبكي ويصيح : زنيتولأول مرة .. كيف هتكت هذا الجدار والسور المنيع من الفاحشة .. إني سأحرم حور الجنةوبدا عليه شأن وأمر غريب وعجيب وخرج من الباب باكياً .
وإذا بفاجر يقابله فقال له : ما لك تبكي ؟ قال الشاب : ولِمَ لا أبكي، لقد زنيت ، فقال له : الأمر هيِّن خذ كأساً من الخمر تنس ما أنت فيه ، قال الشاب : أما يكفيك أني زنيت تريد أن تحرمني خمر الجنة , فقال له : إن الله غفور رحيم .
ونسي هذا العابث أنالله شديد العقاب .. أعدَّ للمجرمين ناراً تلظى .. تقاد بسبعين ألف زمام مع كل زمامسبعون ألف ملك , إذا رأت المجرمين سمعوا لها تغيَّظاً وزفيراً وشهيقاً .
ثمأخذ الشاب يبكي من حرقة ما أصابه .. ويقول لصاحبه الذي في المطار : يا ليتهم أخذوامالي .. لقد مضوا بي إلى الزنا .. لقد أفسدوا وكسروا ديني وإيماني .. فقال صاحبنا : أتلو عليك آية من كلام الله .. فلتسمع ..وتلا عليه قول الله تعالى :
( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن اللهيغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم ) .
فأجاب ذلك التائب الذي بلغت التوبة في قلبه ذلك المبلغ قال : كلٌيغفر له إلا أنا , ألا تعلم أني زنيت .. ثم سأل الشاب صاحبه : هل زنيت ؟ قال : لاوالله ، قال : إذن أنت لا تعلم حرارة المعصية التي أنا فيها .
قال : وما هي إلا لحظاتحتى أعلن مناد المطار إقلاع الرحلة التي سأعود معها بإذن الله إلى الرياض .. فأخذتعنوانه ثم ودعته وانصرفت .. وأنا واثق أن ندمه سيبقى يوماً أو يومين ثم ينسى ما فعل , وبعد أيام من رجوعي إلي الرياض إذ به يتصل بي ..
واعدته ثم قابلته فلما رآني انفجر باكياً وهو يقول : والله منذُفارقتك وفعلت فعلتي تلك ما تلذذت بنوم إلا غفوات .. ما قولي أمام الله يوم أنيسألني ويقول : عبدي زنيت أقول نعم زنيت وسرت بقدماي هاتين إلى الزنا ، فقال صاحبههوِّن عليك إن رحمة الله واسعة .
فقال ذلك الشاب لصاحبنا هذا ما جئتك زائراً .. ولكني جئتك مودعاًولعلي ألقاك في الجنة إن أدركتني وإياك رحمة الله .. قلت : إلى أين تذهب ؟ قال : أُسلم نفسي إلى المحكمة وأعترفُ بجرم الزنا حتى يقام حد الله عليّ .
قال : قلت له : أمجنونأنت أنسيت أنك متزوج .. أنسيت أن حد الزاني المحصن هو الرجم بالحجارة حتى الموت .. قال : ذاك أهون على قلبي من أن أبقى زانياً وألقى الله زانياً غير مطهر بحد منحدوده .
قال صاحبه : أما تتقي الله .. أُستر على نفسك وأسرتك وجماعتك .. قال الشاب : هؤلاء كلهم لا ينقذونني من النار وأنا أريد النجاة من عذاب الله .. قالالصاحب : فضاقت بي المذاهب وأخذته وقلت له : أريد منك شيئاً واحداً فقال التائب : اطلب كل شيء إلا أن تردني عن تسليم نفسي إلى المحكمة .
قال : غير ذلك أردت منك .. قال الشاب : ما دام الأمر كذلك فأوافقك .. قال صاحبه : امدد يدك عاهدني بالله أنتعمل وتصبر لما أقول قال : نعم .. فعاهدني .. قلت له : نتصل بالشيخ فلان من كبارالعلماء وأتقاهم لله حتى نسأله في شأنك فإن قال : سلّم نفسك إلى المحكمة فأنا الذيأذهب بك إلى المحكمة .. وإن قال لا فلا يسعك إلا أن تسمع وتطيع قال : نعم .
فسألنا الشيخ فقال : لا يسلم نفسه , ولكن هذا الشاب لم يهدأ بل ظليتصل بالشيخ مراراً يريد أن يقنعه بتسليم نفسه ويجادل ويصر ويلح على ذلك .. قالصاحبه : فلما قابلته قلت له : لماذا أزعجت الشيخ بهذا الاتصال وأنا الذي قد كفيتكمئونة الاتصال به ، فقال : أحاول أن أقنعه لعله أن يأمرني أو يوافقني على تسليمنفسي .
قال : ومن كلام هذاالشاب للشيخ : اتق الله يا شيخ وأنا أتعلق برقبتك يوم القيامة وأقول يا رب إني أردتأن أسلِّم نفسي ليقام حدّ الله عليّ فردني ذلك الشيخ ، فقال الشيخ : هذا ما ألقىالله به وما أفتيتك إلا عن علم .
ثم قال الشاب التائب لهذا الصاحب : إني أودعك قال : إلى أين ؟قال : أريد الحج وكان الحج وقتها قريباً ، فطلب هذا الصاحب من الشاب أن يحج معه ومعإخوانه .. فقال : لا وظن صاحبه أنه قد اختار رفقة ليحج معهم .
قال : فلما قضينا مناسكنا وعدنا إلى الرياض قابلته فسألته فقال : لقدحججت وحدي وتنقلت بين المشاعر على قدمي لعل الله أن ينظر إليّ ذاهباً من منى إلىعرفة أو واقفاً على صعيد عرفة أو ذاهباً إلى مزدلفة أو ماضياً إلى الجمرات لعل اللهأن ينظر إليّ فيرحمني .
ولقد كان هذا التائب يقول في حجه : أخشى ألا يغفر الله لمن حوليلشؤم ذنبي ، وتارة يقول : لعل الله أن يرحمني بهؤلاء الجمع المسبِّحين الملبِّين .. قال صاحبي ولقد دامت الصلة والزيارات بيني وبينه , ولقد حفظ هذا الشاب التائبالقرآن كله بعد الحج وأصبح يصوم يوماً ويفطر يوماً .
قال الصاحب : وإننيرأيت أحد العلماء فأخبرته بقصة هذا التائب وما كان منه من انكسار وإنابة وصياموقيام وحفظ للقرآن فقال هذا العالم : لعل زناه هذا قد يكون سبباً لدخول الجنة ولعلبعض الآيات تصدق في حقه ، قال تعالى :
( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم اللهإلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلدفيه مهاناً * إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدِّل الله سيئاتهم حسناتوكان الله غفوراً رحيماًْ }الفرقان
قال الصاحب : لما سمعتهذه الآية عجبت وقلت : كيف غفلت عن هذه الآية .. فولَّيت إلى بيت صاحبنا في دارأبيه العامرة في قصر أبيه الفسيح .. ذهبت إليه لأبشره فقال أهله : إنه في المسجدفذهبت إليه فوجدته منكسراً تالياً للقرآن ..
فقلت له : عندي لك بشرىقال : ما هي ؟ قال : فقرأت عليه : (والذين لا يدعون مع اللهإلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون قال : فلما بلغت هذهالكلمة كأني أطعنه بخنجر في قلبه قال : فمضيت تالياً : ومن يفعل ذلك يلقَ آثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحاًفأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيما ) .
قال : فلما أكملت هذه الآية قفز فاحتضنني وقبَّل رأسي وقال : واللهإني أحفظ القرآن ولكن كأني أقرأها لأول مرة ثم أذن المؤذن فانتظرنا إقامة الصلاةوغاب الإمام ذاك اليوم فقام مؤذن المسجد وقدّم صاحبنا التائب .
فلما كبَّر وقرأالفاتحة تلا قول الله : ( والذين لا يدعون مع الله إلهاآخر ) فلما بلغ ْ ( إلا من تاب ) لم يستطع أنيكملها فركع ، ثم اعتدل ثم سجد ، ثم اعتدل ، ثم سجد ، ثم قام فقرأ في الركعةالثانية الفاتحة وأعاد الآية يريد أن يكملها فلما بلغ (إلا منتاب وآمن ) .. لم يستطع أن يكملها فركع وأتم صلاته باكياً .
قال الصاحب : وهكذا مضى على هذا الحال زمناً إلى أن جاء يوم منالأيام وكان يوم جمعة وبعد العشاء من ذلك اليوم اتصل بي رجل .. فقال أنا والد صاحبكأحمد وأريدك في أمر مهم أريدك أن تأتي إليّ مسرعاً .
قال : فخرجت مسرعاًخائفاً فلما بلغت دار قصره إذا بالأب واقف على الباب فسألته ما الخبر؟
قال : صاحبك أحمد يطلبك السماح يودعك إلى الدار الآخرة لقد انتقلمغيب هذا اليوم إلى ربه .. ثم انفجر الأب باكياً ..
يقول الصاحب واسمه أحمدأيضاً وأنا أُهوِّن عليه .. وبقلبي على فراق حبيبي وصديقي مثل الذي بقلب والده .. ثم أدخلني في غرفة كان الشاب فيها مسجَّى فكشفت عن وجهه فإذا هو يتلألأ نوراً ..
كشفت وجهاً قد فارق الحياة .. ولكنه أنور وأبهى وأبهج وأجمل من قبلموته .. وجهٌ كله نور .. ورأيت محياً كله سرور .. قال الصاحب : فقال لي والده : ماالذي فعل ولدي ؟ فمنذُ أن جاء من السفر وهو على هذا الحال؟
فقال الصاحب : إن ولدكيوم أن سافر فقد عزيزاً عليه في سفره ذلك , نعم والله .. فقد في تلك اللحظة إيماناًعظيماً .. فقد في لحظة الزنا إخباتاً وإقبالاً وأي شيء أعز من ذلك , وأما زوجة هذاالتائب فتقول : إن نومه كان غفوات وما استغرق في نوم بعد رجوعه من السفر وهم لايعرفون حقيقة القصة ..
قال الصاحب: فسألت والده عن موته فقال الأب : يا أحمد إن ولدي هذاكما تعلم يصوم يوماً ويفطر يوماً .. وفي يوم الجمعة هذا بقي عصر يومه في المسجديتحرى ساعة الإجابة وقبيل المغرب ذهبت إليه فقلت يا أحمد .. تعال أفطر في البيت .. فقال الابن التائب : يا والدي أحس بسعادة فدعني الآن .. وأرسلوا لي ما أفطر عليه فيالمسجد , قال : الأب : أنت وشأنك .
وبعد الصلاة قال الأبلولده : يا ولدي هيّا إلى البيت لتنال عشائك .. فقال الابن : إني أحس براحة عظيمةالآن وأريد البقاء في المسجد وسآتيكم بعد صلاة العشاء .. فقال الأب : أنت وماأردت.
ولما عاد الأب إلى المنزل أحسَّ بشيء يخالج قلبه ، يقول الوالد : فبعثت ولدي الصغير فقلت اذهب إلى المسجد وانظر ما الذي بأخيك ؟ فذهب الولد وعادصارخاً يا أبتي يا أبتي .. أخي أحمد لايكلمني.
يقول الأب : فخرجت مسرعاً إلى المسجد فوجدت ولدي أحمد ممدوداً وهو فيساعة الاحتضار .. وكان يتكئ على مسند يرتاح في خلوته بربه واستغفاره وتلاوته ، قالالأب : فأبعدت عنه المتكأ الذي يتكئ عليه وأسندته إليّ .. فنظرت إليه فإذا هو يذكراسم صاحبه أحمد الذي حدّث بقصته وكأنه يوصي بإبلاغ السلام عليه , ثم إن هذا التائبابتسم ابتسامة في ساعة الاحتضار يقول أبوه :
والله ما ابتسم ابتسامة مثلها من يوم أن جاء من سفره ، ثم قرأ في تلكاللحظة التي يحتضر فيها :
( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم اللهإلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلدفيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) .
قال فلما بلغ هذهالكلمة فاضت روحه وأسلمها إلى باريها ..
أسألكم صالح الدعاء ،،،،
منقول