هذه هي نسخة G o o g l e المخبأة للعنوان
http://www.attasia.org/alminhaj/iss2/kotob_1.htm كما سُحبت في 15 مايو 2004 11:43:00 GMT.
نسخة G o o g l e المخبأة هي نسخة محفوظة من الصفحة الأصلية، تعكس وضعها لدى آخر مسح آلي للمواقع المفهرسة.
ولأن الصفحة معرضة للتحديث في أية لحظة; تستطيع النقر هنا لتشاهد الصفحة الأصلية بآخر تحديثاتها، لكن دون إضاءة مفردات البحث.
إن الصفحة المحفوظة قد تحتوي صوراً لم تعد موجودة. انقر هنا لتصفّح النص المحفوظ فقط
لإضافة هذا الموقع إلى المفضلة , أستخدم الوصلة التالية
http://www.google.com/search?q=cache:dE-f_...%84%D9%8A&hl=ar
Google ليس على علاقة بكاتب هذه الصفحة وهو كذلك غير مسؤول عما تحتويه.
لقد تم تمييز مفردات البحث التالية: الأعلام للزركلي
--------------------------------------------------------------------------------
للأستاذ: باسل أحمد حبيب الأتاسي
كتاب "بغية الناسي، والعقد الألماسي، في أنساب ومناقب السادة آل الأتاسي" من الكتب القيمة والمهمة في المضمون والأسلوب، والنادرة في المراجع التاريخية التي لا تستغني عن مثلها المكتبات الخاصة والعامة، وبترتيب مع مؤلفه الأستاذ الفاضل/ باسل أحمد حبيب الأتاسي، وبأذن خطي منه تبدأ "المنهاج" في نشر الكتاب على حلقات متوالية إن شاء الله. ونتوجه بالشكر والتقدير للمؤلف الفاضل على تعاونه واستجابته الفورية لنشر هذا الكتاب وفقا لما تراه اللجنة الإعلامية من حيث التوقيت والاختيار.
--------------------------------------------------------------------------------
الــــمــــقــــدمــــة
بسم الله الرحمن الرحيم، الذي هو بكل شيء عليم، والذي لا يحيط أحد بعلمه العظيم، إلا بحلول إرادة العلاّم الكريم، أما بعد، فهذا بحث عن الأسرة الأتاسية أحببت تصنيفه، وتاريخ عراقة أردت للناس تعريفه، بعثني على ذلك ما وقع تحت يدي من كتب وأسفار، هي عن أعلام الأتاسيين مليئة بالأخبار، ولا غرو، فمنهم العلماء الأخيار، العاملون بالخير الأبرار، الذين هم لتحصيل العلم في استمرار، ولطالبي المعرفة معالم ومنار، على مسائل العلم لهم كل اقتدار، بمرابعه هم في حمد واستقرار، من وقع منهم بفعل الخير كل ابتدار، من دفعوا بظلمات الجهل إلى تراجع وانحسار، من تشبعت مجالسهم بالمعارف والأذكار، ومنهم الأدباء الكبار، الدائبون على نظم القصائد والأشعار، المحْدثون ببديع بيانهم في العقول أشد الإنبهار، فكان لهم من أندادهم بتفوقهم كل إقرار، ومنهم الزعماء الأحرار، المحققون لأوطانهم كل عز وازدهار، اللاعبون على ساحات التاريخ أكبر الأدوار، العاملون على خدمة بلادهم بإصرار، من صدر لهم عن أناسهم كبير إجلال وعظيم إكبار، وحصل لهم الخير وشاءته لهم الأقدار، ولم يكن من التاريخ بمعروفهم أي تكذيب أو إنكار.
وقد نزل بي العجب، ولتفكيري كان قد نهب، لما رأيت من الأتاسيين من لا يعلمون لأنفسهم أصلاً، ولا يقومون لأرحامهم وصلاً، لجهلهم بمن كان لهم من أقارب، وما لهم من أفخر الأنساب وأعلى الأحساب، وأن لمجد أسلافهم أسمى الأسباب، فآثرت أن أكون حامل الأنباء، مخبراً إياهم بما في تاريخ أسرتهم من بهاء، وما بلغت أعمال أجدادهم من علاء وسناء، وما قاسوه في سبيل الحق من عناء، حتى تحقق لهم الخير وتذوقوا الهناء. وأنا إذ أقوم بعملي هذا لا أقصد أن أفضّل فريقاً من الأتاسيين على الآخر، ولا أنحاز لفرع منهم دون الباقي، فليس المنشود هو إنشاء الأحزاب، بل إعادة المودة بين الأحباب، بعد أن كان لها طول غياب، فليس كالمودة بين أولي الرحم مستطاب، وقد أزعجني ما نزل بأبناء الأسرة من ابتلاء، وقد بارحوا ما اشتد به تمسك الآباء، وما كانوا عليه للغتهم من ولاء، ولدينهم وعاداتهم من حب ووفاء، وأضحوا في سباق وراء النعماء، فيمموا وجوههم نحو قصي الأطراف، يطلبون من متاع الحياة ألواناً وأصناف، حتى غفلوا عن تربية الجديد من الأجيال، فشبت بين قوم غريبي الأطوار والأحوال، وقد وافتهم الدنيا بزينتها، وفتحت لهم أبواب علتها، فغرهم منها حصول الإنفراج، وما علموا أن ذلك إنما هو لهم استدراج.
وقسمت بحثي هذا إلى خمسة أقسام: أفردت في أولها مقولة أبي السعود الأتاسي فيما للأسرة من تاريخ في الإفتاء، وفصلت في ثانيها في أصل الأسرة وما في أنسابهم من شرف وعلياء، وتعرضت في ثالثها لتاريخ الأسرة على مر الدهور، وكيف كان لهم باع في صنع الأحداث وضبط الأمور، وجمعت في رابعها لتراجم أعلامهم، ومن اشتهر من أزلامهم، فذكرت ما ألمَّ بهم من شدائد، وما حصل بجهودهم من فوائد، وعلى من كانت سوابغ أياديهم عوائد، وكيف كان الجور بمساعيهم بائد، وبفضلهم غدا العدل أمراً سائد، وأوردت ما تفوهوا به من الفرائد، ولا عجاب، فكل منهم في حلبته رائد، ثم أوضحت في آخر الفصول ما كان لأجدادهم من فروع وأولاد، وفصّلت فيمن تفرع منهم من أفراد، راجياً من الله أن أكون قد أصبت بعملي هذا بعض السداد.
هذا، ويمكن تقسيم تاريخ الأسرة الأتاسية إلى أقسام ثلاثة: أولها تاريخ الأسرة في العهد العثماني، وفيها كانت لآل الأتاسي ريادة دينية وعلمية وأدبية تجلت في توليهم مناصب الفتوى والقضاء ونقابة الأشراف والتدريس في حمص وغيرها من مدائن الهلال الخصيب، وتمتد هذه الفترة من زمن دخول العثمانيين بلاد الشام عام 1516م، وقد زامن ذلك بداية ظهور الأتاسيين في حمص، إلى خروج الأتراك منها عام 1918م بقيام الثورة العربية، أي قرابة القرون الأربعة. وفي هذه الفترة برز نجم الأتاسيين كأعيان وزعماء لأهالي حمص يسعون لهم بحقوقهم ويدفعون جور الحكام عنهم، وقد كانوا خلال تلك المرحلة مشاعلاً في العلوم الدينية يقصدون لأخذ العلم عليهم، ولهم في نجابتهم ولوذعيتهم شهادة علماء عصرهم كما سيأتي في متن البحث.
أما القسم الثاني من تاريخ بني الأتاسي فيبدأ بظهور أول دولة عربية مستقلة في العصر الحديث تحت قيادة الملك فيصل الهاشمي عام 1918م، ويستمر إلى عهود قريبة، وقد اتخذ منحى سياسياً بحتاً مبتدئاً بمشاركة الأتاسيين في الثورة العربية وقيادتهم لها في الشام، ومن ثم قيادتهم للسوريين في صراعهم مع الإستعمار الفرنسي، إلى توليهم مناصب سياسية رفيعة في الدولة وبسط نفوذهم في حكم البلاد لعقود عديدة. وفي تلك الأثناء شهدت النواحي العلمية الدينية من زعامة الأتاسيين تراجعاً وقد وجهوا اهتمامهم في اتجاه القيادة الحكمية والسياسية، مع تواجد علماء وفقهاء بالشريعة منهم في كل الأزمان، إلا أن أهمية مركزهم أصبح نابعاً من مدى تأثيرهم ونفوذهم السياسي، لا من كونهم مرجعاً لطلاب العلم ومحط الإحترام والتقدير من الأواسط الدينية كما سبق أن كانوا لقرون طويلة، وهكذا أثّر الأتاسيون في تاريخ الدولة السورية وتركوا فيها معالماً وبصمات لا تمحى، وأمسى تاريخهم جزءاً من تاريخ بلادهم، وقد آل نفوذهم السياسي إلى الزوال في السبعينات من هذا القرن بعد أن تشتت أمرهم وحصر أعداؤهم نطاق تأثيرهم.
إلا أن الأتاسيين لا يزالون أكثر الأسرالسورية بل والعربية ثقافة وتنوراً وعلماً، وقد خرج منهم في العهود الحديثة علماء نوابغ في شتى المجالات العملية والعلمية كالكيمياء والطب والفيزياء والهندسة، وبلغ المتعلمون منهم وحاملوا الشهادات العليا في الطب والقانون والعلوم الحيوية وأساتذة الجامعات مراكز مهمة في البلاد التي هاجروا إليها في أوروبا والأمريكتين، وازدانت عشرات الدوريات العلمية العالمية بالمئات من مقالاتهم وأبحاثهم حتى لم يسبق لأسرة في العالم قبل الأسرة الأتاسية أن مُثِّل اسمها في مطبوعات العلم الحديث بشتى ألوانه. كما وكان منهم أدباء ومؤلفون وشعراء كُثُر، بل ولم يظهر جيل من الأتاسيين إلا وكان لهم شعراؤهم، وقد قل أن يتخرج من أسرة واحدة هذا الكم الهائل من المتعلمين والمثقفين، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن النجابة والألمعية لا تفنى وتندرس في الأجيال وإنما تنتقل من الأسلاف إلى الأخلاف، وإن اختلفت طرق ظهورها ووسائل إشعاعها من جيل إلى جيل. ومن هنا أردنا أن نجعل نبوغ أفرادهم العلمي والأدبي ولمعان نجمهم في تلك المجالات منذ السبعينات من هذا القرن وحتى يومنا هذا، مع أفول نجمهم الديني والسياسي، قسماً ثالثاً تمر به الأسرة في تاريخها الحافل، فتبرز وتتفوق وتترك أثراً كبيراً كسابق عهدها، فحري أن يُخلَّد اسمها، وجدير أن تتبوأ مكانة عالية بين رفيع الأسر.
هذا، وإن طرائق معرفتنا بتاريخ الأسرة الأتاسية في بلاد الشام تحت الحكم العثماني تأتي على الأنواع الآتية:
1) يوميات كتبها بعض أهالي مدينة ما يؤرخ فيها لأحداث عصره المهمة الي عاصرها ويذكرها كما تقع. وهذه التواريخ هي ذات أهمية كبيرة في معرفة التركيب الطبقي لسكان تلك المدينة وكيفية توالي الأحداث عليها، وجل هذه "المذكرات" تهتم بذكر أعيان المدينة وحكامها وعلمائها. إلا أن هذه المخطوطات تكون عادة قاصرة على مدينة المؤلف وحدها وإن كان فيها ذكر لمن نزلها ممن كان من غيرها من المدن من مشاهير العصر. كما أن هذه اليوميات قلما تذكر تراجم للشخصيات التي تتتبعها وكثيراً ما تترك ذكر أنساب وألقاب الأسر التي انتمت إليها تلك الشخصيات. وهذا يستدعي الرجوع إلى المصادر التاريخية الأخرى والمذكورة أدناه التي عنت بشخصيات العهد نفسه من التاريخ للتحقق من هوياتهم. ومن القصور في هذه "اليوميات" أيضاً أنها تغطي عادة قسماً يسيراً من الزمان لا يتعدى عقوداً قليلة ويقتصر على جزء من حياة المؤلف، فلا يكون فيها ذكر لحوادث العقود السابقة أو (اللاحقة بطبيعة الحال)، فيكون لذلك فهمنا لأسباب الحوادث المنوه بها محدوداً. أضف إلى ذلك أن كاتبيها هم عادة من الطبقة المحكومة الأقل شأناً والتي قد تحاول أن تكوِّن صلاتٍ مع الطبقة الحاكمة المحلية أو أن تصوّر المؤثرين غير المحليين بصورة أقل تشريفاً، وبذلك نجد شيئاً من التحيز أحياناً الذي قد يشوش بعض الحقائق. وحيث أن كاتبيها هم من الذين كان لهم حظ أقل من التعلم نرى في كثير من الأحيان كلمات عامية وأخطاءً لغوية. إلا أن التفصيل في ذكر حوادث الزمن في تلك التواريخ يجعلها من أهم المراجع التي لا غنى عنها. ونذكر على سبيل المثال من هذه التواريخ يوميات محمد المكي بن السيد بن الحاج مكي بن الخانقاه، والمسماة بتاريخ حمص.
2) كتب ترجم فيها واضعوها لأشهر أهل عصرهم التي قد تغطي ردحاً من الزمان طيلته قرن كامل، وبهذا فهي تتفوق على "اليوميات" من الناحية الزمنية. ففي كل قرن من العهد العثماني ظهر من صنَّف كتباً تذكر نبذاً عن حياة أعيان القرن ومناقبهم وآثارهم. وهي قد تغطي أكثر من قرن حيث أن كثيراً ممن ترجم لهم عاشوأ قسماً من حياتهم في القرن الخالي أو التالي. كما أن هذه الكتب تعمد عادةً إلى ذكر أنساب وألقاب وأصول المترجمين وتُعرِّف بآبائهم أحياناً مما يجعلها مصدراً مهماً في تقصي أسماء العوائل. أما من الناحية الجغرافية فأننا نجد أن معظم هذه المصنفات تغطي منطقة جغرافية واسعة لتشمل المناطق المجاورة بل والبعيدة وإن كان معظم اعتنائها هو بشخصيات المدن الأساسية وبالأخص تلك التي أتى منها المؤلف. كما أن معظم مؤلفي هذه المجلدات هم من أعلام عصرهم فمنهم المفتي والقاضي ونقيب الأشراف والمعلم المأخوذ عليه، وهم أبناء العائلات الكبيرة التي توارثت الوظائف الدينية فكان لها دور في تاريخ مناطقهم، لذا فإن اللغة المستعملة في هذه المؤلفات هي ذات طابعٍ أرقى ويكثر فيها الاستشهاد بالشعر. إلا أن ثمة عيب مؤثر نجده في مثل هذه الكتب: أن كثيراً مما يذكره المؤلف أتى به عن طريق السماع أو نقله عن غيره من المؤلفين، فلم يكن معاصراً لكثيرٍ من الأحداث التي يذكرها كما هو الحال في "اليوميات". وهذا من شأنه أنه أدخل أغلاطاً كثيرة وقلل من الدقة التاريخية التي نستمدها. وهذا كثيراً ما يظهر عندما ينقل المؤرخون الخطأ عن غيرهم أو عندما يجتهدون في جبر النقص في معرفتهم بإحدى الشخصيات والتي قد تكون جديدة على الساحة أو آتية من جهات قصية. فمن هذه المصنفات "خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر" للمحبي و"لطف السمر وقطف الثمر من تراجم أعيان الطبقة الأولى من القرن الحادي عشر" للغزي و"سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر" للمرادي و"حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر" للبيطار و"الأعلام الشرقية في المائة الرابعة عشرة الهجرة" لمحمد زكي مجاهد.
3) مصنفات وضعها مؤلفوها لذكر فضائل مدينتهم وتاريخها أو ليترجموا لمشاهيرها ومن نزلها من الأعلام على مر العصور الكثيرة. وكُتَّاب هذا النوع من المؤلفات هم ككتاب النوع السابق: من الطبقة المتعلمة الحاكمة، ينحدرون من أسر ذات شأن تولت الإفتاء أو نقابة الأشراف، ولهذا يتحكم فيها من رقي اللغة والتدقيق في الأنساب ما يتحكم بالنوع السابق. إلا أن الفترة الزمانية التي تغطيها هذه المؤلفات هي أطول وقد تبدأ بعصور خلت قبل عدة قرون من الزمان من بدء تأليفها. ولهذا فإن هذا النوع من المصادر يشوبه أيضاً أحياناً نوع من التشويه للحقيقة التاريخية لأن أصحابها اعتمدوا السماع والنقل عن الغير في سرد الأخبار. كما أن هذه المصنفات تكون عادة مقصورة على مدينة المؤلف أو مركزة عليها. ومن هذه المصنفات "منتخبات التواريخ لدمشق" للحصني و"درّ الحبب في أعيان حلب" للحنبلي.
4) كتب الرحلات: وهذه هي أوصاف لرحلات قام بها بعض مشاهير بلادهم لغرض التجارة أو الحج أو طلب العلم أو زيارة معالم البلاد المجاورة. وهذا النوع من المصادر هو ذو قيمة تاريخية جغرافية أكثر منها تاريخية زمنية، حيث أن هذه الرحلات لم تستغرق أكثر من أيام أو شهور ولكنها غطت مساحة واسعة من الأقاليم وفيها وصف للمدن المهمة وأطلالها ومزاراتها وتعليق المؤلفين على كل ذلك. وحيث أن معظم من قاموا بتسجيل رحلاتهم هم ذووا الشأن في بلادهم فإنهم كانوا يولون عناية خاصة بذكر نظائرهم الذين عاصروهم من مشاهير البلاد التي زاروها، وكثيراً ما كانوا ينزلون عند هؤلاء في مدنهم أو يدارسونهم العلم. ومن هذه الرحلات الموصوفة "الحقيقة والمجاز في رحلة بلاد الشام ومصر والحجاز" للنابلسي و"نفحة البشام في رحلة الشام" للقاياتي.
5) الوثائق المحكمية الشرعية، والأوقاف الأُسرية، ومشجرات العوائل المصدقة وسجلات النسب الممهورة، وهذه تأخذ طابعاً رسمياً بحيث تعتمد صحتها على أن شاهدين عدولاً صدقوا عليها. وقد انتشرت في الفترة الأخيرة ظاهرة الدراسة الوثائقية لتاريخ العالم الإسلامي بل والأوروبي نظراً لأهمية هذه الوثائق في دراسة الأحوال الإجتماعية واستنتاج العلاقة بين الحاكمين والمحكومين وتقصي أنساب وألقاب الأفراد من المشاهير وغيرهم. ونذكر من الكتب الكثيرة التي اعتمدت الوثائق في دراساتها التاريخية: "أسر حمص وأماكن العبادة: دراسة وثائقية" للزهراوي. وبالرغم أنه لم يتوفر لدينا في وقت كتابة هذا البحث أياً من هذه الوثائق، وقد أبعدتنا دنيا الاغتراب عن بلادنا، إلا أننا اطلعنا على بعض الكتب التي استعملت تلك المصادر وأوردت متون الوثائق أو تضمنت صوراً عنها.
هذه المصادر هي مكملة لبعضها البعض ولا غنى عن أي منها لمن أراد استقصاء الحقائق التاريخية واستخراجها عن طريق الاستنتاج السليم، وهذا كان منهجنا الذي اتبعناه في كتابنا هذا.
أما مصادر القسم الثاني من التاريخ الأتاسي فكانت على أنواع أربعة:
1) كتب مذكرات وأوراق السياسيين السوريين ممن عاصروا الأتاسيين إبان الثورة العربية والإحتلال الفرنسي وبعدهما، وفيها نوع من التفصيل والتحليل لا غنى عنه، إلا أننا آثرنا ترك التفاصيل الثانوية في تراجمنا للشخصيات الأتاسية المؤثرة حين تبين أن تلك المعلومات كان لها قليل الوقع أو عديمه على السياق العام للترجمة والتاريخ السوري.
2) كتب المؤرخين والتراجم، وهذه كثيرة جداً، وقد اعتمد بعض مؤلفيها النوع الأول من المصادر كجزء من مراجعهم.
3) المجلات والصحف والدوريات التي زامنت الأتاسيين من سياسيين وشعراء وأتت على ذكر الحوادث التي كان لهم دور فيها، أو نشرت قصائدهم ومقالاتهم.
4) المقابلات الشخصية مع بعض أفراد الأسرة الذين عاصروا بعض المترجمين من الأتاسيين في هذا الكتاب، وأخص بالذكر منهم جديّ لوالدي، قرة عيني زياد الأتاسي، وزوجته، أحب الخلق إلى قلبي، لمياء الأتاسي، وخالة والدي دلال الأتاسي، وعمي خليل الأتاسي، وقد زودني هؤلاء بأحاديث شيقة وأوراق لا يزالون يحتفظون بها، استعنت بها في بحثي هذا وكانت لي ذو إفادة جليلة، وأنا لهم ولفضلهم من الشاكرين.
وأخص بعميق شكري السيد الشريف الإمام مصطفى بن عبدالرحمن بن عبدالله العطّاس، الخليفة العام للطريقة العطّاسية، لإلقائه النور على البغية، وتزويده إياي بمعلومات عن أصول أسرة آل الأتاسي وطريق قرابتها وتفرعها عن الأسرة العطّاسية العلوية الحضرمية، وقد نقل إلي ما سمعه من آبائه الموقرين وعلماء أسرته الجليلين، وهذه المعلومات ما كانت لتتوفر لدي دون فضله وعلمه.
وأنا، إذ أقوم بكتابة هذه السطور، لا أدعي كوني أول مؤرخي الأسرة، إذ سبقني إلى ذلك كثير من علمائها، وأنا لا أبلغ من علم أي منهم وفضلهم مقدار ذرة. فمنهم من عمد إلى استعمال حساب الجمل في أشعارهم لتأريخ الحوادث المهمة كبناء الصروح، أو حصول أحد كبار العلماء على أحد المناصب العالية، أو وفاة أحد أعلام عصرهم، فمن هؤلاء جد جدي، أستاذ عصره، عالم بلاد الشام، شيخ الإسلام ومفتي الأنام، محمد خالد أفندي بن أبي الفتح محمد الثاني الأتاسي، صاحب المؤلفات الثمينة، ووالده، عالم الأوان وعين الأعيان، مفتي الديار الحمصية العلامة أبو الفتح محمد الثاني الأتاسي، وابنه المفتي الشاعر محمد الطاهر بن محمد خالد الأتاسي، وكذلك الشيخ العلامة والمربي الفهامة، محمد نجم الدين أفندي ابن العلامة النحرير محمد المحمود ابن العالم محمد الثاني الأتاسي، الشاعر المشهور ورأس الأعيان والصدور. ومن الأتاسيين من كان من المؤرخين والمؤلفين كالزعيم الكبير عمر بن يحيى بن سعيد الأتاسي قائد الثورة العربية في حمص والأديب المؤرخ. ومن الذين كتبوا في تاريخ الأسرة الأتاسية محمد أبو السعود ابن العالم المفتي عبداللطيف بن محمد الثاني الأتاسي، صاحب المقال الذي خصصنا له الفصل الأول من كتابنا هذا، والعلامة الوزير الشاعر الأديب، والمفوه الخطيب، محمد أبو الفرج فيضي بن علامة الشام المفتي محمد طاهر ابن العالم اللوذعي خالد الأتاسي، والذي زود صديقه الأديب المؤرخ المعروف، فؤاد أفرام البستاني، بنبذة عن تاريخ الأسرة الأتاسية وأصلها ليفرد لها الأخير مدخلاً في موسوعته الشهيرة "دائرة المعارف". ومن الأتاسيين من بذلوا جهوداً لتجميع وترتيب شجرة للأسرة، وأولهم السيد نافذ ابن طلعت الأتاسي، والذي قام بهذا العمل الجليل عام 1388 للهجرة، والموافق عام 1968 للميلاد.
وقد أردت بعملي هذا أن أُطلعَ من لم يطَّلع، وأُذَكِّرَ مَنْ على قهرِ النسيانِ لم يستطع، وأسميته "بغية الناسي والعقد الألماسي في أنساب ومناقب السادة آل الأتاسي"، أحببت به أن أخبرَ تلك الأجيال التي أهمل إخبارَها أهلوها، وعن معرفةِ أقاصيصِ أجدادها أعفوها، وما عارفٌ كريمَ أصلِهِ إلا فائز، تجده برفيع الخصال بارز، وهو عن الصغائر نافرٌ متباعد، وعلى شيم الأسلاف مقيمٌ لنفسه القواعد، يدفعه إلى المجد تقليدُ الأصول، فلا يقعده إحباطٌ ولا يعتريه خمول، وهو لمجد الأجداد مواصل ومتابع، وعزمه من شديد عزائمهم نابع، فوق بنائهم صرحه يرفع، وبعلومهم ينتفع وغيرَه ينفع.
هذا وإن تاريخ الأتاسيين لهو جزء من تاريخ أمتهم لا يتجزأ، من حضارتها أسمى الأماكن يتبوأ، ولذا فإن بحثي هذا ليس على تاريخ أسرة واحدة مقصور، والانتفاع به ليس بأبنائها محصور، وإنما فيه لغيرهم إفادة، ممن أراد على ما يعلم الزيادة، إذ يحوي الكثير من الأدب والأشعار، والمهم من الحوادث والأخبار، تلك التي كان من شأنها أن غيرت للتاريخ مجاريه، وأضفت أثراً على ما يعتريه، فما مر على الأتاسيين من الأحوال ليس عن غيرهم معزول، وما ألم بهم من أمور ليس عن سواهم مفصول، والحمد لله رب العالمين.
الفصل الأول
مخطوطة محمد "أبي السعود" الأتاسي:
التالي نقلته عن نسخة مصورة لما كتبه محمد أبو السعود بن المفتي عبداللطيف بن المفتي محمد الأتاسي (وهو من طبقة جد والدي) عن نسب الأسرة الأتاسية ومفتيها في حمص، وقد خطه بيده. وهذه هي المخطوطة الوحيدة من نوعها التي وصلتنا عن أحد أجداد العائلة في ذكر علماء آل الأتاسي. ولما كان عامل الزمن قد أنشأ في إتلاف الوثيقة فطمس بعض حروفها آثرت على نفسي أن أقوم بنقلها حفاظاً لها من الضياع وقد تعمدت حذف كلماتٍ قليلة لعدم وضوحها وأشرت إلى هذا في أمكنتها إلا أن هذا لم يكن له تأثير على المعنى العام وكان لي بعض التعليق على المخطوط.
"هذه نبذة من تاريخ أجدادنا بني الأتاسي أخذتها من التواريخٍ ومن خطِ بعض أسلافنا ومن أفواه المحققين منهم أحببت قيدها هنا ليطلع عليها أخلافنا:
ذكر عائلة بني الأتاسي المعروفين ببني الأطاسي:
اشتهرت هذه العائلة في عموم المدن السورية في العلم والمجد الموروثين(1) فقد خرج منهم فضلاء ونبغاء لا يحصون وتولى منصب الإفتاء منهم بمدينة حمص ثلاثة عشر مفتياً بزمن الدولة العثمانية التركية دولة الخلافة وأول من ولى منصب الإفتاء منهم فيما نعلمه الشيخ أحمد الأطاسي المترجم في تاريخي درر الحبب(2) وخلاصة الأثر(3) لابن الحنبلي والمحبي فقد ولاه السلطان سليمان القانوني منصب افتاء حمص سنة إحدى وستين وتسعمائة لما كان الخاقان بحلب كما في التاريخين المذكورين ثم توفي سنة أربع بعد الألف عن نيف تسعين عاماَ وأبوه خليل لم نطلع له على ترجمة وأما جده علي فهو العارف بالله تعالى وكراماته مذكورة في التاريخين المذكورين أيضاً وهو مدفون بجامع الدحية المعروف بجامع بني الأتاسي وقد توفي سنة تسعمائة وأربع عشر(4) وهو معروف عند بني الأتاسي بعلي الكبير ثم بعد وفاة الشيخ أحمد المشار إليه تولى منصب الإفتاء ولده محمد المحمود صاحب زور(5) المفتي الموقوف على عموم العائلة الأتاسية ثم بعد وفاته تولى منصب الإفتاء ولده الشيخ أحمد المتوفي سنة إحدى وستين وألف وقال بعض الشعراء في تاريخ وفاته كما في بعض المجاميع(6) قطب العارفين ثم تولى بعده ولده الشيخ محمد أفندي منصب الإفتاء وهو الذي ذكره العارف النابلسي في رحلته(7) أنه نزل ضيفاً عنده لما زار مدينة حمص وأثنى عليه ودعا له وجاء في بعض التواريخ المخطوطة لبعض الحمصيـين(8) أن الشيخ محمد المومى إليه توفى سنة ألف ومائة وعشرة ولم يخلف ولداً ذكراً وكان بينه وبين ابراهيم آغا سويدان(9) نسابة لأن ابراهيم آغا كان متزوجاً بنت المفتي الشيخ محمد الى أن تزوجها بعده الشيخ علي ابن عم أبيها الآتي ذكره، وذكر في التاريخ المذكور أن الشيخ علي ولي منصب الإفتاء بعد وفات ابن عمه الشيخ محمد وتزوج بنته وعلي المشار إليه هو جد العائلة الأتاسية الموجودة الآن وقد انحصر به الوقف على ما(10) من الأسلاف، وعلي الثاني هذا لا شك بأنه من ذرية الواقف محمد المحمود الذي ذكرناه آنفاً ولا نعلم هل هو ابنه أم حفيده(11) ثم بعد وفاة الشيخ علي الصغير تولى الإفتاء ولده عبدالوهاب فقد اطلعنا على مجموعة فتاوى له سئل وأجاب عنها لما كان مفتياً ثم بعد وفاته ببرهة غير يسيرة تولى الإفتاء أخوه الشيخ ابراهيم وكان أزهرياً علامة مشهوراً ثم عزل وولي افتاء طرابلس الشام حتى مات بها وله ترجمة في تاريخ المرادي(12) وقد تزوج في طرابلس بإمرأة من بيت هاجر أولدها ولده العلامة عبدالستار أفندي الأتاسي الذي كان صغيراً عند وفاة والده ثم لما بلغ سن الرشد طلب العلم بدمشق وأخذ عن علمائها وناهيك ثناء السيد محمد عابدين في بعض رسائله عليه ولما اشتهر علمه ونبوغه تولى منصب الإفتاء بحمص منصب آبائه وأجداده إلى أن توفي بمعان عائداً من الديار الحجازية سنة 1242 للهجرة وقبره فيها معروف يزار وقد تولى منصب الإفتاء بعده ولده سعيد أفندي ثم عزل وولي أخوه جدي محمد أفندي فبقي مفتياً ثلاثين عاماً وتوفي سنة ثلاثمائة بعد الألف وعين بعده ولده العلامة خالد أفندي عمي مفتياً ثم عزل واشتغل بالتأليف والعلم فشرح مجلة الأحكام العدلية شرحاً مطولاً حافلاً جمع فيه أغلب فروع الفقه في المعاملات وكان رحمه الله عالماً فقيهاً شاعراً كاتباً كريماً جواداً حسن الأخلاق تغمده الله رحمة وبعد عزله انتخب والدي المرحوم السيد عبداللطيف أفندي الأتاسي مفتياً وجاءه منشور المشيخة الإسلامية بتعيينه مفنياً لحمص سنة 1312 للهجرة وبقي حتى انفصل سنة 1333 للهجرة فقد أفتى بها مدة أحد وعشرين عاماً وكان مثال النزاهة حسن الأخلاق يضرب به المثل متحرياً غاية التحري رحمه الله تعالى ثم عين مفتياً لحمص السيد طاهر أفندي ابن العلامة خالد أفندي مفتيها الحالي فجملة من تولى الإفتاء من بني الأتاسي بزمن الحكومة العثمانية ثلاثة عشر(13) مفتياً إليك أسماؤهم: الشهاب أحمد الأطاسي ثم ولده الشيخ محمد المحمود ثم ولده الشيخ أحمد ثم ولده الشيخ محمد ثم ابن عمه الشيخ علي ثم ولداه الشيخ عبدالوهاب وابراهيم ثم ولده عبدالستار أفندي ثم سعيد أفندي ثم محمد أفندي ثم خالد أفندي ثم عبداللطيف أفندي ثم طاهر أفندي والله أعلم.
كتبه الفقير لرحمة ربه الغني محمد أبو السعود الأتاسي"
انتهى مخطوط محمد أبي السعود الأتاسي رحمه الله.
الفصل الثاني
نسب آل الأتاسي وأصلهم
مصادر معرفتنا بأصول آل الأتاسي:
يعتبر مخطوط محمد أبي السعود الأتاسي من أهم المصادر التي استسقينا منها تسلسل نسب آل الأتاسي، وقد كان ذا إفادةٍ خاصة في معرفة جدود العائلة الأعلون الأوائل. وقد كانت المصادر الأخرى التي ترجم فيها واضعوها لأجداد الأسرة أو جاؤوا على ذكر أفضالهم، ومنها تواريخ ابن الحنبلي والمحبي والغزي والمرادي ومحمد المكي والبيطار ومنير الخوري، عوناً على التحقق من هذا النسب. أما مشجرة الأسرة والتي وضعها أصلاً السيد نافذ بن طلعت(14) الأتاسي عام 1388 للهجرة (1968م) ومن ثم أضافت عليها السيدة المهندسة ريمان الأتاسي فقد وجدنا فيها أخطاءً وزياداتٍ في الأنساب العليا بعد أن رجعنا إلى المصادر الموثوقة المذكورة أعلاه. ولعل السبب في وجود مثل هذه الأخطاء يرجع إلى عدم توفر تلك المراجع مطبوعةً ميسرة في تلك الحقبة من الزمان بالإضافة إلى بعد زمن وضع الشجرة عن أزمان أولئك الأجداد الأوائل. ولكن المشجرة أثبتت أنها ذات نفع جليل في سرد نسب العائلة انتهاءً بعلي الأصغر المذكور في مخطوطة أبي السعود وعليها كان جل اعتمادنا في تقصي أسماء الأجداد الأقارب وفي وضع الشجرة الجديدة.
وقد قمنا بتتبع أسماء الأجداد على مر العصور في التواريخ التي قام فيها كاتبوها بذكر نبذ لمشاهير قرونهم من العلماء والقضاة والمفتين ونقباء الأشراف والشعراء والمصنفين والحكام. وحيث أن كل قرن تواجد فيه من آل الأتاسي من تبوأ أحد هذه المناصب أو بعضها كان بالمقدور أن نستدل على أسمائهم وطرائق قرابتهم ببعضهم البعض. وبذلك كان لنا أن أعدنا تركيب عمود النسب كما يتناسب وهذه التراجم. وقد كان أول من ترجم لآل الأتاسي هو ابن الحنبلي الذي ذكر أحمد بن خليل بن علي الأتاسي، أول من نعرف تقلدهم لمنصب الإفتاء في مدينة حمص. فكان بذلك علي الأتاسي، جدُّه، هو آخر من تنتهي به معرفتنا بعمود النسب. ثم تعاقب المؤرخون في ذكر من اشتهر من نسل أحمد الأتاسي أمثال محمد المكي والمرادي والبيطار وغيرهم. وبعد أن استعملنا هذه المراجع في تركيب عمود النسب عمدنا إلى مخطوطة محمد أبي السعود فقابلنا النسب عليها وجبرنا بها ما كان ناقصاً، فجاء عملنا مطابقاً لها وللحقائق التاريخية.
ومن الغريب حقاً أن أحداً من آل الأتاسي الأوائل لم يهتم بوضع مشجرة النسب(15) في وقت كانت الأنساب فيه حائزةً على حظٍ وافرٍ من الأهمية خاصةً أنساب الأسر التي توارث أبناؤها مناصب مهمة في الدولة كمنصب الإفتاء أو القضاء أو نقابة الأشراف أو التعليم في الجوامع الكبيرة التي كانت تعتبر مؤسسات علمية تقصد من أنحاء المعمورة. والباحث في الحقبة العثمانية يجد أن في كل مدينة إسلامية من المدن الرئيسية في الولايات العثمانية وتلك التي لم يكن للعثمانيين فيها حكم كانت تتواجد أسر قد تطايرت شهرتها عبر العصور بحكم الرئاسة العلمية أو المدنية التي استحوذ أفرادها عليها دون غيرهم إلا أنهم لا يمتلكون من معرفة أنسابهم سوى ما تناقلته ألسن أسلافهم. ويبدو أن رسوخ المناصب التي تولوها وثباتها في أيديهم بحيث تعذر سقوطها عنهم، أو كثرة عدد أفرادها مما أوجب حصول أسباب المنعة والزعامة، قد أبعد الحاجة إلى إثبات أنسابهم وأحسابهم، علماً أن مناصب مهمة كتلك، وبالأخص الدينية منها، ما كانوا ليحصلوا على حق توارثها والحفاظ عليها في تلك الفترة دون عامل الحسب والنسب. ومن الأسر الشامية عوائل طغت رئاستها الدينية والعلمية على شهرة أنسابها فتناسى الكثير من أفرادها أصولهم إلا القلة القليلة التي قد تحمل مستندات تاريخية تثبت تلك الأنساب، وقد تهمل تلك الوثائق ويغفل عنها الكثير. فمن تلك الأسر آل السباعي في حمص، والأسرة الأخيرة ادعت شرف الانتساب إلى إدريس بن الحسن بن علي بن أبي طالب صاحب المغرب(16)، وبعد الاطلاع اتضح أن في المغرب أشرافاً حسنيين من آل السباعي حقاً اشتهروا فيها بالعلم(17). وفي حماة من الأسر المعروفة آل العظم المشهورين حكام الشام، هؤلاء في أحد الأقوال من أصل عربي وهو المرجح، وفي قول آخر أنهم من القبائل التركمانية(18).
أصل الكنية "الأتاسية" ومراحل تطورها عبر التاريخ:
أما آل الأتاسي الأحياء فلم يبق معهم مما توارثوه عن أجدادهم إلا قصصاً تعلل لقبهم وتتعرض لسبب تحوله من حاله الأصلي إلى شكله الحالي، وأنهم على صلة قرابة ونسب مع آل العطاس الحضارمة الحسينيين، هاجر جدهم، أي السادة بني الأتاسي، إلى البلاد التركية ومنها هبط مدينة حمص. وسنعرض هنا لمراحل تغير لقب أسرتهم على مر العصور كما جاء في كتب التاريخ والتراجم بينما سنأتي على قصة حصولهم على لقبهم في القسم القادم من هذا الفصل. أما اسم العائلة الأصلي فهو العطّاسي نسبة إلى جدٍ لهم لٌّقب بالعطّاس فألحقت ياء النسبة باللقب ثم خففت العين فأصبحت ألفاً كما في الأطاسي، ثم خففت الطاء فقلبت تاءً فأصبح الاسم الأتاسي. وسبب التخفيف أن جد العائلة الحمصية كان قد انتقل من بلاد حضرموت إلى بلاد يعيش فيها التركمان، وهذه هي إما بلاد التركمان الأصلية في أواسط آسيا والمتاخمة جنوباً للبلاد الروسية، أو آسيا الصغرى، تركيا الحديثة، حيث قامت الخلافة العثمانية التركية (ونحن نغلّب كون تركيا هي الأرض التي ألقى فيها عصا ترحاله). والعجم في لغاتهم لا يملكون مقدرة على نطق الحروف العربية المغلظة كالطاء، أوتلك التي يكون منطقها من الحلق كالعين، فكان ذلك داعي التخفيف الذي اتبع. وقد تناقلت الأجيال قصة التحول في اللقب هذه فأحببت أن أسجلها.
أما أول من تلقب "بالأتاسي" في بلاد الشام فنحن نرجح أنه جد الأتاسيين الأعلى، علي الأتاسي، المهاجر من البلاد التركية، وبالرغم أننا لا نجد هذه الكنية تلحق به في كتب التاريخ، بل نجد اسمه مقترناً "بالأطاسي" دائماً، إلا أن تخفيف الطاء لا طائل من ورائه وقد توطن في بلاد العرب، ولا بد، إذن، أن الكنية كانت قد أخذت شكلها الأخير، "الأتاسي"، أثناء تواجده في بلاد التركمان، قبل نزوحه إلى بلاد الشام. أما أول من نجد اسمهم قد اقترن "بالأتاسي" في المستدات فهو حفيد علي الأكبر الأتاسي، المفتي شهاب الدين أحمد الأول بن خليل بن علي الأول المذكور، والمتوفي عام 1004 للهجرة المقابل لعام 1596م(19). إلا أن كنية "الأطاسي" غلبت على "الأتاسي" و"العطاسي" من زمن علي الأكبر، الذي تواجد في النصف الأول من القرن العاشر الهجري (النصف الأول من القرن السادس عشر الميلادي)، وحتى زمن حفيد حفيد حفيده، البرهان ابراهيم الأطاسي، والمتوفي عام 1196 للهجرة (1781م)، أي قرابة قرنين ونصف.
وقد بدأت الشهرة "الأتاسية" تأخذ شيئاً فشيئاً مكان الكنية "الأطاسية" زمن المفتيين محمد الأول وابن عمه علي الأصغر الأتاسي، اللذين تواجدا في النصف الأخير من القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر الهجريين (النصف الأخير من القرن السابع عشر والنصف الأول من القرن الثامن عشر الميلاديين)، والأخير هو والد ابراهيم المذكور، حتى حلت محلها تماماً زمن ابن المفتي ابراهيم، المفتي عبدالستار الأتاسي، والمتوفي عام 1245 للهجرة (1829م)، والذي لا نجد اسمه في كتب التاريخ مقروناً إلا باللقب "الأتاسي".
أما الكنية "العطّاسية"، أصل لقب الأتاسيين، فقد رافقت الشهرتين "الأتاسية" و"الأطاسية" على مر العصور، وإن لم تكن شديدة الإستعمال، إذ أن آخر من تلقب "بالعطاسي" كان المفتي محمد الأول المذكور أعلاه(20)، المتوفي عام 1110 للهجرة (1698م)، إلا أن اثنين من أبناء الشيخ ابراهيم المذكور، ابن ابن عم الشيخ محمد الأول، اتخذوا اللقب شهرة لهم، وأصبحا جدي الفرع الذي لا يزال يلقب بالعطاسي إلى يومنا هذا. وقد اضمحل هذا اللقب بتاتاً في ذرية الإبن الثالث للشيخ ابراهيم، الشيخ عبدالستار الأتاسي، مع معرفتهم بأصل كنيتهم "الأتاسية"، إذ أخبر حفيد الشيخ عبدالستار، المفتي خالد الأتاسي بأنه "عطاسي" الأصل في أحد مؤلفاته، مع كون "الأتاسي" هو لقبه الرسمي.
إذن انتسب الأتاسيون لجدهم الملقب بالعطّاس وحملوا لقبه. وبذلك كان من الطبيعي أن يبحث الباحث عن أصل العطّاسيين وأن ينقب عن أنساب الفروع منهم التي سلمت من التحور الذي جرى في اللقب، ولذاسنسرد هنا تاريخ آل العطاس، ومن ثم نستدل على إنتماء الأتاسيين إليهم.
آل العطاس باعلوي الحسينيون وعمود نسبهم:
وأما آل العطّاس هؤلاء الذين انتسبت إليهم الأسرة الأتاسية فهم جماعة من أشراف اليمن والحجاز وجزائر أندونيسيا وماليزيا، ينتهون إلى الحسين بن علي بن أبي طالب عن طريق جدهم عبدالرحمن العطّاس الذي يصله بالنسب النبوي الشريف جده عبدالرحمن السقّاف وهم ينتسبون إلى قبيلة باعلوي. أما عمود نسب عبدالرحمن العطّاس فهو عبدالرحمن بن عقيل العطّاس بن سالم بن عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالرحمن السقّاف بن محمد مولى الدويلة بن علي بن علوي بن الفقيه المقدم محمد بن علي بن محمد صاحب مرباط بن علي خالع قَسَم بن علوي الأصغر (الثاني) بن محمد صاحب الصومعة بن علوي الكبير (الأول) صاحب سُمَلْ ابن عبيدالله بن أحمد المهاجر إلى الله ابن النقيب عيسى الرومي (الأزرق) بن محمد ابن علي العريضي بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي زين العابدين بن الحسين السبط، وهو ابن أمير المؤمنين علي(21) بن أبي طالب بن عبدالمطلب، وابن فاطمة الزهراء بنت رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم- بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف الحسيني الهاشمي القرشي(22). ونسب آل العطّاس أشهر من أن يذَكَّر به، هو من أصح الأنساب الشريفة المقطوع في نقائها وخلوها مما يثير الريبة أو الشك. ولهم في ذلك الوثائق الممهورة والهبات الموقوفة عليهم وشهادة العدول الكثر على مرِّ العصور.
و قد أُطلق لقب "بني علوي"(23) أو "باعلوي"(24) على ذرية علوي الأول بن عبيدالله بن أحمد المهاجر ابن عيسى بن محمد بن علي العريضي بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين ابن الحسين السبط بن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنهم المذكور في عمود النسب أعلاه. وانحصرت ذرية علوي الأول في محمد صاحب مرباط بن علي خالع قسم بن علوي الثاني بن محمد ابن علوي الأول المذكور أيضاً في عمود النسب. ومحمد صاحب مرباط هذا هو الجامع لذرية آل باعلوي وإن كانوا قد لُّقبوا باسم جده الثالث علوي الأول.
و قد ذكر أنساب آل علوي مؤلفون عدة، منهم من انتمى إلى قبيلة العطاسيين قبيلة باعلوي، ومنهم من عاشرهم ولامس في أخلاقهم مزايا الشرف وعرفها، واطلع على حججهم وبراهين أحسابهم. وكما كان نصيب أعيان الفرع الأتاسي كبيراً في تراجم عصورهم، كذلك كان حظ العطاسيين وأقربائهم. فمن الكتب الكثيرة التي صنفت في أنساب ومناقب من كان من ذرية محمد صاحب مرباط (الجد الخامس لعبد الرحمن السقاف والحادي عشر لعبد الرحمن العطّاس) كتاب "شمس الظهيرة في نسب أهل البيت من بني علوي" لمفتي الديار الحضرمية العلامة المرحوم السيد الشريف عبدالرحمن بن محمد ابن حسين آل المشهور باعلوي. ثم لخّص الكتاب السيد أحمد بن عبد الله بن محسن السقاف آل باعلوي ورتبه في كتاب "خدمة العشيرة بترتيب وتلخيص وتذليل شمس الظهيرة". ثم قام السيد النسابة العلامة محمد ضياء شهاب باعلوي بتحقيقه والتعليق عليه فكان من الكتب التي انتشرت وعمت. وهناك "إثبات نسب السادة العلويين الساكنين بحضرموت" للسيد عمر بن سالم العطاس. وآخر ما رأيت من هذه المصنفات كتاب "المعجم اللطيف لأسباب الألقاب والكنى في النسب الشريف لقبائل وبطون السادة بني علوي أدام الله مجدهم" للعلامة والمؤرخ السيد محمد بن أحمد بن عمر الشاطري آل باعلوي، وكذلك كتاب "شجرة النور الزكية" للواء السيد يوسف آل جمل الليل باعلوي المطبوع في الرياض. ومن هذه المؤلفات ما يزال مخطوطاًعلى ما انتهى إليه علمي مثل "تسهيل الطالبين لمعرفة أصول العلويين الحضرميين" للسيد أحمد بن علي بن شهاب آل باعلوي وكذلك "الفرايد الجواهرية في تراجم الشجرة العلوية" للسيد عمر بن علوي الكاف باعلوي، "والمشرع الروي في أنساب آل باعلوي" للشريف محمد بن أبي بكر الشلي آل باعلوي.
ومن آل باعلوي من ألف في تراجم وأنساب الفاطميين عامة، ممن انتسب إلى آل باعلوي وغيرهم من الأشراف، ومن هذه المصنفات "درر السمطين لمن في وادي سردد من أولاد السبطين" للشريف الشلي المذكور أعلاه، و"نفائس الدرر في أشراف القرن الحادي عشر" للمؤلف السابق أيضاً. وقد ذكر أكثر من مصنِّف كتاب "الجواهر السنية في أنساب الحسينية" للعلامة الشريف علي بن أبي السكران آل باعلوي إلا أني لا أعلم إن كان مخطوط هذا الكتاب لا يزال موجوداً. ومن المصنفات المخطوطة والمنظومات والمشجرات ما تضمنت تراجم وأنساب بطون وأسر معينة من آل باعلوي، ومنها ما تحدثت عن أفراد بأعينهم.
قد ذكر عمود نسب أجداد آل باعلوي كثير من النسابة والمؤرخين من غير آل باعلوي مثل عميد النسابين الأشراف ابن عنبة الحسني(25) في كتابه الذي اعتمده النسابون من بعده "عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب" والذي ذكر أحمد المهاجر بن عيسى بن محمد بن علي العريضي بن الإمام جعفر الصادق(26). وكذلك فعل محمد بن محمد بن يحيى بن زبارة الحسني الصنعاني في كتابه "نيل الحسنين بأنساب من باليمن من بيوت من بيوت العلم والزهد والصلاح والرياسة اليمنية" الذي ذكر نسب آل باعلوي و بعض فروع العشيرة العلوية مثل آل السقاف الصافي وبيت الجفري(27). وجاء على ذكر آل باعلوي وأنساب بطونهم العلامة محمد بن أحمد الحجري اليماني في كتابه "مجموع " في ذكره لأهل حضرموت(28)، ثم عاد فذكر شرف آل العطاس تحت مدخل اسمهم(29)، وقد طفحت كتب التراجم بمشاهير أسر آل باعلوي لأعيان اليمن فحسب أو ترجمت لمشاهير المسلمين في غيرها من الأقطار، وفيها ذكر مؤلفوها أنساب المترجمين أو نسبتهم الحسينية(30)". ولا يتسع مجال البحث في ذكر جميع الكتب التي نوهت بهذا النسب الكريم والحسب العظيم، فزبدة الكلام أن شرف آل العطاس باعلوي محقق .
إذن ينتسب آل باعلوي إلى السيد الشريف علي العريضي بن جعفر الصادق ولذا فإنهم يسمون بالعريضيين كما يسمى أولاد عمهم من ذرية موسى الكاظم بن جعفر الصادق بالكاظميين أو الموسويين، وكما يطلق على ذرية اسماعيل بن جعفر الصادق لقب الإسماعيليين (والذي لا يرمز دائماً إلى الطائفة الشيعية المعروفة)، ويسمى من كان من سلالة أخيهم إسحق بالإسحاقيين. أما علي العريضي فقال عنه ابن عنبة(31) أنه أصغر ولد أبيه توفي والده وهو صغير ولقبه نسبة إلى قرية العريض التي سكنها وهي علىأربعة أميال من المدينة. وهو يكنى بأبي الحسن، وأمه أم ولد(32). وابنه محمد بن علي العريضي هو أول من انتقل إلى البصرة من المدينة ويكنى بأبي عبدالله(33). وأما ابن محمد بن علي العريضي، عيسى ابن محمد، فيكنى بالرومي وبالأزرق، ولعل التسمية هي لزرقة في عينيه، وأمه أم ولد. وقد كان محمد بن علي العريضي نقيب الأشراف في العراق وتولى النقابة ابنه عيسى(34) من بعده.
وأما أحمد بن عيسى فيسمى بالمهاجر لأنه خرج عام 317 للهجرة من البصرة مع ولده عبيدالله وآخرين من ولد عمه(35) ومكث في المدينة المنورة مدة عام أو نحوه ووصل حضرموت عام 320 للهجرة وتنقل فيها حتى استقر في الحسيسة المعروفة بشعب مخدم، وهناك طولب بإثبات نسبه فاضطر للعودة إلى العراق فأشهد مائة من العدول ثم غيرهم من الحجيج في مكة ومن الحضارمة(36). وقد ذكر المؤرخون أن هجرة الشريف أحمد ومن معه كانت خوفاً على دينهم وأمناً من الفتن، وقال البعض الآخر بل لأجل الإصلاح وكسر الفساد بدعوة بعض من أهل البلاد. ومهما يكن فإن الغرض سامي والهجرة مشروعة، وقد قام جد الشريف أحمد، المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، بالهجرة المدنية من قبل، وهو أشرف الخلق وأصفاهم نية.
وأما الحسيسة فهي على مسافة نصف فرسخ من تريم (بفتح التاء وكسر الراء)، موطن آل باعلوي والتي تخرج منها علماء انتشروا في أنحاء الجزيرة والهند وبلاد الشرق ونشروا معرفتهم ولهم فيها أعقاب(37). وقد ذكر العلامة الحجري رحمه الله في كتابه "مجموع بلدان اليمن وقبائلها" أن أحمداً هذا لُقّب بالنفاط لبيعه النفط في العراق(38)، وفي الحقيقة أن اللقب غلب على أحد أحفاده وهو أحمد الأتج بن أبي محمد الحسن الدلال بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد المهاجر بن عيسى الرومي كما ذكر ابن عنبة(39)، وهو ليس جد آل باعلوي وإنما أحد أولاد عمهم من ذرية محمد أخي عبيدالله بن أحمد المهاجر، ويبدو أن محمداً بن أحمد المهاجر لم يهاجر إلى بلاد حضرموت مع أخيه عبيد الله ووالده أحمد وكان عقبه بالعراق وغيرها.
وأما السيد عبيد الله بن أحمد المهاجر، ويسمى أيضاً عبد الله، الذي جاء مع أبيه إلى حضرموت، فقد أعقب من محمد صاحب مرباط بن علي خالع قسم بن علوي الثاني بن محمد بن علوي الأكبر بن عبيد الله، وانقرض الآخرون من ذرية عبيد الله. أما علي خالع قَسَم (بفتح القاف والسين) فسمي كذلك لأنه اشترى أرضاً سماها بقَسَم على اسم أرض كانت لجده أحمد المهاجرفي البصرة وسكنها وزرعها نخلاً ثم صارت مدينة. وهو أول من نزل تريم وتوفي بها عام 527 للهجرة وكان أول من دُفن بها من آل باعلوي وبها كان عقبه(40).
وأما ابنه محمد صاحب مرباط فسمي كذلك لأنه نزل مرباط بظفار وهي ظفار القديمة تمييزاً لها عن الجديدة بالقرب منها، وقد توفي عام 550 للهجرة(41). وللسيد محمد صاحب مرباط ينتمي كل آل علوي كما سبق أن نوهنا. وعقبه من اثنين: علي وعلوي، وبذلك انتهى جميع آل باعلوي إلى أحد هذين الغصنين. أما علي بن محمد صاحب مرباط فله ابن واحد، وهو محمد الشهير بالفقيه المقدم والأستاذ الأعظم لعظيم شأن علمه. وحيث أن نسل علي بن محمد صاحب مرباط انحصر في ولده محمد الفقيه المقدم بينما أعقب أخوه علوي بن محمد صاحب مرباط من أولاد عدة، فقد جرت عادة مؤرخي آل باعلوي ونسابيهم أن يشيروا إلى ذرية الغصنين على أنهم إما من "أولاد الفقيه المقدم" أو من "أولاد عمه علوي" والذي اشتهر بلقب "عم الفقيه المقدم" لذلك.
أما محمد الفقيه المقدم بن علي بن محمد صاحب مرباط فقد توفي عام 653 للهجرة عن تسع وسبعين عاماً، و له عقب كثير من أولاد شتى(42). فمن عقبه عبد الرحمن السقّاف بن محمد مولى الدويلة بن علي بن علوي بن محمد الفقيه المقدم المولود عام 739 للهجرة بتريم والمتوفي عام 819 للهجرة بتريم أيضاً(43). ولقب بالسقاف لأنه ستر حاله على من عاصره فكره الشهرة والإنتماء ولأنه سقف على غيره من الصالحين أي سما وعلا كما يرتفع السقف على باقي البيت(44). ولعبد الرحمن السقاف ذرية ذات عدد كبير وإليه ينتمي آل السقاف وآل العيدروس وآل البيتي وآل شهاب وآل المشهور وآل الصافي وآل المساوى وآل المحضار وآل العطّاس، وهؤلاء هم الذين ذكرنا عمود نسبهم في أول هذا البحث ، والذين منهم آل الأتاسي كما سيأتي.
وأما باقي ذرية الفقيه المقدم فقد اتخذوا ألقاباً كثيرة، فمنهم آل الجفري وآل جمل الليل وآل بروم (أو باروم في الحجاز) وآل البار وآل بلفقيه وآل الكاف وآل الشاطري وآل الحبشي(45) وآل القدري وآل الجنيد. أما علي عم الفقيه المقدم وثاني الغصنين فمن عقبه آل عظمت خان (وهم بالهند) وآل عيديد وآل الحداد وآل الطاهر وآل بافقيه. وبالرغم أن حضرموت اليمنية هي مركز آل باعلوي إلا أنهم انتشروا في غيرها من بقاع الأرض كالحجاز وأنحاء جزيرة العرب واندونيسا وماليزيا والهند وسواحل افريقيا الشرقية كالصومال والحبشة، ولبعضهم ذرية في مصر وفي اللاذقية، وفي حمص المحمية، ولا أعلم بلاداً عربية فيها من آل باعلوي سوى التي ذكرتها.
وقد انكب آل باعلوي على طلب العلم وتخرج منهم علماء ومؤلفون وصالحون من جميع أجيالهم ما لم يتخرج من غيرهم من الأسر، وقد عم ذكرهم، وشاع فضلهم، وزين بتراجمهم المؤلفون كتبهم. وأصبح الفرد منهم يلقب "بالحبيب" يتوارثونه لقباً يدل على احترام الأهالي لهم وحبهم إياهم. وهم معروفون، بجميع فروعهم وبطونهم، في أنحاء الجزيرة العربية "بالسادة العلويين"، وخصوصاً في الحجاز واليمن حيث ينتشرون، وأصبح هذا لقباً وعلماً لهم دون غيرهم من أشراف اليمن والحجاز من الحسينيين والحسنيين وباقي ذرية علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، حتى إذا ما ذكر "السادة العلويون" في تلك الجهات عرف المستمع أو القارئ أن المقصود بهم هم عشائر قبيلة باعلوي. ويقترن بسماع هذا النعت إعجاب واحترام عميمان من قبل سكان تلك البلاد لما للسادة العلويين من فضل كبير وشهرة بالغة بالعلم والكرم والصلاح والإصلاح. وقد قال الدكتور البدوي فيهم:
" ولم يزل دأب بني علوي طلب العلم والزهد في الدنيا، مع بذل جهدهم ما استطاعوا في الاستتار واجتناب الشهرة..." ثم ذكر مآثر وأفضال بعض أفرادهم إلى أن قال: "هكذا كانت مجاهداتهم، وكان استهلاكهم في طريق الله تعالى. هذا فيما بينهم وبين ربهم، أما فيما بينهم وبين الناس فقد درج السادة العلويون على التضحية بالأنفس والأموال في سبيل نشر الدعوة، فهجروا الأهل والأوطان، وساروا براً وبحراً، حتى أوصلوا الدعوة المحمدية شرقاً عبر الهند إلى "الملايو" و"أندونيسيا" و "الفلبين"، وغرباً إلى "كينيا" و"تنزانيا" و"أوغندا" و"جزر القمر" و"زنجبار" وغيرها. فالهند كلها على مذهب الإمام أبو حنيفة النعمان إلا مناطق كجرات وأحمد أباد وماليبار، حيث ينتشر المذهب الشافعي، بتأثير السادة بني علوي، وكذلك جنوب شرق أسيا، وساحل شرق افريقيا، كلها مناطق سنية شافعية تبعاً للدعاة من بني علوي، الذين أدخلوا الإسلام عليها(46)."
وأما آل العطاس الحسينيين الحضارمة فأسرة ذات مجد وشهرة، لهم عند أهالي اليمن وجزيرة العرب وجزائر الشرق وغيرها من الدول الإسلامية حرمة واحترام وإجلال، فقد نبغ منهم علماء ومصنفون وأدباء وفضلاء ومحسنون لا يحصون على مر الدهور، ولو أردنا أن نتطرق لتراجم مشاهيرهم لوجدنا أنفسنا نتعهد كتاباً جديداً بالتأليف، إلا أنني رأيت أن أمر مراً لطيفاً خفيفاً على ذكر قلة قليلة من أعيانهم الكثيرين، وإن كان مروري هذا لن يكون كافياً لإحصاء مناقبهم وآثارهم. فمن هؤلاء:
الإمام العلامة الحبيب عمر بن عبدالرحمن العطاس (992-1072 للهجرة): أحد أجداد البطون العطاسية. ولد في قرية اللسك في عينات واستوطن حريضة. أخذ عن شيوخ أسرته وغيرهم من علماء الحضارمة وانكب على دراسة العلم، ثم أجيز له بالتدريس والإفتاء، فأخذ عنه الكثيرون. كان من الدعاة إلى الله وإلى السلم والمسالمة. ترجم له العديدون.
العلامة الحبيب علي بن حسن العطاس (1121-1172 للهجرة=1709-1759م): ابن عبدالله بن حسين بن عمر بن عبدالله بن عبدالرحمن العطاس. ولد في حريضة وتلقى عن الكثيرين من أعلام زمنه. لعب أدواراً في عقد الهدنة والسلم بين القبائل الحضرمية بمكاتبة السلاطين والعلماء، كما أنه حل بقرية الغيوار فعمرت وعرفت بالمشهد، وبها توفي. له مؤلفات كثيرة منها: "سفينة البضائع وأمينة الضوائع"، "المقصد في شواهد المشهد" في تاريخ تأسيس قرية المشهد، "القرطاس في ترجمة الحبيب عمر بن عبدالرحمن العطاس"، ديوان "قلائد الحسان وفرائد اللسان"، "المختصر في سيرة سيد البشر"، "العطية الهنية والوصية المرضية والجذوة المضية"، "الرياض المؤنقة في المعاني المتفرقة"، "خلاصة المغنم في الإسم الأعظم"، وغيرها. ترجم له كثيرون منهم العلامة الزركلي في "الأعلام"، والأستاذ كحالة في "معجم المؤلفين"، والمؤرخ الحبشي في "مصار الفكر الإسلامي في اليمن"، كما أفرد له الشيخ عبدالله ابن أحمد باسودان مصنفاً أسماه "جواهر الأنفاس في مناقب الحبيب علي بن حسن العطاس"(47).
العلامة الحبيب أحمد بن حسن بن عبدالله العطاس (1257-1334 للهجرة=1841-1916م): ابن علي ابن عبدالله بن محمد بن محسن بن حسين بن عمر بن عبدالرحمن العطاس. ولد بحريضة وترعرع ضريراً. تولى جده كفالته فأخذ عنه وعن كثير من علماء حضرموت. غدا عالماً متصوفاً مأخوذاً عليه، وزار بلاداً عديدة منها الحجاز ومصر والشام، وجمع مكتبة ضخمة لم ير مثلها. تابع عمل أسلافه في الإصلاح بين القبائل، فعقد هدنة بين الدولة القعيطية والقبائل الدوعنية. أملى رسائلاً عديدة منها واحدة في أنساب القبائل التي سكنت حضرموت، وله رسائل أخرى في الوصايا والرحلات. رثاه الشعراء لما توفي لما كان له من رئاسة وحرمة. ترجم له كثيرون منهم العلامة الزركلي في "الأعلام"، والأستاذ كحالة في "معجم المؤلفين"، والسيد الحبشي في "مصادر الفكر الإسلامي في اليمن"، والأستاذ مجاهد في "الأعلام الشرقية"(48)، والأستاذ الحازمي في "موسوعة أعلام القرن الرابع عشر والخامس عشر الهجري في العالم العربي والإسلامي"(49)، وغيرهم كثير.
العلامة الإمام الحبيب عبدالله بن علوي العطاس (1277-1334): ابن حسن بن علي بن أحمد بن صالح بن حسن بن عبدالله بن حسين بن عمر بن عبدالرحمن العطاس. ولد بمدينة الشربون بجزيرة جاوا الغربية باندونيسيا وقد كان والده فيها داعياً. انتقل إلى حريضة بحضرموت اليمن في السادسة من عمره وحفظ القرآن وأخذ العلوم عن والده وعلماء عصره من أسرته وغيرهم. أجيز له بالتدريس والدعوة إلى الله، فقام بذلك في بلاد حضرموت والهند وبورما. بنى الكثير من المساجد كمسجد باعلوي ومسجد الصفاء بحريضة وغيرها في المكلا وكلكتا بالهند وأسس المدارس والمكتبات والمعاهد. جاءت ترجمته وأشير إلى فضائله وآثاره في الكثير من الكتب، منها "الفيروز النفيس في مناقب الإمام عبدالله بن علوي بن حسن العطاس" للشيخ عفيف الدين الهجراني الكندي، و"مصادر الفكر الإسلامي في اليمن" للحبشي، وغيرها. من آثاره: "سبيل المهتدين في ذكرى أدعية أصحاب اليمين"، "العلم النبراس في التنبيه على منهج الأكياس"، "البروق اللامعة والأنوار الساطعة"، "ظهور الحقائق في بيان الطرائق"، ومعظمها في التصوف، وله رسائل أخرى. أسس الطريقة العطاسية(50).
ومن آل العطاس علماء ومفتون وشعراء ومؤلفون ودعاة وسياسيون يستحيل حصرهم في بحث واحد، بل ومنهم من ناب عن عرب اندونيسيا في مجلس أمتها، وخرج منهم علماء في الإجتماعيات واللغات والعلوم السياسية وهؤلاء نالوا مناصباً عالية في الجامعات العربية والإندونيسية والعالمية، ولا يتسع المقال لذكر جميعهم.
هذا ومن المناسب والحديث عن آل العطاس وأقرابئهم من قبيلة باعلوي أن هناك من العريضيين أولاد السيد علي العريضي من غير ذرية الشريف علوي الأول المشار إليه، وقد انتشروا في أقطار العالم، فمنهم أسرة الفقيه الخطيب في جبل لبنان، فهم وأقرباؤهم في دمشق، آل هاشم العبجي، من سلالة جعفر الطيار بن علي بن محمد بن علي العريضي(51)، ومنهم آل المحض والعجمي من سكان الحائر، وبني الجده وبشيران وطبرية(52)، وأعقاب آخرون كثر. وأما آل العبجي وآل هاشم الدماشقة فأسرتان معروفتان في الفيحاء، وأما سائر هذه الأسر فلا أدري إن كانت لا تزال موجودة أو إن كانت ألقابها قد تغيرت أوتفرع منها أسر أخرى.
دلائل حسب آل الأتاسي وبراهين انتسابهم لآ العطاس من الآباء:
والشواهد على النسبة الأتاسية العطّاسية كثيرة أهمها أن أجداد العائلة الأتاسية كانوا تارةَ يلقبون بالأتاسي وتارة بالأطاسي وتارة أخرى بالعطّاسي، فمثلاً نجد أن محمد بن أحمد بن محمود الأتاسي (المذكور في ورقة محمد أبي السعود التي حققناها) مفتي حمص في أوائل القرن الثاني عشر الهجري (أواخر القرن السابع عشر الميلادي) يذكره محمد المكي في يومياته فيقول مرة "شيخ الإسلام ومفتي الأنام الشيخ محمد أفندي ابن أحمد أفندي أطاسي زاده(53)" ومرة أخرى فيقول "محمد المفتي ابن أحمد أتاسي زاده(54)" وذكر نزول مفتي الشام عنده عبدالغني بن اسماعيل النابلسي لما زار حمص عام 1105 للهجرة (1693م)(55). ثم نجد مفتي الشام المذكور يذكر في وصف رحلته من عام 1105 للهجرة في كتابه "الحقيقة والمجاز في رحلة بلاد الشام و مصر والحجاز" انه نزل على "صديقنا العالم الفاضل، والهمام الكامل، محمد أفندي الشهير بابن العطّاسي مفتي السادة الحنفية، يومئذ بالديار الحمصية(56)". وفي هامش ترجمة علامة الديار الحمصية ومفتيها، خالد بن محمد بن عبدالستار الأتاسي، وهو جد جدي، في "الأعلام" للزركلي قال المؤلف: "رأيت مخطوطة من الجزء الأول من كتابه، عند زهير الشاويش ببيروت، وفي أولها جملة (العطاسي ثم المعروف بالأتاسي)"(57).
وفي وثيقة محكمة حمص الشرعية والمؤرخة عام 979 للهجرة (1571م) من العائلات نجد "عطاسي" مذكورة(58). كما أننا نجد التحوير من "العطاسي" إلى "الأطاسي" مذكوراً صريحاً في الوثيقة المؤرخة في 15 شوال عام 1315 للهجرة (1897م) وهي وثيقة وقف "الحاج مراد أفندي بن المرحوم سعيد الأفندي بن الشيخ عبدالستار أفندي بن الشيخ ابراهيم مفتي حمص ابن الشيخ علي أفندي الشهير نسبه الكريم بالأطاسي المحولة عن العطاسي غفر الله لهم، ثم ينتفل بعد ذلك إلى العقارات الموقوفة، وفي حال انقراض عصبيات الواقف وخلت الأرض بهم عاد وقفاً على الجامع المعمور بذكر الله تعالى الشهير بجامع بني الأطاسي ومقام سيدنا دحية الكلبي رضي الله عنه"(59).
و قد جاء في الموسوعة المشهورة "دائرة المعارف"(60) في ترجمة آل الأتاسي في أصل الأسرة أن أحد الأقوال في أتاسي أنها:
"عطاسي، وأن العائلة عربية المحتد ثابتة الأعراق في عروبتها، وأنها فرع من عائلة العطاسي المعروفة في الحجاز، والتي تقطن المدينة. ومما يشفع لهذه التسمية ويؤيدها في ادعائها الصحة أن ثمة فريقاً من العائلة يسكن شرقي مدينة حمص ما يزال حتى اليوم محتفظاً بهذه التسمية. وقرابة آل الأتاسي من آل العطاسي ثابتة أكيدة، لأن نسب الفريقين ينتهي إلى الشيخ ابراهيم الجامع بينهما، والذي توفى سنة 1196 للهجرة (1782م). والشيخ ابراهيم هذا ترجمه المرادي، مفتي الشام، في مؤلفه (سلك الدرر في أعيان القرن الحادي عشر) وهو بالنسبة إلى الأحياء الذين هم من طبقة هاشم الأتاسي(61)، جد جدهم. ومن آل العطاسي فريق يقطن جزيرة جاوا، قام بعضهم بسياحة إلى الديار الشامية سنة 1934م، وعرج على حمص (ينشد المعارفة مع أقربائه فيها). وكان لهؤلاء مجالس من شيوخ العائلة في حمص. هذا ولا يزال أهل البادية إذا ذكروا العائلة يقولون: (العطاسي)."(62)
--------------------------------------------------------------------------------
1) أسقطنا الكلمة التالية لعدم وضوحها.
2) هو "درر الحبب في تاريخ أعيان حلب" لرضي الدين محمد بن ابراهيم الحنبلي الحلبي المتوفي سنة 971 للهجرة (1563م) الذي ترجم فيه لعلماء أهل عصره ممن سكن حلب أو نزل فيها فترة من الزمان.
3) هو "خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر" للمحبي، وقد نقل ترجمة أحمد بن خليل بن علي الأطاسي من تاريخ الحنبلي.
4) والحقيقة أن هذا خطأ، إذ أخبر الحنبلي عن نزول أحد العلماء في منزل الشيخ علي الأكبر في حمص بعد التاريخ الذي ذكره أبو السعود بثلاثين عاماً، أي عام 944 للهجرة (1536م)، مما يدل على أن الشيخ علي كان حياً ذلك العام.
5) كذلك في الأصل ولا أدري ما المقصود بهذا، ولعلها البستان أو الأرض.
6) وقد أسقطنا كلمة لم نتعرف عليها فحصل النقص في المعنى، أما المصدر المشار إليه فلم نقف على اسمه.
7) هو عبدالغني بن اسماعيل بن ابراهيم النابلسي الحنفي النقشبندي الدمشقي المولود سنة1050للهجرة (1641م) والمتوفي عام 1143للهجرة (1731م) مفتي دمشق والمترجم له في غير واحد من تواريخ عصره وغيرها مثل سلك الدرر للمرادي والمنتخبات في تاريخ دمشق للحصني وله أشعار مذكورة وقد قام بعدة رحلات في الوطن العربي ألَّف في وصف الرابعة منها كتابه "الحقيقة والمجاز في رحلة بلاد الشام و مصر والحجاز" ، وقد ذكر فيه أنه نزل على مفتي حمص محمد العطّاسي سنة 1105 للهجرة وقال فيه أبياتاً.
8) لا نعرف من تلك الفترة من التواريخ الموضوعة إلا ثلاث: أحدها موجود في وقف آل الوفائي وكاتبه مجهول وقد استعمل مخطوطتها منير الخوري عيسى أسعد في كتابه "تاريخ حمص". والثاني موجود في كنيسة الأربعين شهيداً في حمص، وهو الذي نقل منه حسن الدندشي في كتابه "الثورة السورية الأم: الدنادشة في عام 1919م" معلوماته، وقال أن مؤلفه هو عبدالله اللولو، ولم أقف على نسخة مطبوعة من أي منهما. والآخير كتبه محمد المكي بن السيد بن الحاج مكي بن الخانقاه كيوميات له يؤرخ فيه لأحداث المدينة من سنة 1100 للهجرة إلى 1135 للهجرة (1688-1722م) وفيها كان ذكر محمد الأطاسي المفتي وتاريخ وفاته كما هو مذكور أعلاه، ومخطوطته موجودة في مكتبة الجامعة الأمريكية في بيروت. والتاريخ الأخير قد طبع مؤخراً (1987م) باسم "تاريخ حمص" وحققه عمر نجيب العمر. والأغلب أن جميع النسخ: الوفائية، والأربعينية، والمطبوعة هي لمؤلف واحد وهو محمد المكي، وذلك لشدة تقارب اللغة المستعملة، ولاستخدام الترتيب ذاته في سرد الحوادث، ولعدم وجود زيادات في النسخ المخطوطة على تلك المطبوعة، ولأن درجةالتفصيل في جميها هي واحدة. ويبدو أن اللولو نسخ أكثر الحوادث أهمية حسب رأيه، كناقل أو محقق، وغير قليلاً في اللغة. وحبذا لو أن محقق مخطوطة الجامعة الأمريكية المطبوعة، عمر العمر، اطلع على النسخ الأخرى قبل تحقيقه الكتاب، إذ أن كثيراً من الكلمات التي اختلطت عليه لعدم وضوحها كان من الممكن استسقاؤها من المخطوطات الأخر.
9) وابراهيم هذا ذكر في يوميات محمد المكي أنه تولى منصب متسلم مدينة حمص عدة مرات خلال العقد الأول من القرن الثاني عشر الهجري (العقدين الآخرين من القرن السابع عشر الميلادي) ثم تولاها في العقد الثالث ابنه سليمان ولعل هذا الأخير من نسل خديجة بنت محمد الأتاسي المذكورة أعلاه، ويبدو أنه كان هناك أواصر صهارة قوية بين آل الأتاسي وآل سويدان آغا إذ ذكر في التاريخ نفسه أن سليمان آغا بن ابراهيم سويدان آغا تزوج من بنت الشيخ صافي بن أحمد بن عبدالباقي الأتاسي، وقد تزوج أخوه موصلي بن ابراهيم أيضاً بنت عبدالرزاق أتاسي نقيب أشراف حمص، وآل سويدان آغا هم من سلالة علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، قدم جدهم أحمد سويدان المكناسي إلى حلب من مكناس سنة 885 للهجرة (1480م) (أسر حمص وأماكن العبادة، الجزء الثالث لنعيم سليم الزهراوي ص71-77).
10) أسقطنا كلمة أخرى لعدم وضوحها فنقص المعنى.
11) بل هو حفيده، ففي تاريخ حمص لمحمد المكي ذكر علي بن "حسن" الأتاسي ابن عم محمد بن أحمد بن محمود الأتاسي وأنه تزوج خديجة بنت ابن عمه المشار إليه وبذلك يكون حسن هو ابن محمود، وعلي بن حسن حفيده، وفي تاريخ المرادي ترجمة لولديه ابراهيم بن علي ابن "حسين" ولأخيه عبداللطيف بن علي كما هو مذكور أعلاه، ولا بدأن المرادي أخطأ فنسب علي إلى "حسين" بدلاً من "حسن"، وفي الحقيقة، إن الناس كانوا تارة يلقبون والد الشيخ علي الثاني "حسيناً" وتارة "حسناً"، إذ في تاريخ المكي نفسه ورد اسم والد علي الأتاسي حسناً مرة، ثم حسيناً مرة عند ذكر أخي علي وهو باكير الأتاسي، ومهما يكن فإن اسمي الحسن والحسين هما متبادلان في المعنى، كما هو الحال مع عبدالله وعبيدالله.
12) هو "سلك الدرر في أعيان القرن الحادي عشر" لأبي الفضل محمد خليل بن علي بن محمد المرادي البخاري النقشبندي الحسيني مفتي دمشق ومن أشرافها وفيه ترجم لعلماء عصره ولأشرافهم خاصة وأورد بعض أشعارهم وفيه أيضاً ترجم لأخي ابراهيم عبداللطيف بن علي بن حسن بن محمود الأتاسي.
13) والحقيقة أن عدداً أكبر من آل الأتاسي قد تولوا منصب الإفتاء خلال العصر العثماني وبعده، ففي تاريخ حمص لمحمد المكي نٌعت علي بن حسن بن محمود الأتاسي المذكور بإبن المفتي غير مرة دالاً على أن والده حسن الأتاسي تولى الإفتاء قبل بداية كتابة المخطوط وقد يكون "ابن المفتي" مجرد لقب غلب على بني الأتاسي كما كان أبناء العائلات التي تولى أفرادها نقابة الأشراف يلقب الواحد منهم بإبن النقيب، إلا أننا لا نجد المؤلف ينعت بهذا اللقب محمد بن أحمد بن محمود الأتاسي(بالرغم من تولي والده الإفتاءأيضاً) أو الشيخ صافي ابن أحمد بن عبدالباقي الأتاسي المذكور أيضاً في التاريخ، فأغلب الظن أن حسن بن محمود قد تولى الإفتاء مدة من الزمن والله أعلم. كما أن توفيق بن عبداللطيف بن محمد الأتاسي، وهو أخو المؤلف أبي السعود، تولى الإفتاء كما هو مذكور في شجرة الأسرة الأتاسية التي وضعها نافذ بن طلعت الأتاسي سنة 1388للهجرة (1968م)، ويبدو أن منصب الإفتاء كان من نصيبه بعد كتابة أبي السعود لهذا المختصر، وفي نفس المشجرة أن السيد طيب بن عبدالفتاح بن عارف بن أمين بن المفتي عبدالستار كان مفتياً أيضاً. والغالب أن تولي كل من توفيق و طيب الأتاسي لوظيفة الإفتاء كان بعد خروج العثمانيين من بلاد الشام، وبهذا يكون عدد من عرفناهم من المفتين الأتاسيين ستة عشر.
14) راغب بن طلعت بن بن راغب بن أمين بن المفتي عبدالستار الأتاسي، انظر الفصل التالي أو الخامس لتتمة النسب.
15) وقد أعلمني فيما بعد الشيخ مصطفى بن عبدالرحمن العطاس، الخليفة العام للطريقة العطاسية، أن شيوخ أسرته اطلعوا على شجرة نسب الأسرة وحجة انتسابها إلى آل العطاس الحسينيين عندما زاروا الأسرة الأتاسية في حمص في الثلاثينات من هذا القرن كما سيأتي فيما بعد، وعلى هذا فقد وضعت فعلاً شجرة نسب في قديم الزمان، ولا أعلم إن كانت لا تزال موجودة مع أحد الأتاسيين أو أن الضياع والإهمال قد ألّما بها ولم يعد لها وجود.
16) أسر حمص وأماكن العبادة، دراسة وثائقية-السيد نعيم سليم الزهراوي-الجزء الثالث، ص 99-100
17) انظر مبحث انتماء آل التاسي من جهة الأمهات حيث ذكرنا فيه بحثاً في نسب آل السباعي وصحته.
18) ومهما يكن فإن آل العظم ينتمون إلى أسر شريفة عن طريق الأمهات كما سيأتي.
19) انظر صورة محضر نسب آل الشيخ زين البرمي العباسيين الحسينيين في "أسر حمص وأماكن العبادة-الزهراوي-الجزء الثالث، ص 92" وعليها توقيع المفتي أحمد ابن المرحوم خليل المشهور نسبه الكريم بابن "الأتاسي"، وسوف نشير إلى هذه الوثيقة مراراً في بحثنا لنستخرج منها معلومات متعلقة بمواضيع عدة.
20) الحقيقة والمجاز-النابلسي-ص 109.
21) أما باقي نسب أمير المؤمنين علي رضي الله عنه هو علي بن أبي طالب بن عبدالمطلب (شيبة الحمد) بن هاشم (عمرو العلى) ابن عبد مَناف (المغيرة) ابن قصي (زيد) ابن كلاب (حكيم) ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر (قريش) ابن مالك بن النضر (قيس) ابن كنانة بن خزيمة بن مدركة (عمرو) ابن إلياس بن مُضَر بن نزار بن معد بن عدنان. وبعد ذلك اختلف النسابون إلا أنهم أجمعوا أن عدنان هو من نسل اسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.
22) مجموع بلدان اليمن وقبائلها- محمد بن أحمد الحجري اليماني-ج2 ،ص274-275
23) يطلق عموماً على الأشراف من ذرية علي بن أبي طالب سواء كانوا من زوجته فاطمة الزهراء رضي الله عنها أم من غيرها أينما تواجدوا لقب "العلويين" اصطلاحاً، إلا أن هذا اللقب أصبح علماً على ذرية علوي بن أحمد المهاجر المذكور أعلاه في اليمن مع أن كثيراً من الأشراف من غير آل باعلوي تواجدوا في تلك البلاد كذلك.
24) وقد جرت العادة في حضرموت اليمن أن تستخدم (با) كما تستخدم (ابن) في غيرها من العالم العربي.
25) هو جمال الدين أحمد بن علي بن الحسين المنتهي نسبه إلى موسى الجون بن عبدالله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن الإمام علي كرم الله وجهه المولود عام 748 للهجرة والمتوفي عام 828 للهجرة وكتاب "عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب" هو من أهم آثاره ولعله من أشهر الكتب التي أُلفت في أنساب ذرية أبي طالب بن عبد المطلب. (انظر ترجمته في مقدمة الكتاب لمحققه المرحوم العلامة محمد سعيد حسن كمال في المجلد الثامن من مجموعة الرسائل الكمالية الصفحات 125-126)
26) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب-ابن عنبة-ص235.
27) نيل الحسنين بأنساب من باليمن من بيوت عترة الحسنين وغيرها من بيوت العلم والزهد والصلاح والرياسة اليمنية-ابن زبارة الحسني-الصفحات 277-278، 280، 287-288، 332-333، 349-351، 353-354 و 376-377.
28) مجموع بلدان اليمن وقبائلها-الحجري اليماني-ج2 ،ص274-275
29) المصدر السابق-ج2 ،ص606
30) سنستخدم إصطلاحي "النسب" و"النسبة" لمدلولين مختلفين في هذا الكتاب، فينما سيكون "النسب" هو سلسلة الآباء والأجداد بذكر عمود النسب لأحد الأفراد، ستأتي "النسبة" بمعنى الأصل. وقد نعلم أن "نسبة" أحد الأشخاص هي "حسنية"، ولكننا قد نجهل "نسبه"، فلا ندري كيف كان اتصاله بالحسن رضي الله عنه، وإن تحققنا من شرف محتده، وعلى هذا فليس كل معلوم النسبة هو معلوم النسب، والعكس متحقق.
31) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب-ابن عنبة-الصفحات 232-233
32) "أم ولد" مصطلح يعني به النسابة أن أمه جارية، وكذلك إذا قيل "فتاة" أو "سبية" .
33) شمس الظهيرة في نسب أهل البيت من بني علوي فروع فاطمة الزهراء وأمير المؤمنين علي رضي الله عنه-المشهور-الجزء الأول،كما جاء في تعليق المحقق النسابة العلامة محمد ضياء شهاب في الهامش ص47.
34) الإمام الحداد: مجدد القرن الثاني عشر الهجري-البدوي-ص31.
35) وقد جاء في هامش شمس الظهيرة في تعليق السيد محمد شهاب أنه جاء مع أحمد المهاجر بن عيسى من الأشراف اثنان: محمد بن سليمان بن عبيدالله بن عيسى بن علوي بن محمد بن حمحام بن عون بن الإمام موسى الكاظم بن جعفر الصادق وهو جد آل الأهدل المشهورين، ومنهم تخرج علماء ومصنفين لا يحصون، وجاء معه أيضاً جد آل بني القديم الحسينيين، وهم ينتمون إلى محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق. (الجزء الأول، ص 58).
36) الإمام الحداد: مجدد القرن الثاني عشر الهجري-البدوي-ص33، و شمس الظهيرة-المشهور-الجزء الأول، ص 55.
37) شمس الظهيرة-العلامة المشهور- الصفحات 51-59 في الأصل وفي الهامش.
38) الجزء الأول، ص 274.
39) عمدة الطالب-ص235.
40) شمس الظهيرة-ص 70-71 وفي الهامش
41) المعجم اللطيف لأسباب الألقاب والكنى في النسب الشريف لقبائل وبطون السادة بني علوي أدام الله مجدهم-الشاطري-ص121، و شمس الظهيرة- المشهور-الجزء الأول، ص 72، انظر الهامش.
42) شمس الظهيرة - عبدالرحمن المشهور-الجزء الأول، ص 77 في الأصل والهامش.
43) المصدر السابق-ص 83-85 في الأصل والهامش.
44) المعجم اللطيف-الشاطري-ص102.
45) حَبْشي بفتح الحاء وسكون الباء في اليمن والشرق الأقصى، وحِبْشي بكسرالحاء وسكون الباء في الحجاز.
46) الإمام الحداد: مجدد القرن الثاني عشر الهجري-البدوي-الصفحات35-37.
47) مصادر الفكر الإسلامي في اليمن-الحبشي-ص388، والأعلام-الزركلي-الجزء الرابع، ص 275، ومعجم المؤلفين-كحالة-الجزء الثاني، ص 423.
48) مصادر الفكر الإسلامي في اليمن-الحبشي-ص515-516، والأعلام الشرقية-مجاهد-الجزء الأول، ص 260-261، و معجم المؤلفين-كحالة-الجزء الأول، ص 122، والأعلام-الزركلي-الجزء الأول، ص 113..
49) موسوعة أعلام القرن الرابع عشر والخامس عشر الهجري-الحازمي-الجزء الأول، ص 304-307.
50) مصادر الفكر الإسلامي في اليمن-الحبشي-ص 343، و
www.attasia.org، وشمس الظهيرة-المشهور-الجزء الأول، ص 254 في الهامش.
51) الإستشراف في أنساب الأشراف-الفاخوري-ص 101-102. وفي وثيقة نسب آل الخطيب الفقيه ذكر لابن عم علي بن محمد بن علي العريضي جدهم، ألا وهو أحمد المهاجر بن عيسى بن محمد بن علي العريضي، جد آل باعلوي. وفي الوثيقة ذكر لهجرة الشريف أحمد إلى المدينة عام 317 للهجرة، ثم إلى حضرموت اليمن عام 320 للهجرة.
52) شمس الظهيرة-المشهور-الجزء الأول، ص 47-50، وانظر الهامش.
53) تاريخ حمص، يوميات محمد المكي- ص 60.
54) المرجع السابق، يوميات محمد المكي- ص 67.
55) المرجع السلبق -الصفحات60،67،38.
56) ص109
57) ج2، ص298
58) أسر حمص وأماكن العبادة، دراسة وثائقية-الزهراوي-الجزء الثالث، ص119.
59) أسر حمص وأماكن العبادة، دراسة وثائقية-الزهراوي- الجزء الثاني، ص25.
60) فؤاد أفرام البستاني-ج1، ص25-26
61) وقد توفي الرئيس هاشم الأتاسي عام 1960م
62) وقد زود البستاني بهذه المعلومات علامة الأسرة في وقته فيضي بن طاهر بن خالد بن محمد الأتاسي جد والدي لوالدته رحمه الله.