01-05-06, 12:14 AM
|
#4 (permalink)
|
| •¦[نائب المدير العـامَ]¦•
تاريخ التسجيل: Oct 2004
المشاركات: 1,231
| | <div align="center"> (11)
(كتاب)
من السير ريجنالد وينغيت ـ المندوب السامي في القاهرة
إلى السير آرثر جيمس بلفور ـ وزير الخارجية
در الاعتماد
القاهرة
الرقم: 14 24 كانون الثاني / يناير 1917
سيدي،
أتشرف بأن أرسل لمعلوماتكم ترجمة رسالتين متبادلتين بين شريف مكة وبيني حول رفض الشريف لعرض المساعدة العسكرية البريطانية المقدم له مؤخراً.
لم أر لزوماً لإرسال المراسلة المعقدة نوعاً ما ـ ومعظمها برقيّ ـ وتكوّن هاتان الرسالتان جزءاً منها. لكنني أثق أن الملخص التالي لمظاهر الوضع البارزة يكفي لشرحها وشرح موقف الشريف العام من هذه القضية المتعلقة بإنزال لواء بريطاني في ساحل الحجاز.
إن الأسباب العسكرية لإرسال قوات بريطانية ترجح في رأيي على الاعتراضات على إنزالها في الحجاز. ولذلك رأيت أنني أكون مقصراً في واجبي، سواء تجاه حكومة صاحب الجلالة وتجاه الشريف نفسه، إذا لم أشرح للشريف بكل صراحة الضعف الأساسي لوضعه ووضع العرب العسكري. وعند تقديم هذا الشرح حاولت ـ آملاً في النهاية أن أفوز بالنجاح ـ أن أحرّر الشريف من وهم الانطباع أن هناك دوافع سياسية أو مبطنة لاختلاف الرأي العسكري الذي أدّى إلى تغيير التعليمات الصادرة من لندن والترجرج الظاهر في السياسة البريطانية حول إرسال، أو عدم إرسال، قوات بريطانية ومسيحية لمساعدته.
إنني أذكر ذلك دون روح انتقادية، ودون رغبة في إثارة خلاف جديد، ولكن لكي أوضح أن الشريف كان له بعض العذر في الاعتقاد بأن عدم الثبات الذي يخشى أن يوصم به لم يكن كلياً من جانبه.
واعتقدت أيضاً أن من الأهمية بمكان أن أستطيع القول بأننا قد أصدرنا فعلاً الأوامر للقوات أن تمضي لمساعدة الشريف، وإن هذا الأخير رفض رفض نهائياً قبولها وهو يعرف أن هذا العرض لا يمكن ولن يمكن تكراره. ونحن الآن في هذا الموقف، وقد أوضحنا للشريف أن عليه في المستقبل أن يعتمد على موارده الخاصة، مضافاً إليها المساعدة المالية والمادية التي نقدمها له.
إنني حريص على إزالة أي انطباع بأن الشريف، في رفضه عرضنا للمساعدة كان مدفوعاً بأسباب غير ودية وارتياب في حسن نوايانا. إذ إنني لا أعتقد أبداً أن الأمر كذلك، فقد أبدى حكمة ومقدرة عظيمتين في تأمل العناصر المتباينة الكثيرة التي تقوم عليها سلطته، وسياسته المتصفة بالإقناع المسالم والمفاوضة قد حققت (على الأقل في أعين العرب) شيئاً من النجاح والاتحاد، مما يخاف هو مستشاروه أن يخلّوا به عن طريق اتخاذ خطوة، مثل إنزال قوات مسيحية في الحجاز، مما قد يؤدي إلى تنفير الشعور الديني وخلق اختلافات يحتمل أن تتطلب استعمال القوة لاخمادها. إن وضعه، بلا ريب، صعب بصورة استثنائية، ومع أني، من الناحية العسكرية، أشك في الحكمة النهائية لقراره القاضي برفض مساعدتنا العسكرية المباشرة، فأنا أستنكر بشدة، باعتبار ذلك لا مبرّر له وغير مؤدب، (بالنظر إلى أهمية المصالح التي يمثلها) أن نتخلى عن أية وسيلة في يدنا لمساعدة قضيته والحيلولة دون انهيار الحركة العربية في الحجاز.
ويظهر الآن، وبلا ريب، بسبب النجاح الأخير في رفح، أن الوضع العسكري أصبح أكثر وضوحاً للأتراك الذين سحبوا مواقعهم المتقدمة نحو المدينة. ولكن التغيير الأساسي للأحسن، وإزالة تهديد أي تقدم تركي باتجاه مكة، يتوقف، كما ذكرت قبلاً، على مقدرتنا لمساعدة العرب بصورة دائمية على تعطيل مواصلات السكة الحديدية التركية مع الحجاز. وفي رأيي أن جميع قوانا يجب أن توجّه الآن إلى هذه الغاية.
أتشرف بأن أكون، سيدي مع جزيل الاحترام،
خادمكم المطيع
(التوقيع) ريجنالد وينغيت
(12)
المرفق ـ 1 ـ
(ترجمة رسالة)
من الشريف حسين
إلى صاحب السعادة ريجنالد وينغيت ـ
المندوب السامي لصاحب الجلالة في مصر
سلام وتحية. إننا نقدر حقاً الاهتمام والعناية اللذين أعرتموهما سعادتكم الحركة العربية فضلاً عن صداقة سعادتكم الحقيقية المعلومة للمسلمين الذين قدمتم لهم خدمات ثمينة، والذين صاروا يعرفونكم معرفة جديدة خلال مكوثكم وخبرتكم الطويلة بينهم. لذلك أوفدنا نائب وزير خارجيتنا وكلفناه بشرف مقابلتكم والإعراب عن هذا التقدير لكم. غير أن الظروف لم تسعفه للقيام بذلك، وقد رأينا من الأفضل أن يقوم بتلك المقابلة وأداء هذه المهمة بدلاً من البقاء طول المدة في الخرطوم.
نؤكد لسعادتكم هذا التقدير من جانبنا وإخلاصنا الصادق لشخصكم الكريم.
لقد ظهر لنا جلياً من برقيات سعادتكم الأخيرة المقدمة لنا من قبل وكيلكم المحترم هنا، أنكم تفهمون الأسباب ـ التي سبق لنا ذكرها والتي تجعل نزول قوة أوروبية في الحجاز أمراً غير مرغوب فيه. وأجبنا بواسطة سعادة الوكيل المومأ إليه قائلين إنه لا يحسن ببريطانية العظمى ولا بنا أن نلجأ إلى أي عمل من شأنه أن يكون ضرره أكثر من فائدته لكلينا. وإذا وجدنا أنفسنا، في ظروف طارئة في المستقبل، بحاجة إلى مثل تلك القوة وكانت القوة المذكورة آنذاك موجودة أيضاً، فإننا سندعو كرمكم ولطفكم اللذين تعوّدنا عليهما ونأمل أن يستمرا إلى النهاية. وبخلاف ذلك تكون حياتي وحياة أولادي ضماناً لمستقبلنا. وتأكدوا, يا صاحب السعادة من إخلاصي الصادق، سراً وعلناً، لأن في ذلك مصلحتنا وشرف وعائلتنا وأمتنا، وإننا لن نكون سبباً في الخروج على أي من تلك المبادئ.
أرجو قبول أعمق احتراماتي وأطيب تحياتي.
حسين (موقّع)
ملك البلاد العربية وشريف ملكة
(ترجم إلى الإنكليزية في 1 كانون الثاني / يناير 1917) (13)
(برقية)
من السير برسي كوكس
إلى وزارة خارجية حكومة الهند
الرقم: 327 التاريخ: 10 كانون الثاني / يناير 1917
أرسل وكيل وزير خارجية الشريف مؤخراً برقية دورية إلى شيخي المحمرة والكويت وابن سعود، يحتج فها أمام العالم الإسلامي على سوء فعال الحزب الطوراني، وخاصة على الفظائع التي قيل إنها ارتكبت في المدينة.
وإن ردوداً مشتركة، وقعها شيخ المحمرة، قد تم تسلمها الآن لترسل إلى وجهتها، ويبدون فيها أنهم (يؤيدون) كلياً الاستنكار الذي عبّر عنه تجاه الفظائع المشار إليها، وكذلك إزاء تلك التي ارتكبت في سورية والعراق. ويقولون في الختام: "إننا نحن الثلاثة من نفس الرأي مع سيادة الشريف، الذي هو مؤهل لخلافة الإسلام، والذي نرتبط به كلنا برباط التحالف ونؤيد قضيته".
هل أحذف الكلمات التي تحتها خط، وأُبلغ مرسلي البرقية أنني فعلت ذلك؟ (14)
(برقية)
من وزارة الخارجية ـ لندن
إلى السير ريجنالد وينغيت ـ القاهرة
الرقم: 18 التاريخ: 6 كانون الثاني / يناير 1917
برقيتي رقم 5 (في 2 كانون الثاني / يناير. منح وسام للشريف).
إن وزارة الهند غير متحمسة للسير في موضوع منح الوسام للإدريسي، وعليه أرى أن من الواجب تأجيل منح الوسامين حالياً، خاصة أن الملك حسين قد يشعر بالإحراج من منحه وساماً مسيحياً. (15)
(برقية)
من السير ريجنالد وينغيت ـ المندوب السامي في القاهرة
إلى وزارة الخارجية ـ لندن
الرقم: 32 التاريخ: 11 كانون الثاني / يناير 1917
منح وسام بريطاني للشريف.
برقيتكم رقم 18 في 6 كانون الثاني / يناير.
أعرب الشريف في رسالة شخصية عن امتنانه لحكومة صاحب الجلالة، ولكنه طلب تأجيل مسألة منحه وساماً في الوقت الحاضر.
معنونة وزارة الخارجية. أرسلت إلى الهند وعدن رقم 32. (16)
(كتاب)
من وزارة الخارجية
إلى مسيو بول كامبون ـ سفير فرنسة في لندن
سرّي
التاريخ: 17 كانون الثاني / يناير 1917
يا صاحب السعادة،
أتشرف بأن أبدي، فيما يتعلق بالاتفاقية الإنكليزية ـ الفرنسية التي عقدت في أيار / مايو الماضي حول مستقبل الجزيرة العربية وسورية، أن حكومة صاحب الجلالة تتوقع بسبب تحسين حقول النفط الإيرانية، وفتح حقول النفط العراقية المجاورة لها، أنه قد يكون من الضروري أن تمدّ خط أنابيب إلى بعض موانئ البحر المتوسط.
إذا وقع الاختيار على حيفا محطة لانتهاء الخط، وإذا تمً إنشاء السكة الحديدٍ المقترحة بموجب المادة 7 من الاتفاقية الإنكليزية ـ الفرنسية، تفترض حكومة صاحب الجلالة أنه لن يثار أي اعتراض على خط أنابيب يمدّ على طول سكة الحديد. وحتى إذا لم تنشأ السكة الحديد أو جعل طريقها غير مماشية لخط الأنابيب، فإنها تفترض أن حق مدّ خط الأنابيب لن يكون موضع اعتراض أيضاً.
ومع ذلك، فان حكومة صاحب الجلالة سيسرّها أن تتسلم من الحكومة الفرنسية تأكيداً مآله، فيما يتعلق بها، أن الافتراضات الآنفة صحيحة، وأن تعلم كذلك أنه، في حالة رغبتها بمدّ خط أنابيب إلى الإسكندرونة أو إلى ميناء آخر في المنطقة الفرنسية، إمّا كبديل أو كإضافة للخط الذي ينتهي في حيفا، فهي محقة أن تأمل بأن الحكومة الفرنسية لن تثير اعتراضاً على عملها المذكور.
أكون شاكراً إذا تفضلت سعادتكم بنقل الأسئلة الآنف ذكرها إلى حكومتكم وإعلامي في الوقت المناسب بجوابها.
أتشرف بأن أكون، مع جزيل الاحترام،
خادم سعادتكم الخاضع المطيع.
(توقيع) (17)
(تقرير)
عن المصالح البريطانية في الجزيرة العربية
سرّي
علمنا أن هناك رغبة في إعداد مذكرة توضيح لماذا كان من المهم بالنسبة للمصالح البريطانية استبعاد إيطالية عن جزيرة العرب الغربية والجنوبية وساحل البحر الأحمر.
1ـ إن أهمية جزيرة العرب من حيث موقعها الجغرافي ـ وهي تقع على امتداد اثنين من الطرق الرئيسية إلى الهند والبحر الأحمر والخليج العربي ـ أمر معروف. ولا يمكن لأي قسم من تلك البلاد أن لا يهم بريطانية العظمى التي هي الدولة الوحيدة ذات موطئ قدم في البلاد في الوقت الحاضر. إن سيطرتنا محدودة على شريط ضيق محاذ للساحل من عدن إلى الكويت، وإنه يعتمد في نهاية الأمر على استتباب الهدوء في المنطقة الداخلية. ولما كنا غير قادرين على التدخل في داخلية البلاد أو السيطرة عليها، فإنه لأمر أساسي استبعاد كل بذور الاضطراب المحتملة.
2ـ إن الجزيرة العربية ليست دولة بأي معنى فعلي، بل هي مجموعة من العشائر جمعت بينها المصادفة، وهي مستقرة تقريباً في المناطق الخصبة قرب الساحل، وفيما عدا ذلك فهي رحالة يرأسها شيوخ لا تقرر سلطاتهم الحدود الأرضية، بل العشائر التي يترأسونها في وقت معين. إن سياساتهم متشابكة بصورة وثيقة، و إذا نشب نزاع فإنه قد يمتد إلى الجزيرة كلها. ولدينا مع العشائر والشيوخ على الساحل المذكور علاقات تنظمها معاهدات.
3ـ إضافة إلى هذا كله، فإننا نحتل في عدن منطقة مساحتها 75 ميلاً مربعاً مع مساحة كبيرة من الأرض الداخلية، وقد حددت حدودها مع اليمن، والشيوخ الموجودون داخل هذه الحدود هم تحت حمايتنا.
4ـ لا حاجة للتأكيد على أهمية عدن الستراتيجية، فحصن عدن يكاد يكون منيعاً ضد قوات العشائر. وفي ظروف كالتي قبل الحرب نستطيع أن نحميها بقوة صغيرة جداً فنسيطر على المحمية بالنفوذ والإعانات.
5ـ إن الحدود بين عدن واليمن هي حدود مع الأتراك وليس مع العرب الذين لا يحترمونها كثيراً. وقد جعلت تحديدها ضرورياً دسائس جارنا شبه المستقل إمام صنعاء الذي شجعه الأتراك حينما كان يخدم غرضهم، ولكنهم لا يستطيعون السيطرة عليه بصورة فعالة حين يختار أن يتحداهم. وقد سبق لنا أن اعترفنا بالسلطة التركية، وكلما حدثت حادثة محلية تافهة كان هذا الإجراء الوحيد هو تقديم احتجاج في القسطنطينية وللإمام ادعاءات واسعة في الأراضي الواقعة على جانبنا من الحدود، بل إنها تمتد إلى عشائر حضر موت على ساحل الجانب الآخر من المحمية. أما في الشمال والشمال الشرقي، حيث لم تحدد الحدود بعد، فتحمينا الصحراء الكبرى: الربع الخالي، وعلاقاتنا التعاهدية مع سلطان شحر والمكلا، التي تكون مع ذلك كافية فقط طالما لا تتعرض عشائر حضرموت الداخلية للتحريض.
6ـ إن عدن، إضافة إلى كونها حصناً، فهي ممر تجاري بري مهم مع المحمية (كانت قيمة هذه التجارة قبل الحرب حوالي 000,300 جنيه في السنة). وبناء سكة حديد من عدن إلى تعز ـ وهو مشروع مرغوب فيه لأسباب سياسية أيضاً ـ سيجعل من عدن المنفذ الرئيسي لتجارة اليمن. فإذا أصبحت دولة أخرى ذات نفوذ في اليمن، فإنها ستقوم بإنشاء خط من الحديدة إلى صنعاء، وستصبح "الحديدة" هي المنفذ، وستخسر عدن تجارتها الحالية.
7ـ إن اليمن هي التي تتركز فيها مطامع إيطالية بصورة رئيسية. واليمن منطقة صغيرة مثل الجزيرة العربية، وحينما يخرج الأتراك من الجزيرة العربية، فإنها لن تقع بيد سيد عربي واحد. فالإدريسي كما نعلم سيدعي بالأراضي الممتدة إلى الجنوب حتى الحديدة، بما فيها الحديدة، وإمام صنعاء سيطالب بالقسم الأعظم مما تبقى. وهنالك على حدودنا بعض الشيوخ (مثل ماوية) ممن سيكون بقاؤهم مستقلين أمراً في مصلحتنا. وقد تعهدنا بموجب معاهدة أن تضمن استقلال الإدريسي في إقليمه (وهو غير محدد) وأن نقوم بالتحكيم بينه وبين الإمام حينما تتضارب ادعاءاتهما. وربما كان الإدريسي والإمام نقيضين لا يمكن التوفيق بينهما، وإن كانت إزاحة الأتراك قد تؤدي إلى تقاربهما.
8 ـ إن الحرب الإيطالية ـ التركية جعلت إيطالية الدولة المسيحية غير المحبوبة أكثر من سواها في العالم الإسلامي، ومما قوى الكراهية نحوها أساليب إيطالية في إدارة المستعمرات، وصفاتها القومية، وخاصة معاملة إيطالية لنساء الشعوب الخاضعة لها، وهي نقطة حساسة جداً لدى المسلمين. إضافة إلى ذلك كان لدى الإمام سبب آخر لكراهية إيطالية، لأنها حاصرت ساحله، ودعمت الإدريسي بالسلاح والمال خلال الحرب.
9ـ ويتضح من الوصف السابق للظروف السياسية العامة أن ظهور إيطالية في اليمن سيخلق في غرب الجزيرة العربية وجنوبها هياجاً لن يكون قاصراً على تلك المنطقة، وإننا بصفتنا الدولة المجاورة، سنكون المتضررين الرئيسيين منها.
إن موافقتنا على ذلك ستكون موضع استياء الشريف الأكبر والعرب كإخلال بالثقة نحو ما يسمى "الدولة العربية". ومن الممكن أن يشترك في هذا الاستياء جميع العالم الإسلامي (بما فيه الهند)، الذي سيعتبر أننا بعد أن خذلنا الأتراك، نقوم الآن بخذلان العرب، وسيعود هذا بأثر غير مرغوب فيه على سمعتنا كدولة صديقة للإسلام. وقد عاد بالفائدة على العرب دعمنا لهم ضد الأتراك، ولكنهم لم يعودوا يحبوننا، وحينما يزول الخطر التركي فليس من المؤكد مطلقاً أن لا تقع وطأة كراهيتهم علينا، وستكون تلك الكراهية مضاعفة إذا ظنوا أننا لم ننقذهم من الأتراك (الذين هم مسلمون على الأقل) إلاَّ لنسلمهم إلى الدولة المسيحية المكروهة أكثر من غيرها.
وإذا كان الإدريسي يرحب بالإيطاليين بسبب علاقته السابقة، فمن المؤكد أن الإمام سيعارضه، وسيكون معنى ذلك أن تنشب على حدودنا معارك ستنتهي، في أحسن الأحوال، بسلم غير مستقر، نظراً لأن الإيطاليين سيكونون مرهقين بدرجة لا تسمح لهم بحركات حاسمة في التلال. ويجدر بنا أن نعلم، من خلال خبرتنا السابقة بعلاقات الإيطاليين مع السنوسي في برقة، والاحتكاك الناجم عن ذلك مع مصر، ماذا يجب أن نتوقع في عدن، وعلينا أن نتوقع، قبل مرور مدة طويلة أن نتورط نحن أنفسنا في معارك تقع على حدودنا إن لم يكون في داخلها.
ومن جهة أخرى إذا كان الإمام يقبل بالسيادة الإيطالية، فيجب أن يكون من المنتظر أن قسماً من الثمن الذي سيطلبه، سيكون التأييد (الضمني على الأقل) لادعاءاته التي لا تتعارض مع ادعاءات إيطالية، أي في محميتنا وفي حضرموت. ولن يكون لنا خلاص من دسائسه إلاّ بمناشدة روما، مما يحتمل أن يكون أقل ثمرة من مناشداتنا للقسطنطينية.
إذا كانت هذه التوقعات قائمة على أساس صحيح، فمن الواضح أن موقفنا في عدن يجب أن يتخذ على أساس مختلف تماماً. وبدلاً من الاحتفاظ بقلة من الجنود في الحصن، ومن ممارسة سيطرة ضعيفة على العشائر عن طريق الإعانات المالية، فسنضطر إلى المحافظة على المحمية بالقوة. وهذا بالتأكيد ليس احتمالاً تنظر إليه حكومة صاحب الجلالة باطمئنان.
10ـ لقد أظهرت الحرب الحاضرة كيف يمكن استعمال الإسلام ضدّنا، والجزيرة العربية ذات أهمية كبيرة للعالم الإسلامي، ليس فقط كمهد الإسلام ومركز المدن المقدسة، بل أيضاً بالنظر إلى أن موقعها الجغرافي يجعلها أسفيناً بين مسلمي أفريقية ومسلمي الهند والأقطار المجاورة.
11ـ إن النجاح النهائي لسياسة حكومة صاحب الجلالة في الشرق الأوسط يستند إلى حدّ بعيد على نقل الخلافة من تركية إلى بلاد العرب. وهذا بدوره يعتمد على إمكان جعل حاكم الحجاز قوياً بصورة كافية ليقوم بدور حاكم مستقل. وهذا أيضاً يستند إلى إبقاء الدول المسيحية على بعد كاف، ولكن احتلالاً إيطالياً لليمن يؤدي، بسبب الصلات القائمة بين المنطقتين، إلى جعل إيطالية سيدة الحجاز. وقد قال سيّد عربي للكرنل جيكوب منذ سنة 1912: "إذا ذهبت اليمن ذهب الإسلام".
هذه بعض الأسباب التي حدت بنا إلى أن نحتفظ، فننص في الاتفاقية الإنكليزية ـ الفرنسية على "أن الحكومتين البريطانية والفرنسية تتفقان بأنهما لن تحصلا، ولن تسمحا لدوله ثالثة بالحصول، على امتلاك أراض في الجزيرة العربية". وللغرض الحاضر تكون منطقة النفوذ مساوية لتملك الأراضي.
أ. هيرتزل
20 كانون الثاني /يناير 1917 (18)
(برقية)
من وزارة الخارجية ـ لندن
إلى السير ريجنالد وينغيت ـ القاهرة
الرقم: 51 التاريخ: 20 كانون الثاني /يناير 1917
برقيتكم رقم 58 (في 19 كانون الثاني / يناير) سحب اللواء البريطاني في السويس.
أتفق معكم في وجوب سحب اللواء الموجود في السويس الآن، وبإمكانك التصرف بناء على ذلك فور تسلم ضباط القيادة العام تعليمات واضحة من وزارة الحربية. (19)
(كتاب)
من وزارة الهند ـ لندن
إلى وزارة الخارجية ـ لندن
الرقم: 353 التاريخ: 26 كانون الثاني /يناير 1917
سيدي،
إشارة إلى كتاب دائرتكم المرقم دبليو 255868 في 20 كانون الأول / ديسمبر.
أوعز إلّي وزير الهند أن أبعث إليكم، لاطلاع وزير الخارجية، نسخة من برقية حكومة الهند. ويظهر منها أنها لا تحبذ الاقتراح الخاص بإرسال وفد من أصحاب النفوذ من مسلمي الهند إلى الحجاز في الوقت الحاضر.
أتشرف أن أكون، سيدي
خادمكم المطيع
(موقع) آرثر هيرتزل (20)
(برقية)
من وزارة خارجية حكومة الهند
إلى وزارة الهند ـ لندن
التاريخ: 22 كانون الثاني /يناير 1917
سرّي
برقيتكم المؤرخة في السادس والعشرين من الشهر المنصرم. بيان العلماء.
البيان لم ينشر، ولكن مبارك علي نفسه عرضه على بعض كبار المسلمين، وفي لكناو على وجه الخصوص، بدون أن يثير حتى الآن أي حماس واضح أو إثارة. ونحن نترك له حريته الآن للإفادة من البيان كيفما شاء. لكننا مقتنعون بأن قيامنا بدفع الإعلان سراً أو علانية سيفشل الهدف من ورائه. ونميل إلى الاعتقاد، لأسباب مماثلة، إننا لن نكسب شيئاً في الوقت الحاضر كما هو مقترح من إرسال وفد من أصحاب النفوذ من المسلمين إلى الشريف على حساب الحكومة.
إن من المستحيل لنا الاشتراك في الدعاية أو حتى دعمها بدون أن نصبح طرفاً في خلاف ديني. وإذا اقترحت جماعات المسلمين من تلقاء أنفسها إرسال وفد إلى الحجاز، فعلينا أن نكون مستعدين لمنحه كل التسهيلات إلاّ إذا حدث تغير خطير في الوضع هناك. (21)
(برقية)
من السير ريجنالد وينغيت ـ القاهرة
إلى وزارة الخارجية ـ لندن
الرقم: 77 التاريخ: 29 كانون الثاني /يناير 1917
الحجاز. الوضع العسكري يظهر تحسناً ملحوظاً.
إن الوحدات التركية المتقدمة التي كانت تهدد ينبع ورابغ قد تراجعت، وذلك بسبب ازدياد نشاط العرب في الجناحين والمدينة. وإن انتصاراتنا في سيناء وصعوبات التجهيز قد أثرت بلا شك في تحركات الأتراك.
العرب يظهرون نشاطاً متزايداً بدرجة عظيمة بالنسبة إلى الغارات، وإن العرب بقيادة الأمير علي شاغلوا القوة التركية في منطقة الغاير وأجبروها على التقهقر.
وبمساعدة بحرية من بريطانية، أرغمت الحامية التركية في الوجه على التقهقر إلى الداخل متكبدة 20 قتيلاً و 80 أسيراً وخسارة مدفعين و 400 بندقية. أفادت التقارير أن تأثير هذا النجاح على قبائل شمال الحجاز كان ممتازاً، ويأمل العرب أن تتم استمالة رجال القبائل للتعاون مع مجندي الشريف ضد خط سكة الحديد.
معنونة إلى وزارة الخارجية. أرسلت إلى الهند وعدن برقم 77. (22)
(كتاب)
من الميجر كورنواليس ـ مدير المكتب العربي بالقاهرة
إلى الكرنل سايمس ـ مدير العمليات السرية
التاريخ: 2 شباط /فبراير 1917
أرسل بطيه ترجمة كتاب من ملك الحجاز إلى فخامة المندوب السامي بتاريخ 22 كانون الثاني /يناير 1917.
إن الأصل العربي للكتاب غامض في مواقع معينة، ولذلك فإنني أقدم ترجمة حرة للمعاني كما شرحها لي الشيخ فؤاد الخطيب.
الميجر
مدير المكتب العربي
المرفق
(كتاب)
من الملك حسين
إلى المندوب السامي البريطاني في القاهرة
التاريخ: 22 كانون الثاني /يناير 1917
بسم الله الرحمن الرحيم
سعادة الوزير الشهم الهمام
بعد الاحترامات اللائقة
أعتقد أن فخامتك لا تزال تتذكر وعدي بأن أقدام لاطلاعك الأسباب التي حملتني على اتخاذ إجراءات معينة قد يظهرها المستقبل على ضوء آخر. فقد لا حظنا شيئاً من التردد الذي يعود أولاً إلى أننا عزونا، في بياننا الأول، أسباب ظهور حركتنا إلى الاتحاديين وليس إلى أعضاء العائلة المالكة التركية أو الأتراك الآخرين الذين يكرهون الاتحاديين. وثانياً تولينا الملكية مع لقب ملك البلاد العربية، وقد فعلنا ذلك بنية حسنة، وستظهر لك نتائجه الطبية في المستقبل القريب، صحة السياسة التي اتبعناها.
وعلى ذلك، وجواباً عن رسالتكم التي وصلتني بواسطة رئيس كتّاب الوكالة البريطانية في جدة، وتضمنت تحياتكم الكريمة، وتمنايتكم لنجاحها، فإنني أنتهز الفرصة للكتابة إليكم والإعراب لكم أولاً عن أجمل تشكراتي لتحياتكم وتمنياتكم الطيبة. وثانياً أرجو أن أشير لفخامتكم إلى ما كتب في الملف المحتوي على اتفاقيتنا المباركة: كيف وافقنا على استثناء مستعمرة عدن ووعدنا بحماية حقوق شيوخ وأمراء مناطق الخليج العربي ]الفارسي[ وغيرها تلك الحقوق التي قد تكون الحكومة البريطانية مسرورة لو ضعها تحت حمايتنا، وكيف وافقنا على تعديل حدودنا الشمالية والشمالية الغربية.
وأود أن أشير لمدارك فخامتكم السامية أننا عزونا أسباب حركتنا إلى الاتحاديين، فكان أقل نتائج ذلك كسب توفيق فكرت[1] وغيره من الذين عارضونا في البداية، وأنقاذكم وأيانا من الدسائس التي يقع في حبائلها الجهة من رعايا الدولة العثمانية وغيرهم بأيدي أولئك الذين يعبدون مصالحهم ولا يهتمون إلاّ بمنافعهم الشخصية.
أظن ما جاء أعلاه يكفي لإقناعكم حين أرجو تأنيكم في إصدار أي حكم متسرع حتى يظهر الزمن نتائج أعمالي.
ومن جهة أخرى إذا وجدت حكومة جلالته أنني لسب مؤهلاً بدرجة كافية لهذه الإدارة أو ما هو من هذا القبيل، فعندئذٍ لا أريد أن تتحملوا من أجلي أي عبء مهما كان صغيراً في شكل مساعدة مالية أو معنوية، إذ إنني لست متهالكاً على تأسيس مملكة أو تشكيل حكومة أو تولي زعامة. إن همي الوحيد هو رفاه بلادي وسعادتها، والحفاظ على العلاقات الودية مع بريطانية التي لا يمكن لأهل هذه البلاد أن ينسو فضلها وساعدتها الثمينة لنا. إنني مستعد للتضحية بكل منافعي الدنيوية لمجرد إبقاء هذه المبادئ السامية.
وأرجوا أن تتأكدوا فخامتكم والحكومة البريطانية أنني سألتزم على الدوام بأقوالي التي صرّحت بها في جدة أمام المحافل السياسية، وهي أنني على أثر أصغر إشارة سأنسحب حالاً من هذه العملية، لأن مبادئي تجبرني على ذلك والله على ما أقل شهيد.
أرجوا أن يمنحكم الله تعالى ما تصبون إليه ويديم قوتكم وسلطتكم.
المخلص
حسين
26 ربيع الأول 1335
(22 كانون الثاني /يناير 1917) (23)
(برقية)
من وزارة الخارجية ـ لندن
إلى السير ر. وينغيت ـ القاهرة
الرقم: 81 التاريخ 3 شباط /فبراير 1917
عسكري
ينظر مجلس وزارة الحرب في قضية الحجاز، وقد قرر اعتبارهم بعد الآن قائداً عاماً للحجاز، وبهذه الصفة توضعون من الآن فصاعداً تحت الأوامر المباشرة لوزارة الحربية.
هذا القرار لا يؤثر قطعياً في وضعكم فيما يتعلق بمصر. (24)
(مذكرة)
حول الأوضاع العامة في الجزيرة العربية (الحجاز)
وسياسة البعثة البريطانية لدى الشريف الأكبر وتنظيمها
خاص
1ـ عام
عند قيام الثورة العربية، كانت البعثة البريطانية لدى الشريف تتألف من بضعة ضباط، يفتقر البعض منهم إلى الخبرة العسكرية والبعض الآخر لم يكن على أية معرفة باللغة العربية. ولا فائدة ترجى من تناول ذلك بالتعليق الآن، ولكن كان بالإمكان تفادي الكثير لو أرسل ضباط من ذوي الخبرة منذ البداية.
تولى الكرنل (ويلسن) في وقت لا حق المسؤولية كممثل لحكومة صاحب الجلالة، وتلا ذلك ظهور بعثة عسكرية فرنسية على مسرح الأحداث، ووصلت مؤخراً بعثة عسكرية بريطانية، كان وضعها وواجباتها على شئ من الغموض بالنسبة للمبعوثين البريطانيين الموجودين من قبل. ويقترض أن تكون مهمات البعثة العسكرية تقديم المشورة وإرسال التقارير، وليس المقصود بها القيام بدور فعال في تولي السيطرة العسكرية على فرق الإغارة الصغيرة. وكانت البعثة برئاسة الكرنل ويلسن، وقد اقتصر تعامله مع الضابط الأعلى رتبة فقط من بين أعضائها. ولا يمكن أن يكون للبعثة أي دور إلاَّ إذا قام أعضاؤها بدراسة الخطط وسياستها في المستقبل والاتفاق عليها. إن تسلم العضو الرئيسي السيطرة الكلية بنفسه أدى بصورة طبيعية إلى إبطال عمل البعثة.
2ـ إعادة التنظيم والواجبات المقترحة للبعثة العسكرية البريطانية
هناك مقترح يقتضي بحل البعثة العسكرية، وتولية أحد ضباطها مسؤولية السيطرة الكاملة على أعضائها من البريطانيين، مع وجود ممثلين له في الموانئ ولدى الجيوش المختلفة حسب ما يراه مناسباً.
ويجب أن يكون لديه أيضاً ضابط ركن يتولى الأعمال العامة وآخر للتجهيزات والمعدات بالإضافة إلى ضابط طبيب لتقديم المشورة في جميع الأمور المتعلقة بالصحة العامة.
ومن الأهمية بمكان تعيين ضباط ركن يتولى مهام التجهيزات، لأن الخدمات البريدية والمؤن وغيرها ليست في حالة مرضية الآن، يبد أن تنظيمها على أسس متينة لا تتخلله مصاعب كبيرة.
وسيتولى الضباط الملحقون بالجيوش تقديم المشورة للشريف الذي عليهم التعامل معه حسب الخط العام الذي ترسمه قيادة الأركان البريطانية. وهذا بدوره سيغني عن سخف إبداء ضباط مختلفين آراء مخالفة ووجهات نظر شخصية للشريف الذي يعملون معه، ليتبنّى خطة أو توجهاً مختلفاً في عملياته كما هو سائد الآن. ولا شك أن الضباط الذي يتولى قيادة الضباط والموظفين البريطانيين سيناقش الأوضاع معهم ويضع الخطوط العريضة للنهج الذي يجب على القادة الشريفيين المختلفين اتباعه. عند ذاك سيتوفر نوع من التنسيق في العمليات والآراء والنهج العام. إن ضابط القيادة البريطاني لن يكون مقيماً في (جدة) بشكل دائم، بل سيتنقل على الدوام وهو على سيطرة كاملة على ضباطه وموظفيه جميعاً.
3ـ المعدات والتجهيزات للقوات الشريفية
يبدو، في الوقت الحاضر، أن بإمكان كل ضابط الحصول على أية مادة من لائحة التجهيزات، إذا وجدها ضرورية بالنسبة له. ولذا صار بإمكان المرء مشاهدة دراجات بخارية ملقاة على الشاطئ، وعربات مصفحة تجوب سواحل البحر الأحمر، ومدافع عاطلة بقذائفها المعطوبة. ويسمع المرء أيضاً بتحرير نسختين متماثلتين لطلبات شراء الأحذية العسكرية والخيم ومستلزمات المطابخ وغيرها، إضافة إلى ظهور الكثير من التكرار في طلبات المشتريات المتطابقة.
ومن الضروري وجود نظرة واضحة عمّا هو ضروري من المعدات لجيوش الشريف الأكبر ما هو ليس بضروري. إن قيام ضباط مختلفين بتوزيع البنادق ورشاشات (ماكسيم) بصورة عشوائية عند الطلب هو أمر يبعث على الأسف. كما أن الفوضى التي تنتاب أوضاع المواصلات ونقل التجهيزات حالياً، تعود في المقام الأول إلى عدم إرسال جميع المعدات عبر قناة واحدة، وتعود ثانياً إلى خضوع تحركات السفن بالضرورة إلى تغييرات من قبل القائد البحري في المنطقة.
إن الزوارق العاملة بين الموانئ الساحلية، وسفن السحب تعتبر ضرورية، ويجب وضعها تحت السيطرة العسكرية.
ومن الضروري توفر قدر من الاتصالات لتوفير استقلالية المراكز العسكرية عن السفن، والاتصالات اللاسلكية وتوفر خدمات بريدية عسكرية بصورة منتظمة ومتتابعة بواسطة زوارق القطر، سيؤمن ذلك (بين السويس والمرافئ الساحلية) أو عن طريق محاطات اتصال لا سلكي في البر توضع في القواعد الرئيسية.
وليس بذي فائدة تماماً الخوض في بحث احتمالات إنشاء محاطات اتصال بالإشارات مع السفن، التي تنتقل بين الجيوش المختلفة باستخدام المصابيح والهيليو، فالاعتراضات على ذلك واضحة وعديدة.
4ـ القيمة العسكرية للجيوش
إن قيمة الجيوش الشريفية كقوة عسكرية تساوي الصفر، لو استخدمت وفق مبادئ خاطئة، أو إذا طلب إليها أداء مهمات تصعب على جنود مدربين. إن الهجوم على (الوجه) هو مثال على ذلك. فعلى الرغم من أن جيش فيصل انطلق في زحف لمدة 4 أيام فقط باتجاه الشمال وسار موازياً للساحل وعلى بعد 20 ميلاً فقط منه، ضل جزء كبير منهم طريقهم ووصلوا إلى أماكن اللقاء المتفق عليها متأخرين عن الموعد يومين.
وبصفتها جيوشاً غير نظامية مقتصرة على علميات حرب عصابات، فإنها تعد قوة لها قيمة منتظرة. أما مدى ما يجب تجهيزها به من لوازم ومعدات حديثة فأمر يحتاج إلى قرار على الفور.
وليس معلوماً إلى أي مدى يذهب بقية القادة الشريفيين من حيث الاهتمام بتدريب جيوشهم، ولكن من المؤكد أن الشريف فيصل يتجاهل ذلك، ويعتمد اعتماداً كلياً على بضعة ضباط كانوا في الجيش التركي، وقادة عرب.
إن المدافع ورشاشات (ماكسيم) التي بحوزتهم الآن تسدّ حاجاتهم من المعدات. وليس لديهم سوى عدد قليل من الرجال المدربين عليها والقادرين على تشغيلها، ولا يمتلكون قادة من ذوي القدرات التكتيكية على استخدام مثل هذه الأسلحة.
إن قائد المدفعية مع الشريف فيصل (قاسم أفندي) مغرور بنفسه ويغر كفؤ بشكل لا يطاق، فهو لا يرد أن يتعلم، وفي الحقيقة صرح أمام حشد من المعجبين، ومن بينهم الشريف نفسه، أنه يعرف عن المدفعية أكثر مما يعرفه أي ضابط ألماني أو إنكليزي، وأنه يستطيع أن يجتاز الامتحان أحسن من أي منهم. وكل من هو على صلة تشرّب بفكرة أن المدفع عيار 95,2 هو سلاح عديم الفائدة، وعبثاً راحت كل الجهود في إقناعه بأن المدفع المذكور إذا أحسن استخدامه لهو سلاح مثير للإعجاب. وفي الحقيقية أصبح يتفق الآن مع القول بأن مدافع الميدان، حالياً، لا تناسب العمليات الآتية مستقبلاً بسبب التضاريس الطبيعية ومصاعب أخرى واضحة. وتتعالى صيحات المطالبة، حالياً، من كل أفراد الجيش، من الشريف الأكبر نفسه نزولاً إلى آخر مجند، مطالبة بالحصول على مدافع جبلية طويلة المدى، باحث طراز من مدفع "شنايدر".
إن امتلاكهم لهذه المدافع سيجعلهم واثقين من قدرتهم على صد هجمات الأتراك والمضيّ إلى سورية. وتجهيز الشريف الأكبر بالمزيد من المدافع يصعب تبريره من وجهة نظر عسكرية بحتة، ولكن لأسباب سياسية وبسبب مدى هو سهم بقوة مدفع (شنايدر) الجبلي وثقتهم بالنصر في حالة حصولهم عليه، نوصي بشدة أن يزوّد الشريف فيصل ببطارية مدافع "شنايدر" ومن آخر طراز. ولو أريد لهم أن يزودوا بالمدافع، فالأولى إعطاؤهم أحدث الطراز ما فضل القذائف التي يمكن شراؤها لأن المدافع القديمة، إضافة إلى كونها عديمة الفائدة، فإنها لن تثير سوى استياء القادة العرب.
وأبدى الشرقيون في كل الحروب الصغيرة اعتقاداً مبالغاً فيه، بقوة المدفعية، وعانوا أيضاً من كوارث عديدة بسبب هذا الاعتقاد.
ولدى الشريف فيصل الآن انطباع بأن امتلاك مدافع يبلغ مداها 2000 ياردة أبعد من المدفع 2,95 بوصة، لن يكسبه الحرب، ولكن لا شئ، أيضاً، سيقنعه بخلاف ذلك، وعليه ولغرض تثبيت قلوب أفراد جيشه وكذخر معنوي لهم، يصبح إنفاق أثمان تجهيزه بهذه المدافع مبرراً شرعياً.
ولا شك أن البدو يشكلون العمود الفقري لجيش الشريف، مع أنه لا فائد هنا من الخوض في بحث كيفية تمكن الضباط والجنود السوريين من الانخراط خلسة في صفوفه، فهم لم يظهروا أنفسهم بمظهر المقاتلين الجيدين أو القادة الجيدين. ومن الصعوبة بمكان إدراك القيمة العسكرية لجمع من السوريين كانوا يوماً مشتركين ـ صحيح أن اشتراكهم لم يكن فعالاً ـ في الدفاع عن المدينة ضد جيش الشريف، ليظهروا بعد يومين في استعراض مع الجيش آنف الذكر ويشار إليهم على أنهم الوحيدون الذين ساروا بخطوات منتظمة أمام الحضور. وحين تصل الجيوش الشريفية إلى خط سكة الحديد وتواجه جنوداً مدربين، هل سيكون بإمكان هؤلاء السوريين حينذاك تبرير وجودهم ضمن جيش أو جيوش ربما كانت لها قيمة أكبر في ما لو تشكلت كلياً من العرب، ووضعوا تحت إمرة قادتهم الخاصين بهم.
إن أفراد الجيش من العرب من صنوف الهجانة والمشاة والخيالة جيدون. أما نقاط الضعف فتكمن في أقسام المدفعية والمدافع الرشاشة. ويشل هؤلاء نقاط الضعف لأنهم غير مدربين ويؤمنون بأن مجرد امتلاك الجنود والمدافع بحد ذاته ضمانة للنصر.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] توفيق فكرت (1870ـ 1915) من أشهر أدباء الأتراك وشعرائهم في زمانه، فإذا كانت إشارة الشريف حسين إليه فلا تكون مفهومة لأن وفاة توفيق فكرت كانت في سنة 1915 أي قبل كتابة هذه الرسالة بستين تقريباً. (ن.ف.ص)</div> | |
| |