الحمدلله عز فلا يبلغ حمده الا مثلما حمد نفسه
والصلاة علي النبي الكريم واله البرره
تدبرات في قوله تعالي " يا ايها الذين امنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم ولاتجسسوا ولايغتب بعضكم بعضا..."
قال رسولنا (ص) انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق وقال ربنا تعالي واصفا دينه :دينا
قيما ملة ابراهيم حنيفا وما كان من المشركين"
فديننا الاسلام اذا هو جمع من مكارم الاخلاق والقيم لم يات بمثلها دين ولم يكتمل في غيره نظمها.
ومن هذه القيم ثلاث هي فحوي هذي المقال, غفل عنهم في زمننا هذا افاضله فكيف حال الجهال اذا؟ وهي الغيبة والتجسس وسوء الظن
والخطاب الوارد فيهما هو من الله العزيزالاجل الي نخبة الخلق وهم المؤمنون, والمؤمنون غير المسلمون كما ورد في سياق نفس النص الالهي "ولكن قولوا اسلمنا..."
فإذا هذه المعاني الرفيعه وجهت الي المؤمنين وهي تاديب الهي لهم وتقنينا لطبيعة التعامل بينهم كفئة اختصها الله والف بينها ووحدها تحت لواء الايمان بشعبه
فاول الخطاب بدأ بالنهي عن الظن ووصف كثيره بالاثم وان اصاب قليله. وللظن ابواب اهمها بابان وردا في النص الكريم وبدأ بالتجسس.
والتجسس الذي استهل به في الايه الكريمه هو محاولة منا بني البشر للاطلاع علي افعال الاخرين وسبر اغوارهم. وقد يجوز فعله في الحرب ومع غيرالمؤمنين لكنه منهي عنه بصريح العباره امرا الهيا لا يناقشه الا جاهل وما اكثر الجاهلون
وإذ يحسب البعض ان التجسس يمنهم علما بنوايا الاخرين فإذا ما كان الله لينهي عنه وفيه مثل هذه الفائده. لكن الحقيقة ان التجسس يعطيك علما بجزء من الصورة وليس الصورة الكامله (علمت شيئا وغابت عنك اشياء) فهو علم محدود بقدر محدودية الحواس العقليه
ومن النقص في العلم ينفتح باب الظنون وهو ايما هدم للعلائق بين المؤمنين
اما الشق الثاني‘ الغيبه فما اقبح ما وصفها الله به فهي واكل لحم الاخ ميتا مثال مشتبه ومتشابه. وعدم اكتمال الصورة من باب الغيبه يشبه عدم اكتمالها من باب التجسس ويزيد عليه بنشر الدعوي الي سوء الظن وذلك مزمار ابليس
وان هذين العملين شق علي الصحابة الاتقان فيهما فلنحذر الله اذا في انفسنا
واضرب هنا مثلا بحادثة الافك اذ بدات بتجسس اعطي صورة ناقصة ثم اعقبه ظن هو اثم عظيم ثم اعقبه غيبة نشرت دعوي الفتنه وسط المؤمنين فتنة لم تنطفئ عند وقتها ذلك بل امتدت الي موقعة الجمل ومن ثم الي زماننا هذا
فاذا الربط الالهي بين الثلاثة انما هو من من كمال النص وجمال اياته المحكمات وحكمتها الجليه لكل ذي عقل فهل من عاقل
احبك يا محمد ما دمت حيا *** وكيف لمثلك ان لا يحب
رزقت المكارم رزقا جليا*** وجودك اروي صبابة صب
هذا وقد ابتلي زماننا هذا بفوضي في المعاني والقيم مثل ما انبانا رسولنا (ص) ام من علامات الساعة ان يصير الرذيل من العمل في اعين الخلق حسن وان تصير مكارم الاخلاق مصدر انكار
ولتقريب معاني الفتىة في هذ الافعال اسوق هذ الامثله في تشدد الصحابه في اخذ الناس بظواهرهم
واولها الاشارة الي حادثه سيدناخالد بن الوليد
ثم اسوق قصة سيدنا عمر بن الخطاب اذا راي ليلا اجنبيا في خلوة مع اجنبيه ثم جاء في اليوم الثاني في مجلسه وفيه سيدنا علي كرم الله وجهه وجمع من الصحابه فسالهم قائلا "لو ان امير المؤميني راي كذا وكذا..." فرد عليه سيدنا علي (ع) ان لو لم تقل "لو" لاقمنا عليك الحد
وجه المقارنه
إشارة سيدنا علي(ع) الي حكم حادثة الافك
واستحياء سيدنا عمر(ر) امام الشرع علي ما عرف عنه من شدة في الحق وذلك بلا شك ان الحق لا يتماشي معه في هذا الموضع
ورد ايضا ان سيدنا عمر(ر) راي بالليل علي قارعة الطريق (الجانبي) رجلا يضم امراءة اليه فعلاهما بالدره فرد عليه الصحابي بان هذه رزجه ليس بينه وبينها حجاب فساله سيدنا عمر(ر) ان يقتص منه‘ فاما القصاص فليس عقوبة علي انه علاه بالدره ولكن عقوبة علي انه اساء الظن به وهو من باب ما ذكرناه من قبل لولا انه حادث عرض ليس مثل ان يبيت المرء نية ان يتجسس علي الاخرين ليري افعالهم
في فلسفة المتصوفه
عند المتصوفه روايات تشير بان فئة منهم يضعون انفسهم في مواضع اللوم من باب انتفاء حظ النفس فس المدح وعرفوا بالملاماتيه
ومن قصص هؤلاء ان شيخا يربي مريده علي الاستقامه وذات يوم ساقت الاقدار المريد الي موطن اجتمعت فيه الرذائل وبينما كان يمشي علي استحياء ويستغفر ربه اذا به يري شيخه في خمارة وبجواره صبي كالبدر واماه زجاجه ملاي فما زال في حيرة ازاء هذا المشهد متوقفا في حال من الذهاب والاياب في موضعه حتي ناداه شيخه فلما اتاه مد اليه الزجاجة ليصب منها فإذا هي ماء قراح ثم قال له الغلام ابني من صلبي فلما استكان المريد واطمان لعض الشئ قال له انا هنا بامر الحضره لحماية احد هؤلاء الغافلين من عذاب واقع بهم ولاخرجه من بينهم بقوة الجذب (رحمة من ربك وما فعلته عن امري)
ثم انك احسنت اذ لم تسئ الظن واحسب ان الله راض عنك حين تفكر في مساءلتي خشية ان تسئ الطن بي فيوقفك الحياء والادب وتارة اخري تفكر في الذهاب ادبا معي فتخاف ان يفتح علي نفسك باب الظنون في فتكزن اثما
ولقد رايتك والادب يتصارع في جوانحك بين ان تسالني حفظل لنفسك او تتركني ادبا معي
ولقد رضيت عنك
ثم فتح له ابواب المعرفه وانوار اليقين ليرقي في مدارج السالكين
هكذا رويت
تروي هذه القصه في مجالس المتصوفه وفيها ملامح التربيه ‘ اولها الاختبار الوعر الذي مر به المريد ثم كيف احتوي الشيخ حيرته بالتدرج من التفسير البليغ يالماء وقفل باب غواية الشيطان ويليه المكاشفه الاعجارزيه بما في صدر المريد ليطمئن قلبه مزيدا واخير وهو مربط الفرس هو كيفية سلوك هذا المريد فقد دخل من باب حسن الظن والادب وما اقل ما سمعنا عن سالكين من هذا الباب وهذا قول يفهمه اهل التصوف فأن يكون حسن الظن باب للسلوك فانظر الي صغر العمل وكبر الاجر
واخيرا ان لنا في ارتباط الصبر بحسن الظن كفضيلتين دلالة في سورة الكهف حيث كان ضيق صبر سيدنا موسي (ع) بما يري بابا لعدم حسن طنه بما يري (فقد حكم علي الامور العقلانيه المحدوده) وكان ذلك شرط اساسيا –اي حسن الطن- لولوج باب العلم الباطن الذي سعي سيدنا موسي (ع) سعيا حثيثا ليحصله فلم يستطع عليه صبرا وفي ذلك قال رسولنا (ص) رحم الله اخي موسي لو صبر لازددنا علما
غفر الله لاقوام ياخذون من ذنوب اقوام ويهدون اليهم حسناتهم ويجعلونهم في موضع الاحسان اليهم حين يدعون لهم
اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون احسنه
سبحانك اللهو وبحمدك اشهد ان لا اله الا انت عملت سوء وظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبي كلها فانه لا يغفر الذنوب الا انت
ملحوظه
كتبت بتاريخ الجمعه 12 مارس الماضي وطبعت فجر اليوم السبت 20 مارس
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته