من أهداف الصّوم حسب ما جاء في القرآن الكريم، أنه يربّي في الإنسان إرادة التقوى، بحيث يستطيع الإنسان من خلال تجربة الصوم أن يصل إلى هذه الإرادة، لأن الإنسان عندما يصوم عمّا فرض الله عليه مما لم يرد الله له أن يفعله من الأكل أو الشرب أو الشّهوات، فإنه يظلّ يذكر نفسه: لا تأكل، لأن الله تعالى يريد منك أن لا تأكل عندما تتّجه نفسك لطلب الأكل، لا تشرب عندما تعطش والماء بين يديك، لأن الله تعالى يريد منك أن لا تشرب، أن لا تمارس شهواتك التي أحلّها الله لك في الليل، أو أحلّها في أيام أخرى، لأنّ الله لا يريد ذلك.
هذا النّوع من التّدريب اليوميّ النهاريّ في ترك ما أراد الله لك أن تتركه، وفعل ما أراد الله لك أن تفعله من صلاتك وكلّ واجباتك، إنّ هذا يربّي في نفس الإنسان بشكلٍ تدريجي، هذه الحالة من الوعي لكلِّ الأمور التي نهى الله تعالى عنها وأمره أن يتركها، والأمور التي أمره أن يفعلها. وبذلك يستطيع الإنسان من خلال هذه الأمور الصغيرة أن يترك الأمور الأخرى، فمثلاً، الإنسان إذا عطش، فإن نفسه تريده أن يشرب الماء، فيمنع نفسه عن شرب الماء الذي هو من الضرورات، فيقوده ذلك إلى أن يمنع نفسه عن شرب الخمر، وشرب الخمر ليس حاجة ضرورية للإنسان، ولكن الماء حاجة ضرورية.
وهكذا إذا فرضنا أنَّ الإنسان تاقت نفسه إلى الطعام الحلال فمنعها عنه، فإنه بعد ذلك لن يأكل أيّ طعام حرام، كلحم الخنـزير أو الميتة مثلاً. وهكذا إذا فرضنا أن الإنسان اشتهت نفسه اللذة الجنسية مع زوجته في شهر رمضان، فمنع نفسه من ذلك، فإن ذلك يدفعه إلى أن يمنع نفسه من الزنا ويمنع نفسه من الأمور التي حرَّمها الله في العلاقات الجنسية.
فدور الصّوم هو أن يجعل الإنسان قادراً على أن يقول لنفسه لا عندما تجتذبه للقيام بما حرّمه الله سبحانه وتعالى عليه، وهكذا إلى أن ينتهي شهر رمضان.
على ضوء هذا، يمكن أن نقول إنَّ الصوم أُريد من خلاله أن يكون الإنسان تقياً في كلِّ حياته، أي كُن تقياً في شهر رمضان، فاترك ما حرّم الله عليك أن تفعله، وافعل ما أراد الله لك أن تفعله في شهر رمضان، لتكون لك القدرة على أن تمتد في تقواك في ما بعد شهر رمضان.