هاكذا حالهم عند الموت
تعالوا نرى حال بعض الصحابة والتابعين والعلماء عند الموت لنأخذ العظة و العبرة ، فماذا قالوا في آخر لحظات حياتهمعندما حضرتهم المنية.
معاذ بن جبل لما حضرتهالوفاة
ولما حضر معاذ بن جبل الموت، قال: [انظروا هل أصبحنا، قيل:لم نصبح، ثم أتي، فقال:قد أصبحت، فقال: أعوذ بالله من ليلةصباحها إلى النار، مرحباً بالموت مرحباً، زائر مغيب، وحبيب جاء على فاقة، اللهم إنيقد كنت أخافك، فأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاءفيها لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، -أي: فيقيام الليل- ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر] وجلس عند تلميذ له يقال له يزيدبن عميرة السكسكي ، فحدث عنه أن معاذاً لما حضرته الوفاة، قعد يزيد على رأسه يبكي،فنظر إليه معاذ ، فقال: [ما يبكيك؟ فقال له يزيد : أما والله لا أبكي لدنيا كنتأصيبها منك، ولكني أبكي لما فاتني من العلم، فقال له معاذ : إن العلم كما هو لميذهب، فاطلب العلم من بعدي عند أربعة: عند عبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن سلام ،وعويمر أبي الدرداء ، وسلمان الفارسي ] وقبض معاذ ولحق يزيد بـالكوفة ، فأتى مجلسعبد الله بن مسعود ، فلقيه، فقال له ابن مسعود : [إن معاذ بن جبل كَانَ أُمَّةًقَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَالْمُشْرِكِينَ .
خالد بن الوليد عند سكراتالموت
أما خالد بن الوليد رضي الله عنه، فإنهلما حضرته الوفاة قال: [ما كان في الأرض من ليلة أحب إليَّ من ليلة شديدة الجليد فيسرية من المهاجرين أصبح بهم العدو، فعليكم بالجهاد] هو الذي احتبس دروعه وأعتده فيسبيل الله، وقال: [لقد اندق في يوم مؤتة تسعة أسياف في يدي، فما صبرت معي إلا صفيحةيمانية] وهو صاحب الكرامات لما تحداه الروم بشرب سم ساعة، أخذه متوكلاً على اللهيرجو مصلحة هدايتهم، فسمى وشرب، فلم يضره رواه أبو يعلى . وكذلك روى ابن أبي الدنيابإسناد صحيح، قال: [أتى خالد بن الوليد رجلٌ معه زق خمرٍ، فقال خالد : اللهم اجعلهعسلاً، فصار عسلاً .
قول أبي ذر عندالموت
وأما أبو ذر رضي الله عنه لما اعتزل فيالربذة ، وحضرته الوفاة، أوصى امرأته وغلامه، فقال: (إذا مت، فاغسلاني وكفناني،وضعاني على الطريق، فأول ركبٍ يمرون بكم، فقولا:هذا أبا ذر فلما مات، فعلا به ذلك،فاطلع ركبٌ فما علموا به حتى كادت ركائبهم تطأ السرير، فإذا عبد الله بن مسعود فيرهط من أهل الكوفة ، فقال: ما هذا؟ قيل: جنازة أبي ذر ، فاستهل ابن مسعود يبكي،وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.. يرحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده،ويبعث وحده، فنزل فوليه بنفسه حتى أجله، -أي: في الأرض .
أبو هريرة عندموته
لما حضرت أبا هريرة رضي الله عنه المنيةبكى، فقيل:ما يبكيك ؟ قال: [على قلة الزاد وشدة المفازة، وأنا على عقبة هبوط إماإلى الجنة أو إلى النار، فما أدري إلى أيهما أصير، وقال: اللهم إني أحبَّ لقاءك،فأحب لقائي].
حذيفة بن اليمان عند الموت
وأما حذيفة رضي الله عنه ، فقد سئل أبو مسعود الأنصاري : [ماذا قالحذيفة عند موته؟ قال: لما كان عند السحر، قال:أعوذ بالله من صباح إلى النار ثلاثمرات، ثم قال:اشتروا لي ثوبين أبيضين، فإنهما لن يتركا عليَّ إلا قليلاً حتى أبدلبهما خيراً منهما، أو أسلبهما سلباً قبيحاً .
سلمان الفارسي عند وفاته
ولماحضر سلمان الفارسي الوفاة، جعل يبكي، فقيل له: (ما يبكيك؟ ألست فارقت رسول الله صلىالله عليه وسلم وهو عنك راضٍ؟ فقال: والله! ما بي جزع من الموت، ولكن رسول الله صلىالله عليه وسلم عهد إلينا عهداً يكن متاع أحدكم من الدنيا كزاد الراكب، وهذهالأسودة حولي) كأنه يقول هذا الأثاث والمتاع حولي لم أمتثل للعهد، قال: [فلما مات،نظروا في بيته، فلم يروا في بيته إلا إكافاً ووطاءً ومتاعاً قُوِّم بنحو عشريندرهماً] كل ما يملكه بعشرين درهماً، فانظروا يا عباد الله! كم عندنا من الأثاث فيبيتنا، وروى ابن سعد في الطبقات من طرق عدة عن الشعبي ، قال: [لما حضرت سلمانالوفاة، قال لصاحبة منزله وهي زوجته: هلمي خبيَّتي الذي استخبأت فيه، قالت: فجئتهبصرة مسك، فقال: ائتيني بقدح فيه ماءٌ فنثر المسك فيه، ثم ماسه بيده، ثم قال: انضحيه حولي، فإنه يحضرني خلقٌ من خلق الله يجدون الريح ولا يأكلون الطعام، ثماجفئي عليَّ الباب وانزلي قالت: ففعلت، وجلست هنيهةً، فسمعت هسهسةً، قالت: ثم صعدت،فإذا هو قد مات]. وعن الشعبي، قال: [أصاب سلمان صرة مسكٍ يوم فتحت جلولاء ،فاستودعها امرأته، فلما حضرته الوفاة، قال: هاتي هذه المسكة فمرسها في ماء، ثم قال: انضحيها حولي، فإنه يأتي زوارٌ الآن قالت: ففعلت، فلم يمكث بعد ذلك إلا قليلاً حتىقبض] وقال الشعبي أيضاً: [حدثني الجزل عن امرأة سلمان بقيرة أنه لما حضرته الوفاة،دعاني وهو في عليّة له -تقول زوجته: لها أربعة أبواب- فقال: افتحي هذه الأبواب يابقيرة ، فإن لي اليوم زواراً لا أدري من أي هذه الأبواب يدخلون عليَّ، ثم دعا بمسك،فقال: أديثيه في تنور ففعلت، ثم قال: انضحيه حول فراشي، ثم انزلي، فامكثي فسوفتطلعين فتريني على فراشي، فاطلعت فإذا هو قد أخذت روحه، فكأنما هو نائم فيفراشه .
واثلة بنالأسقع
وأما واثلة بن الأسقع الصحابي رضي اللهعنه ، فقد دخل الأوزاعي على خصلة بنته فقال لها: [أي شيء سمعت من أبيك؟ فقالت:لماحضرته الوفاة أخذ بيدي، وقال: يا بنية! اصبري حتى عد أصابعي الخمس اصبري.. اصبري.. اصبري.. اصبري.. اصبري، ثم أخذ بيدي الأخرى، وقال: يا بنية! وأوصاهابالصبر .
عبد الله بنعائذ
وقال عبد الله بن عائذ التمالي صحابيرسول الله صلى الله عليه وسلم لما حضرته الوفاة، قال له خصيف بن الحارث : [إناستطعت أن تلقانا، فتخبرنا ما لقيتم من الموت، فمكث فترة لا يراه، ثم لقيه فيمنامه، فقال له: ألا تخبرنا؟ فقال: نجونا ولم نكد ننجو بعد المشيبات، فوجدنا رباًخير ربٍ، غفر الذنوب، وتجاوز عن السيئة إلا ما كان من الأحراض، قال: وما الأحراض؟قال: الذين يشار إليهم بالأصابع] فهذه موعظة للذين يحبون الظهور والرئاسة، وأن يشارإليهم بالأصابع، والقصة رواها ابن سعد في الطبقات.
عبد الله بن عمر عند سكرات الموت
وأما عبد الله بن عمر الصحابي لما حضرته الوفاة، قال: [انظروافلاناً -لرجل من قريش- فإني كنت قلت له في ابنتي قولاً كشبه العدة -أي: يشبه أنيوعدته بتزويجه ابنتي- وما أحب أن ألقى الله بثلث النفاق -لأن آية النافق ثلاث: إذاوعد أخلف- وأشهدكم أني قد زوجته] ذكر القصة الذهبي في تذكرة الحفاظ . ولما ثقلمعاوية رضي الله عنه ، جعل يضع خداً على الأرض، ثم يقلب وجهه ويضع الخد الآخر،ويبكي ويقول: [اللهم إنك قلت في كتابك: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَبِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] فاجعلني فيمن تشاء أنتغفر له، ثم قال: اللهم أقل العثرة، واعف عن الزلة، وتجاوز بحلمك عن جهل ولم يرجغيرك، فإنك واسع المغفرة، ليس لذي خطيئة من خطيئته مهرب إلاإليك .
علماء التابعين عندالموت
وأما عبد الله بن عبد العزيز بن عبدالله بن عبد الله بن عمر الملقب بالعمري قال عند موته: [بنعمة ربي أحدث.. لو أنالدنيا تحت قدمي، ما يمنعي من أخذها إلا أن أزيل قدمي ما أزلتها، معي سبعة دراهم منلحاء شجرة فتلته بيدي] فهذه ثروته من الدنيا كلها، هذه السبعة الدراهم من عمل يده. ويونس بن عبيد الذي شهد له أنه كان يطلب العلم لوجه الله ما حضره حقٌ من حقوق اللهإلا وهو متهيئ له، لما حضرته الوفاة بكى، فقيل: ما يبكيك؟ قال: قدماي لم تغبرا فيسبيل الله عزَّ وجلَّ، نظر إلى قدميه عند موته وبكى، وسئل عن سبب البكاء، فتحسر أنهلم يمشِ في الجهاد، ولم تغبر قدماه في سبيل الله عزَّ وجلَّ. وعمرو بن شرحبيل رحمهالله حين حضرته الوفاة، قال: [إني ليسيرٌ للموت الآن، وما بي إلا هول المطلع. ماأدع مالاً، وما أدع عليَّ من دين، وما أدع من عيال يهموني من بعدي، فإذا أنا مت،فلا تنعوني إلى أحد، وأسرعوا المشي، ولا ترفعوا جدثي، -أي: قبري- فإني رأيتالمهاجرين يكرهون ذلك]. ولما حضر الموت إبراهيم بن يزيد النخعي قال وهو يبكي وسئلعن ما يبكيه فقال: [انتظار ملك الموت.. ما أدري يبشرني بجنة أو بنار؟]. ولما حضرإبراهيم بن هانئ الموت، قال لابنه إسحاق : [أنا عطشان، فجاءه بماء، فقال: غابتالشمس؟ قال:لا. فرده، ثم قال: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ [الصافات:61] ثم خرجت روحه رحمه الله] فختم يومه بصوم، جاءه الموت وهو صائم ولميشرب وهو عطشان .
قول أبي بكر بن عياشوغيره من التابعين
هذا أبو بكر بن عياش رحمهالله تعالى بكى ولده حين حضرته الوفاة، فقال أبو بكر بن عياش لولده: ما يبكيك ؟أترى الله يضيع لأبيك أربعين سنة يختم فيها القرآن كل ليلة؟ وهو الذي قال لولده عندموته: يا ولدي! لا تعص الله في هذه الحجرة، فإني ختمت القرآن فيها ثمانية عشر ألفختمة. وقال أحمد بن حفص : دخلت على أبي الحسن إسماعيل والد أبي عبد الله عند موته،فقال: لا أعلم من مالي درهماً من حرام، ولا درهماً من شبهة، قال أحمد : فتصاغرتإليَّ نفسي عند ذلك، قال أبو عبد الله : أصدق ما يكون الرجل عند الموت. وقال عطاءبن السائب : ذهبنا نرجي أبا عبد الرحمن السلمي عند موته -أي: نذكره برجاء الله،فقال: إني لأرجو ربي وقد صمت له ثمانين رمضاناً. وقال أبو عمر ابن حمدان الإمامالمحدث الزاهد وقد عمر تسعين سنة، وتوفي وزوجته حبلى وله بنت، فقالت له زوجته عندوفاته: قد قربت ولادتي، فقال: سلمته إلى الله، قد جاءوا ببراءتي من السماء، وتشهدومات في ذلك الوقت، روى القصة الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء .
هاهو كان حالهم رحمة الله عليهم ، اللهم اجعلهم من ورثة جنة النعيم،وألحقنا بهم يا رب العالمين، اللهم تب علينا إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم أحينامؤمنين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين.
أسألكم صالح الدعاء