رد  | |  | |
اسمح لي ابدي اعجابي بقلمك وتميزك واسلوبك الراقي وتالقك ...بارك الله فيك | |  | |  | إنه موقف من المواقف الحاسمة في تاريخ البشرية، هذا الموقف بين فرعون وملئه، والمؤمنين من السحرة السابقين، وإنه موقف حاسم ينتهي بانتصار العقيدة على الحياة، وانتصار العزيمة على الألم، وانتصار الإنسان على الشيطان. وليس هذا أول خرق في سفينة فرعون، فقد كان في بيته مؤمنون، ومع ضعف النساء فقد تحدّت آسية امرأة فرعون زوجها، وشمخت بإيمانها، ولم تفتنها الدنيا ومباهجها. وضرب الله بها مثلا للمؤمنين وقالت (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ووُجد في آل فرعون مؤمنون ناصحون رغم العنت والأذى: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ). ثانياً: عاش المسلمون أيام فرعون ظروفاً عصيبة ملؤها الخوف والأذى، ووصل بهم الأمر أن يُسِرّوا بصلاتهم ويتخذوا المساجد في بيوتهم، قال الله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ) قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: لا نستطيع أن نُظهر صلاتنا مع الفراعنة، وأذن الله لهم أن يُصلّوا في بيوتهم. وفى ظل هذه الظروف العصيبة أُمر المسلمون بالصبر عليها والاستعانة بالله على تجاوزها بالوسائل التالية: منها: - الصبر والصلاة: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا) وقال لهم ولغيرهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) فالصلاة سمة المسلم حين الرخاء وحين الشدة والضراء. - ومنها: الإيمان بالله والتوكل عليه: ضروري للمسلم في كل حال، وهما في حال الشدة عُدّة (وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ). - ومنها: الدعاء وصدق اللجوء إلى الله: يصنع أملاً من الضيق، وفيه فرج من الكروب، وخلاص من فتنة الظالمين، ونجاة من الكافرين. (فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنْ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ). ومع ذلك فلا بد من الاستقامة على الخير وعدم الاستعجال في حصول المطلوب، فذلك أمر يقدره الله أنى شاء وكيف شاء (قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ). ثالثاً: إن الصراع مهما امتد أجله، والفتنة مهما استحكمت حلقاتها فإن العاقبة للمتقين. لكن ذلك يحتاج إلى صبر ومصابرة واستعانة بالله صادقة: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) أجل، فلا ينبغي أن يخالج قلوب المؤمنين أدنى شك بوعد الله، ولا ينبغي أن يساورهم القلق وهم يصبرون على الضراء، ولا ينبغي أن يخدعهم أو يغرهم تقلب الذين كفروا في البلاد فيظنوه إلى الأبد، وما هو إلا متاع قليل، ثم يكون الفرج والنصر المبين بإذن الله. رابعاً: لما خرج موسى عليه السلام من مدينته وهو خائف يترقب، بعد أن عَلِم عِلم اليقين أن القوم يبحثون عنه، وقد عقدوا مؤتمرهم للقضاء عليه، وجاءه الناصح بذلك الخبر، شد عزمه، وخرج من مأزره، وطلب من ربه أمرين عظيمين: الأول: طلبه النجاة من الظالمين: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِـمِين). الثاني: طلبه أن يرشده ويهديه إلى الطريق المستقيم: (وَلَـمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيل). إن اللجوء إلى الله تعالى في حالة السراء والضراء هو المطلوب، لأن الله سبحانه هو مسبب الأسباب، ومقدر الأمور، وبيده مقاليد كل شيء. إن البشر مهما أعطوا من القوة، ومهما أعدوا من العدة، فإنهم لا يساوون شيئا أمام قدرة الله وعظمته، فالخلق خلق الله، والأمر أمره. وإن نبي الله موسى عليه السلام لجأ إلى قوة ما بعدها قوة، وإلى رعاية ما بعدها رعاية، وإلى رقابة ما بعدها رقابة، وإلى إرادة ما بعدها إرادة، لجأ إلى الله تعالى، ونعم بالله، ما خاب من دعاه، ولا خاف من توكل عليه، ولا ذل من لاذ بجانبه. إن الظالمين نسوا قدرة الله، وظنوا أنهم خارجون من قبضة الله سبحانه، إنهم في غيهم يعمهون، وفي ظلالهم يسدرون، إنهم جاهلون بحقيقة أنفسهم، ومن كان حاله كذلك، فهو ظالم لنفسه ولغيره. ولذا يجب الحذر منهم، وكشف حالهم، والبعد عن العيش في كنفهم، فإنهم لا يزيدون الناس إلا ضلالاً وتباراً. وعلى المسلم أن يدعو ربه أن يوفقه في أقواله وأعماله، وأن يهديه إلى الطريق، والسبيل القويم، فإنه لا يهدي لذلك إلا هو سبحانه، ويجب أن يكون هذا ديدن المسلم، ويزداد ذلك في حالة الكرب والشدة، كما فعل نبي الله موسى عليه السلام. خامساً: إن من يرتكب خطيئةً مهما كانت فإنه يصبح ضعيف الموقف، خائف النفس، وهذا يؤخذ من موقف موسى عليه السلام لما اقترف تلك الخطيئة وهي قتل القبطي، فأصبح خائفاً من أن ينكشف أمره لأولئك القوم الذين يتربصون به، فكم حاولوا قتله والتخلص منه، فكيف وقد وقع منه ما يسئ إليهم؟ فعلى العاقل أن يصون نفسه من الوقوع في الزلات، حتى يكون عزيز الجانب، مطمئن النفس وإن ظُلِم كما حصل لنبي الله يوسف عليه السلام. سادساً: لقد سبق في علم الله تعالى الأزلي أن فرعون لا يؤمن، ومع ذلك أمر عبديه ونبييه موسى وهارون عليهما السلام أن يذهبا إليه ويترفقا به في الحوار والنقاش لعله يتذكر أو يخشى، كل ذلك من أجل أن يرسما طريقاً في الدعوة إلى الله تعالى لمن يأتي بعدهما، من إلانة في القول، وترفق بالآخر، والصبر على المعاناة في الطريق من القريب والبعيد، والصديق والعدو، والأخذ بالأسباب، وعدم اليأس أو القنوط، فإن القلوب علمها عند الله تعالى يصرفها ويقلبها كيف يشاء. سابعاً: إن الحق قد ينتصر بجهد الضعفاء قبل جهد الأقوياء، فلا يحقرن الإنسان أيّ جهد يقوم به، فإن مؤمن آل فرعون، وأخت موسى، وأم موسى، وآسية امرأة فرعون، كانوا ضعفاء، ومع ذلك قاموا بأدوار عظام في نصرة الحق. والحمد لله أولاً وآخراً .. |
__________________ يظل القلب يذكركم و تبقى النفس تشتاق فيا عجباً لصحبتكم لها في الروح افاق °o.O ( هبة &مرهفة& غنى & محبة) O.o° http:// http:// |