الإنسان مخيَّر أم مسَيَّرً؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم (ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار) قالوا يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب قال (اعملوا) فأثبت لهم عملاً مراداً فكلٌ مسيرٌ لما خلق له أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ قوله تعالى : (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى )
الإنسان مسيرٌ مخير ومعنى مخير أن له الاختيار فيما يفعل ويذر لكن هذا الذي اختاره أمرٌ مكتوبٌ عند الله وهو لا يعلم ما كتبه الله عليه إلا بعد أن يقع فيعرف أن هذا مكتوب وإذا ترك الشيء علم أنه ليس بمكتوب للعسرى)
الإنسان مسيرٌ مخير ومعنى مخير أن له الاختيار فيما يفعل ويذر لكن هذا الذي اختاره أمرٌ مكتوبٌ عند الله وهو لا يعلم ما كتبه الله عليه إلا بعد أن يقع فيعرف أن هذا مكتوب وإذا ترك الشيء علم أنه ليس بمكتوب.
هذا الموضوع أعدُّه أخطر موضوع في العقيدة ، ولمجرد أن تتوهم أن كل شيء منتهٍ ، الشقي شقي ، والسعيد سعيد ، ولا أمل ، ولمَ العمل ؟ ولِمَ الأمر أساساً ؟ ولمَ النهي ؟
وجودُ الأمرِ والنهيِ في القرآن دليلُ الاختيارِ :
مثال :، لو قسنا عرض كتف إنسان قد يكون ثلاثة وستين سنتيمترا وثمانية ميليمترات ، وبنينا جدارين ، الفراغ بينهما ثلاثة وستون سنتيمترا وثمانية ميليمترات
، فإذا سار هذا الإنسان بين الجدارين فإن الجدار الأيمن يلامس كتفه الأيمن ، والجدار الأيسر يلامس كتفه الأيسر ، ثم قلنا له : رجاءً خذ اليمين ، هل هناك يمين ؟ والطريق ذو الممر الإجباري ، ولا مسافة للاختيار هل الأمر له معنى ؟
الدليل : لمجرد وجود الأمر في القرآن الكريم ، ولمجرد وجود النهي في القرآن الكريم فأنت مخير ، ولو لم تكن مخيراً لما كان معنى إطلاقاً للأمر والنهي .
(إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) )
( سورة الإنسان)
( فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29) )
( سورة الكهف)
(وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (148) )
( سورة البقرة )
أما الآية الأصل في هذا الباب أن الإنسان مخير :
(سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ(148) )
( سورة الأنعام)
هذه الآية أليست كافية ؟
أليس هذا كلام الله ؟
أليس هذا توجيه الله عز وجل ؟
مجالات كون الإنسان مسَيَّرًا فيها غير مخيَّر :
أنت مخير ، لكن البحث يحتاج إلى تفصيل ، أنت مخير في ماذا ؟
1 – الإنسان مسيَّر في كونه ذكرًا أو أنثى :
الحقيقة الدقيقة أنك مسيَّر ومخيَّر ، بماذا أنت مسيَّر ؟ مَن منكم عرضوا عليه أن يكون ذكر أو أنثى ، فاختار أن يكون ذكراً أو أنثى ، لا أحد ، أنت مسير في كونك ذكراً أو أنثى ، أليس كذلك ؟
أنت في هذا مسيَر ، ولكن لو كشف الله لك الغطاء لوجدت أنه ليس في إمكانك إلا أن تكون كما سيّرك الله إليه ، وليس في الإمكان أبدع مما كان ، أي ليس في إمكاني أفضل مما أعطاني ، ولو كشف الله لك الغطاء لكانت الحكمة المطلقة أن تكون ذكراً ، ولو كشف الغطاء للأنثى لكانت الحكمة المطلقة أن تكون أنثى ، فأنت في كونك ذكرا أو أنثى مسيَّر .
2 – الإنسان مسيَّر في الانتساب إلى أبيه وأمه :
مَن منكم اختار أمه وأباه ؟ وأنت مسير في أمك وأبيه .
من كان مخيَّراً في مكان ولادته ؟ إنسان ولد في دمشق ، وإنسان في شيكاغو ، وأنت مسيَّر في مكان ولادتك .
3 – الإنسان مسيَّر في زمان ولادته :
ونحن جميعاً وُجدنا في القرن العشرين وجدنا ، وبعد مئة عام لا أحد من الحاضرين على سطح الأرض ، وقبل مئة عام ما لا أحد في كل هذا اللقاء الطيب كان على سطح الأرض ، أنت مسير في زمن ولادتك ، مسير في كونك ذكر أو أنثى ، في أمك وأبيك ، في مكان ولادتك ، في زمن ولادتك .
4 – الإنسان مسيَّر في خَلْقِه وصورتِه :
أنت ذو قامة مديدة ، هذا شيء رائع ، هل كنت مخيراً فيها ؟ أنت ذو قامة ليست مديدة ، هل أنت مخير ؟ أنت لونك أبيض ، و إنسان آخر لونه أسود ، هل هو مخير ؟ شكلك ، لونك ، خصائصك ، عندك سرعة بديهة ، عندك ذاكرة قوية ، عندك قوة فهم ، عندك محاكمة دقيقة ، فخصائصك ، وقدراتك أنت فيها مسيَّر .
ما أنت عليه هو أفضلُ وضع لك :
أما أخطر ما ينبغي أن نعلمه في موضوع التسيير أن الذي ساقه الله إليك ، أو الذي أقامك الله فيه هو أفضل شيء يمكن أن يكون مسعداً لك ، وحافظاً لك ، لذلك البشر جميعاً يوم القيامة ، وقد كشف لهم الغطاء يلخصون علاقتهم بالله بآية تقول :
﴿ وآخِرُ دَعْوَاهُمْ أنِ الحَمْدُ لِلَّه رَبّ العالَمِينَ ﴾
( سورة يونس الآية : 10 )
وهذا معنى بعض الأقوال : لو كشف الغطاء لاخترتم الواقع ، أنت مسير بكونك ذكراً أو أنثى ، بأمك وأبيك ، في مكان ولادتك ، في زمن ولادتك ، في خصائصك .
يجب علينا أن نحمد الله على ما
خلقه الله عليه وعلى قدره وقضائه مخير في الأمر والنهي عنده عقل يفكر به ,أعطانا التخيير من أجل أن نتقرب إليه بالحب وترجوا رحمته وتخشى عذاب ونؤمن بالقدر خيره وشره