بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد والشكر لله رب العالمين
والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وطيباته.. وبعد :
(( خلق التزكية ))
لفضيلة الشيخ الدكتور معاذ سعيد حوى
حفظه الله ورعاه
من أعظم الأخلاق وأعلاها: خلق الرحمة.
الرحمة: هي رقة في القلب يلامسها الألم حينما تدرك الحواسّ أو يتصور الفكر وجود الألم عند شخص آخر، أو يلامسها السرور حينما تدرك الحواس أو يتصور الفكر وجود المسرة عند شخص آخر.
والرحمة إذا وجدت في القلب ظهرت لها أثار سلوكية كثيرة، منها فرائض ومنها نوافل مندوبات. فعنها يصدر بر الوالدين، وعنها تصدر صلة الرحم، ومنها: إكرام اليتيم، والعطف على الفقراء والمساكين والمرضى والخدم وذوي الحاجات والضعفاء والعجزة وذوي المصائب، ومنها التعاطف بين الإخوان والأصحاب والجيران وبين المسلمين بوجه عام، ومنها الشفاعة الحسنة، ومنها لين الجانب للناس، ومنها العفو والصفح عن المسيء.
مدح الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالرحمة العامة
﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ فكل الناس ينال من رحمته ورقته، ومدحه بالرحمة الخاصة بالمؤمنين، ومن رحمته هذه يحرص على هداية الخلق جميعاً،
﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ﴾ وقال تعالى:
﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ [قاتلها أو مهلكها أو مخرجها]
عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الحَدِيثِ أَسَفاً﴾ [الكهف: 6].
وقال تعالى مبيناً وجوب مزيد من الرحمة للمؤمنين:
﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ﴾، يشق عليه ما يؤذي المسلمين، حريص على مصالحهم وهدايتهم وراحتهم، رحيم متلطف بهم يحنو عليهم ويحزن لحزنهم ويفرح لفرحهم.
ومدح الله تعالى أتباع عيسى عليه السلام الذين كان معه بالرحمة :
﴿ وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ﴾. يريد الله منك قلباً رحيماً، يرق للضعيف، ويتألم للحزين، يحنو على الصغير والمسكين، ويمد يده إلى الملهوف، ينفر من الإيذاء ويبتعد عن الجريمة والظلم، يكون أماناً وسلاماً ورفقاً لمن حوله.
وقد جعل الله الرحمة فطرة في النفس البشرية، فمن خرج عن الرحمة إلى القسوة والشدة والغلظة فقد خرج عن فطرته قال صلى الله عليه وسلم :
« إِنَّ للَّهِ تَعَالى مائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الجِنِّ والإِنْسِ وَالبَهَائمِ وَالهَوامِّ، فَبهَا يَتَعاطَفُونَ، وبها يَتَراحَمُونَ ، وَبها تَعْطِفُ الوَحْشُ عَلى وَلَدهَا ، وَأَخَّرَ اللَّهُ تَعالى تِسْعاً وتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بها عِبَادهُ يَوْمَ القِيَامَةِ » رواه البخاري ومسلم.
والرحمة خلق واجب، لذلك يمنع الله رحمته لمن لم يكن رحيماً قال عليه الصلاة والسلام :
« من لا يرحم لا يرحم » رواه البخاري ومسلم([1]). وجعل رحمتك للخلق سبباً في رحمة الله لك، قال صلى الله عليه وسلم :
« ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء » رواه الترمذي وقال: حسن صحيح([2]).
وقال عليه الصلاة والسلام :
« أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال » رواه مسلم.
ومن مظاهر الرحمة التي شرعت لنا التلطف بأبنائنا والعطف عليهم والقبلة لهم والبسمة في وجوهم، عن أَبي هُريْرَةَ رضي اللَّه عنه قال :
قبَّل النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم الْحسنَ بن عَليٍّ رضي اللَّه عنهما ، وَعِنْدَهُ الأَقْرعُ بْنُ حَابِسٍ ، فقال الأَقْرَعُ : إِنَّ لِي عَشرةً مِنَ الْولَدِ ما قَبَّلتُ مِنْهُمْ أَحداً فنَظَر إِلَيْهِ رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقال : «مَن لا يَرْحمْ لا يُرْحَمْ» متفقٌ عليه . وفي رواية عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذين يستنكرون تقبيل الأبناء:
« أَوَ أَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللَّه نَزعَ مِنْ قُلُوبِكُمْ الرَّحمَةَ» متفقٌ عليه .
ومن صور رحمة النبي عليه الصلاة والسلام أن شرع لنا التخفيف على الناس حتى في الصلاة إذا كان يشق عليهم إطالتها: عن أَبي هُريرةَ رضي الله عنه ، أَنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال :
« إِذا صلى أَحدُكُمْ للنَّاسِ فلْيُخَفِّفْ ، فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالسقيمَ والْكَبِيرَ . وإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيطَوِّل ما شَاءَ » متفقٌ عليه . وفي روايةٍ : « وذَا الْحاجَةِ » .
وعن أَبي قَتادَةَ الْحارِثِ بنِ ربْعي رضي الله عنه قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم :
« إِنِّي لأَقُومُ إِلَى الصَّلاةِ ، وَأُرِيدُ أَنْ أُطَوِّل فِيها ، فَأَسْمعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ ، فَأَتَجوَّزَ فِي صلاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ » رواه البخاري .
ومن صور التراحم بين المسلمين ما جاء في حديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما أَنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:
«المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ ، لا يظْلِمُه ، ولا يُسْلِمهُ ، منْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حاجتِهِ ، ومَنْ فَرَّج عنْ مُسْلِمٍ كُرْبةً فَرَّجَ اللَّهُ عنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يوْمَ الْقِيامَةِ ، ومَنْ ستر مُسْلِماً سَتَرهُ اللَّهُ يَوْم الْقِيَامَةِ » رواه البخاري ومسلم وعن أبي هريرة t قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:
« لا تَحاسدُوا ولا تناجشُوا ولا تَباغَضُوا ولا تَدابرُوا ولا يبِعْ بعْضُكُمْ عَلَى بيْعِ بعْضٍ ، وكُونُوا عِبادَ اللَّه إِخْواناً. المُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم لا يَظلِمُه ولا يَحْقِرُهُ ولا يَخْذُلُهُ . التَّقْوَى هَاهُنا ويُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثَ مرَّاتٍ بِحسْبِ امْرِيءٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِر أَخاهُ المسلم . كُلَّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حرامٌ دمُهُ ومالُهُ وعِرْضُهُ » رواه مسلم . « النَّجَش » أَنْ يزِيدَ فِي ثَمنِ سلْعةٍ يُنَادِي عَلَيْهَا فِي السُّوقِ ونحْوهِ ، ولا رَغْبةَ لَه فِي شِرائهَا بَلْ يقْصِد أَنْ يَغُرَّ غَيْرهُ ، وهَذا حرامٌ . «والتَّدابُرُ » : أَنْ يُعرِض عنِ الإِنْسانِ ويهْجُرَهُ ويجعلَهُ كَالشَّيءِ الذي وراءَ الظهْر والدُّبُرِ .
ومن رحمة المؤمن بأخيه أن لا يعرضه للخطر: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم :
« مَن مَرَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِنَا ، أَوْ أَسْوَاقِنَا، ومَعَه نَبْلٌ فَلْيُمْسِكْ، أَوْ لِيَقْبِضْ عَلَى نِصالِهَا بِكفِّهِ أَنْ يُصِيب أَحَداً مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِشَيْءٍ » متفق عليه.
ـ ورحمة المؤمن لا تقتصر على إخوانه المؤمنين، ولا تقتصر على الناس، بل شملت البهائم والحيوانات، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
« بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل : لقد بلغ هذا الكلب مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفه، ثم أمسك بفيه فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله؛ وإن لنا في البهائم أجراً ؟ فقال: في كل كبد رطبة أجر » رواه البخاري ومسلم([3]).
عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ
« إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ » رواه مسلم رقم 5167.
وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أن المغفرة والجنة فتحت أبوابها لبغي سقت كلباً فغفر الله لها ، وهذا نص الحديث، قال عليه الصلاة والسلام :
(بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها، فاستقت له به فسقته إياه فغفر لها به) رواه مسلم([4]). وأن النار فتحت لامرأة حبست هرة حتى ماتت، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، كما ورد ذلك في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
(دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض) رواه البخاري([5]).
وكما يحرص المؤمن على الرحمة يحرص على أن يعلم هذه الرحمة لإخوانه ويذكرهم بها، قال تعالى:
﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴾ [البلد: 17].
هذه القلوب الرحيمة التي فاضت بالخير والرحمة والبر والإحسان تستحق الرحمة من الله يوم القيامة، قال تعالى:
﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾[آل عمران: 107].
[1] - البخاري 10/426 كتاب الآداب- باب رحمة الولد وتقبليه و 10/438 فيه – باب رحمة الناس والبهائم، ومسلم 4/1807-1809 كتاب الفضائل.
[2] - الترمذي 6/51 كتاب البر من حديث عبد الله بن عمرو قال، حسن صحيح.
[3] - البخاري10/437 كتاب الأدب – باب رحمة الناس والبهائم ومسلم 4/1761.
[4] - مسلم 4/1761 كتاب السلام- باب فضل ساقي البهائم المحترمة من حديث أبي هريرة بطيف : بدور الركية : البئر – الموق : الخف.
[5] - البخاري 1/356 كتاب بدء الخلق، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه.
والحمد لله ربي .. أستغفره .. وأتوب إليه