وكان وطنياً صامتاً ، قدم للمناضلين ، كل ما يملك من عون .
قال عنه خليل مردم بك إن حقيقته أكبر من اسمه .
وقال الدكتور شهبندر ، إنه لم يعرف من رجال العرب من ينطبق عليه لقب العلّامة، المثقف كما ينطبق عليه .
كان إماما في اللغة ، وأتقن وأجاد سبع لغات .
استمرت ولايته أربع سنوات ، لم يقبض خلالها قرشاً من رواتبه .
كان قصره ملتقى رجال العلم والأدب والسياسة والدين.
أكثر من ألف شخص ، كانوا يفطرون كل يوم على موائده في شهر رمضان .
يحمل اسمه ، أحد أكبر شوارع دمشق . غير أنه لم ينل حقه الكافي من دراسات المؤرخين .
شيء من حياته
أبصر الطفل محمد علي النور بدمشق عام 1867 . وهو ابن أحمد عزت باشا ابن هولو باشا ابن عمر آغا ابن الأمير عبد القادر ابن الأمير محمد ابن الأمير قانص العابد ، أحد سادات وزعماء الموالي من القبائل العربية الأصيلة ، الضاربة في بادية الشام ، بين دير الزور و تدمر.
وفد الأمير محمد العابد إلى دمشق سنة 1162هـ. من بادية الشام واستوطنها . تلقى محمد علي دروسه الأولى في بعض كتاتيب دمشق ، وحفظ فيها القرآن الكريم ومبادئ القراءة والحساب . ثم انتقل إلى المدرسة البطريركية في بيروت . وحين جاء الإمام محمد عبده إلى بيروت ، نقله والده إلى مدرسة الشيخ عباس ، حيث كان يدرِّس فيها الشيخ الإمام محمد عبده . فتتلمذ عليه ، وكان من أنبغ وأوائل تلاميذه ، وتخرج منها ، بعد أن برع في علوم اللغة العربية ، وآدابها ، والفقه ، والأحكام، والأصول ، والتفسير .
كان يحفظ ألفية ابن مالك غيباً . وبقي محمد علي العابد حتى آخر حياته مرجعاً وحجة في العلوم ، وعلماً من أعلامها الموثوقين .
سافر بعد ذلك إلى باريس ، ودخل مدرسة (( إيكول سنترال )) ثم جامعة (( السوربون )) ، وتخرج منها حاملا شهادتي دكتوراه في الحقوق الدولية ، والهندسة المدنية . وأتقن الفرنسية إتقاناً لا يجاريه فيه أحد . إلى جانب الفرنسية أتقن اللاتينية ، التي درس بها الحقوق والشرائع الرومانية والإنكليزية . كذلك أتقن الإسبانيولية والتركية والفارسية واللاتينية .
عاد بعد ذلك إلى الأستانة ، حيث عينه السلطان عبد الحميد الثاني ، مستشاراً قانونياً للباب العالي .
ثم عُين سفيراً للدولة العثمانية في واشنطن . واستطاع أن يوثق العلاقات بينه وبين رجالات الدولة هناك ، وفي طليعتهم الرئيس الأميركي روزفلت الأول . وكانت تربطه به صداقة شخصية متينة . خلال وجوده سفيراً في واشنطن ، جرت مسابقة كبرى لبناء جسر على نهر كبير هناك . فقدم العابد مخططاً لبناء هذا الجسر . وفاز مخططه على جميع المتسابقين ، ونُفذ الجسر حسب تصميمه .
لدى انهيار الدولة العثمانية عاد محمد علي العابد إلى دمشق . . . ثم جرت انتخابات نيابية عن دمشق، وفاز العابد بالنيابة على قائمة الوطنيين . ثم عين وزيرا للمالية .
عقب ذلك جرت الانتخابات لرئاسة الجمهورية فرشح الفرنسيون صبحي بركات الخالدي ، ورشح الوطنيون محمد علي العابد ، فكان الفائز بالرئاسة . وكان من ثم أول رئيس للجمهورية السورية . رحبت الأوساط الشعبية بالعهد الجديد ، وهللت له . ومارس محمد علي العابد صلاحياته طوال مدة حكمه ، وهي أربع سنوات . غير أنه استقال قبل نهاية ولايته بأربعة شهور ، بعد أن أدى رسالته كاملة . استقال بالاتفاق مع الكتلة الوطنية . وقد كان مرشحها وممثلها في الحكم .
بعد استقالته من الرئاسة ، سافر الرئيس العابد إلى أ وربا ، وتنقل في بعض عواصمها ودولها . ثم آثر الاستقرار في مدينة جنوة الايطالية .
وفي صيف عام 1939 انتقل الرئيس العالم ، والوطني العريق محمد علي العابد إلى جوار ربه . ونقل جثمانه إلى دمشق ، وسجي في المجلس النيابي ، وشيع من هناك في موكب رسمي وعسكري كبير ، على عربة مدفع . ووري الثرى في مقبرة العائلة ببوابة الله في حي الميدان . ورثاه وعدد مناقبه بعد الدفن عدد من الخطباء .
بعض صفاته وميزاته:
كان محمد علي عالماً من أكبر العلماء . كان في اللغة إماماً ، وفي الدين مرجعاً ، وفي الوطنية ركناً، وفي الكرم والإحسان ملجأ.
كان محمد علي العابد أغنى أغنياء الشرق ، كان يدفع للكتلة الوطنية سراً ، معظم وربما كل ما تحتاجه مكاتبها في دمشق وسائر المدن السورية من نفقات . وكان بيته الكبير في حارة قـولي بسوق ساروجة، ملتقى رجال العلم والأدب والسياسة . كان مطبخ قصره طوال شهر رمضان يعد الطعام لأكثر من ألف شخص ، ويستعين ببعض المطاعم . ويدخل من يشاء لتناول الطعام ، بعد أن تهيأ لهم الموائد في أبهاء القصر وحدائقه ، وكان للرئيس العابد وضيوفه المقربين ، مائدة بين الموائد . وبعد الإفطار تقام صلاة المغرب ويجلس الرئيس العابد في البهو العلوي لسماع القرآن الكريم، الذي يرتله أحد القراء . وبعد العشاء يودع الرئيس ضيوفه ، لينصرف إلى أعماله الخاصة.
كان الرئيس العابد، في كثير من أيام رمضان ، يطيب له بعد صلاة الظهر الذهاب إلى الجامع الأموي، فيترجل من سيارته أمام سوق الحميدية ، و يسير إلى الجامع ، مع مرافقه الوحيد بين جموع ورواد السوق ، ويدخل الجامع ، ويطوف في حلقات الدروس التي تلقى هناك. كثيراً ما يجلس في إحدى الحلقات ، مع سائر المستمعين بكل التواضع والهدوء.. وقد يصلي العصر مع المصلين ، في الصف الأقرب إليه. وإذا بلغ ضريح ومقام النبي يحيى صلى ركعتين وقرأ الفاتحة . وقد يجلس هناك بعض ، الوقت ليتلو آيات من الكتاب العزيز ، ويدعو ويسبح الله ، قبل أن يعود إلى سيارته ، وينهي جولته.
وكان يطيب له أحياناً ، أن يذهب بعد العصر، متنـزها في سيارته المكشوفة ، يصحبه أحد الأصدقاء، في طريق الربوة ودمر والهامة، ويعود قبيل الإفطار . كانت هذه نزهته المعتادة في أيام الدفء و الحر .
وكثيراً ما كان يطيب له المشي في ساحة ا لمهاجرين . وكان الرئيس العابد قد أمر بإنشائها ، وظل شديد العناية والاهتمام بها .
كان للرئيس العابد مجلس مسائي يومي، يبدأ عقب صلاة العشاء . ويضم نخبة من العلماء والأدباء، والوجهاء ، وكبار موظفي الدولة. ويتم في هذا المجلس استعراض شؤون الساعة والبلاد. ثم يدعى جميع الحاضرين لتناول طعام العشاء . ويستأنف المجلس جلسته ، وتناقش فيه مختلف الأمور السياسية والفكرية والاقتصادية. وفي العاشرة ليلًا ، تنتهي جلسة المساء هذه .
جدير بالذكر والملاحظة ، أن جميع نفقات هذه الولائم والدعوات ، بما فيها حفلات الإفطار الكبرى في رمضان ، كان يدفعها محمد علي العابد من ماله الخاص .
وكانت تكاليف هذه الحفلات ، والتبرعات ، والمساعدات التي يقدمها ، تبلغ أرقاما عالية جداً . وهنا لا بد من الإشارة أيضاً ، إلى أن الرئيس العابد ، لم يقبض طوال فترة ولايته قرشا واحداً من رواتبه ، ولم يتسلم أي مبلغ من المخصصات المالية التي توضع عادة تحت تصرف رئيس الجمهورية . كان محمد علي العابد رئيساً محبوباً من الشعب كله ، لسعة علمه وحرصه على شعائر ا لدين ، ووطنيته الصادقة ، وحكمته ، وتواضعه ، وبعد نظره ، وأخلا قه الرفيعة .
العابد في مذكرات محمد كرد علي
ولعل خير ما نختم به هذا الفصل عن أول رئيس للجمهورية في سورية ، المغفور له محمد علي العابد ، أن نورد فقرات مما أورده عنه العلامة محمد كرد علي في كتابه الضخم (( المذكرات )) . وكان محمد كرد علي صديقا مقربا من الرئيس العابد . وهو مؤسس المجمع العلمي العربي ورئيسه إلى حين وفاته. يقول محمد كرد علي في (( المذكرات )) ما نصه :
(( لقد درس الرئيس محمد علي العابد في باريس ، وتعلم تعليماً راقياً . درس الشرائع ، وصار مشاوراً للحقوق في الباب العالي مدة ، ثم جعل في أواخر عهد السلطان عبد الحميد الثاني سفيراً للدولة العثمانية في واشنطن .))
ويقول : (( وأتى محمد علي بك إلى دمشق ، يفتح بيت أبيه وجده ، وصار مرة وزيراً للمالية ، ثم انتخب أول رئيس للجمهورية السورية . فكان ينفق من ماله الخاص ، علاوة على راتب الرئاسة ، مبلغاً كبيراً كل عام ، ليظهر بلاده أمام القريب والبعيد بالمظهر اللائق بها . وهو أعظم رجل سياسي عرفته الديار الشامية في دورها الأخير . و أول وآخر سفير عثماني من أبناء العرب . استوفى شروط الرياسة ، لمعرفته التامة بالشؤون السياسية .))
وجاء في (( المذكرات)) أيضا :
(( لقد كان الرئيس محمد علي العابد يعرف تاريخ أمته معرفة تامة ، ويعجب برجالها الماضين . وكانت ذاكرته قوية . وكان كثيراً ما يتلو علينا قطعاً من الأدب الفرنسي ، والأدب العربي ، حفظها أيام الصبا. وكان إلى هذا على جانب من الظرف .)) و ما أصدق ما وصفه به صديقه الأستاذ خليل مردم بك . بقوله : (( إنه ما رأى رجلاً ، اسمه أصغر من حقيقته مثل محمد علي العابد )) . وجاء في (( المذكرات)) أيضا : (( وكان مع علمه بالمواصفات المدنية ، والمصطلحات الجمهورية ، وتشدده بالمحافظة عليها ، لا يتلكأ عن الاستمتاع بحريته في غير الأوقات الرسمية : يزور أصحابه كما يزورونه، ويعاشرهم معاشرة الإخوان . ويكون في بيوتهم كما يكونون في بيته كواحد منهم . لا فرق بينهم ولا تمييز . وكثيراً ما كان يقص عليهم من الفكاهات والنوادر المستظرفة ما يقصد به تسليتهم وإضحاكهم ، أو مشاركتهم في فرحهم وجلب السرور إلى قلوبهم ، فيعظم في العيون والقلوب . ويدعو العقلاء إلى الإعجاب بنبله وفضله .
وكان لفرط أدبه ، يحتمل مني أحياناً قسوتي في خطابه وجوابه ، ويغضي لما يعرفه من حبي له وحبه لي ، عن توسعي في انتقاد أعماله . وهو موقن أن ما أقوله ، أقوله بما لي عليه من الدالة . وما أكنّه له من الحرمة ، وغيرة مني على مصلحته ومصلحة البلد )) .
بقي أن نقول ، إن مساعدات الرئيس العابد وأياديه البيض للجمعيات الخيرية ، والعائلات المستورة ، والفقراء ، فضلاً عن المشروعات الاجتماعية والإنشائية أكثر من أن تحصى . وكانت كلها تتم بصورة سرية ، ولاسيما مساعداته لرجال الوطنية بشكل خاص ، فقد كانت هذه المساعدات تقدم بسرية مضاعفة ، بعيداً عن أنظار عملاء الانتداب الفرنسي .
كان في القصر الجمهوري جناح متصل بالرئيس العابد . وهو خاص بالتبرعات والمساعدات ، ويتلقى هذا الجناح التعليمات والأوامر من الرئيس وحده ودون سواه . رحم الله الرئيس محمد علي العابد رحمة واسعة ، فقد جمع في شخصيته : العلم ، والوطنية ، والكفاءة ، والأخلاق الرفيعة . . . ولم ينل حظه الكافي من تقدير المؤرخين .