(قلم من ذهب) خواطر إيمانية عند قبر أبي بكر الصديق رضي الله عنه | بقلم د. ناجح إبراهيم
منذ بداية قراءاتي الأولي ودراستي لسيرة النبي (صلى الله عليه وسلم) وصحابته الأطهار.. ملك الصديق أبو بكر شغاف قلبي.. وسكن كل جوارحي.. وتربع على عرش قلبي.. فقد وجدت فيه ضالتي المنشودة.. والنموذج المنشود الذي ظللت طوال عمري الذي أريد أن أقلده وأحذو حذوه طوال عمري.. فهو " رضي الله عنه " رقيق هادئ.. ضعيف الجسم.. سريع التأثر.. قريب الدمعة.. عميق الإيمان.. قوى اليقين.. يجمع بين اللين والشدة.. والرفق والقوة.. والحلم والبأس.. ويضع كل منهما في موضعه.. يعرف تاريخ الأمم وأنساب العرب.. يحب الناس جميعاً ويحبه الناس.. لا يختلف على خلقه وشهامته وعدالته أحد.. يألف الناس ويألفونه..
وكنت كلما قرأت سيرته أو تكلمت عنه في خطبة أو درس.. أو حاضرت عنه.. أجد حبه يتجذر في قلبي.. ويزداد شموخاً ورسوخاً..
لقد وقفت مع عشرات الآلاف في طابور طويل من الحجيج هذا العام انتظر دوري لزيارة قبر أبى بكر الصديق الملاصق تماماً لقبر النبي صلى الله عليه وسلم.. فقلت في نفسي: سبحان الله لقد شرفك الله يا صديق الأمة أن تكون إلى جوار الرسول صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً.. وتكون معه في مكة.. ومعه في المدينة.. ثم بعد ذلك إلى جواره في القبر.. فكلاكما لا ينفك عن الآخر ولا يفارقه..
وقلت في نفسي والله لا يجتمع في قلب عبد حب الرسول صلى الله عليه وسلم وبغض أبى بكر الصديق "رضي الله عنه".. وتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم والحط من أبى بكر..
وقلت في نفسي : سبحان الله الذي أبى إلإ أن يكرم أبى بكر الصديق حياً وميتاً.. فلا يزور مسلم أو حاج قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلا وزار بالضرورة قبر أبى بكر الصديق..
ما هذا الشرف العظيم الذي حزته يا أبا بكر.. فأنت ثاني اثنين في القبر.. كما كنت ثاني اثنين في الغار.. فلا يحب أحد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حقاً وصدقاًً إلا وأحبك.. ولا يصدق رسالته إلا وصدق بصديقتك.. ولا آمن أحد برسول الله إيمانا ًصادقا ً إلا وآمن بأنك وزيره الأمين..وخليفته العظيم.
إنها الأقدار العظيمة يقدرها الله لرسوله العظيم ووزيره الكريم.. فيختار الله لرسوله أفضل صديق ووزير.. ويقدر أن يدفن إلى جواره..
لقد وقفت عند قبر أبى بكر وقلت له : سلام عليك يا سيدي يا حبيب رسول الله " صلي الله عليه وسلم " رضي الله عنك.. يا أول من آمن برسولنا " صلي الله عليه وسلم "..
يا سيدي كل الناس أقبل بعد حين إلا أنت يا أبا بكر.. قلت من اليوم الأول "لرسولك وحبيبك (صلى الله عليه وسلم) "صدقت..صدقت" قلتها دائماً.. قلتها بدون تردد أو تلعثم..
لقد قال عنك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) " ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه بها.. ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يداً يكافئه الله بها يوم القيامة.. وما نفعني مال أحد قط مثلما نفعني مال أبى بكر.. وما عرضت الإسلام على أحد إلا وكانت له كبوة عدا أبى بكر فإنه لم يتلعثم" .
أنت يا سيدي الذي وهبت حياتك كلها لخدمة صديقك ورسولك وحبيبك محمداً " صلي الله عليه وسلم ".. ووهبت مالك كله لدعوته ونصرة رسالته عن طيب خاطر.. فهذا تبرع بربع ماله.. وهذا بثلثه.. وهذا بنصفه.. وكلهم والله في الكرم والعطاء عظماء.. ولكنك يا سيدي فقتهم جميعاً.. لقد تبرعت بمالك كله للإسلام والدين حتى قال لك رسول الله " صلي الله عليه وسلم".. ماذا أبقيت لأهلك يا أبا بكر.. فرددت عليه رد الواثق بربه " تركت لهم الله ورسوله ".
أنت يا سيدي الذي أطلقت عبارتك الإيمانية العظيمة بعد عودته " صلي الله عليه وسلم " من رحلة الإسراء والمعراج وتكذيب قريش له وارتداد البعض وشك آخرين.. لقد قلت يومها قبل أن تقابل الرسول " صلي الله عليه وسلم " إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك.. أصدقه في خبر السماء يأتيه غدوة أو روحة.. إن كان قد قال فقد صدق "
من وهبك هذا اليقين العظيم يا سيدي يا أبا بكر ..
من قذف هذا الإيمان العظيم في قلبك يا سيدي ..
ما هذه النفس العظيمة.. وهذه الروح الشفافة أنت تستحق يا سيدي وسام ( الصديق ) الذي حزته دون الصحابة جميعاً.. وتستحق أن ينزل فيك قوله تعالي (وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ) .. فالذي جاء بالصدق هو رسول الله " صلي الله عليه وسلم".. أما من صدق به فهو أول المصدقين بالرسالة أبي بكر الصديق.
يا سيدي أنت الوحيد الذي قال له الرسول "صلي الله عليه وسلم" رداً علي طلبه الصحبة معه في الهجرة: الصحبة يا أبا بكر.. وهل يجيب الرسول " صلي الله عليه وسلم " أحداً بمثل هذه الكلمات إلا إذا كانت صحبته تريح النفس وتسر القلب وتعين علي طاعة الرب سبحانه.
لقد فاضت مشاعري وأحاسيسي أمام قبر أبي بكر الصديق فانتحيت جانباً وأنا أغالب نفسي.. ولا أريد أن يسوقني الطابور إلي خارج المكان.. وكان معي اثنين من الحجاج فجلسنا قريباً من قبر أبي الصديق.. وقلت: يا أبا بكر.. يا سيدي.. إننا نحب من يحبك.. ونكره من يكرهك.. ونوالي من يواليك.. ونعادي من يعاديك.. ونبرأ ممن يسُبك وينال منك مهما كان شأنه..
يا سيدي طب نفساً.. فإن من سفهاء المسلمين من يريد النيل منك.. فها هم يأتون إلي قبرك اليوم.. ولا أدري ما هي مشاعرهم اليوم.. هل يزورون قبر الرسول "صلي الله عليه وسلم" ولا يزورونك.. وهل يسلمون علي النبي "صلي الله عليه وسلم" ولا يسلمون عليك.. وهل يؤمنون بالنبي "صلي الله عليه وسلم" ورسالته.. ولا يؤمنون بفضل صديقه أبي بكر علي هذا الدين العظيم وعلي رسوله الكريم.. ألم تنل من قبل يا سيدي بنص القرآن شرف " إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ "..
وقلت : يا حبيب رسول الله " صلي الله عليه وسلم " أن الجماعة الإسلامية والحركة الإسلامية المصرية كلها تواليك وتحبك وتنصرك وتؤازرك وتدافع عنك وتقتدي بسيرتك وتفتديك بنفسها.. ومسلمي مصر كلهم كذلك..
نحن لا نفرق بين الرسول " صلي الله عليه وسلم " وصاحبه.. ولا بين النبي والصديق.. ولا نمزق الوشائج الإيمانية ما بين " ثَانِيَ اثْنَيْنِ "..
وصدق الله حينما عبر عنهما وهما في الغار في الهجرة " ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ " فلم تفصح الآية أيهما الأول وأيهما الآخر.. فقد يجدر أن يكون الرسول " صلي الله عليه وسلم " هو الأول والصديق هو الآخر.. وقد يجوز العكس.. فما أعظم التعبير القرآني " ثَانِيَ اثْنَيْنِ " وهل حظي أحد من قبل ولا من بعد بهذا الوسام العظيم.
وإن الحركة الإسلامية في مصر لتبرأ ممن يبرأ منك.. وتبغض من يبغضك بقدر بغضه لك..
وهاجت مشاعري فتذكرت حديثا نبوياًً جميلا ً كنت أردده بالتلحين والتنغيم أنا والشيخ كرم حينما كنا في غرفة واحدة في المعتقل.. وهو أحب الأحاديث النبوية إلي نفسي.. وفي آخره يقول النبي " صلي الله عليه وسلم" للأعرابي الذي سأله "الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم" ..فرد عليه النبي الكريم " صلي الله عليه وسلم " بأعظم قاعدة إيمانية نعيش بها ولها فقال :" أنت مع من أحببت يوم القيامة".. ويلتقط الخيط راوي الحديث الذكي |
__________________ رحمتك الله عليك -اللهم ارحم والدي , وافسح له في قبره , واجعل قبره روضة من رياض الجنة , والهمنا الصبر على فراقه , واجمعنا وإياه في جنة النعيم آمين يارب العالمين |