| البشارات في التوراة قوله في الفصل التاسع من السفر الأول من التوراة: "إن هاجر لما فارقت سارة وخاطبها الملك فقال: يا هاجر، من أين أقبلت؟ وإلى أين تريدين؟ فلما شرحتْ له الحال، قال: ارجعي، فإني سأكثِّر ذريتك وزرعك حتى لا يُحصون، وها أنت تحبلين وتلدين ابنًا اسمه إسماعيل؛ لأن الله قد سمع ذُلَّك وخضوعك، وولدك يكون وحش الناس، يده فوق يد الجميع، ويد الكل به، ويكون مسكنه على تخوم جميع إخوته". يقول ابن القيم: "... ومعلوم أن يد بني إسماعيل قبل مبعث محمد r لم تكن فوق أيدي بني إسحاق؛ بل كان في أيدي بني إسحاق النبوة والكتاب، وقد دخلوا مصر زمن يوسف مع يعقوب، فلم يكن لبني إسماعيل فوقهم يد، ثم خرجوا منها لَمَّا بُعِثَ موسى، وكانوا مع موسى من أعزِّ أهل الأرض، ولم يكن لأحد عليهم يد؛ ولذلك كانوا مع يوشع إلى زمن داود ومُلْكِ سليمان، المُلْك الذي لم يُؤْتَ أحدٌ مثله فلم تكن يد بني إسماعيل عليهم، ثم بعث الله المسيح فكفروا به وكذبوه، فدمَّر عليهم تكذيبُهم إيَّاه، وزَالَ ملكهم، ولم تَقُمْ لهم بعده قائمة، وقَطَّعَهُم الله في الأرض أُممًا، وكانوا تحت حُكْمِ الروم والفرس، وغيرهم، ولم تكن يَدُ وَلَدِ إسماعيل عليهم في هذا الحال، ولا كانت فوق يَدِ الجميع إلى أن بعث الله محمدًابرسالته، وأكرمه الله بنُبُوَّته، فصارت بمبعثه يَدُ بني إسماعيل فوق الجميع، فلم يَبْقَ في الأرض سلطان أعزَّ من سلطانهم؛ بحيث قهروا سلطان فارس والروم والترك والدَّيْلَم، وقهروا اليهود والنصارى والمجوس والصابئة وعُبَّاد الأصنام؛ فظهر بذلك تأويل قوله في التوراة: "ويكون يده فوق يد الجميع، ويد الكل". وهذا أمر مستمرٌّ إلى آخر الدهر. قالت اليهود: نحن لا نُنْكِر هذا؛ ولكنْ إنَّ هذه بشارة بملكه وظهوره وقهره لا برسالته ونُبُوَّتِه. قال المسلمون: المُلك ملكان؛ ملك ليس معه نُبُوَّة بل ملك جبار مُتَسَلِّط، وملك نفسه نبوة؛ والبشارة لم تقع بالملك الأول، ولا سيَّمَا إن ادَّعَى صاحبه النُّبُوَّة والرسالة وهو كاذب مفترٍ على الله؛ فهو من شَرِّ الخَلْقِ وأفجرهم وأكفرهم، فهذا لا تقع البشارة بمُلْكِه، وإنما يقع التحذير من فتنته، كما وقع التحذير من فتنة الدجال، بل هذا شرٌّ من سنحاريب وبُخْتُنَصَّر، والملوك الظلمة الفجرة الذين يَكْذِبون على الله، فالأخبار لا تكون بشارة، ولا تفرح به هاجر وإبراهيم، ولا بَشَّرَ أَحَدٌ بذلك، ولا يكون ذلك إثابة لها من خضوعها وذُلِّها، وأن الله قد سمع ذلك ويعظِّم هذا المولود ويجعله لأُمَّة عظيمة، وهذا عند الجاحدين بمنزلة أن يقال: إنكِ ستلدين جبارًا ظالمًا طاغيًا يقهر الناس بالباطل، ويقتل أولياء الله، ويسبي حريمهم، ويأخذ أموالهم بالباطل، ويُبَدِّل أديان الأنبياء، ويكذب على الله، ونحو ذلك، فمَنْ حَمَل هذه البشارة على هذا، فهو مِنْ أعظم الخَلْقِ بهتانًا وفرية على الله؛ وليس هذا بمُسْتَنْكَر لأُمَّة الغضب، وَقَتَلَة الأنبياء، وقوم البهت". ورغم هذه التشويهات المتعاقبة عبر العصور المتلاحقة في التوراة، فقد بَقِيَتْ هناك بعض النصوص التي تُدَلِّل بوضوح على وجود النبي الخاتم الذي بَشَّرَ به موسى u، بل وأراد أن يكون من أُمَّتِه! |
__________________ العبد ذو ضجر والرب ذو قدر والدهر ذو دول والرزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا وفي اختيار سواه اللوم والشوم |