رعاية وإدارة : الشريف عبد الله آل حسين
مجلة السادة الأشراف


« الإعلانات »



« آخـــر مشاركات الأنساب »
نسب قبيلة السماعنة ف... [ آخر الردود : نوح محمود - ]       »     انتقلة يو امة ولدة م... [ آخر الردود : شجاع الشنبري - ]       »     نسب عائلة قرة علي [ آخر الردود : غير مسجل - ]       »     من نشاطات ديوان السا... [ آخر الردود : البراهيم - ]       »     بحث تاريخي عن ينبع ا... [ آخر الردود : البراهيم - ]       »     لكل من يعرف [ آخر الردود : البراهيم - ]       »     السادة الحيادرة في ا... [ آخر الردود : البراهيم - ]       »     موضوع هام جدا [ آخر الردود : الدهسى - ]       »     شهر رمضان المبارك في... [ آخر الردود : هل من تلاف - ]       »     استفسااااار عن عائلة... [ آخر الردود : الشرررررررررررريف - ]       »    

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: ربيعة الرأي من السلف الصالح (آخر رد :البراهيم)       :: سعيد بن المسيب .... من السلف الصالح (آخر رد :البراهيم)       :: إبـــن بـــاز وســارق الــغــاز (آخر رد :البراهيم)       :: تفسير الأية الكريمة ( انه من كيدكن ان كيدكن عظيم ) (آخر رد :المعتزة بإسلامها)       :: حقائق علمية عن يوم القيامة (آخر رد :المعتزة بإسلامها)       :: سرعة الذبابة (آخر رد :المعتزة بإسلامها)       :: ضياء الشمس ونور القمر (آخر رد :المعتزة بإسلامها)       :: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ (آخر رد :المعتزة بإسلامها)       :: نبى الله يحيى عليه السلام (آخر رد :المعتزة بإسلامها)       :: نبذه عن الامام بشر الحافي (آخر رد :المعتزة بإسلامها)      


العودة   منتدى السادة الأشراف > -:::: منتديات العلم والايمان المنتديات الاسلامية ::::- > »؛°..السيرةالنبويه الشريفه..°؛« > »؛°..يا حبيبي يا رسول الله..°؛«

»؛°..يا حبيبي يا رسول الله..°؛« كل ما يتعلق بنصرة جدنا رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) وآخر الأخبار العالمية حول الموضوع

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-10-06, 02:05 PM   #1 (permalink)
][::. عضو .::][
 
تاريخ التسجيل: Dec 2004
المشاركات: 39
افتراضي

الاحتفال بذكرى مولد النّبيّ(صلى الله عليه وآله)
مقدمة
الاحتفال بمولد النبيّ من الاحتفالات التي اعتادها المسلمون منذ قرون عديدة، ولازالت هذه الذكرى ماثلة وحيّة في قلوب المسلمين جميعاً، حيث تقام الاحتفالات بهذا اليوم في المساجد والبيوت في مختلف بلدان العالم الإسلامي تخليداً لهذا اليوم المبارك، مثلهم في ذلك مثل أيّ اُمة تحترم مقدساتها، وتبجل أيّامها الكبرى وذكرياتها المجيدة.

كما يُراد من هذا الاحتفال أن يتحول من مجرد الفرح والسرور والشكر لله، إلى عملية استيحاء واعية للذكرى ومعطياتها.

ورغم وضوح شرعية الاحتفال بذكرى المولد النبويّ، إلاّ أن البعض راح يبحث عن اُمور تسوّغ له منع الاحتفال بهذا اليوم، إستناداً إلى فهم مغلوط لمعنى البدعة، ووظّف هذا الفهم لتحريم كثير من المباحات، بذريعة أنّها لم يرد فيها نصّ بخصوصها.

من هنا سوف نتناول مسألة الاحتفال بيوم المولد النبوي ونرى مدى شرعيته، ثم نناقش الرأي القائل بحرمته ضمن عدة اُمور:


الأمر الأوّل: الحدث المقدس يضفي قدسيّته على الزّمان
هل الأيّام والساعات التي تحققت فيها مناسبات وأحداث إلهية مقدسة; يضفي الحدث فيها قيمة على نفس اليوم، فيكتسب الزمان قدسيته من الحدث، كما هو الخير والبركة الذي اكتسبته ليالي القدر وأيام شهر رمضان ولياليه، أو عيد الفطر، أو عيد الأضحى، أو يوم المبعث النبوي من أحداثها؟

والجواب: أننا لو لاحظنا الروايات التي تناولت هذا المعنى لتأكد لدينا أن الحدث العظيم والمبارك يضفي شيئاً من عظمته على الزمن في كثير من الأحيان.

فقد جاء في فضل يوم الجمعة في صحيح مسلم: «إن الله خلق آدم يوم الجمعة وأدخله الجنة يوم الجمعة»[1].

وهكذا الشأن في بركة شهر رمضان، قال تعالى: (شهر رمضان الذي اُنزل فيه القرآن هدىً للناس وبيّنات من الهدى والفرقان)[2].

وكذلك البركة في ليلة القدر، حيث قال تعالى: (إنّا أنزلناه في ليلة القدر* وما أدراك ما ليلة القدر* ليلة القدر خير من ألف شهر)[3].

فخلود البركة في هذه الأيام جاء نتيجة لحوادث إلهية مهمّة كنزول القرآن فيها.

فإذا كان المنشأ في تقديس الأيام يعود للحدث الإلهي المبارك; فلماذا لا يكون يوم مولد النبي(صلى الله عليه وآله)، يوماً مباركاً يستحق التقديس ويكون الاحتفال به من هذا القبيل؟

هذا التخريج يصدق بخصوص المناسبات التي هي مورد النص، أو التي أقامها المسلمون في عصر التشريع، كالاحتفال بعيد الفطر والأضحى أو بيوم الغدير أو يوم عرفة.

وهناك اتجاهات أفرطت في التقديس لهذه المناسبات، وتقابلها اتجاهات حاولت إلغاء أي تقديس لأي مناسبة تَمُتّ إلى الرسول وأهل بيته(عليهم السلام) والإسلام بصلة، زاعمة أن مثل هذا الاحترام والتبجيل بالخصوص يعد بدعة في الدين لا ينبغي السكوت عنه، فأخذت تشوّش على المسلمين احتفالاتهم بالمولد النبوي، متنكرة لعموم النصوص وخصوصها، رافعة شعار التوحيد لتلغي تحت لوائه كل شيء يرتبط بأوليائه، الذين هم مصاديق الهداية ومناراته المعنوية لتدل العباد على معبودها الحقّ.

ومن هذه المفردات التي طرحت في عصرنا هذا قضية الاحتفال بالمولد النبوي ومواليد سائر العظماء من أهل بيته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.


الأمر الثاني: هل الاحتفال بالمولد النبوي بدعة أم من صميم الدين؟
ولأجل أن نعرف متى يكون الشيء جائزاً في الدين، نقول: إن الشيء يكون جائزاً ومن صميم الدين; إذا وقع عليه النص بشخصه، كالاحتفال في عيدي الفطر والأضحى، والاجتماع في يوم عرفة، فهذه الموارد لا شك في جواز الاحتفال أو الاجتماع بها، وتخرج عن كونها من البدع.

وأحياناً يكون الشيء جائزاً وأيضاً من صميم الدين، في حالة ما إذا وقع النص عليه على الوجه الكلي، وفي هذا المورد يُترك اختيار الاُسلوب والطريقة للمسلم ليعبّر كيف يشاء وبأي طريقة كانت عن امتثاله لهذا الأمر، شريطة أن لا يدخله في المحرمات. ومن الأمثلة على ذلك:

1 ـ ندب الشارع إلى تعليم الأولاد وضرورة التعلم، ولا شك أن لهذا الأمر الكلي أشكالاً وألواناً تتغير حسب تبدّل وتغيّر الأزمان. والكتابة في السابق كانت متحققة بقلم القصب، أو بالكتابة بريش الطائر، أما الآن فقد تطورت أساليب الكتابة والتعليم، حيث استخدمت الأجهزة المتطورة كالتعليم بواسطة الكامبيوتر أو الأشرطة وما شاكل..

في هذا المثال نجد الشارع المقدس قد أمر بالتعليم على الوجه الكلي، إلاّ أنه ترك اختيار الاُسلوب لنفس المكلف.

2 ـ إن الصحابة ـ كما يقال ـ قاموا بجمع آيات القرآن المتفرقة في مصحف واحد، ولم يصف أحد منهم هذا العمل بأنه بدعة، وما هذا إلاّ لأن عملهم كان تطبيقاً لقوله سبحانه: (إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون)[4] فعملهم في الواقع كان مصداقاً عملياً لظواهر عامة شرعية من الكتاب والسنّة، وعلى ذلك جرى المسلمون في مجال الاهتمام بالقرآن من كتابته وتنقيطه، وإعراب كلمه وجمله وعدّ آياته، وتمييزها بالنقاط الحمر وأخيراً طباعته ونشره، وتقدير حفّاظه وتكريمهم والاحتفال بهم، إلى غير ذلك من الاُمور التي كلها دعم لحفظ القرآن وتثبيته وبقائه، وإن لم يفعله رسول الله ولا الصحابة ولا التابعون، إذ يكفي وجود أصل له في الأدلة.

3 ـ الدفاع عن بيضة الإسلام وحفظ استقلاله وصيانة حدوده من الأعداء، أصل ثابت في القرآن الكريم، قال سبحانه: (وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة)[5] وأما كيفية الدفاع ونوع السلاح ولزوم الخدمة العسكرية فالكل تطبيق لهذا المبدأ وتجسيد لهذا الأصل، فربما يرمى التجنيد العمومي بأنه بدعة، غفلة عن حقيقة الحال وأن الإسلام يتبنّى الأصل ويترك الصور والألوان والأشكال إلى مقتضيات الظروف.

هذا هو الأصل الذي به يميز «البدعة» عن «التطبيق» و «الابتداع» عن «الاتباع» وإليك تصريحات بعض العلماء حول موضوع البحث :

أ ـ قال ابن رجب: قوله(صلى الله عليه وآله): «وإياكم ومحدثات الاُمور فإن كل بدعة ضلالة» تحذير للاُمة من اتباع الاُمور المحدثة المبتدعة، وأكد ذلك بقوله: «كل بدعة ضلالة»، والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما له أصل فليس ببدعة، وإن كان بدعة لغةً، وفي صحيح مسلم: عن جابر (رضي الله عنه) عنه أن النبي(صلى الله عليه وآله) كان يقول في خطبته: «إن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد وشرّ الاُمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة...»، وقوله: «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من اُصول الدين، وهو شبيه بقوله(صلى الله عليه وآله): «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» فكل مَن أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه; فهو ضلالة والدين بريء منه[6].

ب ـ وقال ابن حجر في شرح قوله(صلى الله عليه وآله): «إن أحسن الحديث كتاب الله»: والمحدثات ـ بفتح الدال ـ جمع محدثة، والمراد ما أحدث وليس له أصل في الشرع، ويسمى في عرف الشرع «بدعة» وما كان له أصل يدل عليه الشرع; فليس ببدعة، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة، فإن كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة، سواء أكان محموداً أو مذموماً، وكذا القول في المُحدَثة[7].

ولكن عندما نُراجع القرآن الكريم والسنّة الشريفة سنجد أن هناك أصلاً مهماً في الدين قد جاء في حق النبي(صلى الله عليه وآله)، وهو لزوم تكريمه(صلى الله عليه وآله) وتعظيمه حياً وميتاً، وهذا الأصل لا يمكن لمسلم إنكاره، أما كيفية تطبيق هذا التعظيم والتكريم فذلك متروك للمسلم بشرط أن لا يدخله في المحرمات.


الأمر الثالث: لزوم تكريم النبيّ(صلى الله عليه وآله)حياً وميتاً
ورد بشأن الحث على احترام وتعظيم ومحبة شخص رسول الله(صلى الله عليه وآله) في القرآن الكريم عدد من الآيات منها:

1 ـ قوله تعالى: (فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتّبعوا النّور الذي اُنزل معه اُولئك هم المفلحون)[8].

ذكر المفسرون أن المراد من (التعزير) في الآية ليس مطلق النصرة، إذ أنه أفرد عن قوله: (نصروه)، ولو كان بمعنى مطلق النصرة; لما كان هناك داع للتكرار، فالمراد من (التعزير) هو التبجيل والتوقير والتعظيم أو النصرة مع التعظيم[9].

2 ـ ومنها قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون* إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله اولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم)[10].

بهذه الآية يشير القرآن إلى الأدب الخاص الذي ينبغي مراعاته حينما يتعامل المسلمون مع رسول الله، مع ضرورة حفظ مكانته(صلى الله عليه وآله) كرسول وهاد إلى ربّه، باعتبار وصفه بالنبوّة في الآية الكريمة.

3 ـ قوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرّسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً)[11].

وفي هذه الآية ينهى القرآن الكريم أن يُدعى النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)باسمه، كما يُدعى سائر الناس.

4 ـ قوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلّون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً)[12].

في هذه الآية أمر للمسلمين بأن يذكروا النبي(صلى الله عليه وآله) بالدعاء والصلاة والتسليم، لما له من عظيم المنزلة عند الله سبحانه، ولما له من المقام المحمود.

وورد الحث على لزوم تكريم الرسول(صلى الله عليه وآله) وتعظيمه ومحبته في عدد من الروايات. وإليك جملة منها:

1 ـ عنه(صلى الله عليه وآله) أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحب إليه من ماله وأهله والناس أجمعين»[13].

2 ـ وروي أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله! لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلاّ من نفسي، فقال(صلى الله عليه وآله): «والذي نفسي بيده حتى أكون أحبّ إليك من نفسك». فقال له عمر: فأنت الآن أحبَّ إليُّ من نفسي، فقال: «الآن يا عمر»[14] ؟

3 ـ وعن ابن عباس عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنه قال: «... وأحبوني بحبِّ الله، وأحبوا أهل بيتي لحبّي»[15].

فثبت بدليل القرآن والسنّة الشريفة وجوب احترام النبي(صلى الله عليه وآله)وتكريمه ومحبته.

لكن الشريعة قد تركت كيفية إبراز هذا التكريم والاحترام والتبجيل إلى المسلمين أنفسهم، ليعبروا عنه وفق عاداتهم وتقاليدهم الحياتية المتنوعة والمتطورة، وبما تفيض به عواطفهم تجاه شخصية الرسول(صلى الله عليه وآله)، شريطة أن لا يُرتكب عمل محرّم أو مناف للآداب الإسلامية المقررة في الكتاب والسُنّة.


الأمر الرابع: يوم ولادة النبي(صلى الله عليه وآله) من أيام الله
ومن الأدلة على شرعية الاحتفال بذكرى مولد النبي(صلى الله عليه وآله)، قوله تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظّلمات إلى النّور وذكّرهم بأيّام الله إنّ في ذلك لآيات لكل صبار شكور)[16]. حيث يطلب الله سبحانه من النبي موسى(عليه السلام) أن يذكّر اُمّته بأيام الله، ومعنى ذلك أن التذكير بأيام الله أمر مطلوب ومحبوب عند الله، إذ لا يختص ذلك بموسى واُمّته.

ولم يكن المقصود من الأيام هو محض الزمن، وإنّما المقصود هو التذكير بالحوادث الكبرى السالفة، وسميت بالأيام، لأن الأيام ظرف لهذه الوقائع سواء منها أيام النعمة أم أيام المحنة والبلاء، لأن الأيام جامعة لكلا النوعين من الحوادث.

وهذه الحوادث والوقائع هي مصاديق لفاعلية سنن الله في المجتمعات البشرية، لذا يكون التذكير بها من مهمّات الرسول(صلى الله عليه وآله)وجانباً من تبليغه وتربيته لاُمّته.

ولم يكن التذكير والوعظ هنا بأيام الله العظيمة كيفما اتفق، وإنّما التذكير كان مطلوباً بأيام معروفة في حوادثها.

ومعنى الآية: عظهم يا رسول الله بالترغيب والترهيب، فالترغيب أن يذكرهم بما أنعم الله عليهم، وعلى من كان قبلهم ممن آمن بالرسل فيما سلف من الأيام المقرونة بالحوادث العظيمة مثل ما نزل بعاد وثمود وغيرهم.

وإن أيام الله في حق موسى منها أيام محنة وبلاء، ومنها أيام نعمة وانتصار.

وقد ذكر القرآن الكريم بأنّ العلّة من وراء التذكير بهذه الأيام لغرض كونها دروساً وآيات لكل صبار شكور[17].

فهي ذات نتائج إيجابية وتربوية في طريق إيجاد اُناس صابرين وشكورين، فبهم تنجح الاُمة وتنتصر على أعدائها وتفوز بتطبيق الرسالة الإلهية بشكل صحيح.

والاُمة الإسلامية في تأريخها العظيم، قد مرّت بحوادث ووقائع كبرى، كانت محلاًّ للعبرة والاتعاظ، فمنها أيام نعمة، ومنها أيام محنة وبلاء، ويوم ولادة النبي في حياة المسلمين يُعد حدثاً عظيماً ومن الأيام التي أنعم الله بها لا على المسلمين فقط، وإنّما على الإنسانية جمعاء، كباقي الأيام التي تكون مورداً للتذكير، فيأتي الاحتفال كممارسة عبادية ومصداقاً لذكر النعم التي منَّ الله بها علينا وتطبيقاً لمضمون الآية الكريمة (... وذكّرهم بأيام الله)[18]...

ويوم الولادة في حياة الأنبياء يعدّ يوماً مهماً ومباركاً . فقد سلّم الله على نبيّه يحيى في هذا اليوم، حيث قال: (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يُبعث حيّاً)[19] وسلّم النبي عيسى على نفسه في هذا اليوم بقوله: (والسّلام عليَّ يوم ولدتّ...)[20].

ونبيّنا أفضل الأنبياء، فلابد أن يكون يوم ولادته أشرف من يوم ولادة غيره من الأنبياء، والتذكير به يكون أكبر حجماً وعطاءً من التذكير بولادة غيره، فإنه اليوم الذي أنعم الله به على البشرية بخاتم الأنبياء على الإطلاق.


الأمر الخامس: الواقع التاريخي ليوم المولد النبوي
يقول المؤرخون: كان ازدياد التعظيم للنبي(صلى الله عليه وآله) بين أهل الصلاح والورع سبباً في أن صار يحتفل بمولده عام (300 هـ )[21] أي أن الاحتفال كان أسبق من هذا التاريخ، وفي هذه الفترة الزمنية قد انتقل من صورته الفردية إلى الاحتفال بصورته الجماعية، والسبب يعود للاهتمام المتزايد الذي كان يبديه أهل الصلاح والورع من أبناء الاُمة الإسلامية بهذا اليوم.

ولذا يُنقل عن الكرجي ـ المتوفّى عام 343 هـ ـ وكان من الزُهّاد المتعبدين، أنه كان لا يفطر إلاّ في العيدين، وفي يوم مولد النبي(صلى الله عليه وآله)[22].

وقال القسطلاني: ولازال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده(صلى الله عليه وآله)ويعملون الولائم، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور ويزيدون في المبرّات ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم. الى أن قال: فرحم الله امرءً اتّخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً[23]

ثم يثني القسطلاني على موقف ابن الحاج بقوله: ولقد أطنب ابن الحاج في المدخل في الإنكار على ما أحدثه الناس من البدع والأهواء والغناء بالآلات المحرمة عند عمل المولد الشريف، فالله تعالى يثيبه على قصده الجميل[24] .

قال السخاوي: لا زال أهل الإسلام من سائر الأقطار والمدن الكبار يعملون المولد، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم[25].

وقال ابن عباد في رسائله الكبرى: وأما المولد فالذي يظهر لي أنه عيد من أعياد المسلمين وموسم من مواسمهم وكل ما يفعل فيه مما يقتضيه وجود الفرح والسرور بذلك المولد المبارك، من إيقاد الشمع، وإمتاع البصر والسمع، والتزيّن بلباس فاخر الثياب، وركوب فاره الدواب، أمر مباح لا ينكر عليه أحد[26].

وعن ابن حجر أنه قال: وأما ما يعمل فيه، فينبغي الاقتصار على ما يفهم منه الشكر لله تعالى من التلاوة، والإطعام، والصدقة، وإنشاء شيء من المدائح النبوية والزهدية... وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو، وغير ذلك، فما كان من ذلك مباحاً، بحيث لا ينقض السرور بذلك اليوم، لا بأس بإلحاقه به، وأما ما كان حراماً أو مكروهاً، فيمنع، وكذا ما كان خلاف الاُولى[27].


الاحتفال بالمولد النبوي عند الحكّام والساسة
يُذكر أن أول من احتفل بمولد النبي(صلى الله عليه وآله) من الحكّام، هو الأمير أبو سعيد مظفر الدين الأربلي، المتوفى 630 هـ [28].

وكان يفد إلى هذا العيد، طوائف من الناس من بغداد، والموصل، والجزيرة، وسنجار، ونصيبين، بل ومن فارس. منهم العلماء والمتصوفون، والوعاظ، والقرّاء، والشعراء، وهناك يقضون في أربلا من المحرم إلى أوائل ربيع الأول.

وكان الأمير يقيم في الشارع الأعظم مناضد عظيمة من الخشب، ذات طبقات كثيرة، بعضها فوق بعض، تبلغ الأربع والخمس، ويزيّنها، ويجلس عليها المغنّون، والموسيقيون، ولاعبوا الخيال حتّى أعلاها... الخ[29].

ويقول السيد رشيد رضا: إن أول من أبدع الاجتماع لقراءة قصة المولد النبوي، أحد ملوك الشراكسة في مصر[30].

كما قد اُ لّف العديد من المصنفات من الكتب والرسائل ونشرت بحوث كثيرة تتحدث عن مشروعية المولد النبوي وسائر المواسم والمراسم، هذا عدا البحوث المبثوثة في الكتب المختلفة، المؤلّفة لأغراض اُخرى فمن هذه الكتب والرسائل:

1 ـ كتاب (التنوير في مولد السراج المنير) لابن دحية الذي أ لّفه للأمير مظفر الدين حيث أعطاه الأمير ألف دينار غير ما غرم عليه مدة إقامته[31].

2 ـ رسالة السيوطي المسماة بـ (حسن المقصد).

3 ـ كتاب (المولد) لابن الربيع.

4 ـ كتاب (النعمة الكبرى على العالم في مولد سيد ولد آدم) لشهاب الدين أحمد بن حجر الهيثمي الشافعي، صاحب كتاب الصواعق المحرقة[32].


خواص المولد وأحكامه:
وليوم المولد بعض الأحكام الشرعية الخاصة به، كما أن له بركات ومواهب يَمنّ بها الله سبحانه على عباده.

1 ـ يفهم من أقوال العلماء ـ سابقي الذكر ـ على أن يوم المولد يعتبر عيداً كباقي الأعياد، مثل القسطلاني، وابن الحاج، وابن عباد، وابن حجر[33].

2 ـ قال ابن الجوزي: ومن خواصه، أنه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام[34].

3 ـ استحباب القيام ووجوب الصلاة عليه، وقد ذكروا: أنهم كانوا يقومون وقوفاً احتراماً وإجلالاً، وقد تكلموا في حكم هذا القيام.

قال الصفوري الشافعي: مسألة القيام عند ولادته، لا إنكار فيه فإنّه من البدع المستحسنة. وقد أفتى جماعة باستحبابه عند ذكر ولادته. وقال جماعة بوجوب الصلاة عليه عند ذكره وذلك من الإكرام والتعظيم له(صلى الله عليه وآله)...[35].


ابن تيمية والغناء في العيد
وقد أوضح ابن تيمية: أن العيد لا يختص بالعبادة، والصدقات، ونحوها، بل يتعدى ذلك إلى اللعب، وإظهار الفرح أيضاً.

وقد رأى ابن تيمية: أن لذلك أصلاً في السُنّة، أي في الرواية التي تذكر أنه قد كان عند النبي(صلى الله عليه وآله) جوار يغنين، فدخل أبو بكر، فأنكر ذلك، وقال: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله؟

فقال النبي(صلى الله عليه وآله): «إن لكل قوم عيداً، وإن عيدنا هذا اليوم»[36].

وأضاف: أن المقتضي لما يفعل في العيد، من الأكل والشرب، واللباس والزينة، واللعب والراحة ونحو ذلك، قائم في النفوس كلها، إذا لم يوجد مانع، خصوصاً نفوس الصبيان، والنساء، وأكثر الفارغين[37].


الأمر السادس: مناقشة القائلين بحرمة الاحتفال بالمولد النبوي
رغم وضوح شرعية الاحتفال بمولد النبي(صلى الله عليه وآله) وارتباطه بأصل الدين، إلاّ أن المتسمّين بالسلفية مازالت تصرّ على أن الاحتفال يندرج ضمن دائرة الابتداع.

يقول ابن تيمية: وكذلك ما يحدثه بعض الناس، إما مضاهاةً للنصارى في ميلاد عيسى(عليه السلام) ، وإما محبة للنبي(صلى الله عليه وآله)، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع من إتّخاذ مولد رسول الله(صلى الله عليه وآله) عيداً، مع اختلاف الناس في مولده، فإنّ هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي له، وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف أحقّ به منّا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله وتعظيماً له منّا...

ويضيف القول:

كما أن ابن الحاج رغم اعترافه ليوم مولد النبي(صلى الله عليه وآله) من الفضل، لا يوافق على الاحتفال بالمولد لما فيه من المنكرات، ولأن النبي أراد التخفيف عن اُمّته، ولم يرد في ذلك شيء بخصوصه فيكون بدعة[38].

فالذي نلاحظه من خلال كل هذه المقولة المتقدمة، أنّ الذين حظروا على الناس الاحتفال بيوم المولد والمناسبات الإسلامية الاُخرى، وعدّوا هذا الأمر عملاً محرّماً، قد بنوا استدلالهم هذا على فهم مغلوط لمعنى (الابتداع)، فقد تصوّروا أن معنى عدم الارتباط بالدين، هو عدم وجود الأمر في الصدر الأول للتشريع، أو عدم ورود الدليل الخاص، الذي يذكره بشخصه وعنوانه، ومعنى الارتباط بالدين هو وجود ذلك الأمر في عصر التشريع الأول، أو ورود أمر فيه بخصوصه.

والمدار في الابتداع ليس هو ورود الدليل الخاص، أو عدم وروده فحسب; وإنّما يجب النظر في عموميات التشريع والأدلة الكلية التي تخرج العمل عن حيّز (الابتداع)، كما أنّ عدم وجود العمل في العصر الأول للتشريع لا يساوق عدم مطلوبية الشريعة له، ووجوده لا يساوق مطلوبيته، لأنّ المدار في الابتداع ليس هو وجود العمل أو عدم وجوده في عصر التشريع.

وقد حاول البعض أن يضيف دليلاً آخر لتحريم الاحتفال بالمولد النبوي، وهو اشتمال هذه الاحتفالات على الاُمور المحرّمة غالباً كالموسيقى، والغناء، واختلاط النساء بالرجال... وغير ذلك.

ونحن في الوقت الذي نرفض فيه وجود هذا النمط المدّعى من السلوك المحرّم في احتفالات المولد التي يقيمها أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) رفضاً قاطعاً، ونعتبر ذلك تهمة لا أساس لها.. نؤكد على أنّ الاقتران بحدِّ ذاته لا يشكل إلغاءً لأصل العمل، ولا يؤدي إلى القول بتحريمه، إذ أنّ القول بذلك يستلزم القول ببطلان اُصول العبادات المسلّمة فيما لو اقترنت بأي عنوان تحريمي، وهذا ما لا يتفوه به أحد، فلو اقترنت الصلاة الواجبة بالنظر إلى المرأة الأجنبية مثلاً الذي هو عمل محرّم قطعاً ; فهل يُقال هنا بأنّ الصلاة الواجبة أصبحت (بدعة) يحرم الإتيان بها ـ والعياذ باللهـ ؟ وهل يسري التحريم بطريقة تصاعدية إلى أصل تشريعها وإيجابها بمجرد هذا الاقتران؟

والذي يهمنا ذكره هنا هو أنّ النصوص الشرعية العامة الواردة في مقام التأكيد على ضرورة احترام شخصية الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)، وتبجيله، وتوقيره، حياً وميتاً، مما لا يسع أحد انكارها، أو التشكيك فيها لكثرتها وتواترها، وهي كافية لأن تصحح عمل المولد، وتضفي عليه طابع الشرعية، وتجعله من مظاهرها البارزة، ومصاديقها الواضحة والجلية.

من هنا فقد أدرك بعض علماء الجمهور، عمق انتساب هذا الأمر إلى الشريعة، عن طريق الأدلّة الكلية المتسالمة، فعبّر البعض عنه بـ (البدعة الحسنة)، فيقول (ابن حجر) بهذا الشأن: عمل المولد بدعة، لم تُنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنّها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدّها، فمن تحرّى في عملها المحاسن، وتجنّب ضدها كان بدعةً حسنةً، وإلاّ فلا[39].

ويقول الإمام (أبو شامة): ومن أحسن ما اُبتدع في زماننا، ما يُفعل كلّ عام في اليوم الموافق ليوم مولده(صلى الله عليه وآله) من الصدقات، والمعروف، وإظهار الزينة، والسرور، فإنّ ذلك مع ما فيه من الإحسان للفقراء مشعر بمحبته(صلى الله عليه وآله) وتعظيمه في قلب فاعل ذلك، وشكر الله على ما منّ به من إيجاد رسوله(صلى الله عليه وآله) الذي أرسله رحمةً للعالمين[40].

ويقول السيوطي في رسالته (حسن المقصد في عمل المولد): عندي أنّ أصل عمل المولد، الذي هو اجتماع الناس، وقراءة ما تيسّر من القرآن، ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي(صلى الله عليه وآله)، وما وقع في مولده من الآيات، ثم يمدّ لهم سماطاً يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك، هو من البدع الحسنة التي يُثاب عليها صاحبها، لما فيه من تعظيم قدر النبي(صلى الله عليه وآله)، وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف[41].

وينقل (ابن تيمية) أقوالاً عديدة تدل على مشروعية الاجتماع والاحتفال بيوم المولد النبوي الشريف، على الرغم من أنّه من المتشددين على مَن يتخذه عيداً كما يزعم.

ويقول: قال المروزي: سألت أبا عبدالله عن القوم يبيتون، فيقرأ قارئ ويدعون حتّى يصبحوا؟ قال: أرجوا أن لا يكون به بأس... وقال أبو السري الحربي: قال أبو عبدالله: وأي شيء أحسن من أن يجتمع الناس يصلّون ويذكرون ما أنعم الله عليهم، كما قالت الأنصار؟.

وأضاف: وهذا إشارة إلى ما رواه أحمد: حدّثنا اسماعيل، أنبأنا أيوب، عن محمد بن سيرين، قال: نبئت أنّ الأنصار قبل قدوم رسول الله(صلى الله عليه وآله) المدينة، قالوا: لو نظرنا يوماً فاجتمعنا فيه، فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم الله به علينا، فقالوا يوم السبت، ثم قالوا لا نجامع اليهود في يومهم، قالوا فيوم الأحد، قالوا لا نجامع النصارى في يومهم، قالوا فيوم العروبة، وكانوا يسمّون يوم الجمعة يوم العروبة، فاجتمعوا في بيت أبي اُمامة أسعد بن زرارة، فذُبحت لهم شاة فكفتهم[42].

إذاً فمشروعية الاجتماع للاحتفال والابتهاج، بالذكريات الدينية المهمة نزعة إنسانية، تسير جنباً إلى جنب مع الفطرة البشرية، وتنبعث طبيعياً ما دام الإنسان يحيا في جوِّ الجماعة الإنسانية، ولذا نرى أنَّ المسلمين لم يتخلفوا عن مجاراة هذا السلوك الإنساني في مناسباتهم الدينية المختلفة، وهذا الذي ينقله لنا (ابن تيمية) واحد من عشرات المظاهر التي كانت تعبّر عن هذا الواقع، وتعكسه في حياة المسلمين، بما يتناسب وينسجم مع طبيعة الأعراف والتقاليد والاهتمامات التي كانت تحكم المجتمع آنذاك، الأمر الذي يدلل على أنّ جذور إقامة الاحتفال، والاجتماع لإحياء الذكريات الإسلامية كانت ممتدة إلى بدايات عصر ظهور الدعوة الإسلامية المباركة.

ولقد كان رأي (سعيد حوّى) أكثر تحرراً واعتدالاً من آراء الآخرين في هذه المسألة، حين دعم القول بجواز إحياء الذكريات الإسلامية عموماً، وذكرى مولد النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) على نحو الخصوص، بالأدلة المقنعة، وحمل على المتشددين الذين لم يحسنوا فهم معنى (الابتداع)، على الرغم من أ نّه لم يبرح عاكفاً على الإيمان بأنّ (البدعة) تنقسم إلى مذمومة وممدوحة.

فيقول: والذي نقوله أن يعتمد شهر المولد، كمناسبة يُذكّر بها المسلمون بسيرة رسول الله(صلى الله عليه وآله)وشمائله فذلك لا حرج، وأن يعتمد شهر المولد، كشهر تهيج فيه عواطف المحبة نحو رسول الله(صلى الله عليه وآله)فذلك لا حرج فيه، وأن يعتمد شهر المولد، كشهر يكثر فيه الحديث عن شريعة رسول الله(صلى الله عليه وآله) فذلك لا حرج فيه، وأنّ مما اُلف في بعض الجهات، أن يكون الاجتماع على محاضرة وشعر، أو إنشاد في مسجد، أو في بيت بمناسبة شهر المولد، فذلك مما لا أرى حرجاً فيه، على شرط أن يكون المعنى الذي يُقال صحيحاً.

إنّ أصل الاجتماع على صفحة من السيرة، أو على قصيدة في مدح رسول الله(صلى الله عليه وآله) جائز، ونرجو أن يكون أهله مأجورين، فإن يُخصص للسيرة شهر يُتحدث عنها فيه بلغة الشعر والحب فلا حرج.

ألا ترى لو أنّ مدرسة فيها طلاّب، خصصت لكل نوع من أنواع الثقافة شهراً بعينه، فهل هي آثمة؟ ما نظن أن الأمر يخرج عن ذلك.

ويضيف إلى ذلك القول:

لقد كان الاُستاذ حسن البنّا رجل صدق، وثاقب نظر، وإماماً في العلم، وكان يرى إحياء المناسبات الإسلامية في عصر مضطرب مظلم، قد غفل فيه المسلمون وجهلوا فيه كثيراً من اُمور دينهم. ومن كلامه(رحمه الله) في مذكراته: إحياء جميع الليالي الواجب الاحتفال بها بين المسلمين، سواء بتلاوة الذكر الحكيم، وبالخطب، والمحاضرات المناسبة...

ثم يحمل على المتشددين قائلاً:

والمتشددون في مثل هذه الشؤون تشددهم في غير محلّه، فليس الأصل في الأشياء الحرمة، بل الأصل فيها الإباحة، حتّى يرد النص بالتحريم، وفهمهم لحديث: «كل ما ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» فهم خاطئ...[43]

ففي الحقيقة أنّ التعبير الاجتماعي عن المشاعر والعواطف الدينية، التي تختزن في نفوس المسلمين أمر متروك لأعراف الناس، وطرقهم المختلفة، وعاداتهم الاجتماعية الخاصة، ونظير هذا الأمر ما تفعله أغلب الدول، أو كلها بالاحتفال في يوم استقلالها، إلاّ أنّ الفرق بين هذه الاحتفالات العامة، وبين الاحتفال بذكرى يوم المولد النبوي الشريف، أو بقية المناسبات الإسلامية المهمة، هو أنّ تلك الاحتفالات العامة خاضعة إلى الرسوم والآداب، والأعراف التي تحكم حياة الناس، من دون أن تكون مشمولة بعموميات التشريع التي تُدخلها في دائرة الندب والمطلوبية، وأمّا الاحتفال بالذكريات الإسلامية، ولا سيما بمولد النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) فهو مشمول بأوامر الشريعة الإسلامية، ومأثور عنها كما تقدم الكلام فيه.

وختاماً، لابدّ من القول بأ نّا إذا نظرنا إلى دوافع ومنطلقات هذا اللون من السلوك الذي يتمسك به أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، ويصرّون على ممارسته، والمواظبة عليه في مختلف الذكريات الإسلامية المفرحة، والمحزنة، ولا سيما إصرارهم على الاحتفال بيوم المولد النبوي الشريف، فإنّا نجد الحرص الأكيد من قبل هؤلاء على إبقاء معالم شخصية الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)متألقةً، وحيّةً في ضمائر المسلمين حيناً بعد حين، والاعتزاز بتعاليم الرسالة الإسلامية، وتجديد الانبعاث نحوها، والتمسك بها، إذ أنّ المطّلع على برامج هذه الاحتفالات، يلاحظ أنّها تستهدف أول ما تستهدف تجلية مكانة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)، وإبراز آثارها ومعطياتها الخالدة، من خلال الكلمات، والقصائد، والخطب والخواطر، والمقالات الإسلامية الهادفة، بل وقد يتضمن البعض منها تقديم الدراسات المتنوعة، حول الجوانب المختلفة من حياته الكريمة، وجهاده الكبير، في إعلاء كلمة الله على وجه الأرض، وغير ذلك من الاُمور التي ترتبط به(صلى الله عليه وآله)، وتشد المسلمين نحو سيرته، وتحثّهم على الاقتداء به، والسير على هداه.

ولمزيد من توضيح القول نطالع قول السيد محسن الأمين العاملي :

وأما جعل التذكار لمواليد الأنبياء والأولياء الذي يسمّيه الوهابية بالأعياد والمواسم بإظهار الفرح والزينة في مثل يوم ولادتهم التي كانت نعمة من الله على خلقه. وقراءة حديث ولادتهم كما يتعارف قراءة حديث مولد النبي(صلى الله عليه وآله)، وطلب المنزلة والرفعة من الله لهم وتكرار الصلوات والتسليم على الأنبياء، والترحّم على الصلحاء، فليس فيه مانع عقلي ولا شرعي، إذا لم يشتمل على محرم خارجي، كغناء أو فساد أو استعمال آلات اللهو أو غير ذلك، كما يفعل جميع العقلاء وأهل الملل في مثل أيام ولادة عظمائهم وأنبيائهم، وتبوئ ملوكهم عروش الملك وكل ذلك نوع من التعظيم، فإن كان صاحبه أهلاً للتعظيم; كان طاعة وعبادة لله تعالى، ولكن ليس كل تعظيم عبادة للمعظم. فقياس ذلك بفعل المشركين مع أصنامهم قياس فاسد[44].


خلاصة البحث:
مسألة الاحتفال بالمولد النبوي قد اعتادها المسلمون منذ قرون ولازالوا حتّى الآن.

وليس بصحيح دعوى من يقول بأن الاحتفال بذكرى المولد من البدع، وليس من صميم الدين، لأن مستند هذه الدعوى مبنيٌّ على فهم مغلوط لمعنى الابتداع ; إذ تصوروا أن معناه هو عدم وجود الظاهرة في الصدر الأول، أو عدم وجود الدليل الخاص عليها.

لكن الصحيح أن الشيء أو الفعل يكون جائزاً في الدين على وجهين :

الأول: إذا وقع النص عليه بشخصه، كالاحتفال في عيدي الفطر والأضحى.

والثاني: إذا وقع النص عليه على الوجه الكلي، ولكن يترك كيفية التنفيذ إلى الناس أنفسهم، كما هو الأمر في تهيئة معدّات وأساليب الجهاد المتطورة بشكل مستمر.

والاحتفال بذكرى المولد النبوي من هذا القبيل، حيث ورد الأمر بتعظيم الرسول(صلى الله عليه وآله)وتكريمه، إلاّ أنّ مصداق التعظيم متروك للمكلف.

وعلى هذا الأساس يحتفل المسلمون، بما فيهم أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، بيوم مولد النبي(صلى الله عليه وآله) انطلاقاً من هذا التصور المشروع.


ـــــــــــــــ

[1] صحيح مسلم: 3/6، كتاب الصلاة، باب فضل يوم الجمعة.

[2] البقرة: 185 .

[3] القدر: 1 ـ 3 .

[4] الحجر: 9 .

[5] الأنفال: 60.

[6] جوامع العلوم والحكم: 223.

[7] فتح الباري: 13/253، شرح الحديث 7277 .

[8] الأعراف: 157.

[9] مجمع البيان: 4/604 والبحر المحيط: 5/196 وتفسير القرآن العظيم لابن كثير: 9/265، وتفسير الميزان: 8/296.

[10] الحجرات: 2 ـ 3.

[11] النور: 63.

[12] الأحزاب: 56.

[13] صحيح مسلم: 3/275 و 3/183 وفي مسند أحمد: 4/183، ح 13499 و 12739، السنن الكبرى للنسائي: 6/534 / ح11745 وفي البخاري: 1/9.

[14] سعيد حوّي، السيرة بلغة الحب والشعر: 15.

[15] سنن الترمذي: 5/622، ح 3789 .

[16] ابراهيم: 5.

[17] راجع الكشاف للزمخشري: 2/540 وتفسير الثعالبي: 3/375 والدر المنثور: 4/132 والتفسير الكبير للفخر الرازي: 19/84 والعياشي: 6/59 ومجمع البيان: 6/59 والميزان للطباطبائي: 11/18 والجامع الكبير لأحكام القرآن: 9/342.

[18] ابراهيم: 5.

[19] مريم: 15.

[20] مريم: 33.

[21] المواسم والمراسم، جعفر مرتضى العاملي: 41.

[22] الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري: 2/298.

[23] المواهب اللدنية: 1/27 ، وراجع أيضاً السيرة النبوية لدحلان: 1/24 والسيرة الحلبية: 1/83 ـ 84 .

[24] المواهب اللدنية: 1/27 ، وراجع أيضاً السيرة النبوية لدحلان: 1/24 والسيرة الحلبية: 1/83 ـ 84 .

[25] السيرة الحلبية: 1/83 ـ 84 والسيرة النبوية، لدحلان: 1/24 وتاريخ الخميس: 1/223.

[26] راجع القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل: 175.

[27] تلخيص من رسالة حسن المقصد للسيوطي والمطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم: 90.

[28] الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري: 2/299 عن الزرقاوي: 1/164، وراجع التوسل بالنبي وجهلة الوهابيين: 115 ورسالة حسن المقصد للسيوطي المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم: 75 و 80 و 477 والبداية والنهاية: 13/137.

[29] وفيات الأعيان: 1/436 ـ 437 وشذرات الذهب: 5/136 ـ 140 والسيرة النبوية، لدحلان: 1/24 ـ 25 والبداية والنهاية: 23/137.

[30] راجع القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل: 305 عن الفتاوي: 4.

[31] وفيات الأعيان: 1/ 381 و 437 ورسالة حسن المقصد للسيوطي: 75 و 77 والبداية والنهاية: 13/137 والسيرة الحلبية: 1/83 ـ 84.

[32] راجع المواسم والمراسم، جعفر مرتضى العاملي: 25.

[33] المواهب اللدنية: 1/27 ، والسيرة النبوية لدحلان: 1/24، والسيرة الحلبية: 1/83 ـ 84 .

[34] المواهب اللدنية: 1/27 وتاريخ الخميس: 1/223 وجواهر البحار: 3/340 عن أحمد عابدين والسيرة النبوية، لدحلان: 1/24 .

[35] نزهة المجالس: 2/80.

[36] اقتضاء الصراط المستقيم: 194 ـ 195 والرواية في ص 193 عن الصحيحين. وراجع صحيح البخاري: 1/111 ط الميمنية وصحيح مسلم: 2/22 والسيرة الحلبية: 2/61 ـ 62 وشرح مسلم للنووي بهامش إرشاد الساري: 4/195 ـ 197 ودلائل الصدق: 1/389 وسنن البيهقي: 10/224 واللمع لأبي نصر: 274 والبداية والنهاية: 1/276 والمدخل لابن الحاج: 3/109 والمصنف: 11/104 ومجمع الزوائد: 2/206 في الكبير عن الطبراني.

[37] اقتضاء الصراط المستقيم: 195، فإذا كان العيد لا يختصّ بالعبادة والصدقات بل يتعداها وان المقتضي لما يفعل في العيد قائم في النفوس كلّها، فما هو المانع من الاحتفال بذكرى المولد باظهار الفرح والسرور والراحة على فرض قبول الرواية المذكورة.

[38] المدخل لابن الحاج: 2/3.

[39] جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، ص 62، عن رسالة المقصد المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيين: 114.

[40] السيرة الحلبية: 1/83 ـ 84.

[41] سعيد حوّى، كي لا نمضي بعيداً عن احتياجات العصر: 6، السيرة بلغة الحب والشعر: 42.

[42] ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم: 304، وأصله في السيرة النبوية لابن هشام وعنه في موسوعة التاريخ الإسلامي: 1 .

[43] سعيد حوّى، كي لا نمضي بعيداً عن احتياجات العصر 6، السيرة بلغة الحب والشعر: 36 ـ 39.

[44] كشف الإرتياب، السيد محسن الأمين العاملي: 450.
ابو نزار غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-10-06, 02:23 PM   #2 (permalink)
][::. عضو .::][
 
تاريخ التسجيل: Aug 2004
المشاركات: 217
افتراضي

بارك الله فيك ونفع بك وبما تطرح من علم نافع.
الشريف محمد الحسني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-10-06, 07:42 PM   #3 (permalink)
][::. عضو .::][
 
الصورة الرمزية نورالإسحاقية
 
تاريخ التسجيل: Jul 2006
الدولة: عــــ البحر ـــــروس
العمر: 27
المشاركات: 276
افتراضي

<div align="center">جميل ان نذكر اليوم الذي ولد فيه نبينا محمد..ولكن بالإكثار من الصلاة عليه وذكر بض من سيره وغزواته ...الخ
لكن مالمقصود بإحتــــفال؟؟
مات الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفه صحابته الكرام وهم المبشرون بالجنان ولن نجد من هم أشد حبا لرسول الله منهم..

فهل سمعتم أبا بكرا يحتفل أم عليا أم عثمان وغيرهم من الكرام..
والله لو كان خيرا لسبقونا إليه ولتهافتوا لإقامته...

هذا رايي وحز في نفسه كتمه..والله على ماأقول شاهد
</div>
__________________

**************************************************drawGradient()




نورالإسحاقية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-10-06, 07:57 PM   #4 (permalink)
][::. عضو .::][
 
تاريخ التسجيل: Oct 2006
الدولة: المملكة العربية السعودية
المشاركات: 15
افتراضي

اقتباس:
Originally posted by نورالإسحاقية@Oct 5 2006, 08:42 PM
<div align="center">جميل ان نذكر اليوم الذي ولد فيه نبينا محمد..ولكن بالإكثار من الصلاة عليه وذكر بض من سيره وغزواته ...الخ
لكن مالمقصود بإحتــــفال؟؟
مات الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفه صحابته الكرام وهم المبشرون بالجنان ولن نجد من هم أشد حبا لرسول الله منهم..

فهل سمعتم أبا بكرا يحتفل أم عليا أم عثمان وغيرهم من الكرام..
والله لو كان خيرا لسبقونا إليه ولتهافتوا لإقامته...

هذا رايي وحز في نفسه كتمه..والله على ماأقول شاهد
</div>
وانا مثلك اختي نور
بارك الله فيكم
__________________
لا إله إلا الله العظيم الحليم
لا إله إلا الله رب العرش العظيم
لا إله إلا الله رب السموات ورب الارض ورب العرش الكريم
حسام الرديني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-10-06, 11:58 PM   #5 (permalink)
][::. عضو .::][
 
تاريخ التسجيل: Oct 2006
المشاركات: 16
افتراضي


إننا أمام هذه الحملة الشعواء على رسول الله يجب علينا أن نحتفل بهذا اليوم

هذا اليوم فيه من الخير مالا يعلمه إلا الله
__________________
الحسين بن حيدر بن محبوب علي الهاشمي الحسيني
حسين بن حيدر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-10-06, 12:24 AM   #6 (permalink)
][::. عضو .::][
 
الصورة الرمزية محمد انشاصي الحسني
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
الدولة: فلسطين
العمر: 39
المشاركات: 55
افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
ولد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثناء

ان بعض المسلمين وللاسف الشديد لقصر رؤيتهم وجهالتهم في هذا الامريقولون ان الاحتفال
بمولد الحبيب لم يوتى على ذكره في السنة او السيرة او الاحاديث النبوية.......&#33;&#33;&#33;&#33;&#33;

سبحان الله ايقول الحبيب [img]style_images/1/p1.gif'> احتفلوا بمولدي وهو العظيم في خلقه وتواضعه

ايها الاخوة لقد اضاء المشرق والمغرب عند مولده واحتفلت ملائكة السموات والارض والخلائق عندما خرج الحبيب من رحم امنة وهو من هو .هو امير الانبياء وسيد المرسلين وسيد بني ادم ورحمة الله من العالمين للعالمين الى العالمين فتبارك الله رب العالمين.
انما الاحتفال هو اجتهاد صحيح يعبر فيه المسلمون لحبهم لرسولهم[img]style_images/1/p1.gif'>وتذكرة سنوية لهم للعمل بشريعته وسنته.وهو الذي سيقف يوم القيامة بين يدي ربه ويقول(يا رب امتي)
__________________
الشريف محمد الانشاصي الفيتوري الادريسي الحسني
محمد انشاصي الحسني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-10-06, 01:09 AM   #7 (permalink)

][::.عضو متميز.::][

 
الصورة الرمزية حفيد القتال
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 359
افتراضي

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد :
الادلة الواردة على مشروعية المولد النبوي الشريف :
المولد النبوي الشريف هو عبارة عن مجلس يحتفل به ويحتفى برسول الله صلى الله عليه وسلم فالمجالس التي نعرفها هي ان يفتتح بقراءة كتاب الله ثم يصلون على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ثم يقرؤون شيئا من سيرته سواءا كان نثرا او شعرا كان انشادا جماعيا او فرديا يمدحون رسول الله به ويكون في بعضها وعض وتذكير حيث يتكلم اهل العلم ليعلموا العامة امور دينهم ثم يكون دعاء وابتهال ويكون بعد ذلك اطعام للطعام وهذه الاعمال في الغالب ما تحصل في مجالس الاحتفال بالمولد وسنأتي عليها واحدة واحده في تفصيل حكمها وبيان حقيقتها :
اولا ما هو حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ؟
قال اهل العلم فيه قولان ، القول الاول ذكر انه بالنظر لمحتواه يكون سنة لان كل ما فيه ندبه الشارع لنا لما يحتويه من دراسة لسيرة الرسول والوعض والتذكير واطعام الطعام وغيره مما سوف نوضحه ان شاء الله .
وقال البعض الآخر انه بدعة حسنة وسيأتي المقصود بالبدعة الحسنة .
اما الادلة على مشروعية المولد فنبدأها بكتاب الله حيث قال تعالى في كتابه المحكم (قل بفضل الله ورحمتة فبذلك فليفرحوا هو خيرا مما يجمعون )
قال بن عباس رضي الله عنه وهو ترجمان القرآن فضل الله هو العلم ورحمته هو سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم والله سبحانه وتعالى يقول (وما ارسلناك الا رحمة للعالمين ) فدل ذلك على ان الفرح برسول الله هو فرح برحمة الله ونحن مأمورون بهذا الفرح ، وامر التعبير عن الفرح بعد ذلك بيّن بان المسلم يعبر عن فرحته بتأثره بالثناء والمدح وغيره ، وقد ثبت بالبخاري انتفاع بعض اهل الكفر بالفرح برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجاءنا نبأ ابي لهب وهو كافر بفرحته يوم بشرته ثويبه بان عبدالله اخوه قد جاءه مولود من زوجته آمنة الزهرية ففرح بذلك واعتقها مباشرة فقد جاء في البخاري ان الله سبحانه وتعالى في كل يوم اثنين يخفف عنه العذاب في النار وانشد في ذلك الحافظ ناصر الدين الدمشقي ابيات لطيفة يقول فيها :
اذا كان هذا كافر جاء ذمه بتبت يداه في الجحيم مخلدا
اتا انه في يوم الاثنين دائما يخفف عنه للسرور باحمدا
فما الظن بالعبد الذي طول عمره باحمد مسرورا ومات موحدا
وقد اخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما سئل عن صوم يوم الاثنين اخبر انه يوم ولد فيه وفيه انزل عليه فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعظم اليوم الذي ولد فيه وعند دخوله صلى الله عليه وسلم رأى اليهود يصومون يوم عاشوراء فسأل اصحابه من الانصار عن سبب صيام اليهود لهذا اليوم فقالوا له اصحابه ان اليهود يزعمون انه يوم فرح عندهم لانه يوم نجى الله فيه سيدنا موسى عليه السلام من فرعون فقال صلى الله عليه وآله وسلم : انا اولى باخي موسى منهم فصامه رسول الله وقد جاء انه من اسباب تعظيم يوم الجمعة انه يوم خلق فيه سيدنا آدم عليه السلام .
هناك قاعده شرعية مشهورة عند اهل العلم ان للوسائل حكم المقاصد والامور بمقاصدها فاذا نظرنا الى مجلس المولد النبوي فاننا نراه مجلس يبعث كثرة الصلاة والتسليم على رسول الله وانه مجلس يزرع الحب في قلوب الامة برسولهم ويعرفهم باحواله وهذا واجب كل مسلم ووجدناه يجمع المسلمين على خير وهو امر محبوب ويجمع العامة مع العلماء ليذكرونهم ويعلمونهم ولو نظرنا الى هذه المقاصد وجدنا ان المولد وسيلة للوصول الى هذه المقاصد الشرعية المباركة وما يحمله من مصلحه عظيمة لهذه الامة .
حكايته صلى الله عليه وسلم عن اخبار ولادته فلو نظرنا كتب السنة والسيرة لوجدنا ان رسول الله يخبر عن ولادته بنفسه فقد جاء انه صلى الله عليه وآله وسلم قال : انا دعوة ابراهيم وبشارة اخي عيسى ورؤيا امي التي رأت وكذلك امهات النبيين يريين وان امي رأت حين وضعتني نورا اضاءة له قصور بصرى بالشام فهذا رسول الله يقص عن خبر مولده صلى الله عليه وسلم ومن حب التوسع فليقرأ كتاب دلائل النبوة فانه سيرى العجب وكيف ان رسول الله اخبر عن كل ما يتعلق عن مولده فلماذا جاءتنا هذه الاخبار بلسانه الذي لا ينطق عن الهوى وبلسان اصحابه رضوان الله عليهم اجمعين ، فلقد جاءتنا هذه الاخبار لنعرف عظمة هذه الولادة ولتترسخ لنا عظمة هذا الرسول ويزيد تعلقنا فيه وهذا ما يحدث في الموالد فالاخبار عن ولادته منقولة من الثقات وليست من رؤوسنا وليست مصطنعة فكل الاخبار المقروءه في المولد اما جاءت بلسان الصحابه او بلسانه صلى الله عليه وسلم ، ثم لو نظرنا لاحوال الصحابه هل كانوا يجلسون لاستماع اخبار رسول الله فالجواب طبعا نعم فنذكر على سبيل المثال ما جاء في الترمذي ان الحسن بن علي السبط رضي الله عنهما قال : اتيت الى خالي هند بن ابي هالة فكان رجلا وصافا يحسن الوصف فقلت له صفلي من حلية رسول الله فاني اشتهي ان اسمع اوصافه وهذا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاخذ هند يصف وجه وجسد رسول الله فهل الحسن عليه السلام اخذ بطريق خطأ وهل هؤلاء الصحابه لا يفقهون ثم يقول الحسن عليه السلام فكتمتها اخي الحسين زمانا ثم حدثته فوجدته انه قد زاد علي بانه قد سأل اباه علي بن ابي طالب عليه السلام عن مدخله ومخرجه وملبسه وكل ما يتعلق فيه ، ولو نظرنا الى كتب الشمائل لوجدناها طافحه بذكر سيرة واوصاف رسول الله من اكابر الامة نذكر منها على سبيل المثال الشمائل المحمدية للامام الترمذي وكذلك الشمائل المحمدية للامام البغوي وابن كثير والسيوطي وغيرهم الكثير فعشرات الكتب المعتبره التي ذكرت شمائله صلى الله عليه وآله وسلم فهل كل هؤلاء الحفاظ واكابر هذه الامه لا يفقهون ولا يستفاد منهم وهل كل هذه الكتب لا يستفاد منها فقط وضعت لتزيين المكتبة ، ثم اننا نرى ان الله سبحانه وتعالى في كتابه اظهر بعض الولادات وبين شرفها وبركتها كقوله تعالى عن خبر مريم وامها حنا حيث يقول سبحانه وتعالى في سورة آل عمران(اذ قالت امرأة عمران رب اني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني انك انت السميع العليم ، فلما وضعتها قالت رب اني وضعتها انثى والله اعلم بما وضعت وليس الذكر كالانثى واني سميتها مريم واني اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ) . ويحكي لنا الله سبحانه بكتابه خبر عيسى عليه السلام في سورة مريم (و اذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا) الى آخر ذلك فيحكي لنا حمله ووضعه ويذكر لنا شأن السلام ( وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا ) وفي سيدنا يحيى بن زكريا يقول سبحانه على لسان يحيى (والسلام علي يوم ولدت ويوم اموت ويوم ابعث حيا ) هذه كلها دلالات على تعظيم ولادات هؤلاء الانبياء عند الله سبحانه وتعالى ، وقد جاءنا ان رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم قد مر في ليلة الاسراء والمعراج مع جبريل ببيت لحم فنزل وقال : ما هذا المكان الذي نزلت و صليت فيه فقال جبريل عليه السلام : هذا بيت لحم حيث ولد فيه عيسى بن مريم . كما رواه البزار وابو يعلى والطبراني من حديث شداد بن اوس فهذه كلها دلالات على عظمة المكان الذي ولد فيه عيسى فهل المكان والزمان الذي ولد فيه سيدنا محمد ليس بعظيمين ، لا شك ان جميع الانبياء تحت لوائه يوم القيامه ، ويقول الله سبحانه وتعالى ( وكلا نقص عليك من انباء الرسل ما نثبت به فؤادك ) . فهل اخبار الرسل السابقين تثبت قلب الرسول المعصوم والمبشر ولا تثبت اخبار الرسول قلوب امته من بعده فلا شك ان اخباره تثبت قلوب امته صلى الله عليه وسلم .
ذكرنا عموميات الادلة وبقي لنا النظر في محتويات المولد :
اولا : اذا جئنا الى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وجدنا انها من اعظم النوافل يقول سبحانه وتعالى ( ان الله وملائكته يصلون على النبي يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) ويقول صلى الله عليه وسلم ( من صلى علي صلاة واحده صلى الله عليه بها عشرا ومن صلى علي عشرا صلى الله بها عليه مئة ...الى آخر الحديث ) وقد جاءتنا مئات الاحاديث والمؤلفات من اكابر هذه الامة عن فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولا تحتاج الى الاطاله .
ثانيا : يشكل عند البعض في اجتماعات المولد النبوي شأن الذكر الجماعي وان الناس يصلون على الرسول جماعة ويقولون ان الجهر بالذكر بدعة ويستشهدون على بعض الادلة وليس فيها دليل بل تدل على سوء فهم منهم وعلى ذلك ما يذكرونه من آيات قرآنية ان الله سبحانه وتعالى امرنا ان ندعوه خفية وفي اية اخرى خيفة وهذه الآيات لا تدل على ان الجهر بالذكر ممنوع خصوصا ان الاحاديث النبوية جاءت طافحه بنشر ذلك فهم يستشهدون بحديث لا سند له حيث بحث اهل العلم عن سنده فلم يجدوه بان عبدالله بن مسعود رضي الله عنه جاء الى قوم ورآهم يذكرون الله جهرا فرماهم بالحصى ثم يستشهدون بحديث اخر صحيح انه حينما رجع رسول الله من غزوة من المغازي وكان اصحابه يرفعون اصواتهم بذكر الله قال لهم رسول الله صلى الله عليه و آله : اربعوا على انفسكم فانكم لا تنادون اصم . في الحقيقة ان هذا الحديث يؤيد ندب الجهر بالذكر فالسؤال هو كيف ؟
نقول ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قال لهم اربعوا ولفضة اربعوا عند العرب يعني خففوا صوتكم او هونوا او لا ترفعوه لهذه الدرجه بمعنى انه قال لهم خففوا من اصواتكم او هونوا منها فلو كان الامر فيه نهي وتحريم لنهاهم رسول الله بالمنع فهذا الحديث لو ان اي شخص درس طرفا من الاصول لعرف ان النهي هنا لا يدل على التحريم ابدا انما قالوا ان رسول الله اراد ان يخففوا على انفسهم لانهم كانوا يرفعون اصواتهم بشدة عالية فاراد ان ينبههم الى امر الاستراحه لانفسهم لانهم كانوا في سفر ولا يريدهم ان يتعبوا انفسهم وقال بعضهم انهم بالغوا مبالغة شديدة في رفع اصواتهم فارادهم ان يخففوا اصواتهم قليلا فلا حاجة لهذه المبالغة في رفع الصوت لذكر الله سبحانه وقد جمع الامام السيوطي اكثر من خمسين دليلا على سنية الجهر بالذكر نذكر بعضها :
الحديث الاول ما رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه والنسائي عن ابي هريرة رضي الله عنه انه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : انا عند حسن ظن عبدي في فليظن عبدي في ما شاء وانا معه ان ذكرني فاذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وان ذكرني في ملء ذكرته في ملء خير منهم.
وهذا يدل على ان ذكر الله في الملء له فضائل عظيمة .
روى البخاري ومسلم والبيهقي عن ابي هريرة رضي الله عنه مرفوعا : ان للله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون اهل الذكر فاذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا هلموا الى حاجتكم . وقد قال البعض انه رأوا قوما اي كل واحد يذكر الله وحده قلنا ما هو دليلكم على ذلك فليس هناك اي دليل على هذا المعنى بل ان اللفظ هنا جاء بذكر الجماعة ولم يحدد الافراد .
روى الامام احمد ومسلم والترمذي والنسائي ان رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم خرج على حلقة من اصحابه فقال : ما اجلسكم ؟ قالوا : جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا به للاسلام فقال : آ الله ما اجلسكم الا هذا قالوا : آ الله ما اجلسنا الا هذا فقال : اما اني لم استحلفكم تهمة لكم ولكن اتاني جبريل فاخبرني ان الله عز وجل يباهي بكم الملائكة .
وقد اخبر صلى الله عليه و آله وسلم عن عبدالله بن رواحة الذي كان يمسك ببعض الصحابة فيقول : تعالوا بنا نؤمن ساعة (كما رواه الامام احمد ) فاشتكى بعض الصحابه عند رسول الله ان ابن رواحة استغنى بايمان ساعة عن ايمانك يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : رحم الله ابن رواحة انه يحب المجالس التي تباها بها الملائكة .
روى الطبراني عن ابي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم : ليبعثن الله اقواما يوم القيامه في وجوههم النور على منابر اللؤلؤ يقبطهم الناس ليسوا بانبياء ولا شهداء قال : فجثى اعرابيا على ركبتيه وقال : اخبرني يا رسول الله عن حليتهم حتى نعرفهم . فقال صلى الله عليه و آله وسلم : هم المتحابون في الله من قبائل شتى وبلاد شتى يجتمعون على ذكر الله يذكرونه .
وقد جاء في الحديث الذي بعده عن شداد بن اوس قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ارفعوا ايديكم وقولوا لا الاه الا الله . ففعلنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم انك بعثتني بهذه الكلمة وامرتني بها ووعدتني عليها انك لا تخلف الميعاد . رواه الحاكم .
روى البخاري ومسلم بسندهما عن عمرو بن دينار قال : اخبرني ابن معبد اصدق موالي بن العباس عن مولاه ابن عباس قال : ان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس عن المكتوبة (الصلاة ) كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفي رواية اخرى كنت اعرف انقضاء صلاة رسول الله بالتكبير وهذا بلفظ ابن عباس اي انه كان يعلم انقضاء الصلاة في عهد رسول الله عندما يسمع الصحابه يكبرون بصوت عالي .
وقد جاء ايضا في البيهقي وعلقه البخاري ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يكبر في قبة في منى فيسمعه اهل المسجد فيكبرون ويكبر اهل الاسواق حتى ترتج منى تكبيرا .
ثالثا : المولد النبوي يحتوي على المدح في النثر والشعر :
اما النثر فقد مر علينا حديث هند بن ابي هاله مع الحسن عليه السلام وذكرنا ان كتب الشمائل طافحة بذكر اخبار رسول الله ومدحه من قبل الصحابه رضي الله عنهم الا ان البعض يشكل عليه حديث جاء في البخاري حيث يقول البعض لا تمدحوا رسول الله ولا تغلو في مدحه مع اننا نرى في هذا الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه وهو قول رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم : لا تطروني كما اطرت النصارى عيسى بن مريم ، انما انا عبد الله ورسوله فقولوا عبد الله ورسوله . انه دليل على ندب المدح للرسول صلى الله عليه وسلم فكيف يكون ذلك ؟
ان رسول الله لم ينهى عن المدح مطلقا بهذا الحديث بل نهى عن كيفية معينة من المدح وهو عدم اطرائه مثلما اطرت النصارى عيسى بن مريم وهذا يدل على جواز الكيفيات الاخرى التي تخالف النصارى عن مدحهم لعيسى بن مريم ونحن نعلم ان النصارى قالوا في عيسى بن مريم انه الله وقال بعضهم هو ابن الله وقال البعض هو ثالث ثلاثة فرسول الله منعنا من هذا الاطراء ويدل على ذلك قوله انما انا عبد الله ورسوله ويقصد بذلك ان لا ترفعوني في المدح عن مستوى العبودية والرسالة الى مستوى الربوبية كما فعل النصارى مع عيسى بن مريم عليه السلام . فنحن على سبيل المثال لو رأينا شخص يصلي صلاة باطلة وقال الشيخ لا تصلوا كما يصلي فلان فهل هذا يعني اننا لا نصلي لان الشيخ امرنا بان لا نصلي مثل فلان فالشيخ حينما قال كما وكما هنا للتمثيل والتشبيه فقول الشيخ انك لا تصلي كما يصلي فلان ما معناه ؟ معناه انه يدعوك الى الصلاة الصحيحه الحسنة ، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما قال لا تطروني كما اطرت النصارى اي لا تمدحوني كما مدحت النصارى عيسى بن مريم بل امدحوني واطروني بطريقة صحيحة وهذه الطريقة الصحيحة سوف اسردها لكم من كلامه وفعله صلى الله عليه وسلم وفعل اصحابه رضي الله عنهم .فنحن نأتي الى المدح فنرى ان القرآن مثلا نجد ان الله سبحانه وتعالى ملأ الكتاب في مدح رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم بل وفي التوراة والانجيل والزبور وقد جاء مدح رسول الله من قبل الله عز وجل وعلى السن الانبياء ففي القرآن نجد قوله تعالى (ولسوف يعطيك ربك فترضى ) .
نبي الله ابراهيم قال (ولا تخزني يوم يبعثون ) والله تعالى يقول في حبيبه محمد ( يوم لا يخزي الله النبي والذين معه ) .
نبي الله موسى يقول لربه -(ربي اشرح لي صدري ) والله سبحانه يقول لسيدنا محمد ( الم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي انقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك ).
الله سبحانه يقول لصفيه (ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله يد الله فوق ايديهم ) الله سبحانه وتعالى يقول ان الذين يبايعونك يا محمد انما يبايعونني انا فأي مدح اعظم من هذا المدح ومن يبالغ في مدح الحبيب الذي مدحه الله سبحانه وتعالى .
ويقول الله سبحانه وتعالى (وانك لعلى خلق عظيم ) ولذلك نظر احد الصالحين لهذه المدائح الربانية للحضرة النبوية الشريفة فانشد يقول :
حاولت ان اصف الحبيب ببعض ما فهم الفؤاد من الثنى القرآني
فوجدت قولي لا يفيء بذرة من عشر معشار العطى الرباني
من اين يعرب مقولي من حضرة عن مدحها قد كلَ كل لساني
من ذا الذي من البشر يستطيع ان يمدح رسول الله حق مدحه وقد مدحه الله تعالى بهذه المدائح العظيمة ، ثم بعد مدائح الرب لهذا النبي العظيم نأتي الى ان رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم مدح نفسه بنفسه حيث قال -(انا سيد ولد بني آدم ولا فخر ) ، (انا اول من تنشق عنه الارض ولا فخر) ، (انا اول من يدخل الجنة ولا فخر ) ، (انا اول من يقبض بحلق باب الجنة ولا فخر) وقد اخبرنا البخاري في صحيحه عن شفاعته يوم القيامة ان الانبياء يقومون ويشفعون ولا يشفع لهم الا حضرته صلى الله عليه و آله وسلم يقول : انا لها . هذه كلها مدائح مدحها رسول الله لنفسه متحدثا بنعمة الله عليه امتثالا لامر الله له (واما بنعمة ربك فحدث ) وهذا من تحديثه بنعمة الله .
اما مدح الصحابة له من نثر وشعر فهذا بحر واسع فلو قرأت كتب الشمائل لقرأت بعينك عن مدح الصحابه له انه اجمل من القمر واذا سر كأن الشمس تجري في جبينه ويصفون كل شيء فيه ولا نريد التفصيل الكثير بهذا لانه واضح وبين .
ثم اذا جئنا الى الشعر الذي قالوه فيه الصحابة رضوان الله عليهم فحدث ولا حرج سنذكر لكم نبذا من هذه الاشعار ولكننا سنعرج قليلا على بعض الاحاديث التي نصت على سنية مدح الرسول صلى الله عليه و آله وسلم فمن ذلك ما جاء في البخاري ومسلم ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل مسجد رسول الله فوجد حسان بن ثابت ينشد الشعر في رسول الله فقال عمر : يا حسان أ شعر في مسجد رسول الله ، فالتفت اليه حسان وقال : يا عمر اني والله انشدته عند من هو خير منك ، فالتفت عمر على ابي هريرة وقال : يا ابى هريرة اتشهد ان رسول الله قال فيه : اللهم ايده بروح القدس قال ابي هريرة : اللهم نعم فقال عمر :اجعلوا كرسي لحسان (او قال منبرا لحسان ) ينشد فيه الشعر بمدح رسول الله . وقد جاء في الصحيحين ايضا ان عائشة رضي الله عنها قالت : ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يضع لحسان منبرا في المسجد يقوم عليه ينافح عن رسول الله . ويقول صلى الله عليه وسلم : ان الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن رسول الله وفي رواية ما مدح رسول الله .
وجاءنا عن عبدالله بن رواحة انه قد كان ماسكا بفطام دابة رسول الله في فتح مكه وهو ينشد :
خلوا بني الكفار عن سبيله
فاليوم نظربكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن معيله
فقال عمر رضي الله عنه : يا بن رواحة اشعر عند رسول الله وفي حرم الله فقال رسول الله : دعه يا عمر فلهو والله اشد عليهم من نضح النبل .
رواه الترمذي والنسائي .
وعن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال : ان اخلكم لا يقول الرفث ، يعني ابن رواحة وقال بن رواحة :
وفينا رسول الله يتلو كتابه اذا انشق معروف من الفجر ساطع
ارانا الهدى بعد العمى فقلوبنا بها موقنات ان بما قاله وادع
واخرج الطبراني والحاكم في حديث حسن وقد بلغ عند بعض الحفاظ رتبة الصحيح ان العباس رضي الله عنه عم الرسول صلى الله عليه وسلم بعد غزوة تبوك قال لرسول الله : يا رسول الله ائذن لي امتدحك فما كان من رسول الله الا وقال له : قل لا يفقد الله فاك يا عم فدعى ان لا ينفض له فم فقام العباس وانشد ( انظر الى هذا المولد ) -
من قبلها طبت في الظلال وفي مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر انت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفينة وقد الجم نصرا واهله الغرق
تنزل من صالب الى رحم اذا بدا عالم بدا طبق
وردت نار الخليل مكتتما في صلبه انت كيف يحترق
حتى احتوا بيتك المهيمن من خندق علياء دون ان نطق
( وانت لما ولدت اشرقت الارض وضاءة بنورك الافق)
(فنحن في ذلك الضياء وفي النور سبل الرشاد نحترق)
وهذا قبل وفاة رسول الله بثلاث سنوات اي ان العباس يتكلم عن مولد الرسول قبل ستون عام .
ثم يقول البعض ان هذا كله شعر فردي فلماذا تنشدون انتم شعرا جماعيا ؟
نقول اننا ننشد شعرا جماعيا كذلك اقتداءا باصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد جاءنا في صحيح البخاري ان رسول الله كان يقول ايام الخندق : اللهم لا خير الا خير الآخرة فانصر الانصار والمهاجرة ويقول سيدنا انس كما رواه البخاري انهم كانوا يجيبونه :
نحن اللذين بايعنا محمدا على الجهاد ما بقينا ابدا
ولقد جاء في الصحيحين ان المهاجرين والانصار كانوا يتشدون جميعا قبل احدى الغزوات :
اللهم لو لا انت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فانزل سكينة علينا وثبت الاقدام ان لاقينا
ان الاولى (وفي رواية والمشركون) قد بغوا علينا
اذا ارادوا فتنة ابينا
ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرفع صوته فوق اصواتهم ويقول : ابينا ابينا
وقد الف الامام ابن سيد الناس كتاب سماه منح المدح في من مدح رسول الله في الشعر من الصحابه فليراجع للاستزاده .وقد جمع اشعار 160 صحابي من مادحين رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم حسان بن ثابت حيث قال في رسول الله :
اعز عليه للنبوة خاتم من الله مشهود يلوح ويشهد
وضم الاله اسم النبي لاسمه اذا نادى المنادي في الخمس اشهد
وشق له من اسمه ليجله فذي العرش محمود وهذا محمد
اتا نبي اتانا بعد يأس وفترة من الرسل والاوثان في الارض تعبد
فامسى سراجا مستنيرا وهاديا يلوح كما لاح الصقيل المهند
ومن شعر حسان ما جاءنا في اسد الغابة ان عائشة رضي الله عتها وصفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : كان والله كما قال فيه حسان بن ثابت
متى يبدو في التاج البهيم جبينه يلح مثل مصباح الدجى المتوقد
فمن كان او من قد يكون كاحمد نظام لحق او نكال لملحد
وقال فيه حسان :
واحسن منك لم ترى قط عيني
واجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرءا من كل عيب
كأنك خلقت كما تشاء
وروى لنا الحاكم في سند صحيح عن كعب بن زهير قصته المشهوره حيث كان يهجو رسول الله فأباح رسول الله دمه فجاء يوما متسترا متلثما فدخل وقال أيا محمد اذا جاءك كعب بن زهير معتذرا اتقبل عذره، فقال رسول الله - نعم فأزاح كعب الوشاح عن وجهه وأنشد:
بانت سعاد قلبي اليوم متبول
متيما عندها لو يفدى مكبول
الى أن قال فيها
أن الرسول لسيف يستضاء به
وصارم من سيوف الهند مسلول
وقال له رسول الله-
بل من سيوف الله مسلول فعدلها كعب بن زهير
فبعد أن أتم كعب بن زهير قصيدته رمى له رسول الله
بردته فأعطاه إياها هدية على هذا المدح فسبحان الله
وقال عبدالله بن الزبعري من الصحابه ينشد يقول :
فاليوم آمن بالنبي محمد قلب ومخطئ هذه محروم
مضت العداوة وانقضت أسبابها وأتت اواصر بيننا وحلوم
فاغفر فدالك والدي كلاهما زللي فإنك راحم مرحوم وعليك من سمة المليك علامة نورا غرو خاتم مختوم وأحب أن أختم هذه النماذج بقصه رواها صاحب المواهب الدينيه وكذلك في رواية للبيهقي عن أنس ان أعرابيا جاء إلى رسول الله فقال : يا رسول الله، أتينا وما لنا صبي يغط ولا بعير يئط وأنشد الأعرابي يخاطب رسول الله :
أتيناك والعذراء يدمى لبانها
وقد شبلت أم الصبي عن الطفل
وألقى بكفيه الفتى لإستكانة
من الجوع ضعف ما يمر ولا يحلى
ولا شىء مما يأكل الناس عندنا
سوى الحنظل العامى والهلعز الفسلي
وليس لنا إلا إليك فرارنا
وأين فرار الناس إلا إلى الرسل
فقام رسول الله يجر ردائه وصعد المنبر فرفع يده إلى السماء يدعو يقول : اللهم أسقنا غيثا مغيثا مريعا غددا طبقا نافعا غير ضارا عاجلا غير رائث إلى آخر الدعوات النبوية العظيمة فأمطرت السماء وجاء البدو من كل مكان يقولون : الغرق الغرق يارسول الله فرد رسول الله في الدعاء : اللهم حوالينا ولا علينا فإنجاب السحاب عن المدينة ، فضحك حتى بدت نواجده ثم قال : لله در أبي طالب لو كان حيا لغرت عيناه من ينشدنا قوله ، فقال على بن أبي طالب رضي الله عنه :كأنك تريد قوله :
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
تطيف به الأفلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل
كذبتم وبيت الله نبز محمدا ولما نطاعن حوله ونناضل
ونسلمه حتى نطرأ حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل
فقال رسول الله : نعم ثم قال : أجل
هذه أمثله على مدائح الصحابة لرسول الله في الشعر والنثر وقد كان يحب أن يذكر في الأبيات التى قيلت فيه من قبل ذلك .
بغي عندنا مما يفعل في المولد من وعظ وتذكير والله سبحانه وتعالى يقول -(فذكر إنما أنت مذكر) ويقول تعالى -(ادعوا إلى سبيل ريك بالحكمة والموعظة) ويقول تعالى (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إننى من المسلمين).
فلا شك ان ما يفعل بالموالد من وعظ وتذكير لهو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، اذا هذه كلها اعمال محبوبة ومشروعة وهي ما يفعله الناس في المولد فمن اين جاء ان المولد بدعة وغيره من الاتهامات الباطلة من ضلالة وشرك والعياذ بالله .
يدعي البعض ان المولد نشأ على ايام الدولة الفاطمية وينسبون تلك الروايات الى ابن كثير حيث يزعمون ان ابن كثير قال في كتابه البداية والنهاية ما نصه :
ان الدولة الفاطمية احدثت احتفالات كثيرة في دولتهم من بينها الاحتفال في المولد النبوي وقد رجعنا الى البداية والنهاية لابن كثير ولم نجد هذه العبارة بل وجدناه بالعكس من ذلك يقول رحمه الله : الملك المظفر ابوسعيد احد الاجواد والسادات الكبار له آثار حسنة ويقول عنه كان شجاعا شهما مقداما شهما فاتكا عالما صالحا رحمه الله واحسن مثواه وكان يصرف في المولد ثلاثمئة الف دينار نفعنا الله به هذا ما يقوله ابن كثير عن المولد .
بقي عندنا قضية البدعة في هذا المبحث وقد ذكرنا في بداية حديثنا ان علماء اهل السنة قالوا فيه قولان احدهما قال انه سنة والآخر قال انه بدعة حسنة باعتبار تركيبته الحاليه اما الذين ينكرون عمل المولد فهم يستشهدون في حديثين لرسول الله الحديث الاول يقول فيه اياكم ومحدثات الامور ، فان كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة . والحديث الثاني يقول فيه من احدث عن امرنا هذا ما ليس منه فهو رد . ويستشهدون بقول الله تعالى (اليوم اكملت لكم دينكم واتممت نعمتي عليكم ورضيت لكم الاسلام دينا ) .فنقول وبالله التوفيق ان كل بدعة ضلاله ف(كل) هنا للعموم ولكن هناك ما يخصصها فهل كل هنا للعموم لا تخصص فنحن مثلا نرى ان كلمة كل تأتي كثيرا في كتاب الله وتخصص مثلا في بلقيس في عهد سيدنا سليمان قال الله تعالى في كتابه -(واوتيت من كل شيء) ومع ذلك يخبر الله سبحانه انها لم تؤتى مثل ملك سليمان ، اذا ما معنى كل في الحديث ؟
ان كلمة كل في الحديث جاءت للعموم الا ان للعموم ما يخصصه فاذا قلنا ان كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة اذن السيارة بدعة والنظارة بدعة وكل ما هو جديد لم يكن في زمن رسول الله فهو بدعة فيقولون لا هذه بدع دنيوية قلنا ان الحديث لم يكن فيه تمييز بين بدعة دنيوية ودينية اذن كيف خصصتم (كل) في الحديث ؟ قالوا لا الحديث الثاني يخصص هذا الحديث حيث قال رسول الله : من احدث في امرنا هذا (يعني ديننا ) ما ليس منه فهو رد .نقول اذن الحديث الثاني رضيتم انه يخصص الحديث الاول اي انكم قسمتم البدعة الى دينية ودنيوية فهذا يعني اننا متفقون على ان العموم اذا جاء ما يخصصه يخصص به خصوصا اذا كان حديثا صحيحا فنحن ننظر الى كل الاولى وكل الثانية اي كل بدعة ضلالة نجد ان الحديث الاول يخصص كل الاولى وكل الثانية اذن من احدث في امرنا هذا منطوق هذا الحديث مفهومه انه من احدث في امرنا هذا ما هو منه فهو ليس برد ومن احدث في امرنا هذا ما ليس منه فهو رد وهذا مفهوم لاي انسان يعرف العربية جيدا ويؤيد هذا الحديث حديث رسول الله الصحيح الذي قال فيه رسول الله من سن في الاسلام سنة حسنة كان له اجرها واجر من عمل بها ، ومن سن في الاسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها . قال بعض المخالفين ان معنى سن سنة اي احيا سنة من سنن رسول الله فنقول هذا يتعارض مع الشطر الثاني من الحديث لان الشطر الثاني يقول فيه رسول الله : من سن سنة سيئة فهل رسول الله يسن سنة سيئة والعياذ بالله ومن يعملها يأثم عليها &#33;
اذن هذا الحديث يشرح الحديثين الاول والثاني ويخصصهم .
ثم نأتي على اقوال اهل العلم المعتبرين لنرى رأيهم في هذا الكلام فيقول الامام الكبير مؤصل علم الاصول الامام الشافعي رحمه الله كما رواه البيهقي في مناقب الشافعي : المحدثات ضربان ما احدث ما يخالف كتابا او سنة او اثرا او اجماعا فهذه بدعة ضلالة وما احدث من الخير لا خلاف فيه بواحد من هذا فهو سنة .
ويقول الامام القرطبي في تفسير لقوله تعالى (بديع السماوات والارض واذا قضى امرا قال له كن فيكون ) يقول القرطبي : ان كل بدعة صدرت من مخلوق فلا بد ان لها اصلا في الشرع اولا فان كان لها اصلا كانت واقعة تحت عموم ما ندبه الله سبحانه وتعالى اليه وحض رسوله عليه فهي في حيز المدح فان لم يكن مثاله موجودا كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف فهذا فعل من الافعال المحموده .
يقول ابن الاثير كما جاء في النهاية عند ذكره البدعة الحسنة قال : ومن هذا النوع قول عمر رضي الله عنه نعم البدعة هذه لما كانت من افعال الخير وداخله في حيز المدح سماها بدعة وندبها لان النبي لن يسنها لهم (اي صلاة التراويح ) وانما صلاها ليالي ثم تركها ولم يحافظ عليها ولم تكن حتى في زمن ابي بكر حتى جاء عمر ليسنها ويقول نعم البدعة هذه وكذلك قوله حين جمع في عهد ابي بكر القرآن في مصحف ونعم البدعة هذه لما فيها من خير للمسلمين .
وقد قال بهذا القول كبار علماء هذه الامة مثل ابن رجب والحافظ النووي والحافظ ابن حجر العسقلاني وغيرهم الكثير نختصر لعدم الاطاله ما قالوه عن البدعة الحسنة .
لو نظرنا الى حال الصحابه رضي الله عنهم لوجدناهم قد قاموا ببدع حسنة كثيرة منها على سبيل المثال ما ذكرناه من جمع القرآن في مصحف واحد وما قام به سيدنا عمر من تأخير مقام ابراهيم عن البيت الحرام وزيادة الاذان الاول من صلاة يوم الجمعة في عهد سيدنا عثمان وقيام عبدالله بن عمر بزيادة البسملة على التشهد ومن ذلك ان الصحابه كانوا يختمون مجلسهم بسورة العصر كما رواه الطبراني والدارمي وغير ذلك كثير .
بقية مسألة وهو ان المخالفين ينكرون هذا التنظيم الذي يحدث في المولد من قراءة للقرآن ثم يليه الصلاة على النبي ثم الوعظ والتذكير ثم الانشاد والمدح واطعام الطعام فيقول ان لم يفعله رسول الله ولا الصحابه بهذا التنظيم الذي تفعلونه .
نقول اولا :نحن علمنا ان الصحابة فعلوا امثال المولد اذا لم نبالغ ونقول انه مولد وقد مر علينا ذلك من انشاد الشعر الجماعي والفردي ومجالس الوعظ والتذكير وغيرها ولكننا نقف هنا عند مسأله مهمة وهي هل اذا ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعل شيئا معينا يعني حرام ؟ من قال هذا الكلام من اهل العلم ؟ نحن نعلم ان السنة هي عبارة عن فعل او قول او تقرير رسول الله فهل يقول اهل العلم ان ما تركه رسول الله فهو حرام ، الله سبحانه وتعالى قال ( ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) ولم يقل وما تركه الرسول فاتركوه ويقول لنا رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم : ما امرتكم به فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه . ولم يقل وما تركته فاتركوه وهذه المسأله قد قررها اهل الاصول ان ما تركه الرسول ليس حرام الا اذا جاء ما يثبت تحريمه وقد جاءنا ان رسول الله قد ترك كثيرا من الافعال خشية منه ان تفرض على امته او انه قد يترك شيئا لانه لا يميل اليه مثل اكل الضب او قد يترك شيئا لدخوله في عموميات او احاديث كتركه لكثير من المندوبات هي داخله ضمن توجيهاته العامه وربما يترك شيئا خوفا على تغيير قلوب اصحابه اذن لا يوجد هناك اي دليل على ان ما تركه رسول الله حرام الا اذا ثبت تحريمه . ثم ان الذين ينكرون على تنظيم المولد تجد لديهم تنظيماتم وبدعهم الحسنة وهم لا يشعرون بها ، فمثلا جمع المصلين خلف امام في صلاة التهجد في العشر الاواخر في رمضان لم يفعله لا رسول الله ولا الصحابة ولا التابعين ولا من هم بعدهم الى الفتره الاخيره الذي ظهر فيها هذا الفكر الجديد ، كذلك دعاء ختم القرآن في صلاة التراويح وتخصيصة في اليوم السابع والعشرين او التاسع والعشرين لم يفعله رسول الله ولا الصحابه ، كذلك هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لم تكن موجوده في زمن الرسول ولا الصحابة وغيرها الكثير.
اتى مرة احد الاخوة المنكرين للمولد النبوي وقال اريد ان اناقشكم في قضية المولد قلنا ماذا تقول في المولد قال: انها بدعة ولم يفعلها رسول الله بهذه الكيفية ولا الصحابة .فقلنا : حسبك انت تريد ان تناقشنا في المولد ونحن نناقشكم في شيء تقيمونه تحت اسم الندوات قلنا له : هل تقيمون الندوات الدينية قال : نعم قلنا : هذه بدعة فعلى رأيك انها ضلالة وهي في النار قال: كيف هذا نشر للعلم قد ندبه لنا الشارع قلنا : والمولد فيه وعظ وتذكير ونشر علم بل ونزيد عنكم بالصلاة على الرسول واطعام الطعام والمدح والتذكير وكل هذا ندبه الشارع اما اذا كان احتجاجكم على اسمه فنسميه (ندوة عن ذكر سيرة رسول الله وشمائله ) فهل هذا يجعله ليس بدعه وليس ضلالة وليس في النار .ثم نقول هل رسول الله عمل ندوة ونظمها بنفس التنظيم الذي تنظمونه لندواتكم واجتماعاتكم ، ثم انكم تعملون احتفالات خاصة بكم لحفظة القرآن فهل كان هذا موجودا في حياة رسول الله ، وانكم تقومون بعمل لجان تنظم مسابقات لتحفيظ القرآن ونرى في المساجد بتوزيع الهدايا والجوائز على المتفوقين ويدعى بختام هذا الحفل بدعاء خاص فهل هذا التنظيم كان موجودا في حياة رسول الله والبرامج الدينية التي تقدمها القنوات الفضائيه من استقبال دعاة ويقوم بادارة البرنامج مذيع وغيرها مسائل كثيره تنظم فهذه كلها بدع حسنة تعود في اصولها الى امور حببها الشارع وحث عليه وهي نشر العلم فنحن في المولد ربما نختلف في كيفية التنظيم عن ما كان عليه رسول الله واصحابه فقط لانها وسيلة لنقل العلم وكسب الاجر والثواب والترغيب فيه ، فالصحابه حياتهم كلها كانت في ذكر رسول الله لانهم عاشوا معه اذا تكلم احدهم قال قال رسول الله فعل رسول الله اوصى رسول الله والا فكيف وصلتنا كل هذه الاخبار والاحاديث عنه صلى الله عليه وسلم كما كانت حياتهم كلها وعظ وتذكير ومدح في الشعر والنثر لرسول الله وينشرون سيرته واخباره ونحن في هذا الزمن ننشر سيرته واخباره ونوعظ ونذكر ونعلم امور الدين عن طريق هذا المولد وهذا كله من استخدام وسائل العصر وما يتناسب مع زماننا ومكاننافهذا لا يخالفه عقل ولا نقل ولا دليل .
بقية قضية وهي ان البعض يشكل عليه امر التخصيص فيقول انكم تخصصون يوما للاحتفال بالمولد وهذا التخصيص منهي عنه .
نقول نحن اولا لا نخصص يوما للاحتفال بالمولد بل نفعله كل ما تسنى لنا وتيسر ثم ما معنى التخصيص المنهي عنه ؟.
التخصيص المنهي عنه هو انني اقول ان هذا العمل لا يصح الا في هذا اليوم او الوقت ومن لم يفعله في هذا الوقت فهو آثم فلو ان احدا قال انه لا يجوز فعل المولد الا يوم مولد الرسول ومن لم يفعله يأثم او انه ترك مندوبا او ترك سنة نقول له لا لقد جئت بامر خطأ وقد بالغت في تغيير احكام الله تعالى انما هذا احتفال يأتي في اي وقت يتيسر فيه لاظهار الفرح والسرور تنفيذا لامر الله (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خيرا مما يجمعون ) فنحن لا نخصص في المولد فمثلا فلان يحب ان يفعله كل اسبوع في بيته وفلان يحب ان يفعله قبل زواج احد من اقاربه فلان يحب ان يفعله يوم الخميس كل حسب رغبته وحسب استطاعته شأنه شأن تخصيص اوقات للندوات والبرامج والحصص وغيرها من الامور وهذا شأنه تنظيم الوقت وليس التخصيص المنهي عنه .
بعض الناس يقولون ان المولد يحصل فيه اختلاط بين النساء والرجال في بعض الدول والمناطق وان يحصل فيه بعض المنكرات من رقص وغيرها من المنكرات . نقول اننا لو نظرنا الى الموضوع من هذا المنظار لقلنا انه يجب علينا ان نوقف الحج لما يقع فيه من بعض المنكرات مثل العصابات وفيه من النشالين وان نوقف الصلاة في المسجد الفلاني لان فلان وفلان يعملون فيه بعض المنكرات فلنوقف الصلاة في هذا المسجد وان الجامعه الفلانية فيها بعضا من المنكرات ويجب اغلاقها لو عملنا هذا لاغلقنا الدنيا كلها لان هذه المنكرات موجوده في كل زمان ومكان لذلك فاننا لو وجدنا اي مجلس للمولد فيه اي نوع من المنكرات او ان بعض الناس لجهلهم يرتكبون المحرمات فهذا لا يعني اننا نلغي المولد بل من الواجب ان نمنعهم من ارتكاب تلك المحرمات والمنكرات واعملوا موالدكم على قاعدة شرعية من الانضباط من الكتاب والسنة واجتنبوا المنهيات والمكروهات فهذا ما ينبغي عمله .
بقي لنا آراء بعض العلماء عن المولد النبوي الشريف سوف نسردها لكم منها قول الامام ابن تيمية رحمه الله يقول في كتابه (اقتضاء السراط المستقيم )
وفي بعض فتاواه ص 266 : وكذلك ما يفعله بعض الناس اما مظاهاة للنصارى في ميلاد عيسى بن مريم واما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيما له والله يثيبهم على هذا الاجتهاد وهذه المحبة الى قوله فان هذا لم يفعله السلف بهذه الكيفيه مع قيام المقتضى له وعدم المانع منه .
وقد قال بمثل ذلك الامام السيوطي والحافظ العراقي والحافظ السخاوي وابن حجر الهيثمي وابن حجر العسقلاني والحافظ ناصر الدين الدمشقي والامام الحافظ الملا علي القاري والامام ابن دحيه والامام صاحب القراءات الحافظ محمد بن عبدالله الجزري والامام الحافظ ابن الجوزي والامام النووي والامام الشهاب القسطلاني والحافظ المناوي والامام ابن كثير والامام الحافظ ابن البديع والبرزنجي وعبدالغني النابلسي وغيرهم عشرات اهل العلم المعتبرين الذين امتدحوا عمل الموالد واستحسنوه فهم بحاجه الى مجلد لسردهم وسرد آرائهم و اقوالهم ، نسأل الله لنا ولكم الهداية والدلالة على الطريق المستقيم وان يرزقنا واياكم حبه وحب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم انه اكرم الاكرمين والحمد لله رب العالمين ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .
__________________


بسمك اللهم وبحمدك ، اشهد أن لا إله إلا أنت ، استغفرك وأتوب إليك .
حفيد القتال غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-10-06, 02:18 AM   #8 (permalink)
][::. عضو .::][
 
الصورة الرمزية الشريف بن طلحة
 
تاريخ التسجيل: Aug 2004
الدولة: جمهورية مصر العربية
العمر: 61
المشاركات: 1,235
افتراضي

بارك الله فيك أخي الكريم ابو نزار وفي ماخطته يداك بذكرى سيد الكون [img]style_images/1/p1.gif'>
__________________

فأولئك السادات لم ترا مثلهم *** عيـن علـى متتابـع الأحـقـاب

لم يعرفوا رد العفـاة وطالمـا *** ردوا عداتهـم علـى الأعقـاب

زهر الوجوه كريمة أحسابهم *** يعطون عافيهم بغيـر حسـاب


















الشريف محمد بن علي بن أحمد آل طلحة الرضوي الحسيني
الشريف بن طلحة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-10-06, 02:42 AM   #9 (permalink)
][::. عضو .::][
 
تاريخ التسجيل: Aug 2006
الدولة: المملكة العربية السعودية
العمر: 35
المشاركات: 408
افتراضي

أخي الغالي جزاك الله خيراً على طرح المتميز الجيد والذي أسأل الله أن يجعله في ميزان حسناتك وأن يتقبلنا وإياك في عباده الصالحين ، ولي بعض التعليقات . . .

أولاً :

لا أحد ينكر أن شرف الحدث ينعكس على الزمن فيصبح شرف الزمان من شرف الحدث . ولكن السؤال هل كل زمن له شرف يجب إحياءه وتخليد ذكراه وطلب الأجر في تجديد ذكراه ؟

الجواب :
أن العبادات كما هو معلوم توقيفية , ولا تصح العبادة بلا دليل عليها ، وإلا لجعلنا اليوم الذي نزلت فيه مائدة ربنا على بني إسرائيل عيد لنا نتعبد ربنا ونطلب الأجر في تخليد ذكراه ، وهناك أزمنه كان لها شرفية الزمان لشرفية الحدث الذي حصلت فيه ولكن المكان هنا ليس للتفصيل ولكن لذكر البيان فقط .

ثانياً :

أما ذكرك للجهات التي أفرطت في الغلو والتي أفرطت في إلغاء هذه المناسبة العظيمة على نفوسنا أقول لك ، أن الله في القرآن الكريم قال : ( ولا تقربوا الزنا . . . ) ولم يقل سبحانه ولا تزنوا ، فذكر سبحانه تجنب الطريق المؤدي للزنا ، وكما تعلم أخي العزيز أن من القواعد الفقهية في ديننا الحنيف أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، وفي ذلك مصلحة عظيمة لنا في ذكر جدنا وحبيبنا ويوم مولده ، ولكن تطور البعض عند الناس وعمل ما عمل وجميعنا يعلم ما يحدث في بعض هذه الاحتفالات ، فتركنا هذا الأمر لتجنب المفسدة منه .

ثالثاً :

ذكرت بارك الله فيك الشريعة قد تركت كيفية إبراز هذا التكريم والاحترام والتبجيل إلى المسلمين أنفسهم، ليعبروا عنه وفق عاداتهم وتقاليدهم الحياتية المتنوعة والمتطورة ، وأنا وللأسف الشديد أخالفك الرأي في هذا الموضوع صحيح أن بعض الأحكام الشرعية ترجِع لعرف البلد ولكن ليس في هذا الأمر ولسبب لأن ذكر الرسول ورد له صفه معلومة وعبادات معلومة بالدليل وأزمنه معلومة كما تعلم منها أذكار الصباح والمساء ، ولكن لم يدعها مطلقة على مانراه من بعض أحبتنا .

رابعاً :

أخي الغالي إستشهد بأية من سورة ابراهيم وللأسف كان الإستشهاد في غير محله وأذكر لك على سبيل المثال كلام لطيف للإمام الغزالي رحمه الله : " ومن قبل محمد أرسل الله موسى لينقذ قومه من ظلمات الذل والعبودية، ويمنّ عليهم بالحرية المطلقة، حرية العقل والضمير والحركة والمرح في نعمة الله وكل ما طلبه منهم أن يذكروا هذا الفضل، ويعرفوا حق صاحبه " فالمراد بالتذكير واضح وأترك لك العنان للتفكر .

خامساً :

ذكرت أن الله سبحانه سلم على نبي الله يحيى وقد أخالفك في ذلك وأذكر لك إستشهادي بكلام لأحد العلماء الأجلاء قال ابن جرير : " وسلام عليه أي : أمانٌ له " … والظاهر المتبادر أن قوله : ( وسلام عليه يوم ولد ) تحية من الله ليحيى ومعناها الأمان والسلامة ، وكلامه واضح ولا يحتاج لشرح .


وشهر مبارك وكل عام وأنت بخير ولم أستطع المرور على كل ماكتبت لضيق الوقت وتسلم يمينك على ماكتبت أخي الغالي
__________________
**********************

التعديل الأخير تم بواسطة شريف بني حسين ; 29-01-07 الساعة 12:49 PM.
شريف بني حسين غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة