رعاية وإدارة : الشريف عبد الله آل حسين
مجلة السادة الأشراف
مركز تحميل السادة الأشراف

« الإعلانات »
مبرة السادة الأشراف مقابلة مع الشريف عبدالله آل حسين

صفحة السادة الأشراف على الفيسبوك


« آخـــر مشاركات الأنساب »
وفاة الشريف سالم الش... [ آخر الردود : الشريف ماجد سالم العياش - ]       »     وفاة والدة الشريف اح... [ آخر الردود : ذيب الغداري - ]       »     برقية تعزية من ديوان... [ آخر الردود : ذيب الغداري - ]       »     الدعاء للمريضه بنت ا... [ آخر الردود : هااشم - ]       »     السادة والاشراف في ا... [ آخر الردود : الشريف ابراهيم سلمان - ]       »     دعاء [ آخر الردود : ذيب الغداري - ]       »     ساعدوني اخوتي في الل... [ آخر الردود : محمد المعارفي - ]       »     هوارة في صعيد مصر بي... [ آخر الردود : عيسى الهواري - ]       »     تعزية لأسر ضحايا أحد... [ آخر الردود : البراهيم - ]       »     وفاه [ آخر الردود : البراهيم - ]       »    

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: وفاة الشريف سالم الشريف (آخر رد :الشريف ماجد سالم العياش)       :: وفاة والدة الشريف احمد موسى فتحي ال درويش (آخر رد :ذيب الغداري)       :: برقية تعزية من ديوان السادة الأشراف آل الخولي لسماحة نقيب الأشراف في مصر بوفاة بنت عمه (آخر رد :ذيب الغداري)       :: لا تختلق أعذاراً (آخر رد :الشيمـــاء)       :: الفكر... أم الشحص؟ (آخر رد :الشيمـــاء)       :: الدعاء للمريضه بنت اختها((غنى الاشراف)) (آخر رد :هااشم)       :: السادة والاشراف في المدينة المنورة بنور الحبيب صلى الله عليه وسلم (آخر رد :الشريف ابراهيم سلمان)       :: دعاء (آخر رد :ذيب الغداري)       :: لغز الاسبوع الثاني (آخر رد :ذيب الغداري)       :: «الربيع العربي» إحدى علامات الساعة (آخر رد :الشيمـــاء)      


العودة   منتدى السادة الأشراف > -:::: منتديات العلم والايمان المنتديات الاسلامية ::::- > شخصيات اسلامية

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 15-12-09, 01:47 AM   #1 (permalink)

][::.عضو متميز.::][

 
الصورة الرمزية الشريف احمد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2005
المشاركات: 90
Icon (16) صور من حياة الصحابة رضوان الله عليهم

معاذ بن جبل

" أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل "

[ محمد رسول الله ]

لما أشْرَقَتْ جزيرةُ العَرَبِ بنورِ الُهدَى والحقِّ، كان الغلامُ اليَثْرِبيُّ(1) مُعَاذُ بن جَبَل فتًى يافِعاً.

وكان يَمْتَازُ من أترَابِهِ بِحِدَّةِ الذَّكاءِ، وقُوَّةِ العارِضَةِ(2)، ورَوْعَةِ البَيَانِ، وعُلُوِّ الِهمَّةِ.

وكان إلى ذلك، قسيما وسيما(3) أكْحَلَ العينِ جَعْدَ الشعر بَرَّاق الثنايا، يَمْلأ عين مجتَليه(4) ويملكُ عليه فؤاده.

أسْلَمَ الفَتَى مُعَاذُ بنُ جَبَل على يَدَي الدَّاعيةِ الَمكِّيِّ مُصْعَبِ بنِ عُمَيْرٍ . وفي ليلةِ العَقَبَةِ امتدَّت يَدُه الفَتِيةُ فصافَحَتْ يَدَ النبي الكريم وبايعَتْهُ...

فَقَدْ كانَ مُعاذٌ مَعَ الرَّهْط الاثنينِ والسَّبعين الذين قَصَدُوا مَكَّةَ، لِيَسْعَدوا بِلقَاءِ رسـولِ اللّه صلى الله عليه وسلم ، ويَشْـرُفوا ببيْعَتِـهِ، ولِيَخُطُّوا في سِفْر التاريخ أرْوَعَ صَفْحَةٍ وأزْهاها…
***
وما إن عادَ الفَتَى من مَكّـةَ إلى المدينةِ حَتَّى كَوَّنَ هو ونَفَر صَغيرٌ من لِدَاتِه جماعَةً لِكَسْرِ الأوْثانِ، وانْتِزاعِها من بُيُوتِ المُشْركينَ في يَثْرِبَ في السرِّ أو في العَلنِ. وكان من أثرِ حَرَكَةِ هؤلاء الفتيانِ الصغارِ أنْ أسْلَمَ رَجُل كبيرٌ من رجالاتِ يَثْرِبَ، هو عمرو بنُ الجموح(5).
***
كان عمرو بنُ الجَموح سَيِّداً من ساداتِ بني سَلَمَةَ، وشريفاً من أشرافِهِم.

وكان قد اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ صَنَماً من نفيسِ الخَشَبِ كما كان يَصْنَعُ الأشْرافُ.

وكان شَيْخُ بني سَـلَمَةَ يُعْنَى بصَنَمهِ هذا أشدَّ العِنَايَةِ فيُجلِّله بالحريرِ، ويُضَمِّخُه(6) كلَّ صَباح بالطِّيب.

فقام الفِتْيانُ الصِّغارُ إلى صَنَمِهِ تَحْتَ جُنْح الظَّلامِ وحَمَلوه مِنْ مَكَانِه، وخَرَجوا بهِ إلى خَلْفِ منـازِلَ بني سَـلَمَةَ، وألقوه في حُفْرَةٍ كانَت تُجْمَعُ فيها ا لأقذار…

فلمَّا أصبَحَ الشَّيْخُ افتَقَدَ صَنَمَهُ فلم يجِدْه، وَبَحثَ عَنْه في كُلِّ مكانٍ حَتى ألْفاهُ مُكِبّاً على وَجْهِهِ في الحُفْرَة غارِقاً في الأقذارِ فقال: وَيْلَكُمْ من عَدا على إلِهنا في هذه اللّيْلَةِ؟!

ثم أخْرَجَهُ وغَسَله، وطَهَّرَه، وطيّبهُ، وأعادَه إلى مكانهِ، وقال له:

أي "مناةُ"(7)، واللّهِ لو أني أعلَمُ من صَنَعَ بِكَ هذا لأخْزَيتُه...

فلمَّا أمْسَى الشيخُ ونامَ تسلل الفِتْيَةُ إلى صنمِه وفعلوا به ما فعلوه في اللَّيْلَةِ السَّابقةِ...
فما زالَ يبحثُ عَنْهُ حَتَّى وَجَدَه في حُفْرَةٍ أخْرَى من تِلْكَ الحُفَر...
فأخْرَجَه وغَسَلَه وطَهَّرَه وعَطَّرَه وتَوَعَّدَ(8) من عَدَوْا عليه أشَدَّ الوعيد...
فلمَّا تكرَّر ذلك مِنْهُمْ استَخْرجَه من حَيْثُ ألقَوْه، وغَسَلَه...
ثمَّ جاء بِسيْفِهِ فَعَلَّقَهُ عليه وقال يخاطِبُه:
واللّهِ إني ما أعلمُ من يَفْعَلُ بِكَ هذا الذي تَراه...
فإن كان فيك خيرٌ – يا منـاةُ- فادْفَعْ عن نَفْسِك… وهذا السَّيْفُ مَعَك …
فلمَّا أمسى الشَّيخُ ونام، عَدَا الفتْيَةُ على الصَّنَمِ، وأخذا، السَّيْفَ الُمعَلّقَ في رَقَبَتِهِ…
وربطوه بِعُنُقِ كَلْبٍ مَيِّتٍ وألقَوْهما في حُفْرَةٍ من تِلْكَ الحفَرِ، فَلَمَّا أصْبحَ الشيخُ جَدَّ في طلبِ صَنَمِهِ حتى وَجَدَه مُلْقىً بين الأقْذَارِ مقروناً بكلبٍ مَيتٍ مُنَكَّساً على وجهه.
عِنْدَ ذلك نَظَرَ إليه وقال:
تا للّهِ لو كُنْتَ إلهاً لم تَكُنْ أنتَ وكَلْبٌ وسْطَ بِئرٍ في قَرَنْ(9).
ثم أسلم شيخُ بنى سلَمةَ وحَسن إسلامه.

***
ولما قَدِمَ الرسولُ الكريمُ على المدينةِ مهاجراً، لَزِمَهُ الفَتَى معاذ بنُ جَبل مُلازَمَةَ الظلِّ لِصَاحِبِه، فأخَذَ عنه القُرَانَ، وتَلَقَّى عليه شرائعَ الإسْلام، حَتَّى غَدا من أقرأ الصَّحابةِ لِكِتابِ اللّهِ، وأعْلَمِهم بِشَرْعِه...

حَدَّثَ يَزِيدُ بنُ قُطَيْبٍ قال: دَخَلْتُ مَسْجِدَ حمصَ فإذا أنا بِفَتًى جَعْدِ الشَّعْرِ(10)، قد اجتَمَعَ حَوْلَه النَّاس.

فإذا تكلَّمَ كأنَّما يَخْرُجُ من فيه نورً ولُؤلُؤ، فقلتُ: من هذا؟!

فقالوا: معاذُ بن جبل.

***

وروى أبو مسلم الخوْلانيّ(11) قال: أتيْتُ مسجِدَ دِمَشْقَ، فإذا حَلْقَةٌ (12) فيها كهول من أصْحابِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

وإذا شاب فيهم أكْحَلُ العَيْنِ بَرَاقُ الثنايا، كُلَّما اخْتَلَفُوا في شيءٍ ردُوه إلى الفَتَى؟ فقلت لِجَليس لي:
من هذا؟!
فقال: معاذ بن جبل.
***
ولا غَرْوَ(13) فمعاذٌ رُبّيَ في مَدْرَسةِ الرسولِ صلواتُ اللّهِ وسلامُه مُنْذُ نعومَةِ الأظْفارِ(14) وتَخَرَّجِ على يديه فنهل العلمَ من ينابيعه الغزيرة.

وأخَذَ المَعْرِفةَ مِنْ مَعِينها الأصيل، فكان خيرَ تِلْميذٍ لخير مُعَلِّم.
وحَسْبُ(15) معاذٍ شهادَةً أن يقولَ عنه الرسولُ صلواتُ اللّهِ عليه:
"أعْلَمُ أمَّتي بالحَلالَ والحَرَامَ مُعاذُ بنُ جَبَل "؛ وحَسْبُه فضلاً عَلَى أمَّةِ مُحَمدٍ أنه كان أحَدَ النَّفَرِ الستَّةِ الذين جَمَعُوا القرَانَ عَلَى عَهْدِ رسول اللّهِ صَلواتُ اللّهِ وسلامُه عليه.
ولذا كان أصْحابُ الرَّسولِ إذا تَحَدَّثوا وفيهم مُعَاذُ بنُ جَبَل نَظَروا إليهِ هَيْبَةً له وتَعْظيما لِعِلْمِهِ.
***
وقد وَضَعَ الرَّسولُ الكريمُ وصاحباه من بَعْدِه هذه الطَّاقَةَ العلميةَ الفريدَةَ في خِدْمةِ الإسلام والمسلمين.

فهذا هُوَ النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يَرَى جُموعَ قُرَيْش تَدْخُل في دينِ اللّهِ أفواجاً، بعد فتع مَكَّةَ.

ويَشْعُرُ بِحاجَةِ المسْلمينَ الجُدُدِ إلى مُعَلِّم كبيرٍ يُعَلِّمُهُمُ الإسلامَ، ويُفَقِّهُهُم بِشَرائِعِه، فَيَعْهَدُ بِخِلافتهِ على مَكَّةَ لِعَتَّابِ بن أسيدٍ ، ويَسْتَبْقي مَعَهُ مَعَاذَ بنَ جَبَل لِيُعَلِّمَ النَّاسَ القرَانَ ويفقِّهَهُمْ في دينِ اللّهِ.
***
ولَمَّا جاءَتْ رُسُلُ ملوكِ اليَمَنِ إلى رسولِ اللّهِ صَلَوَاتُ اللّهِ عليه، تُعْلِن إسْلامَها وإسْلامَ مَن وراءَها، وتَسْألُه أنْ يَبْعَثَ مَعَها من يُعَلّمُ الناسَ دينهم انتدَبَ لهذه الُمهِمَّةِ نَفَراً من الدُّعاةِ الهداةِ من أصْحابه وأمَّرَ عليهم مُعاذَ بنَ جَبَل رَضِيَ اللّهُ عَنْه.
وقدْ خَرَجَ النبيُّ الكريمُ صلواتُ اللّهِ وسلامُه عليه يودِّعُ بَعْثَةَ الُهدَى والنور هذه...
وطَفِقَ يَمشي تَحْتَ راحِلَةِ مُعاذٍ ... ومُعاذ راكِب...
وأطالَ الرَّسولُ الكريمُ مَشْيَه مَعَه، حَتَّى لكـأنَّه كان يريدُ أنْ يَتَمَلَّى من معاذ...
ثم أوصاه وقال له:
يا مُعاذ إنَّكَ عَسَى ألا تَلْقاني بَعْدَ عامِي هذا...
ولعلَّكَ أنْ تَمُرَّ بِمَسْجدي وقَبْري...
فَبَكَى معاذٌ جَزَعاً لِفراق نَبِيِّه وحَبيبِه محمدٍ صَلَواتُ اللّهِ عليه، وبَكَى مَعَهُ المسلمون.
***
وصَدَقت نُبُوءَةُ الرسولِ الكريمِ فما اكتحَلَتْ عَيْنا مُعَاذٍ رَضِىَ اللّهُ عَنْهُ بِرُؤيَةِ النبيِّ عليه الصلاةُ والسلامُ بَعْدَ تلكَ السَّاعةِ.
فَقَدْ فارَقَ الرسولُ الكريمُ الحياةَ قَبْلَ أنْ يعودَ مُعاذٌ مِنَ اليَمَنِ.
ولا ريبَ في أنَّ مُعَاذاً بَكَى لَمَّا عادَ إلى يَثْربَ فألفاها(16) قد أقْفَرَتْ من أنْس حبيبه رسولِ اللّهِ.
***
ولَمَّا وَليَ الخِلافَةَ عمرُ بنُ الخطَّابِ رَضِىَ اللّهُ عنه؛ أرْسَلَ مُعاذاً إلى بني كِلابٍ ليقسم فيهم أعْطَياتِهم، ويُوَزِّعَ على فقرائِهِم صَدَقاتِ أغنيائِهم، فقام بما عُهِدَ إليه من أمرٍ وعاد إلى زوجه بِحِلْسِهِ(17) الذي خَرَجَ به يَلفه على رَقَبَتِهِ، فقالت له امرأته:
أين ما جئْتَ بِهِ مِمَّا يأتي به الوُلاةُ من هَدِيَّةٍ لأهليهم؟!
فقال: لَقدْ كان مَعي رَقيبٌ يَقِظ يُحْصى عَلَىَّ(18)، فقالت:
قد كنت أميناً عِنْدَ رَسولِ اللّهِ، وأبى بكرٍ ، ثم جاء عمرُ فَبَعَثَ مَعَكَ رَقيباً يُحْصى عليك؟!!
وأشاعت ذلك في نِسْوةِ عُمَرَ، واشْتَكَتْه لَهُنَّ...
فَبَلَغ ذلك عُمَرَ؟ فَدَعا مُعاذاً وقال: أأنا بَعَثْتُ مَعَكَ رقيباً يُحْصِي عليك؟!
فقال: لا يا أمير المؤمنين، ولكِنَّني لم أجِدْ شيئاً أعْتَذِرُ بهِ إليها إلا ذِلك...
فَضَحِكَ عمرُ رضْوانُ اللّهِ عليه، وأعْطاه شيئاً وقال له:
أرضِها به...
***
وفي أيام الفاروق أرْسَلَ إليه واليه على الشَّامِ يزيدُ بن أبى سُفْيَانَ يقول:

يا أمرَ المؤمنين، إن أهلَ الشَّامِ قد كَثرُوا وملؤوا المَدَائِنَ، واحْتَاجُوا إلى من يُعَلِّمُهُمْ القُرَانَ ويفقِّهُهُمْ بالدِّينِ فاعِنِّي يا أميرَ المُؤمنينَ بِرِجال يُعَلِّمونَهُمْ؟ فَدَعا عمر النَّفرَ الخَمْسَةَ الذينَ جَمَعوا القرَانَ في زَمَنِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام.
وهم: معاذ بنُ جَبَل وعُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ وأبو أيوبَ الأنصاريُّ(19) وأبُيّ بنُ كعبٍ وأبو الدَّرداءِ(20) وقال لهم:
إنَّ إخْوانَكُمْ من أهل الشَّامِ قد اسْتَعَانُوني بِمَنْ يُعَلِّمُهُم القرانَ ويفقهُهُمْ في الدِّينِ فأعينوني- رَحِمَكُم اللّهُ- بثلاثةٍ منكم؟ فإنْ أحْبَبْتُم فاقْتَرِعوا وإلا انْتَدَبْتُ ثلاَثةً منكم.
فقالوا: ولِمَ نَقْتَرِعُ؟
فأبو أيوبَ شيخٌ كبيرٌ ، وأبيٌّ رَجُلٌ مَرِيضٌ ، وبَقينا نحنُ الثلاثة، فقال عمر:
ابِدَؤوا بِحِمْصَ فإذا رضيتُمْ حالَ أهْلِها؛ فَخَلِّفوا أحَدَكُمْ فيها وَلْيَخُرجْ واحِد مِنْكُمْ إلى دِمَشْقَ، والآخرُ إلى فِلسْطينَ.
فقام أصحابُ رسولِ اللّهِ الثلاثةُ بما أمَرَهُم به الفاروقُ في حِمْصَ...
ثم تركوا فيها عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ، وذَهَبَ أبو الدَّرداءِ إلى دِمشقَ ومَضَى معاذ بنُ جَبَل إلى فِلسْطينَ.
***
وهناك أصيبَ معاذ بالوَباءِ.
فلما حَضَرَتْه الوفاةُ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وجَعَلَ يردِّدُ هذا النشيد:
مَرْحباً بالموتِ مرحباً...
زائِرٌ جاءَ بَعْدَ غِياب...
وحبيب وَفَدَ على شَوْقِ...
ثم جَعَلَ ينظر إلى السماء ويقول:
اللهمَّ إنَّكَ كنتَ تَعْلَمُ أني لم أكُنْ أحِبُّ الدُّنيا وطولَ البَقَاءِ فيها لغرْسِ الأشجارِ، وجَرْيِ الأنهارِ...
ولكِنْ لظَمَأ الهواجِرَ، ومكابَدَةِ السَّـاعات، ومزَاحَمَة العلماءِ بالرُّكَبِ عند حِلَقَ الذكر…
اللَّهُمَّ فَتَقَبَّل نَفسي بِخَيْرِ ما تَتَقَبَّلُ به نَفْساً مُؤمِنَةٍ.
ثم فاضتْ روحه الطَّاهرةُ بعيداً عن الأهل والعشير داعِياً إلى اللّهِ، مهاجراً في سبيله. (*)
***
--------------------------------------------------------------------------------

(1) اليَثْرِبي: نسبة إلى يثرب، وهي المدينة المنورة.(2) قوَّة العارضة: قوة البديهة وروعة البيان.
(3) قسيما وسيما: بهي الطلعة جميل الملامح.(4) مجْتَلِيه: الناظر إليه.(5) انظر سهرته ص 79.
(6) يُضَمِّخُه: يَدْهنه ويطيّبه.(7) أي مناة: يا مناة، وهو اسم صَنَمِه.(8) تَوَعّده: أنذره بالشَّر.
(9) في قَرَن: أي مربوطاً معه في حبل واحد.(10) جَعْدُ الشعر: ذو شعر أجعد وضده: سبط الشعر.
(11) أبو مسلم الخولاني أحد كبار التابعين وهو من اليمن.(12) الحلقة: مجلس العلم، وكانوا يتحلَّقون في هذه المجالس حول الشيخ.(13) ولا غرو: لا عَجَب.(14) نعومة الأظفار: كناية عن صغر السِّنِّ لأن الصغير تكون أظفاره ناعمة.(15) حسْبُ معاذ شهادة: يكفيه شهادة.(16) فألفاها: فَوَجَدَها.(17) الحلسُ: ما يوضع على ظَهْر الدابَّةَ تحت السرج.(18) يريد بالرقيب اللّه جَلَّ وعَزَّ على سبيل التورية.(19) انظر سيرته ص 209.(20) انظر سيرته ص 69.

************************************************** ****
الشريف احمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-12-09, 01:51 AM   #2 (permalink)

][::.عضو متميز.::][

 
الصورة الرمزية الشريف احمد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2005
المشاركات: 90
افتراضي

عمير بن سعد



(1)

" عمير بن سعد نسيج وحده "

[ عمر بن الخطاب ]


تجرَّع الغلامُ عُمَيْرُ بنُ سَعْدٍ الأنصاري كأس اليتم والفاقة (1) منذُ نعومَةِ أظفاره.
فقد مَضَى أبوه إلى ربِّه دونَ أن يترُكَ له، مالاً أوْ مُعيلاً.
لكنَّ أمَّه ما لَبِثَتْ أنْ تَزَوَّجتْ من ثَرِيٍّ من أثرياء "الأوس" (2)، ويُدْعَى الجُلاسَ بنَ سُويَدٍ ، فَكَفَلَ ابنَها عُمَيْراً، وضَمَّه إليه.وقد لقي عُمَيْرٌ من برِّ الجُلاس وحُسْنِ رِعايته وجميلِ عَطْفِه ما جَعَله يَنْسَى أنّه يتيم.فأحـبَّ عميرٌ الجُلاسِ حُبَّ الابنِ لأبيه،؟ أولع الجُلاسُ بِعُمَيْر وَلَعَ الوالد بولده.
وكان كلما نما عُمَيْرٌ وشبَّ، يَزْدَادُ الجُلاسُ له حبّاً وبه إعجاباً لما كان يَرَى فيه من أمارات(3) الفِطْنَةِ والنَّجابَةِ التي تبدو في كُلِّ عملِ من أعماله، وشمائلِ (4) الأمانَةِ والصِّدْقِ التى تَظْهَرُ في كلِّ تَصرُّف من تَصَرُّفاته.
وقد أسلم الفتى عميرُ بنُ سعدٍ ، وهو صغيرٌ لم يُجَاوِزِ العاشِرَةَ من عُمُرِه إلا قليلاً، فَوَجَدَ الإيمانُ في قَلْبِهِ الغَضِّ مكاناً خالياً فَتَمَكَّن منه، وألفى (5) الإسلامُ في نفسِه الصَّافِيَةِ الشَّفَّافَةِ تربة خصبة فَتَغلْغَلَ في ثناياها؟ فكان على حَدَاثَة سنِّه لا يتأخَّرُ عن صلاةٍ خلفَ رسولِ اللّه صلى الله عليه وسلم ، وكانت أن تَغْمُرُها الفَرْحَةُ كُلَّما رأيته ذاهباً إلى المسجدِ أو آيباً منه، تارَةً مع زوجها وتارةً وحدَه.
***
وسـارَت حياةُ الغلام عمير بنِ سعدٍ على هذا النحو هانئةً وادعةً لا يعكِّرُ صَفْوَها مُعَكِّر، ولا يُكدِّرُ هنَاءَتَها مكَدِّر، حتى شاء اللّه أنْ يعرضَ الغُلام اليافِعَ(6) لتَجْرِبَةٍ من أشدِّ التجاربِ عُنْفاً وأقساها قَسْوَةً، وأنْ يَمْتَحِنَه امتحاناً قَلَّما مَرَّ بِمثْلِه فتًى في سنِّه.
ففي السنةِ التاسعةِ للهِجْرَةِ أعلن الرسولُ صلى اللّهِ وسلامُه عليه عَزْمَه على غَزْوِ الرّومَ في تَبُوك(7)، وأمَرَ المسلمين بأنْ يَسْتَعِدُّوا ويَتَجَهُّزوا لذلك.
وكان عليه الصلاةُ والسلامُ إذا أراد أنْ يغزوَ غَزْوَةً لم يصرِّح بها، وأوْهَمَ أنه يُريدُ جِهَةً غَيْرَ الجهةِ التي يَقْصِد إليها، إلا في غزوةِ تَبُوك، فإنَّه بَينَّهَا للناس، لِبُعْدِ الشقَّة(8)، وعِظَم المَشَقَّةِ، وقُوةِ العدوِّ؛ ليكونَ الناس على بَينةٍ من أمرِهم، فيأخذوا للأمر أهْبَتَه (9) ويُعِدُّوا له عُدَّته. وعلى الرغم من أنَّ الصيفَ كان قد دخل، والحرَّ قد اشتَدَّ، والثمارَ قد أْينَعَتْ، والظلالَ قد طابت، والنفوسَ قد رَكَنَتْ إلى التَّراخي والتَّكاسُلِ؛ على الرغم من ذلك كلِّه فقد لبَّى المسلمون دَعوَةَ نبيِّهم عليه الصلاة والسلام وأخذوا يَتَجَهَّزون ويَستَعِدُّون.
غيرَ أنَّ طائفةً من المنافقين(10) أخذوا يُثَبطونَ(11) العَزَائِمَ، ويُوهِنون الِهمَمَ (12)، ويُثيرون الشُّكوكَ، ويَغمِزون(13) الرسولَ صلواتُ اللّه وسلامُه عليه، ويُطلقون في مَجالِسِهمِ الخاصةِ من الكلماتِ ما يَدْمَغُهُم بالكُفْرِ دَمْغاً (14).
وفي يومٍ من هذه الأيَّام التي سَبَقَت رحيل الجَيْشِ، عادَ الغلامُ عُمَيْرُ بنُ سَعدٍ إلى بَيْتِه بَعْدَ أداءِ الصلاةِ في المَسجِدِ وقد امتلأت نَفْسُه بطائفة مُشْرِقَةٍ من صُوَر بَذْلِ المسلمين وتَضحِيَتِهِم رَآها بِعَيْنَيه، وسَمِعَها بأذُنَيه.
فقد رأَى نسـاءَ المُهاجِرِين والأنْصارِ يُقْبِلْنَ على رسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَيَنْزَعْنَ حُلِيَّهنَّ ويُلْقِينَه بَيْنَ يَدَيْهِ لِيُجَهِّزَ بِثَمَنِه الجَيشَ الغازِيَ في سبيل اللّه.
وأبصرَ بعَيْنَيْ رأسِه عثمانَ بنَ عَفَّان يأتي بِجِراب فيه ألْفُ دينارٍ ذَهَباً، ويقدِّمُه للنبيِّ عليه الصلاةُ والسلامُ.
وشَهِدَ عبدَ الرحمن بنَ عَوف يَحْمِلُ على عاتِقِه مائتي أوقِيَّةٍ من الذَّهَبِ ويُلْقِيْها بين يَدَي النبيِّ الكريم.
بل إنَّه رأى رجلاً يَعْرِضُ فِراشَه للبَيْع لِيَشْتَرِيَ بِثَمَنِه سَيفاً يُقاتلُ به في سبيلِ اللّه.
فَأخَذَ عُمَيْرٌ يَسْتَعيدُ هذه الصُّوَرَ الفَذَّةَ(15) الرائِعَةَ، ويَعْجَبُ من تباطُؤ الجُلاس عن الاسْتِعْدادِ للرَّحيلِ مع الرسولِ صلواتُ اللّه وسلامه عليه، والتأخّرِ عن البَذْل على الرغم من قدرته ويَسَاره (16).
وكأنَّما أرادَ عُمَيْرٌ أنْ يَسْتَثيرَ هِمَّةَ الجُلاسِ ويَبْعَثَ الحَمِيَّةَ (17) في نَفْسِه بم فاخَذَ يَقُصُّ عليه أخبارَ ما سَمِعَ ورأى وخاصَّةً خَبَرَ أولئك النَّفَرِ من المؤمنين الذين قَدِموا على رسولِ اللّه صلى الله عليه وسلم ، وسألوه في لَوْعَةٍ أنْ يَضُمَّهُمْ إلى الجيش الغازي في سبيل اللّهِ فَرَدَّهم النبيُّ لأنَّه لم يَجِدْ عِنْدَه من الرَّكائبِ ما يَحْمِلُهم عليه، فَتوَلَّوا(18) وأعيُنُهُمْ تفيضُ من الدَّمْع حَزَناً ألاَّ يَجِدوا ما يُبلِّغُهُمْ أمْنِيَتّهَمْ في الجهاد، ويُحقِّقُ لهم أشواقَهُمْ إلى الاستِشْهادِ.
لكنَّ الجُلاسَ ما كادَ يَسْمَعُ من عُمَيْرٍ ما سَمِعَ حَتَّى انطلقت من فَمِه كلمة أطارتْ صوَابَ(19) الفَتَى المؤمِن.
إذْ سَمِعَهُ يقول: "إنْ كان محمدٌ صادقاً فيما يَدَّعيه من النُبوَّةِ فَنَحْن شَر من الحَميِرِ".
***
لقد شُدِه (20) عُمَيرٌ مِمَّا سَمِعَ؟ فما كان يَظُنُّ أنَّ رجلاً له عقل الجُلاسِ وسِنُّه تَنِدُّ(21) من فَمِهِ مثلُ هذه الكلمةِ التي تُخْرِجُ صاحبها من الإيمان دفعةً، واحدةً وتُدْخِلُه في الكفرِ من أوْسَع أبوابه.
وكما تَنْطلقُ الآلاتُ الحاسِبَةُ الدقيقةُ في حِسابِ ما يُلْقَى إليها من المسائل، انطلق عَقْلُ الفَتَى عُمَيْرِ بنِ سعدٍ يُفَكِّر فيما يجب عليه أن يصنعه.
لقد رأى أنَّ في السكوتِ عن الجُلاسِ والتَّسَتُّرِ عليه خيانةً للّهِ ورسولِه، وإضراراً بالإسلام الذي يَكيدُ له المنافقون ويأتمرون به (22).
وأنَّ في إذاعةِ ما سَمِعَـه عقوقاً بالرَّجُلِ الذي يَنْزِلُ من نَفْسِـه منْزِلَةَ الوالد، ومجازاةً لإحسانه إليه بالإساءةِ؛ فهو الذي آواه من يُتْم وأغْنَاهُ من فقر وعوّضه عن فَقْدِ أبيه.
وكان على الفتى أنْ يَخْتَارَ بَيْنَ أمْرَيْنِ أحْلاهُما مُرٌّ . وسرعان ما اختارَ...
فالتفتَ إلى الجُلاسِ وقال: واللّه يا جُلاسُ ما كانَ على ظَهْرِ الأرضِ أحدٌ بعْدَ محمد بنِ عبدِ للّه أحَبَّ إليَّ مِنْكَ فأنت آثرُ(23) الناس عندي، وأجلُّهم يداً(24) علَّي، ولقد قُلْتَ مَقَالةً إن ذَكَرْتُها فَضَحْتُكَ، وإنْ أخْفَيتُها خُنْتُ أمانتي وأهْلكْتُ نفسي وديني، وقد عزمتُ على أنْ أمْضِيَ إلى رسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم ، وأخْبِرَه بما قلت، فكن على بَيَنّةَ من أمرك.
***
مضى الفتى عميرُ بنُ سعدٍ إلى المسجدِ، وأخبرَ النبيَّ عليه الصلاةُ والسلامُ بما سَمِعَ من الجُلاسِ بن سُوَيْدٍ .
فاسْتَبْقاه الرسولُ صلواتُ اللّه عليه عنْدَه، وأرسلَ أحَد أصحابِه ليَدْعُوَ له الجُلاسَ.
وما هو إلا قليل حَتَّى جاءَ الجُلاسُ فَحَيّا رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم ، وجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْه، فقال له النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ:
(ما مَقالة سَمِعَها مِنْكَ عُمَيْرُ بنُ سَعْدٍ ؟!) وذَكَرَ لَهُ ما قَالَهُ.
فقال: كَذَبَ علَّي يا رسولَ اللّه وافْتَرَى، فما تَفَوَّهْتُ بِشيءٍ من ذلك.
وأخَذَ الصَّحَـابَةُ يُنَقِّلون أبصارَهم بين الجُلاسِ وفَتَاه عُمَيْرِ بن سَعْدٍ كأنهم يريدون أن يَقْرَؤوا على صَفْحَتَي وَجْهَيْهما(25) ما يُكِنّه(26) صدراهما.
وجعلوا يَتَهامَسون: فقال واحِدٌ من الذين في قلوبِهم مَرَضٌ(27): فتًى عاق أبى إلا أنْ يُسِيءَ لِمَنْ أحسَنَ إليه.
وقال آخرون: بَل إنَّه غلام نَشَأ في طاعةِ اللّه، وإنَّ قَسَمَات(28) وَجْهِه لَتَنْطِقُ بِصِدْقِه.
والتَفَتَ الرَّسولُ صلواتُ اللّهِ عليه إلى عمَيْرٍ فَرَأى وَجْهَهُ قد احتَقَنَ (29) بالدَّمِ، والدُّموعُ تَتَحَدَّرُ مِدْراراً مِنْ عَيْنًيه، فتتساقَطُ على خَدَّهِ وصَدْرِه وهو يقول:
اللَّهُمَّ أنزِلْ على نَبيِّكَ بَيَانَ ما تَكلَّمْتُ به...
اللَّهُمَّ أنزِلْ على نَبيِّكَ بَيَانَ ما تَكلَّمْتُ به...
فانْبَرَى(30) الجُلاسُ وقال: إنَّ ما ذكرتُه لك يا رسول اللّهِ هو الحقُّ، وإن شِئْتَ تحالَفنا(31) بَيْنَ يديك.
وإني أحْلِفُ باللّه أني ما قلتُ شَيئاً مِمَّا نَقَلَه لك عُمَيْر.
فما إنْ انتهى من حَلِفهِ وأخَذَتْ عيونً الناسِ تَنْتَقِلُ عنه إلى عمير بنِ سعدٍ حتى غَشِيَتْ(32) رسولَ اللّهِ صـلواتُ اللّه وسلامُه عليه السكينةُ، فعرَفَ الصحابةُ أنهُ الوَحيُ، فَلَزِموا أماكِنَهم وسَكَنَتْ جوارحُهم ولاذوا بالصَّمتِ(33) وتَعَلَّقَتْ أبصارُهم بالنبيِّ عليه الصلاة والسلام.
وهنا ظَهَرَ الخَوفُ والوَجلُ على الجُلاس، وبَدَا التَّلَهُّفُ والتَّشَـوُّفُ (34) على عُمَيْرٍ . وظَلَّ الجميعْ كذلك حَتَّى سُرِّي(35) عن رسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَتَلا قولَه جَلَّ وعَزَّ: { يَحْلِفُونَ باللّهِ ما قَالُوا ولَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِم } إلى قوله تعالى: { فإنْ يَتُوبوا يَكُ (36) خيراً لهم وإنْ يَتَولَّوا يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَاباً أليماً }(37).
فارتَعَدَ الجُلاسُ من هَوْلِ ما سَمِعَ، وكادَ يَنْعَقِدُ لِسَانُه من الجزع، ثُمَّ التَفَتَ إلى رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وقال: بل أتوبُ يا رسولَ الله ... بل أتوب...
صدق عميرٌ - يا رسول اللّه- كنتُ من الكاذبين.
اسْألِ اللّهَ أن يَقْبَلَ تَوْبَتِي، جُعِلْتُ فِدَاكَ يا رسولَ اللّهِ.
وهنا تَوجَّه الرسولُ صلواتُ اللّهِ عليه إلى الفتى عمير بنِ سعدٍ ، فإذا دُمُوعُ الفَرَح تُبَلِّلُ وَجْهَهُ المشرِقَ بنورِ الإيمانَ.
فمدَّ الرسولُ يَدَه الشريفةَ إلى أذنه وأمسكَها بِرِفْق وقال: (وَفَّت أذُنُكَ- يا غلامً- ماسَمِعَتْ، وصَدَّقَكَ رَبُّك).
عاد الجُلاسُ إلى حَظِيرَةِ الإسلامِ وحَسُنَ إسلامُه.
وقد عَرَفَ الصحابةُ صلاحَ حالِه مِمَّا كان يُغْدِقه(38) على عميرٍ من بِرٍّ . وقد كان يقولُ كُلَّما ذُكِرَ عمير: جزاه اللّه عَنِّى خيراً، فقد أنقذقني من الكُفْرِ، وأعتَقَ رَقَبَتي من النار.
وبَعْدُ فليست هذهِ أوضأ(39) صورةٍ في حياةِ الغلامِ الصَّحابيِّ عُمَيرِ بنِ سَعْدٍ ، ولا أشدَّها تَألقا.
وإنَّما في حَيَاتِه من الصُّورِ ما هو أزْهَى وأجْمَلُ.
فإلى لقاءٍ آخرَ مَعَ عُميرِ بنِ سعدٍ في شبابه (*)
***
(2) " لكم وددت أن لي رجالاً مثل
عمير بن سعد لأستعين بهم في أعمال المسلمين ".
[ عمر بن الخطاب ]

وَقَفْنَا آنِفاً(40) على صورة فذَّةِ(41) وَضيئَةٍ من حياةِ الصحابيّ الجليلِ عُمَيْرِ بنِ سَعْدٍ في صِغَرِه، فَتَعالَوا نَقِف الآن على عورة رائعة مشرقةٍ صِتْ حَيَاتِه في كِبَرِه، وسَتَجِدون أن الصورةَ الثانيةَ لن تقل عن الأولى جلالا وبهاءً.
***
كان أهلُ "حِمْصَ "(42) شديدي التذَمّرِ مِنْ وُلاتهم، كثيري الشَّكْوى منهم، فما جاءهم من وال إلا وجدوا فيه عيوباً، وأحْصَوْا له ذُنُوباَ، و رَفَعوا أمْرَه إلى خليفةِ المسلمين، وتَمَنَّوا عليه أن يُبْدِلَهُمْ به من هو خيرٌ منه.
فَعزَمَ الفاروقُ رِضْوانُ اللّهِ عليه أن يَبْعَثَ إليهم بوالٍ لا يجدون فيه مَطْعناً ولا يَرَوْنَ في سيرَتِه مَغْمَزاً (43).
فَنَثَرَ كِنَانَةَ(44) رجاله بَيْنَ يَدَيْه، وعَجَمَ(45) عِيدانها عوداً عوداً، فلم يجد خيراً من عُمَيْرِ بن سعدِ.
وعلى الرَّغمِ مِنْ أنَّ عُمَيْراً كان إذ ذاك يَضْرِبُ(46) في أرضِ الجزيرَة مز، بلاد الشَّـامِ على رَأسِ جَيْشِه الغازي في سبيل اللّهِ، فَيُحرِّرُ المُدُنَ وَيَدُكُّ المعاقلَ (47)، ويُخْضِعُ القبائِلَ، ويُمغُ المساجِدَ في كلِّ أرْض وَطِئَتْها قَدَمَاه.
على الرَّغْمِ مِن ذلك فقد دعاه أميرُ المؤمنين وعَهِدَ إليه بولايةِ"حمص "، وأمَرَه بالتَّوَجُّهِ إليها، فاذْعَنَ للأمْرِ على كُرْهٍ مِنْه لأنه كانَ لا يًؤثِرُ (48) شيئاً على الجهاد في سبيلِ اللّهِ.
***
بَلَغ عُمَيْرٌ "حِمْصَ " فدعا النَّاسَ إلى صلاةٍ جامِعَةٍ .
ولما قُضِيَتِ الصَّلاةُ خَطَبَ النَّاسَ، فَحِمَدَ اللّهَ وأثنَى عليه، وصلى على نَبِيِّه محمد ثم قال:
" أيها الناسُ، إنَّ الإسْلامَ حِصنٌ مَنِيعٌ وباث وَثِيقٌ (49)، وحِصْنُ الإسلامِ العَدْلُ وبابُه الحَقُّ.
فإذا دُكَّ الحِصْنُ وحُطِّمَ البابُ اسْتُبيحَ حِمَى هذا الدِّينِ.
وإنَّ الإسْلامَ ما يزالُ مَنيعاً ما اشْتَدَّ السُّلْطان.
ولَيْسَتْ شِدَّةُ السُّلطانِ ضرباً بالسَّوْط(50) ولا خَملاً بالسَّيفِ ولكِنْ قَضَاءً بالعَدْلَ وأخْذاً بالحَقِّ ".
ثم انْصرَفَ إلى عَمَلِه لِيُنَفِّذَ ما اختطه لهم من دستور في خطبته القصيرَةِ.
***
قَضَى عُمَيْرُ بن لسَعْدٍ حَوْلاً(51) كامِلاً في "حِمْصَ " لم يَكْتُبْ خِلاله لأمير المؤمنين كِتاباً، ولمْ يَبْعَثْ إلى بيتِ مالِ المُسْلمينَ من الفَيءِ(52) دِرْهماً ولا ديناراً، فأخَذَتِ الشُّكُوكُ تساور(53) عُمَرَ إذْ كانَ شديدَ الخَشْيَةِ على وُلاتِه من فِتْنَةِ الإمارَة، فلا مَعْصومَ عِنْدَهُ غَيْرُ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم .
فقال لِكَـاتِبِه: اكْتُبْ إلى عُمَيْرِ بنِ سَعْدٍ وقُلْ له: إذا جاءَكَ كِتابُ أمِيرِ المؤمنين فَدَع حِمْصَ وأقْبِلْ عليه، واحْمِلْ مَعَكَ ما جَبَيْتَ مِنْ فَيءِ المسلمين.
***
تلقَّى عُمَيْرُ بنُ سَعْدٍ كتاب عُمَرَ رضى اللّه عنـه وعن عمير، فأخَذَ جِرَابَ زاده(54) وَحَمَلَ على عاتِقِه(55) قَصعَتَه(56) ووعاءَ وضوئه، وأمْسَك، بيده حَرْبَتَه، وخَلَّف حِمْصَ وإمارتها وراءه، وانْطَلَقَ يَحُثُّ الخطا- مشياً على قَدَمَيه- إلى المدينة.
فما كادَ يَبْلُغ عمَيرٌ المدينةَ حتى كان قد شحَبَ لونُه، وهزُل جِسْمُه وطال شَعْرُه، وظَهَرَتْ عليه وعَثْاءُ(57) السَّفَرِ.
***
دَخَلَ عُمَيْرٌ على أميرِ المؤمنين عُمَرَ بنِ الخَطابِ، فَدُهِشَ الفاروق من حالَتِه وقال:
ما بكَ يا عُمَيْر؟!
فقال: ما بي من شيءٍ – يا أمير المؤمنين- فأنا صَحيحٌ مُعافًى- بحمد اللّه- أحْمِلُ معي الدنيا كُلَّها وأجُرُّها من قَرْنَيْها.
فقال: وما معك من الدنيا؟ (وهو يَظُنُّ أنَه يحْمِلُ مالاً لِبـيْتِ مالِ المُسْلِمين) .
فقال: معي جِرابي وقد وضعت فيه زادي.
ومعي قصعتي آكلُ فيها وأغْسِلُ عليها رَأسي وثيابي.
ومعي قِربَة لِوُضوئي وشرابي.
ثم إنَّ الدنيا كُلَّها- يا أميرَ المؤمنين- تَبَعٌ لمتاعي هذا، وفُضلةٌ لا حاجَةَ لي ولا لأحد غيري فيها.
فقال عمر: وهل جئت ماشياً؟!
قال:نعم يا أمير المؤمنين.
فقال: أما اُعطيتَ من الإمارة دابَّةً تركَبُها؟
فقال: هم لم يعطوني، وأنا لم أطلب منهم.
فقال: وأينَ ما أتُيْتَ بهِ لِبَيْتِ المالِ؟
فقال: لم آتِ بِشيءٍ .
فقال: ولم؟!
فقال: لما وَصَلْتُ إلى حِمْصَ؟ جَمعْتُ صلحاء أهلها، ووليتم جمْعَ فَيْئهم، فكانوا كُلما جمعوا شيئاً منه؟ استشَرْتُهم في أمره، ووضعته في مواضعه، وأنفقتُه على المُستَحِقِّين منهم.
فقال عمر لكاتبه: جَدِّد عهداً لِعُمَير على وِلايةِ حِمْص.
فقال عمير: هيهات(58) ... فإن ذلك شَيء لا أريده، ولَن أعْمَلَ لَكَ ولا لأحدٍ بَعْدَكَ يا أميرَ المؤمنين.
ثم استأذَنَهُ بالذَّهاب إلى قَرْيَةٍ في ضواحي المدينَةِ يُقيم بِها أهْلُه، فأذنَ له.
***
لم يَمْضِ على ذهاب عُمَيْرٍ إلى قَرْيَته وقتٌ طويل حتى أراد عُمَرُ أنْ يَختَبِرَ صاحبه، وأن يَسْتَوثقَ من أمْرِه؟ فقال لواحدٍ من ثِقَاتِه يدعى الحارثَ:
انطلق يا حارثُ إلى عُمَيْرِ بنِ سعد، وانْزِل به كأنّكَ ضَيْف، فإن رَأيتَ عليه آثارَ نِعْمَةٍ ؟ فَعدْ كما أتيت.
وإن وَجدْتَ حالاً شديدَةً فأعطِه هذه الدنانير، وناوَله صُرِّة فيها مائة دينارٍ .
***
انطلق الحارثُ حتى بلغ قريةَ عُمَيْرِ بن سَعْدٍ ، فَسَأل عنه فَدُلَّ عليه.
فلمَّا لقيه قال: السلامُ عليك ورحمة الله.
فقال: وعليك السلامُ ورحمةُ اللّه وبرَكاته، من أين قَدمت؟
فقال: من المدينة.
فقال: كيفَ تَرَكتَ المسلمين؟
فقال: بِخَيْر.
فقال: كيف أميرُ المؤمِنين؟
فقال: صَحِيح صالِحٌ .
فقال: أليس يُقيمُ الحدود؟!
قال: بلى، ولَقَدْ ضَرَبَ ابناً له لِفاحِشَةٍ أتاها، فَماتَ من الضَّرب.
فقال: اللَّهمَّ أعِنْ عُمَرَ، فإني لا أعْلَمُه إلا شديدَ الحُبِّ لك.
***
أقام الحارِثُ في ضيافَةِ عُمَيْرِ بنِ سعدٍ ثلاثَ لَيال، فكانَ يُخْرِجُ له في كلِّ لَيْلَةٍ قُرْصاً من الشعير.
فَلَمَّا كانَ اليومُ الثالِثُ، قال للحارِثِ رَجُل من القوم: لقد أجْهَدْتَ(59) عُمَيْراً وأهله؟ فَلَيْسَ لهم إلا هذا القُرْصُ الذي يُؤثِرونك به(60) على أنفُسِهِمْ، وقد أضرَّ بهمُ الجوعُ والجَهْدُ، فإنْ رأيت أن تتحوَّلَ عَنْهُم إليَّ فافْعَلْ.
***
عند ذلكَ أخرَجَ الحارِثُ الدَّنانيَر، ودَفَعها إلى عمَيْر.
فقال عُمَيْر: ما هذه ؟!!
فقال الحارِثُ: بَعَثَ بِها إليكَ أميرُ المؤمنين.
فقال: رُدَّها إليه، واقْرَأ عليه السَّلامَ، وقُل له: لا حاجَةَ لِعُمَيْرٍ بها.
فصاحَتْ امرأته- وكانَتْ تَسْمَعُ ما يدور بينَ زَوجِها وضيفِه- وقالت: خُذْها- يا عُمَيْرُ- فإن احتَجْتَ إليها أنفقتَها، وإلا وضعْتَها في مَوَاضِعِها(61)، فالمحتَاجُون هنا كثير.
فلما سَمِعَ الحارِث قَوْلَها؟ ألْقَى الدَّنانيرَ بَيْنَ يَدَيْ عُمَيْر وانْصرَف، فأخَذَها عمير وجَعَلَها في صُرَرٍ صغيرةٍ ولم يَبِتْ لَيْلَتَه تِلْكَ إلا بَعْدَ أن وزَّعها بَيْنَ ذوِي الحاجاتِ، وخَصَّ مِنْهُمْ أبناءَ الشُّهداءِ.
***
عاد الحارِثُ إلى المدينةِ فقال له عمرُ: ما رأيتَ يا حارِثُ؟
فقال: حالاً شديدَةً يا أميرَ المؤمنين.
فقال: أدَفَعْتَ إليه الدنانير؟
فقال: نعم، يا أمير المؤمنين.
فقال: وما صَنَعَ بها؟!
فقال: لا أدْرِي، وما أظُنّه يُبْقى لنَفِسه مِنْها دِرهماً واحداً.
فكَتَبَ الفاروقُ إلى عُمَيْرٍ يقول: إذا جاءَكَ كتابي هذا فلا تَضَعْهُ من يَدِكَ حَتَّى تُقْبِلَ علَّى.
***
توجَّه عميرُ بنُ سَعْدٍ إلى المدينة، ودَخَلَ على أميرِ المؤمنين، فَحَيَّاه عُمَرُ ورحَّبَ به وأدنى مَجْلِسَهُ(62) ثم قال له:
ما صَنَعْتَ بالدنانير يا عُمَير؟!
فقال: وما عليكَ مِنْها يا عُمَرُ بعد أنْ خَرَجتَ لي عنها؟!!
فقال: عَزَمْتُ عليك أنْ تُخْبِرَني بما صَنَعْتَ بها؟
فقال: ادَّخَرْتُها لِنَفْسي لأنتَفِعَ بها في يَوم لا يَنفَعُ فيه مالٌ ولا بَنون...
فَدَمَعَتْ عينا عُمَرَ، وقال:
أشْهَدُ انَكَ من الذين يؤثرون على أنفُسِهم ولو كان بهم خصاصة(63) ثم أمرَ له بِوَسق(64) من طعام وثَوبين.
فقال: أمَّا الطعامُ فلا حاجَةَ لَنَا بهِ يا أميرَ المؤمنين، فَقَدْ تَرَكْتُ عندَ أهْلي صَاعَينِ من شَعيرٍ ، وإلى أنْ نأكُلهما يكون اللّهُ- عَزَّ وَجَلَّ- قد جاءنا بالرزْقِ.
وأمَّا الثَّوْبان فآخُذُهما لأمِّ فُلانٍ (يعني زوجَتَه)، فقد بَلِىَ ثَوْبُها وكادَتْ تَعْرَى.
***
لم يمضِ طويلُ وَقتٍ على ذلك اللِّقاءِ بينَ الفاروقِ وصاحبِه حَتَّى أذِنَ اللّه لِعُمَيْرِ بن سعدٍ بأن يَلْحَقَ بِنَبِيِّه وقُرَّةِ عَيْنه محمدِ بنِ عبدِ اللّه بعد أن طالت أشْواقُه إلى لِقائِه.
فَمَضَى عميرٌ في طريق الاَخرةِ وادِعَ النَّفْسِ، واثِقَ الخَطو، لا يُثْقِلُ كاهِلَهُ شَيء من أحمالِ الدُّنْيا، ولا يؤودُ(65) ظَهْرَه عِبء من أثْقَالها.
مَضَى لَيْسَ معه إلا نورُه وهداه، وَوَرَعُه وتقاه ...
فلما بلغ الفاروقَ نَعْيُهُ وَشَّحَ الحُزْنُ وَجهه، واعتَصرَ الأسى فؤاده وقال:
" وَدِدْتُ أنَّ لي رجالاً مِثْلَ عُمَيْرِ بنِ سَعْدٍ أسْتَعينُ بهم في أعمالِ المسلمين ".

************************************************** ***



الشريف احمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-12-09, 01:54 AM   #3 (permalink)

][::.عضو متميز.::][

 
الصورة الرمزية الشريف احمد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2005
المشاركات: 90
افتراضي

عتبة بن غزوان

" إن لعتبة بن غزوان من الإسلام مكاناً"

[ عمر بن الخطاب ]

أوَى أميرُ المؤمنينَ عَمرُ بنُ الخطابِ بَعْدَ صلاةِ العشاءِ إلى مَضْجَعِهِ فقد كان يريدُ أنْ يصيبَ حظّاً من الراحةِ لِيَسْتَعِينَ به على العَس(1) في الليل.

لكِن النومَ نَفَرَ عن عيني الخليفةِ، لأنَّ البريدَ حَمَلَ إليه أنَّ جُيوش الفُرْسِ المنهزمةَ أمامَ المسلمين كانت كلما أوْشكَ جُنْدُه على أنْ يُجْهِزوا(2) عليها يأتيها المددُ من هُنا وهناك، فلا تَلْبثُ أن تَسْتَعيدَ قوَّتها وتستأنِفَ القتال.
وقيل له: إنَّ مدينةَ الأُبلّة(3) تُعَدُّ من أهَمِّ المصادِرِ التي تُمِدُّ جيوش الفرسِ المُنْهَزمَةَ بالمالَ والرِّجال.
فَعَزَمَ على أن يُرْسِلَ جيشاً لِفَتْح الأبلَّةِ، وقَطْع إمْداداتها عن الفرس، لكِنَّهُ اصْطَدَمَ بقلَّة الرجالِ عنده.
ذلك لأنَّ شبَّانَ المسلمين كهولهم وشيوخهم قد خرجوا يَضْرِبون في فجاء(4) الأرضِ غُزاةً في سبيل اللّهِ، حتَّى لم يَبْقَ لَدَيْهِ في المدينةِ إلا النَّزْرُ(5) القليلُ.
فعمد إلى طريقته التي عُرِفَ بها...
وهي التعويضُ عن قِلَّة الجُنْدِ بقُوَّة القائد...
فَنَثَرَ كِنانَةَ(6) رجالهِ بَيْنَ يَديْهِ وأخَذ يَعْجِمُ (7) عِيدانهم واحِداً بعد آخرَ فما لبثَ أنْ هَتَفَ:
وَجَدْتُه...
نعم وجدته...
ثم مضى إلى فراشهِ وهو يقول: إنه مجاهدٌ عَرَفَتْهُ بدر وأحدٌ والخندقُ وأخواتُها...
وشَهِدَتْ له اليمامةُ ومواقِفُها...
فما نَبَا له سيف(8)، ولا أخْطَأتْ- له رمية...
ثم إنه هاجر الِهجْرَتَيْن(9)، وكان سابع سَبْعَةٍ أسْلموا على ظهرِ الأرضِ...
ولما أصبحَ الصُّبحُ، قال: ادْعوا لي عُتْبَةَ بن غَزوانَ.
وعقَدَ له الرايةَ على ثلاث مائةٍ وبِضعَةَ(10) عَشَر رجلاً...
وَوَعَدَه بِأنْ يمِدَّه تِباعاً بما يَتَوافَرُ له من الرجال.
***
ولما عَزَمَ الجيشُ الصغيرُ على الرحيلِ؟ وَقفَ الفاروقُ يودِّعُ قائده عُتْبَةَ ويُوصيه فقال له:
يا عُتبةُ إني قد وَجَّهْتُكَ إلى أرضِ الأبُلّة، وهى حِصْن من حُصونِ الأعداءِ فأرجو اللّه أن يًعينكَ عليها.
فإذا نزلت بها فادْعُ قوْمها إلى اللّهِ، فمن أجابكَ فاقْبَل منه. ومن أبى فَخُذْ منه الجِزْيَة(11) عن صَغارٍ وذِلَّة...
وإلا فَضع في رقابهم السيفَ(12) في غَيْرِ هوادَةٍ .
واتقِ اللّهَ يا عُتْبَةُ فيما وُلّيتَ عليه.
وإياكَ أنْ تنازِعَكَ(13) نفسُكَ إلى: بِمر يُفْسِدُ عليكَ اخرتكَ، واعْلَمْ أنكَ صَحِبْتَ رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم ، فأعزَّكَ اللّهُ به بعدَ الذِّلَّة، وقوَّاكَ به بعْدَ الضَّعْفِ، حَتَّى صِرْتَ أميراً مُسَلَّطاً، وقائداً مُطاعاً، تقولُ فَيُسْمَعُ مِنْكَ، وتأمُرُ فَيُطاعُ أمْرُكَ فيالها من نِعْمَةٍ إذا هي لم تُبْطِركَ(14) وتَخْدَعْكَ وتَهْوِيِكَ إلى جَهَنَّمَ أعاذَك اللّهُ وأعاذَني منها.
***
مَضَى عُتبةُ بنُ غزوانَ بِرِجالِه ومَعَه زوجَتُه وخَمْسُ نِسْوَة أخرياتٌ من زوجاتِ الجندِ وأخواتهم، حتى نزلوا في أرض قَصْبَاءَ(15) لا تَبْعُدُ كَثِيراً عن مدينة الأبُلّة.
ولم يكن معهم شَيء يأكُلُونَه...
فلما اشتَد عليهم الجوعُ قال عتبةُ لِنَفَرٍ منهم: الْتَمِسُوا(16) لنا في هذه الأرضِ شيئاً نأكُلُه.
فقاموا يبحثون عَمَّا يَسُدُّ جَوْعَتَهم، فكانت لهم مع الطعام قِصَّةٌ رواها أحدُهم فقال:
بينما كُنَّا نبحثُ عن شَيءٍ نأكُلُه؛ دَخَلْنَا أجَمَةً (17) فإذا فيها زِنْبيلان(18) في أحدهما تمرٌ ، وفي الآخرِ حَب أبيَضُ صغير بِقِشْرٍ أصْفَرَ، فَجَذَبْنَاهُمَا حتى أدْنَيْناهما من العَسْكَرِ، فنظر أحَدُنا إلى الزِّنْبِيلِ الذي فيه الحَبُّ وقال:
هذا سُم أعَدَّه لكم العَدُوُّ، فلا تَقْربُنَّه.
فَمِلْنا إلى التَّمرِ، وجعلنا نَأكُلُ مِنْهُ...
وفيما نحن كذلك إذْ بِفَرَس قد قَطَعَ قِيادَه(19)، وأقْبَلَ على زِنبيلِ الحَبِّ وجعلَ يأكُلُ منه، فو اللّه لَقَدْ هَمَمْنا بأنْ نَذبَحَهُ قبلَ أنْ يموتَ لِنَنْتَفِعَ بِلَحْمِهِ.
فقام إلينا صاحِبُه وقال: دعوه، وسَأحرُسُه اللَّيلَةَ فإنْ أحْسَسْتُ بموتِه ذَبَحْتُه.
فلما أصْبَحْنَا وَجَدنا الفرسَ معافًى لا ضَرَرَ فيه.
فقالت أختي: يا أخي، إني سَمِعْتُ أبى يقول: إن السُّمَّ لا يَضُرُّ إذا وُضِعَ على النارِ وانْضِج.
ثمَّ أخَذَتْ شيئاً من الحَـب ووضَعَتْه في القِدْرِ، وأوقَدَتْ تَحْتَه.
ثم ما لَبِثَتْ أنْ قالَتْ: تعالوا انظُرُوا كَيْفَ احمَرَّ لونُه، ثُمَّ جَعَلَ يَتَشَقَّقُ عنه قِشْرُهُ، وتَخْرُجُ مِنْهُ حُبوبُه البيضُ.
فألقَينَاه في الجَفْنَةِ(20) لنأكُلَه، فقال لنا عُتْبَةُ: اذكروا اسم اللّهِ عليه وكلوه...
فأكلناه فإذا هو غايَةٌ في الطيب.
ثم عَرَفْنَا بعد ذلك أنَّ اسْمَهُ الأرُزُّ.
***
كانت الأبلة التي اتَّجه إليها عتبةُ بنُ غَزْوانَ بجيشهِ الصغير مدينةً حصينةً قائمَةً على شاطئِ دِجْلَة(21).
وكان الفرسُ قد اتَّخذوها مخازِنَ لأسْلِحَتِهم.
وجعلوا من أبراج حُصونها مراصِدَ(22) لمراقَبَةِ أعدائهم.
لكنَّ ذلك لم يمنع عُتْبَةَ من غزوِها على الرغم من قِلَّةِ رجالهِ وضآلةِ سلاحِه.
إذْ لم يَجْتَمِعْ له من الرجالِ غيرُ ستِّ ماِئَةِ مُقاتِل تَصْحَبُهم طائِفَةٌ قليلة من النساء.
ولم يكن عِنْدَهُ من السِّـلاح غيرُ السُّيوفِ والرماح. فكان لا بدَّ له من أنْ يَسْتَعْمِلَ ذكاءه.
***
أعَدَّ عُتْبَةُ للنِّسْوَةِ راياتٍ رَفَعَهَا على أعوادِ الرماح...
وأمَرَهُنَّ أنْ يَمْشِينَ بها خَلْف الجيشِ، وقال لهن:
إذا نَحْنُ اقْتَرَبنا من المدينةِ فأثِرْنَ الترابَ وراءنا حتَّى تمْلأن به الجَوَّ.
فلما دَنَوا من الأبُلَّةِ خَرَجَ إليهم جندُ الفُرْسِ، فرأوا إقْدَامَهمْ عليهم.
ونظروا إلى الرَّاياتِ التي تَخْفِق وراءَهم.
ووجدوا الغبارَ يَمْلأ الجَوَّ خَلفهم.
فقال بعضُهم لبعض: إنهم طليعةُ(23) العسكرِ، وإنَّ وراءَهم جيشـاً جرّاراً(24) يثيرُ الغبارَ، ونحنُ قِلّة…
ثُمَّ دبَّ في قلوبهمُ الذعْرُ، وسَيْطَرَ عليهم الجَزَع، فطفِقوا يَحْمِلونَ ما خَفَّ وزْنُهُْ وغلا ثَمَنُه، ويتسابقون إلى رُكوبِ السُّفُنِ الراسِيةِ في دِجْلَةَ ويُوَلُّونَ الأدبار(25) فدخلَ عتبةُ الأُبلّة دونَ أنْ يَفْقِدَ أحداً من رِجالِه...
ثم فَتَحَ ما حَوْلَها من المُدُنِ والقُرَى.
وغنم من ذلك غَنَائِمَ عَزَّت على الحَصْرِ(26)، وفاقَتْ كل تَقْديرٍ؛ حَتَّى إنَّ أحَدَ رجالِه عادَ إلى المدينَةِ، فسَأله الناسُ:
كَيْفَ المسلمونَ في الأُبلّة؟
فقال: عَمَّ تَتَساءَلون؟!
واللّهِ لقد تركتُهمْ وهم يَكْتالون الذَّهْبَ والفضةَ اكتيالاً... فأخذ الناس يَشُدُّون إلى الأُبلّة الرِّحالَ(27)
***
عند ذلكَ رأى عُتْبَةُ بنُ غزوانَ أنَّ إقامَةَ جنودِه في المُدُنِ المَفْتُوحَةِ سوف تُعَوِّدُهُم على لينِ العيش، وتُخَلِّقُهُم بأخلاقِ أهلِ تلك البلادِ، وتَفُلّ(28) من حِدَّة عزائمهِم على مُوَاصَلَةِ القتالِ؛ فكتبَ إلى عمرَ بنِ الخطابِ يَسْتَأذِنُه في بناءِ البَصْرَةِ(29)، ووصَفَ له المكانَ الذي اختارَه لها فأذن له.
***
اخْتَطَّ(30) عُتْبَةُ المدينَةَ الجديدةَ...
وكان أوَّلَ ما بناه مسجدُها العظم...
ولا عجب...
فمن أجْل المَسْجِدِ خَرَجَ هُو وأصحابُه غُزَاةً في سبيلِ اللّهِ.
وبالمَسْجِدِ انْتَصَرَ هو وأصْحَابُه على أعداءِ اللّه...
ثم تَسَابَقَ الجُنْدُ على اقتِطاعِ(31) الأرضِ وبناءِ البيوتِ...
لكنَّ عتبةَ لم يَبْنِ لنفسِه بيتاً، وإنما ظَلَّ يَسْكُنُ خَيْمَةً من الأكْسِية...
ذلك لأنَّه كان قد أسَرَّ في نَفْسِه أمراً...
***
فلقد رأى عُتْبَةُ أنَّ الدنيا أقبلت على المسلمينّ في البَصْرَةِ إقبالاً يُذهِلُ المرءَ عن نفسهِ.
وأنَّ رجالَه الذين كانوا مُنْذُ قليل لايعرفون طعاماً أطْيبَ من الأرُزِّ المَسْلوقِ بِقشْرِه قَدْ تَذَوّقوا مآكلَ الفُرْسِ من الفالوذج(32) واللوزِينَج(33) وغيرِهما واستطابوها.
فخشي على دينه من دنياه....
وأشفقَ على الآجِلَة من العَاجِلَةِ(34)...
فَجَمَعَ النَّاسَ في مَسْجِدِ الكوفةِ وخَطَبَهُمْ فقال:
أيها الناس إنَّ الدُّنيا قد آذنَتْ(35)، بالانقضاء، وأنتُمْ مُنْتَقِلون عَنْها إلى دارٍ لا زوال فيها، فانتقِلوا إليها بخير أعمالِكم. ولقد رأيتني سابعَ سبعةٍ(36) مع رسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم ، وما لنا طعام غيرُ ورق الشجرِ حتى قَرِحَتْ منه أشداقُنَا(37).
ولقد التقطتُ(38) بُرْدَةً- ذات يوم- فَشَقَقْتُهَـا بَيْني وبينَ سَعْدِ بن أبي وقَّاص(39) فاتَّزَرْتُ(40) بنصفها، واتَّزرَ سعد بنصفها الآخر.
فإذا نحن اليومَ لم يَبْقَ مِنَّا واحذ إلا وهو أمير على مِصْرٍ من الأمصار...
وإني أعوذُ باللّهِ أن أكونَ عظيما عند نفسي صغيراً عندَ اللّه.
ثم اسْتَخْلَفَ عليهم رَجُلاً منهم، وودَّعَهُم ومَضى إلى المدينةِ.
فلما قَدِمَ على الفاروقِ اسْتَعْفاه(41) من الولايةِ فلم يُعْفِه، فألحَّ عليه فأصرَّ عليه الخليفةُ، وأمَرَه بالعودةِ إلى البَصْرَةِ.. فأذْعَنَ(42) لأمرِ عُمَرَ كارِهاً، ورَكِبَ ناقَتَهُ وهو يقول:
اللهم لا ترُدَّني إليها...
اللهم لا ترُدَّني إليها...
فاستجاب اللّهُ دعاءَهُ إذ لم يُبْعِدْ عن المدينةِ كثيراً حتَّى عَثَرتْ ناقَتُه، فَخَرَّ عنها صريعاً... وفارق الحياة...(*)
***
--------------------------------------------------------------------------------
(1) العَس: الطواف بالليل للحِراسة.(2) يجهزوا عليها: يقضوا عليها.(3) الأبلة: مدينة في جوار البَصْرَةِ ألحقت بها وغدت جزعاً فها.(4) يضربون في فجاج الأرض: يمشون في سُب!ر الأرضِ غزاةً في سبيل اللّه.(5) النزر: القليلُ الضئيلُ.(6) الكنانة: جَعْبَةِ المهام.(7) يعجم عيدانهم: يختبر عيدانهم (شبههم بالسِّهام).(8) نبا السيف: لم يصب.(9) الهجرتان: الهجرة إلى بلاد الحبشة والهجرة إلى المدينة.(10) بضعة عشر: البضع من الثلاثة إلى التسعة.(11) الجزية: ما يأخذه الحاكم المسلم من الذمي من المال.(12) ضع السيف في رقابهم: حاربهم واقتلهم.(13) تنازِعك نفسك: تدعوك نفْسُك.(14) تبطرك: البَطَرُ سوء التصرُّف بالنعمة.(15) قصباء: ذات قَصَب، والقصب نباتْ مائي مُجَوَّف.(16) اقسوا: ابحثوا واطلبوا.(17) الأجمة: الشجر الكثيرُ الملتفُّ.(18) الزنبيل: القفَّة.(19) قطع قيادَه: قطع رَسَنَه.(20) الحفنة: القصعة الكبيرة.(21) دجلة: نهر ينبع من تركيا ثم يجري في العراق، ويصبُّ في شطّ العرب.(22) مراصد: جمعُ مَرْصَد، وهو مكانُ رَصْدِ العدوِ ومراقبته.(23) طليعة العسكر: مقدمة العسكر.(24) الجيش الجرار: الجيش الكثيف الكثير العَدد والعُدد.(25) يولون الأدبار: ينهزمون.(26) عَزّت على الحصر: تعذّر إحصاؤها.(27) يشدون الرحال إلى الأبلة: يسافرون إليها.(28) تفل من حدة عزائمهم: تضعف من قوة عزائمهم.(29) البَصْرَةِ: مدينة في العراق على شط العرب.(30) اختط عتبة المدينة: خططها.(31) اقتطاع الأرض: أخذها وامتلاكها.(32) الفالوذج: صنف من الحلوى يصنع من الدقيق والسمن والعَسَل.(33) اللوزينج: صنف من الحلوى يشبه القطايف يُحشى باللوز.(34) الآجلة: هي الآخرة والعاجلة الدنيا.(35) آذنت بالانقضاء: أعلنت عن أنها توشك أن تنتهي.(36) رأيتني سابع سبعة: رأيت نفسي بين المسلمين ولم يكن قد أسلم أحد غيرنا.(37) قرحت منه أشداقنا: تقرّحت منه شفاهُنا.(38) التقطت بردة: أخذتها من الأرضِ.(39) سعد بن أبي وقاص: انظر سيرته في الجزء الرابع من هذه السلسلة.(40) اتزرت بنصفها: جعلت نصفها إزاراً لي..(41) استعفاه من الولاية: طلب منه أن يعفيه منها ويعزله عنها.(42) أذعن لأمر عمر: خضع له واستجاب.

************************************************** ***************
الشريف احمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-12-09, 01:56 AM   #4 (permalink)

][::.عضو متميز.::][

 
الصورة الرمزية الشريف احمد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2005
المشاركات: 90
افتراضي

عبد الله بن سلام


" من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة

فلينظر إلى عبد الله بن سلام"

كان الحُصيْنُ بنُ سَلام حَبْراً(1) من أحْبَارِ اليهودِ في يثربَ.
وكان أهلُ المدينةِ على اخْتِلافِ مِللِهم ونِحَلِهِم(2) يُجِلونَه ويعظِّمونه.
فقد كان معروفاً بَيْنَ النَّاسِ بالتُّقَى والصَّلاح مَوْصوفاً بالاسْتِقَامَةِ والصِّدْق.
***
وكان الحُصَيْنُ يحيا حياةً هادِئةً وادِعَةً؛ ولكنَّها كانَتْ في الوقتِ نَفْسِه جادَّة نافِعَةً…
فقد قَسَّمَ وقتَه أقساماً ثلاثة:
فَشَطْر في الكَنِيسِ(3) للوعظِ والعبادَة..
وشَطر في بُسْتَانٍ له يَتَعَهَّدُ نَخلَه بالتشْذيبِ والتأبير(4)...
وشطرٌ مَعَ التَّوْرَاةِ(5) للتَّفَقهِ في الدين...
***
وكان كُلَّمَا قَرَأ التَّوْرَاةَ وَقَفَ طويلاً عِنْدَ الأخْبَارِ التي تُبَشِّرُ بظهورِ نِبي في مَكَّةَ يُتَمِّمُ رِسالاتِ الأنبيَاءِ السابقين ويَخْتِمُها.
وكان يَسْتَقْصي أوْصافَ هذا النَّبيِّ المُرْتَقَبِ وعلاماتِه ويَهْتَزُّ فَرَحاً لأنَّهُ سَيَهْجُرُ بَلَدَهُ الذي يُبْعَثُ فيه وَسَيَتَّخِذُ من يَثْرِبَ مُهاجَراً له(6) ومقاماً.
وكان كُلَّمَا قَرَأ هذه الأخبارَ أو مَرّت بخاطِرِه يَتَمَنَّى على اللّهِ أنْ يَفْسَحَ له في عُمُرِه حَتَّى يَشْهَدَ ظهورَ هذا النبي الُمرْتَقَبِ، ويَسْعَدَ بلقائِه، ويكونَ أوَّلَ المؤمنينَ به.
***
وقد استجَابَ اللّهُ جَلَّ وعَزَّ دُعاءَ الحُصَيْنِ بنِ سَلام فَنَسَأ له(7) في أجَلِه حتَّى بُعِثَ نبيُّ الُهدَى والرحمةِ...وكُتِبَ له أنْ يَحْظَى بِلِقَائِه وصحْبَتِه، وأنْ يُؤمِنَ بالحَقِّ الذي انْزِلَ عليه...فلنَتْرُك للحُصَيْنِ الكلامَ لِيَسوقَ لنا قِصَّةَ إسْلامِه فهو لها أروى(8)، وعلى حُسْنِ عَرْضِها أقْدرُ.
قالَ الحُصَيْن بنُ سَلام: لَمَّا سَمِعْتُ بظهورِ رسولِ اللّه صلى الله عليه وسلم أخَذْتُ أتحَرَّى عن اسمِه ونَسَبَهِ وصِفاتِه وزمَانِه ومَكانِه، وأطابِقُ بينَها وبَيْنَ ما هو مَسْطورٌ(9) عِنْدَنا في الكتب حتى استَيْقَنْتُ من نُبُوَّتِهِ، وتَثَبَّتُّ من صِدق دَعْوَتِه ثم كَتَمْت ذلك عن اليهودِ، وعَقَلْتُ(10) لِساني عن التكلم فيه...
إلى أن كانَ اليَوْمُ الذي خَرَجَ فيه الرسولُ عليه الصلاةُ والسلامُ من مكَّةَ قاصِداً المدينةَ.
فلما بَلَغ يَثْرِبَ ونَزَل بقُباء(11) أقْبَلَ رجُلٌ علينا وَجَعَلَ ينادِي في النَّاسِ مُعْلِناً قدومه كنتُ ساعتئذٍ في رَأسِ نَخْلَةٍ لي أعملُ فيها وكانت عَمَّتي خالِدَةُ بِنْتُ الحارِثِ جالِسَةً تحتَ الشَّجَرَةِ، فما إن سَمِعْتُ الخَبَرَ حَتَّى هَتَفْتُ:
اللّهُ أكبَرُ... اللّهُ أكبرُ.
فقالت لي عَمَّتي حينَ سَمِعَتْ تَكبيري: خَيّبَكَ اللّهُ...
واللّهِ لو كُنْتَ سَمِعْتَ بموسى بنِ عمرانَ قادِماً ما فَعَلْتَ شَيئاً فَوْقَ ذلك...
فقلت لها: أيْ عَمَّة(12)، إنَّه- واللّهِ- أخو موسَى بن عمرانَ، وعَلَى دينه...
وقَدْ بُعِثَ بما بُعِثَ به...
فَسَكَتَتْ وقالت: أهو النبيُّ الذي كنتم تُخْبروننا أنَه يُبْعَثُ مُصَدِّقاً لمن قَبْلَه ومُتَمِّماً لرسالات رَِّبه؟!
فقلت: نعم...
قالت: فذلك إذَنْ ...
ثُمَّ مَضَيْتُ من تَوِّي(13) إلى رسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فرأيتُ الناسَ يَزْدَحِمُونَ بِبَابِه، فَزَاَحَمْتُهُمْ حَتَّى صِرْتُ قريباً منه.
فكان أوَّلَ ما سَمِعْتُه منه قولُه: "أيها النَّاسُ أفْشُوا السَّلامَ...
وأطعموا الطعام... وصَلُّوا باللَّيْلِ والنَّاسُ نِيَام... تَدْخُلوا الجَنَّةَ بِسَلام..."
فَجَعَلْتُ أتفَرَّسُ فيه، وأتمَلَّى(14) منه؟ فأيْقَنْتُ أنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كذَّابٍ .
ثم دَنوتُ منه، وشَهِدْتُ أنْ لا إله إلا اللّه وأنَّ محمداً رسولُ اللّهِ.
فالتفتَ إليَّ وقَال: ما اسُمكَ؟
فقلت: الحُصَيْنُ بنُ سَلام.
فقال: (بل عبدُ اللّه بنُ سَلام).
فقلت: نعم، عبدُ اللّه بن سلام... والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ ما أحبُّ أنَّ لي به اسماً آخَرَ بَعْدَ اليوم.
ثمَ انْصرَفْتُ من عندِ رسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم إلى بيتي ودَعَوْتُ زَوْجَتي وأولادي وأهْلي إلى الإسلامِ فأسلموا جميعاً وأسْلَمتْ معهم عمتي خالِدَةُ، وكانت شيخَةً كبيرةً...
ثم إني قُلْتُ لهم: اكتُموا إسْلامي وإسلامَكُمْ عن اليهودِ حَتَّى آذَنَ لكم!!
فقالوا: نعم.
ثم رجَعْتُ إلى رسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وقُلْتُ له: يا رسولَ اللّهِ، إنَّ اليهودَ قَوْمُ بُهْتَانٍ وباطِل...
وإني أحِبُّ أن تَدْعُوَ وجُوهَهم(15) إليكَ.
وأن تسْتُرَني عَنْهُمْ في حُجْرَةٍ من حُجُرَاتِك ثم تَسْـألَهم عن مَنْزِلَتِي عِنْدَهم قَبْلَ أنْ يَعْلموا بإسْـلامي ثم تدعُوَهم إلى الإسلام.
فإنَّهم إنْ عَلِموا أنني أسْلَمْتُ عابوني، ورَمَوني بِكُلِّ ناقِصةٍ وبَهَتُوني(16)...
فأدخلني رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم في بعضِ حُجُراتِه، ثم دعاهم إليه وأخذَ يَحضُّهُمْ على الإسلام، ويُحَببُ إليهم الإيمان، ويُذَكِّرُهُمْ بِمَا عَرَفوه في كُتبِهِمْ مِنْ أمْرِهِ...
فجعلوا يجادلونه بالباطل، ويُمَارونَه(17) في الحَقِّ، وأنا أسْمَعُ، فلما يئسَ من إيمانِهِمْ قال لهم: (ما مَنْزِلة الحصينِ بنِ سَلام فيكـم؟) .
فقالوا: سيدُنا وابنُ سيدِنا وحَبْرُنا وعالِمُنا وابنُ حَبْرِنا وعالِمنا.
فقالَ: (أفَرَأيتُمْ إن أسْلَمَ أفَتُسْلِمون)؟
قالوا: حاشا للّهِ ما كان لِيُسْلِمَ... أعاذَهُ اللّهُ من أنْ يُسْلِمَ .
فخرجتُ إليهم وقلت:
يا معشرَ اليهودِ، اتَّقوا اللّه واقْبَلُوا ما جاءَ بِهِ محمد.
فواللّهِ إنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ إنَّه لَرسولُ اللّهِ، وتجدونَه مَكْتُوباً عِنْدَكُمْ في التوراةِ باسْمِهِ وصِفَتِهِ.
وإني أشْهَدُ أنه رسولُ اللّهِ وأومِنُ به، وأصدِّقُه، وأعْرِفُه...
فقالوا: كذبت، واللّهِ إنَّكَ لَشَرُّنا وابن شَرِّنا، وجاهلنا وابنُ جاهِلنا، ولم يَتْرُكوا عَيْباً إلا عابوني به.
فقلت لرسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم : ألم أقُلْ لكَ: إنَّ اليهودَ قَوْمُ بُهْتَانٍ وباطل، وإنَّهُمْ أهْلُ غَدْرٍ وفجورٍ ؟
***
أقْبَلَ عَبْدُ اللّهِ بنُ سلام على الإسلامِ إقبالَ الظامئ الذي شاقَه المَوْردُ(18)...
وأولِعَ بالقُرَانِ، فكان لسانهُ لا يفتأ رْطباً بآياته البَيناتِ...
وتَعَلَّقَ بالنبيِّ صَلَواتُ اللّهِ وسلامُه عليه حَتَّى غدا ألْزَمَ له من ظِلِّه...
ونَذَرَ نَفْسَه للعَمَلِ لِلْجَنَّةِ حَتَّى بَشَّره بها رسولُ اللّهِ صلواتُ اللّهِ وسلامُه عليه بِشارَةً ذاعتْ بين الصحابة الكرام وشاعت...
وكان لهذه البِشَارَةِ قِصَّة رواها قَيْسُ بنُ عُبَادَةَ وغيرُه.
قال الراوي: كنت جالساً في حَلْقَةٍ من حَلَقاتِ العِلْمِ في مَسْجِدِ رسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم في المدينةِ.
وكان في الحَلْقَةِ شَيْخٌ تَأنَسُ به النَّفْسُ ويَسْتَروِحُ به القلب.
فَجَعَلَ يحدِّثُ النَّاسَ حديثاً حُلْواً مؤثِراً...
فلما قامَ قال القوم:
من سَرَّه أنْ يَنْظُرَ إلى رَجُل من أهْلِ الجنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إلى هذا.
فقلت: من هذا؟!
فقالوا: عبدُ اللّهِ بنُ سلام.
فقلتُ في نفسي: واللّهِ. لأتبَعَنَّهُ؟ فَتَبِعْتُهُ؟ فانْطَلَقَ حَتَّى كاد أن يَخْرُج من المدينة، ثم دخَلَ منزله.
فاستأذَنْت عليه؛ فأذِنَ لي.
فقال: ما حاجتُكَ يا ابن أخي؟
فقلت: سمعتُ القومَ يقولون عَنْكَ- لما خرجْتَ من المسجد-:
من سَرَّه أنْ يَنْظُرَ إلى رجل من أهلِ الجنَّةِ فَلْيَنْظرْ إلى هذا.
فَمَضيْتً في إثْرِكَ، لأقِفَ على خَبَرِكَ، ولأعلَمَ كيف عَرَفَ الناس أَنّكَ من أهل الجنًةِ.
فقال: اللّه أعلم بأهل الجنة يا بُنَىَّ.
فقلت: نعم... ولكن لابُدَّ لما قالوه من سبب.
فقال: سأحَدِّثُكَ عن سببهِ.
فقلت: هاتِ... وجَزَاكَ اللّهُ خيراً.
فقال: بيناْ أنا نائِم ذاتَ ليلةٍ على عَهْدِ رسولِ اللّه صلى الله عليه وسلم أتاني رَجُلٌ فقال لي: قُمْ، فَقُمْتُ، فأخَذَ بيدي، فإذا أنا بِطَريق عن شمالي فَهمَمْتُ أنْ أسْلكَ فيها...
فقال لي: دَعْهَا فإنَّها لَيْسَتْ لك...
فَنَظَرْتُ فإذا أنا بِطَرِيتي واضِحَةٍ عَنْ يميني فقال لي:
اسلُكْها...
فَسَلَكْتُها حتَّى أتيْتُ رَوْضَةً غَنَّاءَ واسِعَةَ الأرجاءِ(19)، كثيرةَ الخُضْرَةِ رائِعَةَ النُّضْرَةِ.
وفي وسطها عَمود من حديدٍ أصْلُه في الأرضِ ونِهايَتُه في السماء.
وفي أعلاهُ حَلْقَة من ذَهَبٍ .
فقال لي: اِرْقَ عليه.
فقلت: لا أستطيعُ.
فجـاءني وَصيف(20) فَرَفَعَنِي، فَرَقَيْتُ (21)؛ حَتَّى صِرْتُ في أعلى العَمودِ، وأخَذْتُ بالحَلْقَةِ بِيَدِيَّ كلْتَيْهِما.وبقيتُ متَعَلِّقاً بهَا حَتَّى أصْبَحْتُ.
فلما كانت الغداةُ أتيْتُ رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وقَصَصتُ عليه رؤيايَ فقال:
أمَّا الطريقُ الَّتي رأيتَها عن شِمالِكَ فهي طريقُ أصْحابِ الشِّمالِ من أهل النَارِ...
وأمَّا الطريقُ التي رأيتَهـا عن يَمِينكَ فهي طريقُ أصْحـابِ اليمين من أهلِ الجنة...
وأمَّا الرَّوْضَةُ التي شاقَتْكَ بخضْرَتِها ونُضْرَتها فهي الإسلام...
وأما العمودُ الذي في وَسَطِهَا فَهُوَ عمودُ الدين...
وأمَّا الحَلْقَةُ فهي العُرْوَة الوثْقَى..
ولَنْ تَزَالَ مُسْتَمْسِكاً بها حتى تموتَ...(*)
***
--------------------------------------------------------------------------------

(1) الحَبرُ: رئيس الكَهَنَة عند اليهود، والحبرُ العالم المتبحرُ في العلم أيضاً.(2) نِحَلهم: أديانهم.(3) الكنيس: معبد اليهود.(4) التأبير: تلقيح النخل وإصلاحه.(5) التوراة: الكتاب الذي أنزل عل موسى عليه الصلاة والسلام.(6) مهاجراً له: بفتح الحم مكاناً لهجرته.(7) نَسَأ: أخرَ.(8) أرْوَى: أجود رواية.
(9) مسطور: مكتوب.(10) عقلت لساني: ربطته ومنعته.(11) قباء: قرية على بعد ميلين من المدينة.(12) أي عمّة: يا عمة.(13) من توي: فَوراً من غير إبطاء.(14) أتملى: أملأ عيني مِنْهُ.
(15) وجوههم: رؤساؤهم وسادَتهم.(16) البُهتان: افتراء الكذب.(17) يمارونه: ينازعونه.
(18) شاقه المورد: لَذَّ له المورد وطاب.(19) الأرجاء: ا لأنحاء.(20) الوصيف: الخادِمُ.(21) فرقيتُ: فَصَعَدْت.

********************************* ***************
الشريف احمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-12-09, 01:59 AM   #5 (permalink)

][::.عضو متميز.::][

 
الصورة الرمزية الشريف احمد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2005
المشاركات: 90
افتراضي

زَيْد بن ثابت




" فمن للقوافي بعد حسان وابنِه

ومن للمعاني بعد زيد بن ثابت"

[ حسّان بن ثابت ]

نحن فيالسنةِ الثانيةِ للهِجْرَةِ.
ومدينةُ رسولِ اللّه صلواتُ اللّهِ وسلامُه عليهيموجُ بعضُها يَوْمَئِذٍ في بعض(1) استعداداً لبدر.
والنبيُّ الكريمُ يُلْقيالنظراتِ الأخيرةَ على أوَّلِ جيش يَتَحَرَّكُ تَحْتَ قيادَتِه للجهادِ في سبيلِاللّه وتَثْبيتِ كلمتِه في الأرضِ.
وهنا أقبلَ على الصفوفِ غلامٌ صغيرٌ لم يتمَّالثالثَةَ عشْرَةَ من عمره، يَتَوَهجُ ذكاءً وفطنةً...
ويتألق نجابةً (2) وحَميةَ...
وفي يدِه سيفٌ يسـاويه في الطول أو يزيدُ عنه قليلاً، ودنا من رسولِاللّهِ صلواتُ اللّهِ وسلامُه عليه وقال:
جُعِلتُ فداكَ يا رسولَ اللّه، ائذَنْلي أنْ أكونَ مَعَكَ وأجاهِدَ أعداءَ اللّهِ تحتَ رايتكَ.
فنظرَ إليه الرسولُالكريم نظرةَ سرورٍ وإعجاب، ورَبَّتَ(3) على كتفه بِرِفْق وودّ، وطيَّبَ خاطِرَه،وصَرَفَه لصِغرِ سِنِّه.
***
عادَ الغلامُ الصَّغيرُ يُجَرْجِرُ سيفَه علىالأرضِ أسوانَ(4) حزيناً، لأنه حُرِمَ من شَرف صًحْبَةِ رسولِ اللّه في أولِ غزوةٍيغزوها.
وعادَت من ورائِه أمُّه النَّوارُ بنتُ مالكٍ وهى لا تقِلُّ عنه أسىًوحزناً.
فقد كانت تتمنَّى أن تكْتَحِلَ عيناها برؤيةِ غلامِها، وهو يَمْضى معَالرِّجالِ مجاهداً تحتَ رايةِ رسولِ اللّهِ.
وكانت تَأمُلُ في أن يَحْتَلَّالمكانَةَ التي كان من المُنْتَظَرِ أنْ يَحظى بها أبوه لدى الرسولِ لو أنه ظلَّعلى قيدِ الحياة.
***
لكنَّ الغلامَ الأنصارِيّ حين وجد أنَه قد أخفق(5) فيأنْ يَحْظَى بالتَّقَرُّبِ إلى رسولِ اللّهِ في هذا المجالِ لِصغرِ سِنِّه،تَفَتَّقَتْ فِطْنَتُه عن مجال آخَرَ- لا علاقَةَ له بالسن- يُقَرِّبُه من النبيِّصلواتُ اللّهِ عليه ويُدنْيه إليه.
ذلك المجالُ هو مجالُ العلمِوالحِفْظ...
فَذَكَرَ الغُلامُ الفِكْرَةَ لأمِّه فهَشتْ لها وبَشّتْ(6) ونَشِطَتْ لِتَحقيقِها.
***
حَدَّثَتِ النوارُ رجالاً من قومِهم برَغْبَةِالغلام؛ وذَكَرَتْ لَهُم فِكْرَتَهُ
فَمَضَوْا به إلى رسولِ اللّهِ صلواتُاللّهِ عليه وقالوا:
يا نَبِيَّ اللّهِ، هذا ابْنُنَا زيدُ بنُ ثابتٍ يَحْفَظُسبعَ عشرةَ سورةً من كتابِ اللّهِ، ويَتْلوها صحيحةً؟ كما نزِلَتْ على قلبك.
وهوفوقَ ذلك حاذِق يجيدُ الكِتابَةَ والقراءةَ. وهو يريدُ أنْ يَتَقَرَّبَ بذلك إليكوأنْ يَلْزَمَكَ. فاسمع منه إذا شِئْتَ.
***
سَمِعَ الرسولُ الكريمُ منالغلام زيدِ بنِ ثابتٍ بعضاً مما يَحْفَظُ، فإذا هو مُشْرِق(7) الأداءِ، مُبينُ(8) النُّطقِ..تَتَلألأ كلماتُ القرَانِ على شفتيه كما تَتَلألأ الكواكبُ على صَفَحَةِالسماء...ثم إن تلاوتَهُ تَنُمّ على تَأثرٍ بما يتلو...وَوَقَفاتُه تَدُلُّ علىوَعْي لما يقرأ وحُسْن فهم...فسُرَّ به الرسولُ الكريمُ إذْ وَجَدَه فوقَ ما وصفوه،وزادَه سروراً به إتقانُه لِلكتابة.فالتَفَتَ إليه النبيُّ الكريمُ وقال: يا زيدُ،تَعَلَّمْ لي كتَابَةَ اليهودِ(9)، فإني لا آمَنُهم على ما أقول.فقال: لبيكَ(10) يارسولَ اللّهِ.واكبَّ (11) من تَوِّه،(12) على العِبرِيَّة حتى حَذَقَها(13) في وقتٍيَسـير، وجعل يَكْتُبُها لرسولِ اللّهِ صلواتُ اللّهِ عليه، إذا أراد أن يكتبَلليهودِ، ويقرؤها له إذا هُمْ كتبوا إليه.ثم تَعَلَّمَ السُّرْيانِيَّة(14) بأمرٍمنه- عليه الصلاةُ والسلامُ-كما تعلم العبرية.فأصبح الفَتَى زيدُ بنُ ثابتٍتَرْجُمانَ رَسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم .
***
ولما استوثق(15) النبيُّصلواتُ اللّهِ عليه من رصانةِ زيدٍ وأمانتِهِ، ودِقَّتِهِ وفهمِهِ، ائتمَنَهُ علىرسالةِ السماء إلى الأرض، فجعله كاتباً لِوَحْيِ اللّه...فكـان إذا نَزَلَ شيء منالقرآنِ على قلبهِ، بَعَثَ إليه يدعوه وقال: اكتب يا زيدُ، فيكتبُ.فإذا بِزَيْدِبنِ ثابتٍ يَتَلَقَّى القرَآنَ عن رسولِ اللّه صلى الله عليه وسلم ، آناً(16) فآناًفينمو مع آياته...ويأخذهُ رَطْباً طرِيّاً من فمِهِ مَوْصولاً بأسْباب نُزولِه،فَتُشْرِق في نفسُه بأنوارِ هِدَايتهِ...ويستنيرُ عَقْلُهُ بِأسْرَارِشريعَتِهِ...وإذا بالفتى المحظوظِ يَتَخَصَّصُ بالقرَان، ويغدو المَرْجِعَ الأوَّلَفيه لأمَّةِ محمدٍ بعد وفاةِ الرسولِ صلواتُ اللّه وسلامه عليه.
فكان رَأسَ منجمعوا كتابَ اللّهِ في عَهْدِ الصِّدِّيقِ.وطليعةَ من وجَّدُوا مَصَاحِفَهُ فيزَمَن عثمان.
أفَبَعْدَ هذه المنزِلَةِ منزلة تسمو إليها الهمَمُ؟! وهَلْ فوقَهذا المَجْدِ مجدٌ تَطْمَحُ إليه النفوسُ؟!
***
وقد كان من فضلِ القرَانِعلى زيدِ بن ثابتٍ أن أنارَ له سُبُلَ الصَّوابِ في المواقف التي يَحَارُ فيها أولوالألْبَاب(17) ففي يوم السَّقيفَةِ(18) اخْتَلَفَ المسلمونَ فيمن يَخْلُفُ رسولَاللّهِ صلوات اللّه عليه: فقال المهاجرون فينا خِلافَةُ رسولِ اللّهِ ونحنُ بهاأوْلَى.وقال بعضُ الأنصار: بل تكونُ الخلافةُ فينا ونحنُ بها أجدرُ.وقال بعضهمالآخرُ:بل تكونُ الخِلافَةُ فينا وفيكم معاً...
فقد كان رسولُ اللّه صلواتُاللّه عليه وسلامُه إذا اسْتَعْمَلَ واحداً مِنْكُمْ على عَمَل قَرَنَ معه(19) واحداً منا.وكادت تَحْدُثُ الفِتْنَةُ الكُبْرَى، ونبيُّ اللّهِ ما زالَ مُسَجّىًبين ظهرانيهم(20) لم يُدْفَنْ بَعْدُ.
وكان لابُدَّ من كلمةٍ حاسِمَةٍ حازِمَةٍرَشيدةٍ مُشرِقَةٍ بِهَدْيِ القرَانِ تَئِدُ الفتنةَ في مَهْدِها(21)، وتنيرُللحائرين الطريقَ .فانطلقت هذه الكلمةُ من فَم زيدِ بنِ ثابتٍ الأنصاريِّ.
إذالتفتَ إلى قَوْمِه وقال: يا معشَرَ الأنصار: إنَّ رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلمكان من المهاجرين، فيكونُ خليفتُه مهاجِراً مثلَه.
وإنَّا كنا أنصارَ رسولِاللّهِ صلى الله عليه وسلم ، فنكونُ أنصاراً لخليفتهِ من بعدِه وأعواناً له علىالحَقَ.ثم بَسَطَ(22) يَدَه إلى أبي بكر الصدِّيق وقال: هذا خليفتُكُمفبايِعوه.
***
وقد غدا زيدُ بنُ ثابتٍ بفضـلِ القرآنِ وتفقُّهِهِ فيه وطولِملازَمَتِهِ لرسولِ اللّه صلى الله عليه وسلم منارَةً(23) للمسلمين: يستشيرهخلفاؤهم في المُعْضِلاتِ(24)، ويَسْتَفْتِيهِ عامَّتُهم في المشْكِلات، ويرجعونإليه في المواريث خاصَّة، إذْ لم يكن بينَ المسلمين – إذْ ذاك- من هو أعلمُ منهبأحكامها وأحْذَقُ منه في قِسْمَتِها؛ فقد خَطَبَ عمرُ رضوانً اللّهِ عليه فيالمسلمينَ يومَ الجابيةِ(25) فقال: أيها الناس، من أراد أن يَسْألَ عن القرآنِفَلْيَأتِ زيدَ بنَ ثابتٍ ...ومن أراد أن يَسْألَ عن الفِقْهِ فَلْيَأتِ معاذَ بنَجبل.ومن أراد أن يسأل عن المالِ فليأتِ إليَّ، فإنَّ اللّهَ عَزَّ وجَلَّ جَعَلنيعليه والياً، وله قاسِماً...
***
ولقد عَرَفَ طلابُ العِلْم من الصحـابَةِوالتابعين لِزيْدِ بنِ ثابتٍ قَدْرَه، فاجَلُّوه، وعَظَّمُوه لما وَقَرَ(26) فيصَدْرِه من العلم.فها هو بَحْرُ العِلْمِ عبدُ اللّه بنُ عَبَّاس(27) يَرَى زيدَبنَ ثابتٍ قد هَمَّ بركوب دابَّتِهِ، فَيَقِفُ بينَ يديه، ويُمْسِكُ له بركابِهِ،ويأخذ بزِمامِ دابَّتِهِ.
فقال له زيدُ بنُ ثَابت: دَعْ عنك يا ابنَ عَمِّ رسولِاللّهِ.
فقال ابنُ عَبَّاس: هكذا أمِرْنا أن نَفْعَلَ بعلمائِنا...
فقال لهزيد: أرني يَدَك.
فأخرج ابنُ عباس يَدَه له، فمال عليها زيدٌ وقَبَّلهاوقال:
هكذا أمِرْنا أن نَفْعَلَ بآل بَيْتِ نَبيِّنا...
***
ولَمَّا لحقزيدُ بنُ ثابتٍ بجوارِ رِّبهِ؛ بكَى المسلمون بمَوْتِه العِلْمَ الذي وُورِيَمعه(28)، فقال أبو هريرة:
اليومَ ماتَ حَبْرُ(29) هذه الأمَّةِ، وعسى أنْ يجعلَاللّهُ في ابنِ عباس خَلَفَاً منه.
ورثاه شاعِرُ رسولِ اللّهِ حسانُ بنُ ثابتٍوَرَثى نَفْسَهُ معه فقال:
فَمَنْ لِلقَوافي بَعْدَ حَسَّانَ وابنِهِ ومَنْللمعاني بَعْدَ زيدِ بنِ ثابتِ؟! (*)
***
--------------------------------------------------------------------------------
(1) يموج بعضها في بعض: يزدحم فيها الناس.(2) نجابة: ذكاءً وفِطْنَة.(3) ربتَ على كتفه: ضرب يجده عل كتفه بلين.(4) أسوان: شديد الأسى والحزن.(5) أخفق: لم ينجح.(6) هشتوبشت: سرّت وفَرِحَت.(7) مشْرِق الأداء: بديع الإلقاءِ وَضاء التلاوة.(8) مبينالنطق: فصيح النطق.(9) كتابة اليهود: المبرية.(10) لبيك: سمعاً وطاعة وإجابةلأمرك.(11) أكب على العبرية: عكف على تعلم العبرية.(12) من توه: فوراً.(13) حذقها: أتقنها.(14) السريانية: إحدى اللغات السامية وكانت منتشرة ببن طوائف من الناس.(15) استوثق: تأكَّد واطمأن.(16) آناً فآناً: شيئاً فشيئاً ووقتاً بعد وقت.
(17) أولوالألباب: أصحاب العقول.(18) السقيفة: هي سقيفة بني ساعدة حيث اجتمع المسلمون بعدوفاة الرسول ليتفاوضوا في شأن الخلافة.(19) قرن معه: جَمعَ معه وضع إليه.
(20) مسجى بين ظهرانيهم: مُغطىَ لم يُدْفنْ بَعْدً.(21) تئَدُِ الفتنة في مهدها: تدفنهاوهي مازالت صغيرة.(22) بَسَط يده: مَدَ يده.(23) منارة: مرشداً للمسلمين وهادياًلهم.(24) المعضلات: الأمور الى يصعب حلَّها.(25) الجابية: قرية غربي دمشق اجتمعفيها عمر بن الخطاب رضى الله عنه مع الصحابة للتداول في شؤون الفتح وخطب فيها خطبتهالمشهورة فَسمي ذلك اليوم بيوم الجابية. (26) وَقَرَ في صدره: استقر في صدرهوثبت.(27) انظر سيرته ص 179.(28) ووري معه: دُفِن معه.
(29) الحبر: العالمالمُتَبَحِّرُ فيالعلم.




************************************************** ***********************
الشريف احمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-12-09, 02:01 AM   #6 (permalink)

][::.عضو متميز.::][

 
الصورة الرمزية الشريف احمد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2005
المشاركات: 90
افتراضي

الثري العفيف


عبد الرحمن بن عوف




إنه الصحابي الكريم عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه-، ولد قبل عام الفيل بعشر سنين، وأسلم قبل أن يدخل الرسول ( دارالأرقم بن أبي الأرقم، وكان أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسةالذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستةالذين اختارهم عمر ليخلفوه في إمارة المؤمنين، وكان أغنى أغنياء الصحابة.

أغميعليه ذات يوم ثم أفاق، فقال لمن حوله: أَغُشي عليَّ؟ قالوا: نعم، قال: فإنه أتانيملكان أو رجلان فيهما فظاظة وغلظة، فانطلقا بي، ثم أتاني رجلان أو ملكان هما أرقمنهما، وأرحم فقالا: أين تريدان به؟ قالا: نحاكمه إلى العزيز الأمين. فقال: خلياعنه، فإنه ممن كتبت له السعادة وهو في بطن أمه.
[الحاكم].
هاجر إلى الحبشةمرتين، وآخى رسول الله ( بينه وبين سعد بن الربيع، فقال له سعد: أخي، أنا أكثر أهلالمدينة مالا، فانظر شطر (نصف) مالي فخذه، ولي امرأتان، فانظر أيتهما أعجب إليك حتىأطلقها لك، فقال عبد الرحمن بن عوف: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق. فدلوه على السوق، فاشترى، وباع، فربح كثيرًا.
وكان -رضي الله عنه- فارسًاشجاعًا، ومجاهدًا قويًّا، شهد بدرًا وأحدًا والغزوات كلها مع رسول الله (، وقاتليوم أحد حتى جرح واحدًا وعشرين جرحا، وأصيبت رجله فكان يعرج عليها.
بعثه رسولالله ( إلى دومة الجندل، وعممه بيده الشريفة وسدلها بين كتفيه، وقال له: "إذا فتحالله عليك فتزوج ابنة شريفهم". فقدم عبد الرحمن دومة الجندل فدعاهم إلى الإسلامفرفضوا ثلاثًا، ثم أسلم الأصبع بن ثعلبة الكلبي، وكان شريفهم فتزوج عبد الرحمنابنته تماضر بنت الأصبع، فولدت له أبا سلمة ابن عبد الرحمن. [ابن هشام]
وكانرسول الله ( يدعو له، ويقول: "اللهم اسق عبد الرحمن بن عوف من سلسبيل الجنة" [أحمد].
وكان -رضي الله عنه- تاجرًا ناجحًا، كثير المال، وكان عامة ماله منالتجارة، وعرف بكثرة الإنفاق في سبيل الله، أعتق في يوم واحد ثلاثين عبدًا، وتصدقبنصف ماله على عهد الرسول (.
وأوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله، وأوصى لمنبقي من أهل بدر لكل رجل أربعمائة دينار، وكانوا مائة فأخذوها، وأوصى بألف فرس فيسبيل الله.
وكان ( يخاف على عبد الرحمن بن عوف من كثرة ماله، وكان يقولله:
"يا بن عوف، إنك من الأغنياء، ولن تدخل الجنة إلا زحفًا، فأقرض الله يطلق لكقدميك"، فقال عبد الرحمن: فما أقرض يا رسول الله؟ فأرسل إليه رسول الله ( فقال: "أتاني جبريل، فقال لي: مره فليضف الضيف، وليعط في النائبة والمصيبة، وليطعمالمسكين" [الحاكم]، فكان عبد الرحمن يفعل ذلك.
وبرغم ما كان فيه ابن عوف -رضيالله عنه- من الثراء والنعم، فقد كان شديد الإيمان، محبا للخير، غير مقبل علىالدنيا.
وذات يوم أتى بطعام ليفطر، وكان صائمًا فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خيرمني، فكفن في بردته، إن غطى رأسه بدت (ظهرت) رجلاه، وإن غطى رجلاه بدا رأسه، ثمقال: وقتل حمزة، وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، وأعطينا منها ماأعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام.
وذاتيوم، أحضر عبد الرحمن لبعض إخوانه طعامًا من خبز ولحم، ولما وضعت القصعة بكى عبدالرحمن، فقالوا له: ما يبكيك يا أبا محمد؟ فقال: مات رسول الله ( ولم يشبع هو وأهلبيته من خبز الشعير، ولا أرانا أخرنا لما هو خير لنا.
ولما تولى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الخلافة سنة (13 هـ)، بعث عبد الرحمن بن عوف على الحج، فحج بالناس،ولما طعن عمر -رضي الله عنه-، اختار ستة من الصحابة ليختاروا من بينهم الخليفة،وكان عبد الرحمن بن عوف أحد هؤلاء الستة وكان ذا رأي صائب، ومشورة عاقلة راشدة،فلما اجتمع الستة قال لهم: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة نفر فتنازل كل من الزبير بنالعوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص فبقي أمر الخلافة بين عبد الرحمن بنعوف، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب فقال عبد الرحمن: أيكم يتبرأ من الأمر ويجعلالأمر إلي، ولكن الله على أن لا آلو (أقصر) عن أفضلكم وأخيركم للمسلمين.
فقالوا: نعم. ثم اختار عبد الرحمن عثمان بن عفان للخلافة وبايعه فبايعه علي وسائرالمسلمين.
وتوفي عبد الرحمن -رضي الله عنه- سنة (31هـ)، وقيل (32هـ) في خلافةعثمان بن عفان، ودفن بالبقيع




*************************

التعديل الأخير تم بواسطة الشريف محمد العياشي ; 19-12-09 الساعة 07:04 AM.
الشريف احمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-12-09, 02:03 AM   #7 (permalink)

][::.عضو متميز.::][

 
الصورة الرمزية الشريف احمد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2005
المشاركات: 90
افتراضي




أمين الأمة
أبو عبيدة بنالجراح



إنه الصحابي الجليل أبو عبيدة عامر بنعبد الله بن الجراح -رضي الله عنه-، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان من أحب الناسإلى الرسول (، فقد سئلت عائشة -رضي الله عنها-: أي أصحاب رسول الله ( كان أحب إليه؟قالت: أبو بكر. قيل: ثم من؟ قالت: عمر. قيل ثم من؟ قالت: أبو عبيدة بنالجراح.
[الترمذي وابن ماجة]. وسماه رسول الله ( أمين الناس والأمة؛ حيث قال: "لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" [البخاري].
ولما جاء وفدنجران من اليمن إلى الرسول (، طلبوا منه أن يرسل معهم رجلا أمينا يعلمهم، فقال لهم: "لأبعثن معكم رجلا أمينا، حق أمين"، فتمنى كل واحد من الصحابة أن يكون هو، ولكنالنبي ( اختار أبا عبيدة، فقال: "قم يا أبا عبيدة" [البخاري].
وقد هاجر أبوعبيدة إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وفي المدينة آخى الرسول ( بينه وبين سعد بن معاذ -رضي الله عنهما-.
ولم يتخلف أبو عبيدة عن غزوة غزاها النبي (، وكانت له مواقفعظيمة في البطولة والتضحية، ففي غزوة بدر رأى أبو عبيدة أباه في صفوف المشركينفابتعد عنه، بينما أصر أبوه على قتله، فلم يجد الابن مهربًا من التصدي لأبيه،وتقابل السيفان، فوقع الأب المشرك قتيلا، بيد ابنه الذي آثر حب الله ورسوله على حبأبيه، فنزل قوله تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد اللهورسوله ولو كانوا آباءهم وأيديهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهارخالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) [المجادلة: 22].
وفي غزوة أحد، نزع الحلقتين اللتين دخلتا من المغفر (غطاء الرأسمن الحديد وله طرفان مدببان) في وجه النبي ( من ضربة أصابته، فانقلعت ثنيتاه، فحسنثغره بذهابهما. [الحاكم وابن سعد].
وكان أبو عبيدة على خبرة كبيرة بفنون الحرب،وحيل القتل لذا جعله الرسول ( قائدًا على كثير من السرايا، وقد حدث أن بعثه النبي ( أميرًا على سرية سيف البحر، وكانوا ثلاثمائة رجل فقل ما معهم من طعام، فكان نصيبالواحد منهم تمرة في اليوم ثم اتجهوا إلى البحر، فوجدوا الأمواج قد ألقت حوتًاعظيمًا، يقال له العنبر، فقال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا، نحن رسل رسول الله وفيسبيل الله، فكلوا، فأكلوا منه ثمانية عشر يومًا. [متفق عليه].
وقال عمر بنالخطاب -رضي الله عنه- لجلسائه يومًا: تمنوا. فقال أحدهم: أتمنى أن يكون ملء هذاالبيت دراهم، فأنفقها في سبيل الله. فقال: تمنوا. فقال آخر: أتمنى أن يكون ملء هذاالبيت ذهبًا، فأنفقه في سبيل الله. فقال عمر: لكني أتمنى أن يكون ملء هذا البيترجالاً من أمثال أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، فأستعلمهمفي طاعة الله. [البخاري].
وكان عمر يعرف قدره، فجعله من الستة الذين استخلفهم،كي يختار منهم أمير المؤمنين بعد موته.
وكان أبو عبيدة -رضي الله عنه- كثيرالعبادة يعيش حياة القناعة والزهد، وقد دخل عليه عمر -رضي الله عنه- وهو أمير علىالشام، فلم يجد في بيته إلا سيفه وترسه ورحله، فقال له عمر: لو اتخذت متاعًا (أوقال: شيئًا) فقال أبو عبيدة:
يا أمير المؤمنين، إن هذا سيبلِّغنا المقيل (سيكفينا). [عبد الرازق وأبو نعيم].
وقد أرسل إليه عمر أربعمائة دينار مع غلامه،وقال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح -رضي الله عنه- ثم انتظر في البيتساعة حتى ترى ما يصنع، فذهب بها الغلام إليه، فقال لأبي عبيدة: يقول لك أميرالمؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك. فقال أبو عبيدة: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالييا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلىفلان حتى أنفذها. [ابن سعد].
وكان يقول: ألا رب مبيض لثيابه، مدنس لدينه، ألا ربمكرم لنفسه وهو لها مهين! بادروا السيئات القديمات بالحسنات الحديثات. [أبو نعيموابن عبد البر].
وفي سنة (18) هـ أرسل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- جيشًا إلىالأردن بقيادة أبي عبيدة بن الجراح، ونزل الجيش في عمواس بالأردن، فانتشر بها مرضالطاعون أثناء وجود الجيش وعلم بذلك عمر، فكتب إلى أبي عبيدة يقول له: إنه قد عرضتلي حاجة، ولا غني بي عنك فيها، فعجل إلي.
فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب عرف أن أميرالمؤمنين يريد إنقاذه من الطاعون، فتذكر قول النبي (: "الطاعون شهادة لكل مسلم" [متفق عليه]. فكتب إلى عمر يقول له: إني قد عرفت حاجتك فحللني من عزيمتك، فإني فيجند من أجناد المسلمين، لا أرغب بنفسي عنهم. فلما قرأ عمر الكتاب، بكى، فقيل له: مات أبو عبيدة؟! قال: لا، وكأن قد (أي: وكأنه مات). [الحاكم].
فكتب أميرالمؤمنين إليه مرة ثانية يأمره بأن يخرج من عمواس إلى منطقة الجابية حتى لا يهلكالجيش كله، فذهب أبو عبيدة بالجيش حيث أمره أمير المؤمنين، ومرض بالطاعون، فأوصىبإمارة الجيش إلى معاذ بن جبل، ثم توفي -رضي الله عنه- وعمره (58) سنة، وصلى عليهمعاذ بن جبل، ودفن ببيسان بالشام. وقد روي أبو عبيدة -رضي الله عنه- أربعة عشرحديثًا عن النبي (.


****************************
الشريف احمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-12-09, 02:05 AM   #8 (permalink)

][::.عضو متميز.::][

 
الصورة الرمزية الشريف احمد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2005
المشاركات: 90
افتراضي

أول الرماة في سبيل الله


سعد بن أبي وقاص




إنه الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص -رضيالله عنه-، أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة.

وكان سعد قدرأى وهو ابن سبع عشرة سنة في منامه أنه يغرق في بحر الظلمات، وبينما هو يتخبط فيها،إذ رأى قمرًا، فاتبعه، وقد سبقه إلى هذا القمر ثلاثة، هم: زيد بن حارثة، وعلي بنأبي طالب، وأبو بكر الصديق، ولما طلع الصباح سمع أن رسول الله ( يدعو إلى دين جديد؛فعلم أن هذا هو القمر الذي رآه؛ فذهب على الفور؛ ليلحق بركب الساقين إلىالإسلام
وتظهر روعة ذلك البطل عندما حاولت أمه مرارًا أن ترده عن طريق الإيمانعبثًا، فباءت محاولاتها بالفشل أمام القلب العامر بالإيمان، فامتنعت عن الطعاموالشراب، ورفضت أن تتناول شيئًا منه، حتى يرجع ولدها سعد عن دينه، ولكنه قال لها: أماه إنني أحبك، ولكن حبي لله ولرسوله أكبر من أي حب آخر.
وأوشكت أمه علىالهلاك، وأخذ الناس سعدًا ليراها عسى أن يرق قلبه، فيرجع عما في رأسه، فيقول لهاسعد: يا أمه، تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا، ما تركت دينيفإن شئت كلي، وإن شئت لا تأكلي، وعندها أدركت الأم أن ابنها لن يرده عن دينه شيء؛فرجعت عن عزمها، وأكلت، وشربت لينزل وحي الله -عز وجل- يبارك ما فعل سعد، قالتعالى: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيامعروفا) [لقمان: 15
ولازم سعد -رضي الله عنه- رسول الله ( بمكة حتى أذن اللهللمسلمين بالهجرة إلى المدينة المنورة، فهاجر مع المسلمين ليكون بجوار رسول الله ( في محاربة المشركين، ولينال شرف الجهاد في سبيل الله، وحسبه أنه أول من رمى بسهم فيسبيل الله وأول من أراق دماء الكافرين، فقد بعث رسول الله ( سرية فيها سعد بن أبيوقاص إلى مكان في أرض الحجاز اسمه سابغ، وهو من جانب الجحفة، فانكفأ المشركون علىالمسلمين، فحماهم سعد يومئذ بسهامه، فكان أول قتال في الإسلام.
ويوم أحد، وقفسعد يدافع عن رسول الله (، ويحارب المشركين، ويرميهم حتى نالته دعوة الرسول (، حينرآه فسر منه وقال: "يا سعد، ارم فداك أبي وأمي" [متفق عليه]، فكان سعد يقول: ما جمعرسول الله ( أبويه لأحد قبلي، وكانت ابنته عائشة بنت سعد تباهي بذلك وتفخر، وتقول: أنا ابنة المهاجر الذي فداه رسول الله ( يوم أحد بالأبوين.
وذات يوم، مرض سعد،فأتاه رسول الله ( ليزوره، ويطمئن عليه؛ فتساءل سعد قائلاً: إن قد بلغ بي من الوجع،وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ فقال له النبي (: لا، فقالسعد: بالشطر (نصفه)، قال النبي ( لا. ثم قال (: "الثلث، والثلث كثير، إنك إن تذرورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجهالله إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في فيّ (فم) امرأتك" [متفق عليه]، وقد رزق اللهسعدًا الأبناء، فكان له إبراهيم، وعامر، وعمر، ومحمد، وعائشة.
وقد كان رسول الله ( يحب سعدًا، فعن جابر قال: كنا مع رسول الله (، إذ أقبل سعد، فقال (: "هذا خالي،فليرني امرؤ خاله" [الترمذي والطبراني وابن سعد].
وكان سعد مستجاب الدعوة أيضًا،فقد دعا له النبي ( قائلا: "اللهم استجب لسعد إذا دعاك" [الترمذي].
وعين سعدأميرًا على الكوفة، أثناء خلافة الفاروق عمر -رضي الله عنه- الذي كان يتابع ولاتهويتقصى أحوال رعيته، وفي يوم من الأيام اتجه عمر -رضي الله عنه- إلى الكوفة ليحققفي شكوى أهلها أن سعدًا يطيل الصلاة، فما مر عمر بمسجد إلا وأحسنوا فيه القول، إلارجلا واحدًا قال غير ذلك، فكان مما افتراه على سعد: أنه لا يعدل في القضية، ولايقسم بالسوية، ولا يسير بالسرية -يخرج بالجيش- فدعا سعد عليه قائلاً: اللهم إن كانكاذبًا، فأعم بصره، وأطل عمره، وعرضه للفتن، فكان ذلك الرجل يمشي في الطريق، ويغمزالجواري، وقد سقط حاجباه من عينيه لما سئل عن ذلك قال: شيخ مفتون، أصابته دعوةسعد.
وذات يوم سمع سعد رجلاً يسب عليّا وطلحة والزبير، فنهاه فلم ينته، فقال سعدللرجل: إذن أدعو عليك؛ فقال الرجل: أراك تتهددني كأنك نبي؛ فانصرف سعد، وتوضأ، وصلىركعتين، رفع يديه، وقال: اللهم إن كنت تعلم أن هذا الرجل قد سب أقوامًا سبقت لهممنك الحسنى؛ وأنه قد أسخطك سبه إياهم؛ فاجعله آية وعبرة؛ فلم يمر غير وقت قصير حتىخرجت ناقة هوجاء من أحد البيوت، وهجمت على الرجل الذي سب الصحابة؛ فأخذته بينقوائمها، وما زالت تتخبط حتى مات.
وحينما اشتد خطر الفرس على حدود الدولةالإسلامية أرسل إليهم الخليفة
عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- جيشًا بقيادة سعد بنأبي وقاص، ليقابلهم سعد في معركة القادسية، واشتد حصار المسلمين على الفرسوأعوانهم، حتى قتل الكثير منهم، وعلى رأسهم القائد رستم، ودب الرعب في باقي جنودالفرس، فكان النصر العظيم للمسلمين يوم القادسية، ولم يكن لسعد هذا اليوم فقط فيقتال الفرس، بل كان هناك يوم مجيد آخر للمسلمين تحت قيادته، في موقعة المدائن؛ حيثتجمع الفرس في محاولة أخيرة للتصدي لزحف المسلمين، وأدرك سعد أن الوقت في صالحالفرس، فقرر أن يهاجمهم فجأة، وكان نهر دجلة قد امتلأ عن آخره، في وقت الفيضان،فسبحت خيول المسلمين في النهر وعبرته إلى الضفة الأخرى لتقع المواجهة، ويحققالمسلمون نصرًا كبيرًا.
وعندما طعن أبو لؤلؤة المجوسي عمر بن الخطاب -رضي اللهعنه-، اختار عمر ستة من المسلمين ليتم اختيار خليفة منهم، وأخبر عمر أن الرسول ( مات وهو عنهم راض، وكان من هؤلاء الستة سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-، حتى قالعمر: لو كنت مختارًا للخلافة واحدًا، لاخترت سعدًا، وقال لمن حوله: إن وليها سعدفذاك، وإن وليها غيره فليستعن بسعد، فكان عثمان بن عفان يستعين به في كلأموره.
وحدثت الفتنة آخر أيام الإمام علي -رضي الله عنه- فكان سعد بعيدًا عنهم؛واعتزلها، وأمر أهله وأولاده ألا ينقلوا إليه شيئًا من أخبارها.
وعندما جاءهابنه عامر يطلب منه أن يقاتل المتحاربين ويطلب الخلافة لنفسه، قال سعد في شفافيةالمسلم الصادق: أي بني، أفي الفتنة تأمرني أن أكون رأسًا؟ لا والله حتى أعطي سيفًا،إن ضربت به مسلمًا نبا عنه (أي لم يصبه بأذى)، وإن ضربت به كافرًا قتله، ولقد سمعترسول الله ( يقول: "إن الله يحب الغني الخفي التقي" [أحمد ومسلم].
وفي سنة (55هـ) أوصى سعد أهله أن يكفوه في ثوب قديم، كان عنده، وياله من ثوب يشرف به أعظمأهل الأرض، قال لهم: لقد لقيت المشركين فيه يوم بدر، ولقد ادخرته لهذااليوم.
وتوفي رحمة الله عليه بالعقيق، فحمل على الأعناق إلى المدينة، ودفن بهاليكون آخر من مات من العشرة المبشرين بالجنة وآخر من مات من المهاجرين -رضي اللهعنهم-.






*************************************
الشريف احمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-12-09, 02:10 AM   #9 (permalink)

][::.عضو متميز.::][

 
الصورة الرمزية الشريف احمد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2005
المشاركات: 90
افتراضي




مستجاب الدعوة
سعيد بنزيد



إنه سعيد بن زيد -رضي الله عنه- أحدالعشرة المبشرين بالجنة، وقد نشأ سعيد في بيت لم يكن الإيمان غريبًا على أهله،فأبوه زيد بن عمرو بن نفيل الذي ترك عبادة الأصنام، وأسرع إلى عبادة الله على دينإبراهيم، وكن يسند رأسه على الكعبة، ويقول: يا معشر قريش، والله ما فيكم أحد علىدين إبراهيم غيري.
[ابن هشام].
فنشأ سعيد منذ صغره مثل أبيه سليم الفطرة، وماإن سمع بالإسلام حتى أسرع بالدخول فيه، وكان ذلك قبل دخول النبي ( دار الأرقم بنأبي الأرقم، وأسلمت معه زوجته فاطمة بنت الخطاب، وقد تحمل زيد وزوجته الكثير منالإيذاء في سبيل الله، وكانا سببًا في إسلام عمر بن الخطاب، حين هجم عليهما فيالبيت وهما يقرآن القرآن مع خباب بن الأرت، فأخذ منهما الصحيفة، وقرأ ما فيها، فشرحالله صدره، وأعلن إسلامه.
وهاجر سعيد إلى الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة وآخىالرسول ( بينه وبين أبي بن كعب -رضي الله عنهما-.
وبعثه الرسول ( مع طلحة بنعبيد الله؛ ليتحسَّسا أخبار عير قريش التي رجعت من التجارة، وفي أثناء قيامهما بهذهالمهمة حدثت غزوة بدر التي انتصر فيها المسلمون، ورجع سعيد وطلحة فأعطاهما الرسول ( نصيبهما من الغنائم. وعرف سعيد بالشجاعة والقوة، واشترك في الغزوات كلها.
وكان -رضي الله عنه- مستجاب الدعوة، فقد روي أن أروى بنت أويس ادعت كذبًا أنه أخذ منهاأرضًا، وذهبت إلى مروان بن الحكم والى المدينة آنذاك، واشتكت له، فأرسل مروان إلىسعيد، وقال له: إن هذه المرأة تدعى أنك أخذت أرضًا، فقال سعيد: كيف أظلمها وقد سمعترسول الله ( يقول: "من ظلم قيد شبر طوقه من سبع أراضين" [متفق عليه]، فقال مروان: إذن فعليك باليمين، فقال سعيد: اللهم إن كانت كاذبة فلا تمتها حتى تعمي بصرها،وتجعل قبرها في بئر، ثم ترك لها الأرض التي زعمت أنها ملكها.
وبعد زمن قليل،عميت أروى فكانت تقودها جارية لها، وفي ليلة قامت ولم توقظ الجارية، وأخذت تمشي فيالدار فوقعت في بئر كانت في دارها، فماتت فأصبحت هذه البئر قبرها.
وكان سعيدمطاعًا بين الناس، يحبهم ويحبونه، وحينما حدثت الفتنة بين المسلمين، لم يشارك فيها،وبقي مداومًا على طاعة الله وعبادته حتى توفي سنة (51هـ) أو (52هـ) ودفن بالمدينةالمنورة.


******************************





حواري الرسول
الزبير بنالعوام



إنه الزبير بن العوام -رضي الله عنه- الذي يتلقى في نسبه مع النبي (، فأمه صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول (، وهو أحدالعشرة المبشرين بالجنة، وهو أحد الستة أهل الشورى الذين اختارهم عمر؛ ليكون منهمالخليفة بعد موته، وزوج أسماء بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-.
وقد أسلمالزبـير مبكرًا، فكان واحدًا من السبعة الأوائل الذين سارعوا إلى الإسلام، ولما علمعمه نوفل بن خويلد بإسلامه غضب غضبًا شديدًا، وتولى تعذيبه بنفسه، فكان يلفُّه فيحصير، ويدخن عليه بالنار، ويقول له: اكفر برب محمد، أدرأ (أكف) عنك هذا العذاب. فيرد عليه الزبير قائلاً: لا، والله لا أعود للكفر أبدًا. [الطبراني وأبونعيم].
وسمع الزبير يومًا إشاعة كاذبة تقول: إن محمدًا ( قد قتل، فخرج إلى شوارعمكة شاهرًا سيفه، يشق صفوف الناس، وراح يتأكد من هذه الشائعة معتزمًا إن كان الخبرصحيحًا أن يقتل من قتل رسول الله (، فلقي النبي ( بشمال مكة، فقال له النبي ( "مالك؟" فقال: أخبرت أنك أخذت (قُتلت). فقال له النبي ( "فكنت صانعًا ماذا؟" فقال: كنت أضرب به من أخذك. ففرح النبي ( لما سمع هذا، ودعا له بالخير ولسيفه بالنصر.[أبونعيم]. فكان -رضي الله عنه- أول من سل سيفه في سبيل الله.
وقد هاجر الزبير إلىالحبشة مع من هاجر من المسلمين، وبقي بها حتى أذن لهم الرسول ( بالعودة إلىالمدينة.
وقد شهد مع رسول الله ( الغزوات كلها، وفي غزوة أحد بعد أن عاد جيشقريش إلى مكة أرسل الرسول ( سبعين رجلا من المسلمين في أثرهم، كان منهم أبو بكروالزبير. [البخاري].
ويوم اليرموك، ظل الزبير -رضي الله عنه- يقاتل جيش الروموكاد جيش المسلمين أن يتقهقر، فصاح فيهم مكبرًا: الله أكبر. ثم اخترق صفوف العدوضاربًا بسيفه يمينًا ويسارًا، يقول عنه عروة: كان في الزبير ثلاث ضربات بالسيف، كنتأدخل أصابعي فيها، ثنتين (اثنتين) يوم بدر، وواحدة يوم اليرموك.
وقال عنه أحدالصحابة: صحبت الزبير بن العوام في بعض أسفاره، ورأيت جسده، فقلت له: والله لقدشهدت بجسمك لم أره بأحد قط، فقال لي: أما والله ما فيها جراحة إلا مع رسول الله (،وفي سبيل الله. وقيل عنه: إنه ما ولى إمارة قط، ولا جباية، ولا خراجا، ولا شيئًاإلا أن يكون في غزوة مع النبي ( أو مع أبي بكر أو عمر أو عثمان.
وحين طال حصاربني قريظة دون أن يستسلموا أرسله رسول الله ( مع
علي بن أبي طالب، فوقفا أمامالحصن يرددان قولهما: والله لنذوقن ما ذاق حمزة، أو لنفتحن عليهم الحصن.
وقالعنه النبي (: "إن لكل نبي حواريًا وحواري الزبير" [متفق عليه]. وكان يتفاخر بأنالنبي ( قال له يوم أحد، ويوم قريظة: "ارم فداك أبي وأمي".
وتقول السيدة عائشةرضي الله عنها لعروة بن الزبير: كان أبواك من الذين استجابوا لله وللرسول من بعدماأصابهم القرح (تريد أبا بكر والزبير)
[ابن ماجة].
وكان الزبير بن العوام منأجود الناس وأكرمهم، ينفق كل أموال تجارته في سبيل الله، يقول عنه كعب: كان للزبيرألف مملوك يؤدون إليه الخراج، فما كان يدخل بيته منها درهمًا واحدًا (يعني أنهيتصدق بها كلها)، لقد تصدق بماله كله حتى مات مديونًا، ووصى ابنه عبد الله بقضاءدينه، وقال له: إذا أعجزك دين، فاستعن بمولاي. فسأله عبد الله: أي مولى تقصد؟فأجابه: الله، نعم المولى ونعم النصير. يقول عبد الله فيما بعد: فوالله ما وقعت فيكربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض دينه فيقضيه. [البخاري].
وعلى الرغممن طول صحبته للنبي ( فإنه لم يرو عنه إلا أحاديث قليلة، وقد سأله ابنه عبد الله عنسبب ذلك، فقال: لقد علمت ما كان بيني وبين رسول الله ( من الرحم والقرابة إلا أنيسمعته يقول: "من كذب عليَّ متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار" [البخاري]. فكان -رضيالله عنه -يخاف أن يتحدث عن رسول الله ( بشيء لم يقله، فيزل بذلك في النار.
وخرجالزبير من معركة الجمل، فتعقبه رجل من بني تميم يسمى عمرو بن جرموز وقتله غدرًابمكان يسمى وادي السباع، وذهب القاتل إلى الإمام عليّ يظن أنه يحمل إليه بشرى، فصاحعليٌّ حين علم بذلك قائلاً لخادمه: بشر قاتل ابن صفية بالنار. حدثني رسول الله ( أنقاتل الزبير في النار. [أحمد وابن حبان والحاكم والطبراني].
ومات الزبير -رضيالله عنه- يوم الخميس من شهر جمادى الأولى سنة (36هـ)، وكان عمره يوم قتل (67 هـ) سنة وقيل (66) سنة





******************************************


الشريف احمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-12-09, 02:12 AM   #10 (permalink)

][::.عضو متميز.::][

 
الصورة الرمزية الشريف احمد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2005
المشاركات: 90
افتراضي




حكيم بن حزام
وليد الكعبة
رضي اللهعنه وأرضاه



قالوا عنه
إن بمكة لأربعة نفر أربأ بهم عن الشرك، و أرغبلهم في الإسلام : عتاب بن أسيد، و جبير بن مطعم، و حكيم بن حزام، و سهيل بنعمرو
رسول الله صلى الله عليه وسلم

اعتق حكيم بن حزام في الجاهلية مائةرقبة وفي الإسلام مائة رقبة وحمل على مائة بعير
عروة بن الزبير



لحظات من حياتة رضي اللهعنه



و آلى على نفسه أن يكفر عن كل موقف وقفه في الجاهلية، أو نفقةأنفقها في عداوة الرسول – صلى الله عليه و سلم – بأمثال أمثالها. و قد بربقسمه...من ذلك أنه آلت إليه دار الندوة و هي دار عريقة ذات تاريخ...ففيها كانتتعقد قريش مؤتمراتها في الجاهلبة، و فيها اجتمع سادتهم و كبراؤهم ليأتمروا برسولالله – صلى الله عليه و سلم - .فأراد حكيم بن حزام أن يتخلص منها – و كأنه كان يريدأن يسدل ستارا من النسيان على ذلك الماضي البغيض – فباعها بمئة ألف درهم، فقال لهقائل من فتيان قريش:
لقد بعت مكرمة قريش يا عم".فقال له حكيم: "هيهات يا بني،ذهبت المكارم كلها و لم يبق إلا التقوى، و إني ما بعها إلا لأشتري بثمنها بيتا فيالجنة...و إني أشهدكم أنني جعلت ثمنها في سبيل الله عز و جل."
حكيم بنحزام

"إن بمكة لأربعة نفر أربأ بهم عن الشرك و أرغب لهم في الإسلام... أحدهمحكيم بن حزام"
محمد رسول الله
هل أتاك نبأ هذا الصحابي؟!.لقد سجل التاريخأنه المولود الوحيد الذي ولد داخل الكعبة المعظمة...أما قصة ولادته هذه، فخلاصتهاأن أمه دخلت مع طائفة من أترابها إلى جوف الكعبة للتفرج عليها...و كانت يومئذمفتوحة لمناسبة من المناسبات.و كانت والدته آنذاك حاملا به، ففجأها المخاض و هي فيداخل الكعبة، فلم تستطع مغادرتها...فجيء لها بنطع فوضعت مولودها عليه...و كان ذلكالمولود حكيم بن حزام بن خويلد...و هو ابن أخي أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلدرضي الله عنها و أرضاها.

نشأ حكيم بن حزام في أسرة عريقة النسب، عريضةالجاه، واسعة الثراء.
و كان إلى ذلك عاقلا سريا فاضلا، فسوده قومه، و أناطوا بهمنصب الرفادة.
فكان يخرج من ماله الخاص ما يرفد به المنقطعين من حجاج بيت اللهالحرام في الجاهلية...و قد كان حكيم صديقا حميما لرسول الله صلوات الله و سلامهعليه قبل أن يبعث.فهو و إن كان أكبر من النبي الكريم – صلى الله عليه و سلم - بخمسسنوات، إلا أنه كان يألفه، و يأنس به، و يرتاح إلى صحبته و مجالسته، و كان الرسولصلى الله عليه و سلم – يبادله ودا بود، و صداقة بصداقة.
ثم جاءت آصرة القربىفوثقت ما بينهما من علاقة، و ذلك حين تزوج النبي – صلى الله عليه و سلم – من عمتهخديجة بنت خويلد رضي الله عنها.
و قد تعجب بعد كل الذي بسطناه لك من علاقة حكيمبالرسول عليه الصلاة و السلام إذا علمت أن حكيما لم يسلم إلا يوم الفتح، حيث كان قدمضى على بعثة الرسول صلوات الله و سلامه عليه ما يزيد على عشرين عاما!!.فقد كانالمظنون برجل مثل حكيم بن حزام حباه الله ذلك العقل الراجح، و يسر له تلك القربىالقريبه من النبي صلوات الله عليه، و أن يكون أول المؤمنين به، و المصدقين لدعوته،و المهتدين بهديه.و لكنها مشيئة الله...و ما شاء كان...
و كما نعجب نحن من تأخرإسلام حكيم بن حزام، فقد كان يعجب هو نفسه من ذلك.فهو ما كاد يدخل الإسلام و يتذوقحلاوة الإيمان، حتى جعل يعض بنان الندم على كل لحظة قضاها من عمره و هو مشرك باللهمكذب لنبيه.فلقد رآه ابنه بعد إسلامه يبكي، فقال: "ما يبكيك يا أبتاه؟!."قال: "أموركثيرة كلها أبكاني يا بني:
أولها بطء إسلامي مما جعلني أسبق إلى مواطن كثيرةصالحة حتى لو أنني أنفقت ملء الأرض ذهبا لما بلغت شيئا منها.ثم إن الله أنجاني يوم "بدر" و "أحد" فقلت يومئذ في نفسي:لا أنصر بعد ذلك قريشا على رسول الله – صلى اللهعليه و سلم – و لا أخرج من مكة، فما لبثت أن جررت إلى نصرة "قريش" جرا.

ثمإنني كنت كلما هممت بالإسلام، نظرت إلى بقايا من رجالات قريش لهم أسنان و أقدارمتمسكين بما هم عليه من أمر الجاهلية، فأقتدي بهم و أجاريهم...و ياليت أني لمأفعل..فما أهلكنا إلا الاقتداء بآبائنا و كبرائنا...فلم لا أبكي يا بني؟!!."
وكما عجبنا نحن من تأخر إسلام حكيم بن حزام، و كما كان يعجب هو نفسه من ذلك أيضا،فإن النبي صلوات الله و سلامه عليه كان يعجب من رجل له مثل حلم حكيم بن حزام وفهمه، كيف يخفى عليه الإسلام و كان يتمنى له و للنفر الذين هم على شاكلته أنيبادروا إلى الدخول في دين الله. ففي الليلة التي سبقت فتح مكة قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: إن بمكة لأربعة نفر أربأ بهم عن الشرك، و أرغب لهم فيالإسلام
قيل: "و من هم يا رسول الله؟".
قال: (عتاب بن أسيد، و جبير بن مطعم،و حكيم بن حزام، و سهيل بن عمرو).
و من فضل الله عليهم أنهم أسلمواجميعا...
و حين دخل الرسول صلوات الله و سلامه عليه مكة فاتحا، أبى إلا أن يكرمحكيم بن حزام فأمر مناديه أن ينادي:من شهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده و رسوله فهو آمن...و من جلس عند الكعبة فوضع سلاحه فهو آمن..
و منأغلق عليه بابه فهو آمن...و من دخل دار أبي سفيان فهو آمن...و من دخل دار حكيم بنحزام فهو آمن..."و كانت دار حكيم بن حزام في أسفل مكة، و دار أبي سفيان فيأعلاها.أسلم حكيم بن حزام إسلاما ملك عليه لبه، و آمن إيمانا خالط دمه و مازجقلبه...و آلى على نفسه أن يكفر عن كل موقف وقفه في الجاهلية، أو نفقة أنفقها فيعداوة الرسول – صلى الله عليه و سلم – بأمثال أمثالها.و قد بر بقسمه...من ذلك أنهآلت إليه دار الندوة و هي دار عريقة ذات تاريخ...ففيها كانت تعقد قريش مؤتمراتها فيالجاهلبة، و فيها اجتمع سادتهم و كبراؤهم ليأتمروا برسول الله – صلى الله عليه وسلم - .فأراد حكيم بن حزام أن يتخلص منها – و كأنه كان يريد أن يسدل ستارا منالنسيان على ذلك الماضي البغيض – فباعها بمئة ألف درهم، فقال له قائل من فتيانقريش:لقد بعت مكرمة قريش يا عم".
فقال له حكيم: "هيهات يا بني، ذهبت المكارمكلها و لم يبق إلا التقوى، و إني ما بعها إلا لأشتري بثمنها بيتا في الجنة...و إنيأشهدكم أنني جعلت ثمنها في سبيل الله عز و جل."
و حج حكيم بن حزام بعد إسلامه،فساق أمامه مئة ناقة مجللة بالأثواب الزاهية ثم نحرها جميعها تقربا إلى الله...و فيحجة أخرى وقف في عرفات، و معه مئة من عبيده و قد جعل في عنق كل واحد منهم طوقا منالفضة، نقش عليه:عتقاء لله عز و جل عن حكيم بن حزام.ثم أعتقهم جميعا...
و في حجةثالثة ساق أمامه ألف شاة – نعم ألف شاة – و أراق دمها كلها في "منى"، و أطعمبلحومها فقراء المسلمين تقربا لله عز و جل.
و بعد غزوة "حنين" سأل حكيم بن حزامرسول الله – صلى الله عليه و سلم – من الغنائم فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، حتى بلغ ماأخذه مئة بعير – و كان يومئذ حديث إسلام – فقال له الرسول صلوات الله و سلامهعليه(يا حكيم:
إن هذا المال حلوة خضرة...فمن أخذ بسخاوة نفس بورك له فيه...و منأخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، و كان كالذي يأكل ولا يشبع...و اليد العليا خيرمن اليد السفلى).فلما سمع حكيم بن حزام ذلك من الرسول عليه الصلاة و السلام قال:يارسول الله، و الذي بعثك بالحق لا أسأل أحدا بعدك شيئا...و لا آخذ من أحد شيئا حتىأفارق الدنيا..."و بر حكيم بقسمه أصدق البر.ففي عهد أبي بكر دعاه الصديق أكثر منمرة لأخذ عطائه من بيت مال المسلمين فأبى أن يأخذه...
و لما آلت الخلافة إلىالفاروق دعاه إلى أخذ عطائه فأبى أن يأخذ منه شيئا أيضا...
فقام عمر في الناس وقال:أشهدكم يا معشر المسلمين أني أدعو حكيما إلى أخذ عطائه فيأبى."و ظل حكيم كذلكلم يأخذ من أحد شيئا حتى فارق الحياة...




*********************************************
الشريف احمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة