بسم الله الرحمن الرحيم
هارون الرشيد, الخليفة المجاهد, الذي كان يغزو عاما و يحج عاما, و كثرت في خلافته الفتوحات, و أذل الله به الكفار و الملحدين … عند دنو أجله استدعوا له الأطباء, فيئسوا منه, و لما شعر هو الآخر بأن الساعة دنت, قال يصف حاله :
ان الطبيب بطبه و دوائه لا يستطيع دفاع موت قد أتى
ما للطبيب يموت بالداء الذي قد كان أبرأ مثله فيما مضى
مات المداوي و المداوى و الذي جلب الدوا أو باعه و من اشترى
وبلغه أن الناس قد أرجفوا بموته, فاستدعى حماراً وأمر أن يحمل عليه فاسترخت فخذاه, فقال: أنزلوني, صدق المرجفون ، ثم قال: أحضروا لي أكفانا, … فأحضروا له أكفانا, فأخذ منها كفنا ثم قال: احفروا لي قبرا, فحفروا له قبرا, فنظر الى القبر و تذكر أيام مملكته حينما كانت القوات تصف بين يديه, و الأمراء يصدرون عن أمره, عندما كانت له الكلمة النافذة, و تذكر أنه سيرحل عن هذا كله ثم يوضع في هذه الحفرة الضيقة, فقال: ما أغنى عني ماليه … هلك عني سلطانيه … و صدق رحمه الله .
هكذا هي الدنيا, كتب علينا الرحيل في يوم غير معلوم , فأنظر لأولئك العظماء لا يملكون حول و لا قوة أمام الموت, لا يملكون سوى كلمات معبرة سجلها التاريخ, حتى على فراش الموت كانت كلماتهم ذات وقع كبير, فلم يمنعهم الموت من اسداء النصح حتى في آخر لحظات حياتهم,