معالي الوزير الأديب اللغوي أبو الفرج محمد فيضي بك الأتاسي
متصرف حماة ونائب حمص ورئيس بلديتها وثاني وزراء آل الأتاسي وثاني من ترأس المجلس الوزاري منهم:
1317-1402 هـ=1899-1982م
جد والدي لوالدته، علامة جيله من آل الأتاسي ومرجعهم الأول، حتى استفتاه العالم منهم وعليه عوًّل، صاحب مشورة ورأي، يأتي بالكَلِمِ الفصيح دون لأي، أمسك بالخير من أطرافه، وورث المجد عن أسلافه، كان من أساطين اللغة والقلم، وقد أضحى للخطابة أشهر علم، ولما سبر أغوار السياسة، خاض لُجاجها بحكمة وكياسة، فألان شديد عودها، وحظي منها بقمة جُلمودِها، وأمسى مُسيِّرَها ورأسَ عمودِها، فما نالت فِعالُ خصومه من مواقفه وصمودِها.
نشأته ودراسته:
هو معالي الوزير الأديب اللغوي أبو الفرج محمد فيضي ابن مفتي حمص محمد الطاهر أفندي ابن مفتي حمص محمد خالد أفندي ابن مفتي حمص أبي الفتح أفندي محمد الأتاسي الحسيني. ولد الأتاسي عام 1315 هـ كما يدل عليه اسمه الكامل بحساب الجمل (أبو الفرج محمد فيضي) و الموافق لعام 1898م في الكرك حيث كان والده قاضيها، فشب في بيت علم وأدب، ثم أرسله والده إلى مدرسة
جَلَط سراي في اسطنبول، فالتحق بالقسم الفرنسي، وكان يؤم تلك المدرسة آنذاك أولاد الأعيان والحكام في الدولة العثمانية لرقي العلوم ومدرسيها فيها.
ثم أكمل الأتاسي دراسته الثانوية في مدرسة الأباء البيض في القدس، وبعدها سافر إلى جنيف ليصبح طالب حقوق في جامعتها ولم يتجاوز عمره السادسة عشرة.

سيدي فيضي بك في السادسة عشرة من عمره عام 1914م
إلا أن الحرب العالمية الأولى سرعان ما اشتعل وطيسها، فاضطر والده طاهر الأتاسي لأن يستدعيه إلى بلاد الشام، وهناك أكمل دراسته في جامعة دمشق، فأخذ دروسه في الحقوق عن الأستاذ فارس الخوري، كما أنه نال إجازة في العلوم السياسية بالإضافة إلى إجازته في الحقوق. وحضر الأتاسي مجالس أبيه العلمية الأسبوعية، والتي كان يقصدها علماء بلاد الشام أنذاك لتدارس الأمور الشرعية الفقهية واللغة العربية، فكان نتاج ذلك أن خرج منها بعلم وافر في آداب اللغة العربية الأصيلة وعلوم الشريعة والفتوى. وبعد أن أتقن الفرنسية والعربية والتركية إتقاناً كاملاً أضاف إليهم اللغة الإنجليزية والتي علم نفسه إياها حتى أجادها .
بدايات عمله السياسي:
بدأ الإستعمار الفرنسي بمغادرة الملك فيصل البلاد في 29 تموز 1920م. وقد أرادت سلطة الإحتلال الفرنسي أن تقسم القطر السوري إلى دول عديدة، مستقلة عن بعضها البعض، بحسب طوائف ساكنيها، باثة بذلك الفرقة في صفوف السوريين وممهدة الطريق إلى انتداب طويل الأمد، فأقرت حكومات لست دويلات: لبنان الكبير، دويلة دمشق، دويلة حلب، دويلة العلويين، دويلة الدروز، وسنجق الإسكندرونة. وبدأ الفرنسيون يشيعون في كل دويلة أن سكان الدويلات الأخرى راغبون بالإستقلال بدويلتهم. وكادت حيلة السلطات هذه تؤدي إلى انقسام مؤبد لو لم يتنبه لها السيد فيضي الأتاسي، فأتى بفكرة انتخاب ممثلين خمسة عن كل دويلة من الثلاث: دمشق، وحلب، والعلويين، يمثلون الشعب، ويشرفون على اقتراع يحدد رغبات المواطنين. ولم تجد السلطات مفراً من الإذعان إلى هذا المطلب العادل والديمقراطي، فجرى الإنتخاب، وفاز عن دويلة حمص والد فيضي الأتاسي، العلامة طاهر الأتاسي، من ضمن الممثلين الخمسة، وقد استمر انعقاد هذا المجلس التمثيلي من كانون الأول عام 1922 وحتى كانون الثاني عام 1923م. وتبين أن خيار السوريين على اختلاف طوائفهم كان في اتجاه الوحدة، وبذلك أنقذت فكرة العلامة فيضي الأتاسي سوريا من قسمة محتمة .
بدأ فيضي الأتاسي عمله السياسي كمتصرف (محافظ) لمدينة حماة في منتصف العشرينيات من القرن الماضي وأثناء قيام الثورة السورية عام 1925 ، وقد كان آل الأتاسي، قد بدأوا يبوؤون المناصب السياسية منذ أواخر العهد العثماني بالإضافة إلى مناصبهم الدينية، ففي فترة غير بعيدة كان عمه، الرئيس الجليل هاشم بك الأتاسي، قائمقاماً في مدن عدة، ثم تولى رئاسة أول برلمان سورية (المؤتمر السوري) وعين رئيسا لرئاسة الوزارة في عهد الملك فيصل الهاشمي رحمه الله، وكان ابن عم والده، عمر بك الأتاسي، زعيماً لحمص ومتسلماً لها، بينما كان أبوه طاهر أفندي الأتاسي مفتيها.
ولما اندلعت ثورة حماة في أوائل عام 1928م رد الجيش الفرنسي المحتل بقصف المدينة بالمدافع والطائرات، فتقدمت سورية بالشكوى إلى عصبة الأمم في جنيف آنذاك، فما كان من المحتل الفرنسي المنتدب على سورية إلا أن كلف الأستاذ فيضي ليكتب تقريراً ممثلاً الطرف الفرنسي لرفعه لعصبة الأمم، ظناً منه، أي المحتل، أن متصرف حماة الأتاسي، والذي كان من أكثر أبناء البلاد ثقافة ومعرفة باللغة الفرنسية وتاريخها وآدابها، أميل إلى الجانب الفرنسي منه إلى جانب البلاد المنكوبة وأكثر تعاطفاً مع المحتل، فإذا بالتقرير يقرع بالسلطات ويفند مقالاتهم ويصف الغياهب التي ألمت بالمدينة والسكان من جراء القصف، على عكس مظنة السلطات الفرنسية، ولذا عُزل الأتاسي فوراً وصدر القرار بالقبض عليه، إلا أنه استطاع الهرب من حماة إلى حمص بمساعدة المرحوم الشريف نورس أفندي الكيلاني ، وتوارى بعد ذلك عن الأنظار لمدة غير قصيرة إلى أن عين رئيساً لديوان المجلس التأسيسي للكتلة الوطنية التي ترأسها عم المترجم، فخامة الرئيس هاشم بك الأتاسي، وذلك في عام 1928 .
يتبع