26-08-09, 09:18 PM
|
#1 (permalink)
|
][::.عضو متميز.::][
تاريخ التسجيل: Jul 2008
المشاركات: 404
| أعلام وشعراء بلد ودان بالقطر الليبي 1- الشاعر الشريف أحمد أحمد قنابة شاعرا من شعراء ليبيا الكبار، هو الشاعر أحمد أحمد قنابة (1898-1968م)، الذي ينتمي إلى أسرة من أصول عربية وإفريقية، متلمسين ما جاء في ديوانه من شعر العقيدة، وما اتسم به هذا الشعر من نزعة دينية واضحة، وما بان لنا من أصداء الدين الإسلامي في قصائده، قوامها التأثير القرآني على نصوصه الشعرية، لغة وتصويرا فنيا وأساليب بيانية، ومعاني إسلامية، أذاعها القرآن الكريم وغرسها الحديث الشريف في النفوس طوال أربعة عشر قرنا ولا يزالان. إن ما يستهدفه هذا البحث هو تلمس تأثير النص القرآني على هذا الشاعر، وبيان مواطن هذا التأثير في نصوصه الشعرية، ولكن قبل أن نفعل ذلك، نرى أن نعرف بالشاعر في إيجاز. أسرته: من أسرة عريقة في الحسب والنسب، ذات شرف رفيع وسمعة طيبة، ينتمي أصلها إلى آل بيت الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ويصعد نسبها إلى تلك الدوحة الطاهرة، فهي تنحدر من أصول عربية تمثلت في أشراف مدينة ودان الواقعة في الجنوب الليبي، وكانت تعيش في هذه المدينة التابعة لفزان، وخلال القرن التاسع عشر انتقل بعض أفرادها إلى مدينة مصراتة الواقعة على الساحل، شرقي مدينة طرابلس، وكونوا قبيلة عرفت باسم الأشراف، واشتهر فرع منها بعائلة الشريف قنابة، ثم انتقلت هذه العائلة من مدينة مصراتة إلى محلة النوفليين بمدينة طرابلس، غير أن أحد أفرادها وهو السيد حسين قنابة، جد الشاعر، لم يطل به المقام في مدينة طرابلس، فقد توجه إلى مدينة ودان، ومنها إلى إفريقيا الغربية، حيث اشتغل بالتجارة التي اتخذها حرفة له بمدينة زندر، إحدى مدن جمهورية النيجر، ونزل واستقر، فقد وجد من أميرها كل المساعدة والعناية، ولقي بالغ الترحيب والرعاية، إذ قربه إليه وأسبغ عليه من النعم والخيرات ما جعله في بحبوحة من العيش الرغيد، بخاصة حين علم بصلة نسبه بآل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم. كانت هذه المدينة وغيرها من المدن والأقاليم الإفريقية، قد انتشر في ربوعها الدين الإسلامي الحنيف بفضل التجار المسلمين الأوائل، ونشاطات الحركات الدينية والإصلاحية، وانتشار الطرق الصوفية التي امتد إشعاعها حتى أواسط إفريقيا. فلا غرو أن رأينا أمير مدينة زندر يكرم وفادة جد شاعرنا بحكم نسبه، ويبجل مكانته لكونه من الأشراف، بل ويزوجه بسيدة من إحدى الأسر، اختارها له لتحظى بشرف الاقتران به، ومن هذه السيدة أنجب ثلاثة أبناء هم محمد وأحمد وحسين، جميعهم ولدوا بزندر، ونشأوا وترعرعوا في أحضانها، وحين شبوا عن الطوق اشتغلوا بالتجارة حرفة والدهم. وبدأت العودة إلى أرض الأجداد، حين فكر في ذلك الابن الأكبر محمد الذي جاء إلى ليبيا واستقر في مدينة طرابلس، أما الابن الأوسط أحمد والد الشاعر، والابن الأصغر حسين، فقد ظلا مع والدهما يتعاطى جميعهم التجارة مع السودان، ولما أصبح الابن الأوسط قادرا على السفر والترحال، استقل عن والده وبدأ يشتغل بالتجارة في مدينة كنو الواقعة بالهوسا إحدى إمارات نيجيريا آنذاك، ولكن ذلك لم يدم طويلا، فما لبث أن انتهى به المطاف هو الآخر إلى العودة إلى ليبيا والاستقرار في مدينة طرابلس. مولده ونشأته: في عام 1898م كان ميلاد الشاعر الشريف أحمد أحمد قنابة بمدينة زندر، وبعد ميلاده بأشهر قليلة تعرضت هذه المدينة للغزو الفرنسي، فاضطرت أسرته للانتقال إلى مدينة كنو، وحين بلغ الرابعة أو الخامسة من عمره، قدم مع والده إلى ليبيا حيث استقر بمدينة طرابلس، فشاعرنا إذن ليبي الأصل، نيجري المولد. تعليمه: في مدينة طرابلس التحق شاعرنا بمكتب العرفان الذي يعتبر من المدارس الشهيرة في العهد التركي، ثم بالمكتب العسكري التركي (المدرسة الرشدية)، وكانت نيته متجهة لإتمام دراسته في تركيا، لكن ظروفا خاصة حالت دون ذلك. بعد الغزو الإيطالي لليبيا عام 1911م ، التحق بمدرسة روما الإيطالية حيث حصل على شهادة الصف الرابع باللغة الإيطالية، أبدى رغبة لوالده في مواصلة تعليمه في الأزهر الشريف، ولكن سفره عام 1924م إلى السودان ونيجيريا بقصد إنهاء شؤونه التجارية فيهما وعدم عودته من هذه السفرة مباشرة، وبقاءه هناك أكثر من سبع سنوات، بدد أمل شاعرنا في الالتحاق بجامع الأزهر بمصر. وجعله المسؤول الأول عن الأسرة وتلبية حاجاتها، منقطعا لشؤون تجارة والده في طرابلس. ثقافته: دفعته الرغبة في الدرس والعلم للاعتماد على مجهوده الشخصي، والسعي لتثقيف نفسه، وذلك بالاطلاع الدائم والقراءة المستمرة، وحضور حلقات الدروس العربية والدينية التي كانت تعقد في المساجد الكبرى والمدارس الدينية، كمدرسة عثمان باشا الساقزلي، ومدرسة أحمد باشا التي كانت الدراسة بهما تشبه إلى حد كبير الدراسة بالجامع الأزهر من حيث تعدد العلوم التي تدرس فيها، والطريقة التي يتم بها تدريس تلك العلوم. وفي هذه المساجد والمدارس تتلمذ على أكبر شيوخ مدينة طرابلس وعلمائها، دارسا على أيديهم علوم العربية من نحو وصرف وبلاغة وعروض، وعلوم الشريعة من تفسير وحديث وفقه، من هؤلاء الشيوخ عبد الرحمن البوصيري والشيخ الشاعر إبراهيم باكير، والشيخ أحمد العيساوي، والشيخ مصطفى الخازمي، والشيخ حسين العالم، والشيخ عثمان القاجيجي، وغيرهم من العلماء الأجلاء والأساتذة الأفاضل الذين عرفتهم الحياة العلمية والثقافية في النصف الأول من القرن العشرين، وإلى جانب هذا المنهل الديني الغزير، لم ينقطع شاعرنا عن مواصلة تحصيله الثقافي والأدبي في أوقات فراغه، بالاطلاع على أمهات الكتب في الأدب العربي، وقراءة دواوين فحول الشعراء القدامي والمحدثين، من أمثال البحتري والمتنبي وابن الرومي وابن زيدون وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم والزهاوي وعلي الجارم وغيرهم. نشاطاته: مع مطلع العقد الثالث من القرن الماضي، نجد اسم شاعرنا يأخذ الظهور في دنيا الصحافة، ونجمه يلمع في سماء الأدب والشعر، فقد بدأ ينشر قصائده في جريدة اللواء الطرابلسي، لسان حال حزب الإصلاح الوطني الذي تأسس في فترة الاستعمار الإيطالي، موقعة بأسماء مستعارة (صوت مؤمن، مسلم صادق، وطني، وطني غيور) وغيرها، كما شارك في تحريرها بالعديد من المقالات. اشتغل مدرسا في المدرسة التي أسسها حزب الإصلاح الوطني، وحين بادرت الحكومة الإيطالية إلى قفل هذه المدرسة التي كانت تغرس في النشء معاني الوطنية، انتقل إلى التدريس بمدرسة مكتب العرفان الأهلية. وفي سنة 1926م استولت السلطات الإيطالية الفاشية على هذه المدرسة وحولتها إلى مدرسة حكومية ذات مناهج باللغة الإيطالية، فما كان من شاعرنا إلا أن توقف عن التدريس فيها، ولما منعت الحكومة الإيطالية جريدة اللواء الطرابلسي من الصدور، اقتصر نشاطه على متابعة أعمال والده في التجارة، وإنه استمر في الكتابة وقرض الشعر من حين لآخر، ونشر شئ منه في بعض الصحف، مثل جريدة الرقيب العتيد، والعدل، وكان أغلبها بتوقيع الشاب الطرابلسي. في عام 1936م شارك الشاعر صديقه الأستاذ مصطفى العجيلي في تكوين فرقة للتمثيل من الشباب الهواة، جميعهم من طلبة مدرسة الفنون والصنائع الإسلامية، محاولا إرساء الدعائم الأولى للفن المسرحي في مدينة طرابلس، ولم يقتصر على المشاركة في التأسيس، بل قام بإعداد المسرحيات وتأليف التمثيليات، مع الإشراف على الإخراج والمساهمة في إدارة الفرقة. في أواخر عام 1938م وقع عليه الاختيار ليكون مذيعا بإذاعة طرابلس المحلية التي أنشأتها الحكومة الإيطالية، وتولى مع السيد أحمد الحصائري الأعمال الإذاعية في محطتها، ظل شاعرنا يعمل بهذه الإذاعة طوال أربع سنوات، قام خلالها بإعداد برامج ركن الأطفال والإشراف عليه والكتابة له حتى أوائل عام 1943م. بعد الحرب العالمية الثانية أسهم الشاعر في إعادة تأسيس النادي الأدبي في مدينة طرابلس، والمشاركة في نشاطاته المختلفة، وقد تولى في أواخر عام 1945م رئاسة هذا النادي، وأشرف على نشاطه الثقافي والمسرحي، كما أسهم في تأسيس نادي العمل الثقافي الرياضي، وأسند إليه الإشراف على مناشطه الثقافية والمسرحية. مع بدايات عام 1943م تولت الإدارة العسكرية البريطانية شؤون البلاد، فالتحق شاعرنا بمكتب الاستعلامات التابع لهذه الإدارة في وظيفة محرر صحفي، وصار أحد محرري جريدة طرابلس الغرب، التي أعيد صدورها بعد توقفها خلال العهد الإيطالي، وقد ظل يعمل في هذه الوظيفة عدة سنوات، ونتيجة للظروف السياسية التي مرت بها ليبيا في أواخرالأربعينيات، استقال من عمله بمكتب الاستعلامات، وبقي بعيدا عن الوظائف الرسمية حتى أواخر عام 1954م، حين عين مديرا لمكتب الأوقاف، واستمر يعمل بها إلى أن وافته المنية في 16 يناير 1968م ، عن سن يناهز السبعين عاما. شعره: في الصفحات السابقة عرضنا سيرة الشاعر أحمد قنابة، وقلنا إنه ينحدر من أصول عربية وإفريقية، وإنه ولد في زنـدر بالنيجر عام 1898م ، وتوفي في طرابلس ـ ليبيا عام 1968م ، وبين سنة الميلاد وسنة الوفاة اتصلت حياته بثلاثة عهود، هي: العهد العثماني الثاني الذي انتهى عام 1912م، وعهد الاستعمار الإيطالي والبريطاني الذي امتد حتى عام 1951، فعهد الاستقلال الوطني الذي توج بقيام ثورة الفاتح من سبتمبر عام 1969م. في العهدين الأخيرين كان شاعرنا ينظم شعره وينشره، وقد حرصت الصحف الصادرة آنذاك على إعطاء قصائده مكانا بارزا في صفحاتها، ونستطيع أن نقول إن شعره يتميز باتجاهين، هما: الاتجاه السياسي: ويتمثل في مجموعة من قصائده الوطنية، التي جاءت صادقة في مضامينها ومعانيها، لا افتعال في عواطفها، واضحة غير خادعة في مواقفها السياسية، تجلت فيها المرامي الوطنية النبيلة، وحرصت على إذكاء الروح الوطنية عند المجاهدين والمناضلين ضد الغزو الإيطالي، وحث بني شعبه على الكفاح وبذل النفوس والأرواح، واسترخاص كل غال وثمين من أجل كرامة الوطن وحريته، كما تمثل هذا الاتجاه في مجموعة أخرى من قصائده القومية التي تستثير العروبة وأمجاد العرب والنخوة العربية، معبرة عن مشاعره وأحاسيسه الجياشة الثائرة نحو الأمة العربية، كقضية فلسطين والجزائر، حين كانت الأخيرة تخوض معركة التحرير ضد فرنسا، والكثير من القصائد في ذكرى الثورة الجزائرية، وكان حريصا كل الحرص على المشاركة بها في الاحتفالات التي كانت تقام كل عام بمدينة طرابلس. الاتجاه الديني: وهو الذي يعنينا في هذا البحث، ويبدو في مجموعة مراثيه التي أبانت الكثير عن أصداء نزعة دينية ورؤية صوفية عند شاعرنا أحمد قنابة، فهو في هذه المراثي لا يعبر فقط عن مشاعره الذاتية نحو فقد عزيز لديه، أو اتجاه من كانت له مكانته في المجتمع وله أثره الكبير في الناس، وإنما كان يربط بين التعبير عن حزنه على من فقد، وبين الإفصاح عن نزعته الدينية والصوفية في الحياة والعالم. لقد وظف مراثيه توظيفا دينيا واضحا، حيث كشفت عن عقيدة راسخة وإيمان صادق لديه، وأبانت عن شاعر زاهد متصوف، في عصر صعب فيه الزهد والتصوف، وحذا حذو الشعراء الأقدمين كأبي العتاهية والبرعي ومحمود بن الوراق وغيرهم، وإن لم يفرد لهذا النوع من الشعر قصائد برمتها، كما فعل غيره من الشعراء الزهاد، وإنما جاء ذلك في تضاعيف مراثيه التي ترسم لنا صورة الشاعر العابد الناسك الزاهد. فالناظر في شعره من حيث الجانب الديني، سيجد أفكار الزهد وسماته الموضوعية واضحة كل الوضوح، وسيقف على حقائق لا تقبل الشك عند المسلمين يعتقدون فيها اعتقادا جازما لا مراء فيه، تماما كغيره من مفكري الإسلام دون اعتراض أو اجتهاد، كما يقف على مسائل دينية شغلت الفقهاء والمفسرين وعلماء الكلام زمنا طويلا، وكانت مثار بحثهم وموضوع جدالهم ونقاشهم، مسائل أصبحت من صميم موضوعات الشعر الديني، كمسألة القضاء والقدر والثواب والعقاب...، فهذه المسائل وغيرها هي التي تناولها شاعرنا أحمد قنابة في شعره الديني وتطرق إليها في مراثيه الطويلة. استمع إليه في هذه الأبيات من قصيدة يرثي فيها (فيصل عاهل العرب) بقوله : آمنت بالله الـدوام لــذي البقـــاء والخلق من عدم إلى إعــدام هـذا قضــاء الله هــذا حكمــه في الكون هذا أصوب الأحكام ما الأمر للإنسان إن حـم القضــايوما وفي يمناه كأس حمــام كم فوق هذي الأرض من ملك قضى مستسلمـا أنفـاسه للســام(8) ومسألة القضاء والقدر من المسائل الدينية التي ظلت قرونا طويلة، كما سبق القول، مثار جدل ونقاش بين الفقهاء والمتكلمين، وللمتصوفين رأي فيها، وهو أن كل ما يحكم به القضاء على الأشياء إنما يحكم به بوساطة الأشياء نفسها، لا بوساطة قوة خارجة عن طبيعتها، فالإنسان المسلم يؤمن بقضاء الله وقدره فيما يبتلى به ويفعله، يقول شاعرنا : ونعتقد القضاء إذا ابتليـنا وخير الناس معتقد القضاء ونحفظ حرمة الإنسان فينا ونرعى حقه بعد الفنــاء(9) ويقول في قصيدة أخرى : فصبرا على حلو القضاء ومــره وصبرا على ماض أساه أليم وما أحسن الصبر الجميل مع التقى وفي طيه خير يجئ عميـم(10) ويقف شاعرنا في إجلال كبير أمام موت الإنسان وفناء الأشياء والمخلوقات، مرددا تلك المعاني التي ترغب الناس عن التعلق بمتاع الدنيا الزائل، وتنصحهم بأن يضعوا نصب أعينهم الموت وتبعات الحياة المتعددة، في الأبيات التالية يصوغ هذه المعاني ممزوجة برائحة الزهد وعطر الصوفية : الله أكبر كل شــئ هالــك سبحان ربك أحكـم الأحكــام سبحان قيوم السماوات العلـىمن ميز الإنســان بالأحــلام جل المهيمن لا مرد لحكمــه فيما قضى من صحة وسقــام إنا لنعلم والخلائــق كلهــا ما هذه الدنـا بــدار مقــام والموت مهيع كل موجود ترى في الأرض والأفلاك والأجرام ويستحسن شاعرنا نغمة الزهد التي ترفض المتاع الدنيوي، وتحذر من تشبث الإنسان بالحياة والانغماس في ملذاتها وتدعوه إلى الانصراف عن كل نعيم زائل، يقول في إحدى قصائده : أي عقل لا يحـــار والفنـا كـأس يــدار كل حي منه يحســو ما بـه قـر القــرار لا كبير القوم ينجــو منه لا القوم الصغـار كل مخلوق علـى الأرض إلى الحتف مصار ليس للمرء تجاه الــ موت فكر واختيــار قل لمن رام خلــودا ما إلى الخلد انتظـار لا يغرنــك دهــر إن بدا منـه افتـرار موقف فيه جلال الـ موت وعظ واعتبـار(11) تكرر مثل هذه المعاني في شعر أحمد قنابة، التي تؤكد أن العمر رحلة قصيرة وإن طال، وأن الدنيا دار فناء وإن أجزلت في العطاء، لذلك ينبغي أن تكون هذه الدنيا، في نظر شاعرنا، دار زاد نتزود به لدار المعاد، يقول: فخذ من جلال الموت وعظا وعبـرة بها فاتعظ أولا فأنت قصيـم فقد مات خير الخلق قدرا ورفعــة ومات خليل قبلـه وكليــم ومات الألى ماتوا وفي الموت عبرة وكل امرئ لم يعتبر فملـوم(12) فما دامت الدنيا لمن كــان قبلنــا ومن بعدنا الدنيا لمن ستدوم؟ يستمر شاعرنا في صياغة تأملاته الصوفية وأفكاره الدينية التي أودعها بعض شعره وأسكنها أبيات قصائده، يقول : هكذا الكون ينقضي ويمر الـ وقت بالناس بكرة وعشيا ما حياة المخلوق إلا سـراب ظل يعزي رواؤه وقتيـا عِبَرٌ كلها الحيـاة وحــرب فاز من جازها وكان تقيا(13) تجربة عميقة ونظرة بعيدة، ووقفة طويلة أمام الحياة، هذا السر المجهول واللغز المحير والطلسم الغامض المبهم، وأمام الموت ومصير الإنسان إلى الفناء والهلاك وإن طال عمره، يقول مسجلا تجربته ونظراته التأملية : وما الدنيـا بخالـدة ولكــن نفوس طامحات فـي البقــاء فأهل العلم تأبـى عيــش ذل وأهل الجهل في حجب العماء ومن يسبر صروف الدهر يعلم بخبرته المصير إلى الفنــاء(14) فإذا تابعنا خطواتنا مع مثل هذه المعاني الدينية والتأملات الفلسفية التي تزخر بها قصائد شاعرنا أحمد قنابة، فسنجد أنفسنا أمام الكثير منها، بل إن بعضها يذكرنا بشعر ابن الفارض، ويحسسنا بمعانيه الصوفية، يقول أحمد قنابة: فلا تحسبن الموت إيقاظ نائـم تقول له قـم وانتبـه فيقــوم فيقظتنا موت وفي الموت يقظة وفوق الذي نال العلـوم عليـم أجل فوق أرض الله عين مفكر تجد أن ما تحت السماء رسوم(15) وقد سبق أن ذكرنا أن شاعرنا كان يختلف إلى حلقات الدروس الدينية ومجالس العلماء والوعاظ الذين ما فتئوا يذكرون الناس بوحدانية الله وباليوم الآخر، وما ينتظر الصالحين من نعيم مقيم، والعاصين من سوء المصير والخلود في الجحيم، وفي هذا المعنى يقول أحمد قنابة: هل الموت إلا أن نقيم بعالــم محلان فيه جنـة وجحيــم جحيم لمن عصى الإله بكفـره جزاء وفاقا والعذاب أليــم وهل من جزاء للذي مات مؤمنا على الله إلا جنـة ونعيــم وقد جاء في الآثار أعمار أمتي وما قال محي الدين فيه قويم(16) إن ما نلحظه من أصداء الدين الإسلامي ومعانيه في شعر أحمد قنابة، تردد لفظة (الحق)، بصورة تلفت النظر وتسترعي الانتباه، وامتزاج معانيها عنده بين مفهومها الديني والصوفي وبين اصطلاحها الشعري كقيمة من القيم العليا وهي الخير والحق والجمال، وحول هذه الظاهرة يقول الأستاذ محمد الصادق عفيفي: والشاعر شغوف بالحق والحقيقة، وتظهر هذه الصفة بوضوح في شعره الذي يعد صورة من نفسه(17)، ولنستمع إلى شاعرنا في بعض الأبيات من قصائد مختلفة، مرددا كلمة (الحق)، يقول : ومن يعتصم بالحق في كل أمره يصادف نجاحا في مساعيه ساميا(18) ويقول : فاختر طريق الحق خير طريقة والزم أخا التقوى فإنك كامل واعلم بأن الحق أعظـم ناصـرومعانق العلياء لا يتكاســل ونجاتنا في الصدق إذ نتكلــم وهلاكنا في المين حين نعامل(19) ويقول في قصيدة أخرى : فلا وأبيك لا نرضى حياة يكدر صفوها أهل الضلال وحبل الحق مشدود بعزم وحبل الظالمين إلى انحلال (20) ويقول : وصوب له سهما من الحق صائبا فليس بنفـاع إذا كـان نائيــا فخير الورى من كان للحق صابيا وشر الورى من كان للحق قاليا(21) وأختتم رحلتي في بيان أصداء الدين في شعر أحمد قنابة بالإشارة إلى موقفه الواضح من سفور المرأة والاختلاط بين الجنسين، أملته عليه غيرته الإسلامية وتكوينه ونشأته الدينية، يقول في إحدى قصائده : عجبا نؤخر من ألم بعصــره ونقدم الحدث الذي جهـل الأنــام عجبا نحض على السفور فتاتنا ونقر مهزلـة الفتـاة مع الغــلام عجبا ندوس تراثنا وشعورنـا ونظل نسأل ما الحلال وما الحرام؟(22) فشاعر يتعجب في الأبيات السابقة من المتناقضات الغريبة لهذا الزمن الذي دفع بالعالم المدرك لأمور عصره، والمزود بالتجارب والخبرات إلى المؤخرة ومنطقة الظل، وقدم عليه الذي لا يملك أية خبرة أو تجربة، كما يتعجب لتركنا مبادئنا وقيمنا وتعاليم ديننا الإسلامي، ثم نقتل الوقت في الجدل والنقاش وطرح الأسئلة فيما هو حلال وحرام. من الواضح بعد رحلة مع جانب من شعر أحمد قنابة، تلك المعاني الدينية التي ترددت في الكثير من قصائده، بخاصة مراثيه، أساسها تعاليم الدين الإسلامي التي تحث على سلوك السبيل المستقيم، والتحلي بالفضائل والأخلاق الحميدة التي تؤدي إلى نعيم الآخرة والتشبث بالحق والالتزام به، والإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، والاتعاظ بالموت، والدعوة إلى حياة الزهد الخالصة، من تبتل وعبادة وتقشف ومناجاة روحية وعزوف عن الاستمتاع بملذات الدنيا، وانصراف عن كل نعيم زائل، لما عند الله من نعيم سرمدي لا يزول، فالعمر رحلة قصيرة وإن طال، والدنيا دار فناء وإن أجزلت في العطاء. لقد تركت تلك الدروس والمواعظ الدينية التي كان يلقيها في مساجد طرابلس العلماء الأجلاء وشيوخ الفقه وأهل الورع آثارها في مسمع شاعرنا أحمد قنابة، وتركت بصماتها في شعره، وخلفت معانيها في ثنايا قصائده، كما تركت قراءاته للقرآن الكريم وعلوم الشريعة والدين آثارها من حيث التعبيرات والألفاظ والجمل في أسلوبه، ولا يخطئ القارئ في الوقوف على استخداماته للكثير منها في شعره، لتدلنا دلالة أكيدة على تأثره بتعابير الأدب الصوفي، وأسلوب النص القرآني على وجه الخصوص ومعانيه وألفاظه وصوره. لذلك كله جاء شعره الديني متسما بالترفع عن سفاسف الحياة والتعفف عن ملذات الدنيا وشهواتها الزائلة، مبرزا موضوعاته وهي محاطة بهالة وضاءة من التبجيل والتقديس، موضحا المعاني الدينية والأفكار الصوفية في إطار مشرق وهيئة متقنة كأجمل ما يكون الاتقان في صور فنية وقوالب جمالية تتجلى فيها دقة الوصف وجودة التصوير للنفس المؤمنة الصادقة في إيمانها، ورهافة الحس ولطافة المشاعر ورقة الذوق الذي هذبته معاني الشعر الديني وأفكاره، وصقلته روح الدين وتعاليمه السمحة. وفوق هذا وذاك تتجلى في شعره تجارب روحية عميقة، وما يضطرب في نفسية صاحبه من حب ووجد للنور الإلهي الأزلي، ومن تعظيم للذات العلية، وبذلك جاءت أصداء الدين واضحة قوية متمثلة في خليط من العواطف الجياشة والمعاني السامية والتعابير الرقيقة التي أكسبها التحام المزاجين الشعري والديني عند شاعرنا أحمد قنابة شفافية غير متناهية. والله من وراء القصد. المصادر والمراجع 1. أحمد أحمد قنابة، دراسة وديوان، جمع وتحقيق الصيد محمد أبو ديب، بيروت، دار الكتاب اللبناني، 1968م. 2. الملامح العامة لنظرية الأدب الإسلامي، د. الطاهر محمد علي، السودان، دار جامعة أم درمان الإسلامية للطباعة النشر، 1984م. 3. دراسات في النقد الأدبي المعاصر، د. محمد زكي العشماوي، بيروت، دار النهضة العربية، 1986م. 4. قضايا النقد الأدبي بين القديم والحديث، د. محمد زكي العشماوي، بيروت، دار النهضة العربية، 1979م. 5. مشكلة الفن، د. زكريا إبراهيم، مكتبة مصر، د.ت. 6. الشعر والشعراء في ليبيا، محمد الصادق عفيفي،القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1957م. *الدوريات: 1. مجلة الفصول الأربعة، رابطة الأدباء والكتاب بالجماهيرية، العدد 60، السنة الثانية عشرة، مايو 1992م، ص 64-50. (*) جامعة الفاتح، طرابلس ـ الجماهيرية العظمى. (1) الملامح العامة لنظرية الأدب الإسلامي، الطاهر محمد علي، ص 5. (2) نفسه، ص 6. (3) دراسات في النقد المعاصر، د. محمد زكي العشماوي، ص 169. (4) قضايا النقد الأدبي بين القديم والحديث، د. محمد زكي العشماوي، ص 5. (5) مشكلة الفن، زكريا إبراهيم، ص 119. (6) الملامح العامة لنظرية الأدب الإسلامي، مرجع سابق، ص 6. (7) أنظر ديوان أحمد قنابة، دراسة وتحقيق الصيد أبو ديب، ص 29-19. (8) ديوان أحمد قنابة، ص 155. (9) الديوان ، ص 106. (10) المصدر نفسه، ص 151. (11) الديوان، ص 151. (12) المصدر نفسه، ص 141. (13) المصدر نفسه، ص 161. (14) المصدر نفسه، ص 100. (15) المصدر نفسه، ص 141. (16) المصدر نفسه، ص 145. (17) الشعر والشعراء في ليبيا، محمد الصادث عفيفي، ص 187. (18) الديوان، ص 107. (19) المصدر نفسه، ص 108. (20) المصدر نفسه، ص 104. (21) المصدر نفسه، ص 106. (22) المصدر نفسه، ص 47. ( منقول بدون تصرف ) | |
| |