النسب الشريف ليس لقى مهملا لا ذائد عنه أو حامي له، أو كلأ في صحراء مقفرة يستطيع كل دعي أن ينتحله، وكل دخيل أن يدعيه، بل هو حمى يجب على كل مسلم أن يذود عنه، لا سيما الباحثين، وقد وضع العلماء قديما أسسا راسخة لعلم النسب وبينوا معالمه وقعدوا قواعده واصلوا أصوله، حتى صار كعلم الحديث الذي يستهدف تنقية كلام الرسول صلى الله عليه وسلم – من الكلام الدخيل، حتى لا تختلط الأنساب ويكثر الأدعياء، وإسهاما مني في خدمة النسب الشريف الذي صار كثير من الأدعياء ينتحله استخفافا به غير مبالين بالوعيد الشديد الوارد في تحريم ذلك.
وسأحرص في هذه النافذة على بيان عدم صحة مقولة " الناس مصدقون في أنسابهم" ناقلا لأقوال العلماء خاصة من ألفوا في أنساب الأشراف من الكتب المخطوطة التي بحوزتي
وأنقل هنا من كتاب " الدرر البهية والجواهر النبوية " لأبي العلاء مولاي إدريس وهو مخطوط في دار الكتب المصرية
قال الإمام القاضي أبو عبدج الله بن السكاك في كتابه " نصح الملوك " الواجب على صرحاء النسب إفراط البحث مخافة أن يدخل في نسبهم من ليس منهم هذا أمر يجب عليهم ويتعين ومثله للإمام القصار، وأصله للإمام الغزالي ولقد أطال في هذا المعنى ابن حجر الهيثمي.
وقال أبو الربيع العلمي في " السر الظاهر"
" من الواجب على من قلده الله أمر الدين ونور سريرته بأنوار سيد المرسلين صيانة هذا الشرف الذي هو أغلى من درة الصدف من المنتسبين المختلسين، وحماية حماه من المنتحلين المدلسين، وهذا يتأكد في حق أهله الذين أحرزوا في مجال الصراحة قصب سبقه "
وقال ابن السكاك
" وظيفة الشرفاء السؤال والبحث والغيرة على هذا النسب الكريم أن يتجرأ عليه من ليس من أهله"
وقال الإمام أبو العباس السوسي البوسعيدي في كتابه " وصلة الزلفى "
" ينبغي أن يكون لأهل البيت النبوي بل ولجميع الأمة غيرة على هذا النسب الشريف وضبطه، حتى لا ينتسب إليه صلى الله عليه وسلم أحد إلا بحق كما جرى عليه السلف الكرام رضي الله عنهم"
وقال العلامة أبو علي الحسن بن علي في جواب له
" قد كثر المدعون في زماننا هذالهذا النسب الكريم جرأة على سيد الوجود صلى الله عليه وسلم وجهلا بالوعيد الوارد لمن انتسب إلى غير أبيه، وانضم إلى ذلك تساهل العوام في شهادتها ومسامحة الخاصة في الانكار على من انتسب لهذا النسب الشريف ظنا منهم أن ذلك أسلم لهم وهيهيات فأين السلامة وقد أسلموا الذخيرة الحسنى الذي هو النسب النبوي الذي إليه المفزع معاشا ومعادا، ومنه استمداد العالم ظاهرا وباطنا، وتركوه في أيدي العوام يبيعونه بثمن بخس فما رامه منتحل إلا وجده على طرق التمام، وقد علموا أنه من محض حق الله الذي تجب المبادرة إليه بالإمكان، فكان حقا عليهم أن يعتنوا بحفظ نور نبيهم، وضبط أولاد سيدهم إذ هو نفيس ذخائرهم فيقرر نزره وتستمطر بركته وسره، ويستسقى به الغمام ، وتستشفى به العاهات والأسقام"
ثم اقترح أن " يستعان على ذلك بأن يأمر الإمام رجلا من الأفاضل يجمع خاصة البلد عند قاضيه ويوقعون شهادتهم بين يديه على أفراد شرفاء ذلك البلد بحسب ما هو محقق عندهم من مجمع عليه مع كونه متواترا أو حادثا فتدون تلك الجواهر المجمع عليها مع بيان المتواتر منها والحادث لتبتني الأحكام الشرعية على ذلك"
ثم بين سبب ادعاء النسب فقال
" وذلك ان دخول هذه الطوائف الدعية في هذه النسبة النبوية إنما هو فرار من أداء الوظائف الإمامية، فيسلكون بحيلهم تلك المسالك ويرتكبون من جهلهم تلك المهالك فلا يزعهم عن هواهم من أنفسهم وازع ولا يدفعهم عنها مدافع ولا يردعهم رادع وتا الله لقد ضلوا وأضلوا وفي مهاوي الخسران زلوا وأزلوا ألم يعلموا أنهم ارتكبوا في ذلك أمرا عظيما وخطبا جسيما لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون فإنا لله وإنا إليه راجعون "إلى أن يقول
قال الشهاب الخفاجي
" وهذا يدل على عظيم هذا- ادعاء النسب الشريف- وأنه يشدد فيه ثم قال:
" وقد كثر هذا في زماننا وتساهل الناس ودخلوا في هذا النسب الشريف، وادعاه كثير من الأشرار ولا يعزب عن كل ذي لب أن من تجاسر على هذا النسب الكريم فقد تعرض لهذا الخطر العظيم"
قال القاضي أبو عبد الله بن السكاك
" وعندي أن هذه معصية تفوق سائر المعاصي لأن الجرأة فيها على حرمة عظيمة لا أعظم حرمة منها فيتعين على الشاك أن يقول في نفسه إن كنت من آل البيت في نفس الأمر فيا بشراك ولا يضرك عدم إشاعة ذلك في دار الفناء بل اكتف في ذلك بعلم الله وعلم حبيبه فالحزم ترك الإشاعة لله .... وإن لم تكن فكيف تكون فضيحتك على رؤوس الأشهاد وما عسى أن يحصل لك بإشاعة ذلك في هذه الدار عند قوم لا يغنون عنك شيئا بل واحد مصدق ، وألف مكذب مستهزئ حتى يكون خملاء الناس أفضل منك حالا ، ويعاملك الناس بنقيض المقصود إذ مقصودك العز والتعظيم فيَهينون ويذلون، وهذا عذاب عاجل وخطر آجل ثم قال المؤلف
" وإني لاستغرب ممن يعرف حقيقة نفسه وجرثومة أصله ثم يتجاسر على الله ورسوله فكيف لا يشفق على نفسه ويصونها من عذاب النار وغضب الجبار وعداوة النبي المختار وليت شعري ما يقول يوم العرض وما تكون حجته إذا مدت الأرض وسعرت النيران وفر عنه الأنصار والأعوان وزالت الأنانية واختطفته الزبانية وأسلمه الحميم للجحيم"
" فينبغي لمن لا له في هذا الجناب الكريم انتساب ولا لأقصاه ولا لأدناه انتساب ولا للتعلق به سبب من الأسباب أن يصون نفسه بسور التقوى ولا يجعل عرضه غرضا لسهام هذا البلوى ويخشى من يعلم السر والنجوى ولا يغتر بما شاع في الأالسن من أن "الناس مصدقون في أنسابهم" ولم يعلم أن الإمام مالك شرط فيه الحوز والمعرفة به، أما إن كان غير حائز لما يدعيه من دعوى الشرف أو معروفا عند الناس بغيره من الأنساب فهو مصدق فيما هو حائز له، ومعروف به عند الناس"
ثم قال قال أبو عبد الله محمد العربي بردلة في جواب له
" لا أعلم أحدا قال يصدق في ما يدعيه بمجرد قوله مع كونه هو معروفا عند الناس بخلافه، لا سيما إن كان يحاول دعوى الشرف ، ومعنى أن الناس مصدقون في أنسابهم التي يجوزونها ويعرفون بها بين الناس، لا ينازعون فيها بمجرد الدعوى ولا يطالبون بإقامة البينة عليها إذ يكفيهم حوز ذلك ومعرفتهم عند الناس به من غير إنكار له عليهم لا أن ما يدعونه من الانتساب يصدقون فيه وإن كانوا معروفين بين الناس بغيره، وعلة منعه أداؤه إلى اختلاط الأنساب واضطرابها؛ لأن ما يثبت بمجرد الدعوى لا ضابط له فيعسر أو يتعذر تمييز المطلوب في الأنساب "
ثم بين كيف قسم أحد الأمراء الذين اعتنوا بخدمة آل البيت والذب عن هذا النسب الأشراف إلى طبقات بعضها فوق بعض
*المشاهير التواتر شرفهم الواضح وضوح البدر المنير .
* أهل الرسوم الشرعية الواضحة الوضوح الكبير
* أهل الرسوم المجردة عن التصحيح الكثير
* أهل الظهائر التي ربما قواها في الظاهر " ظهير "
* أهل الدعاوى المجرة المتعرضة لسهام النكير
* أهل الدعاوى الكاذبة التي ليست بموجبة ولا سالبة
محمد المهدي ولد محمد البشير
باحث موريتاني
mohamedelmehdi@maktoob.com