« الرؤيا الصالحة من الله ، والحلم من الشيطان »
عن أبي قتادة رضي الله عنه قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
« الرؤيا الصالحة من الله ، والحلم من الشيطان ،
فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب .
وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها
ومن شر الشيطان ،
وليتفل ثلاثا ، ولا يحدث بها أحدا ،
فإنها لن تضره »
متفق عليه .
أخبر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث :
أن الرؤيا الصالحة من الله ،
أي : السالمة من تخليط الشيطان وتشويشه ،
وذلك لأن الإنسان إذا نام خرجت روحه ،
وحصل لها بعض التجرد الذي تتهيأ به لكثير
من العلوم والمعارف .
وتلطفت مع ما يلهمها الله ، ويلقيه إليها الملك في منامها .
فتتنبه وقد تجلت لها أمور كانت قبل ذلك مجهولة ،
أو ذكرت أمورا قد غفلت عنها ،
أو تنبهت لأحوال ينفعها معرفتها ، أو العمل بها ،
أو حذرت مضارا دينية أو دنيوية لم تكن لها على بال ،
أو اتعظت ورغبت ورهبت عن أعمال قد تلبست بها ،
أو هي بصدد ذلك ،
أو تنبهت لبعض الأعيان الجزئية لإدخالها
في الأحكام الشرعية .
فكل هذه الأمور علامة على الرؤيا الصالحة ،
التي هي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة .
وما كان من النبوة فهو لا يكذب .
فانظر إلى رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم
في قوله تعالى :
{ إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَئكهم كَثِيرًا
لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَزعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ }
[ الأنفال : 43 ] .
كم حصل بها من منافع واندفع من مضار .
وكذلك قوله تعالى :
{ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّءيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ
الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ءآمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ
لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا
قَرِيبًا }
[ الفتح : 27 ]
كم حصل بها من زيادة إيمان ، وتم بها من كمال إيقان ،
وكانت من آيات الله العظيمة .
وانظر إلى رؤيا ملك مصر ،
وتأويل يوسف الصديق لها ،
وكما تولى التأويل فقد ولاه الله ما احتوت عليه من التدبير
فحصل بذلك خيرات كثيرة ،
ونعم غزيرة ، واندفع بها ضرورات وحاجات ،
ورفع الله بها يوسف فوق العباد درجات .
وتأمل رؤيا عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب
- رضي الله عنهما -
الأذان والإقامة ،
وكيف صارت سببا لشرع هذه الشعيرة العظيمة
التي هي من أعظم الشعائر الدينية .
ومرائي الأنبياء والأولياء والصالحين
- بل وعموم المؤمنين وغيرهم -
معروفة مشهورة ،
لا يحصى ما اشتملت عليه من المنافع المهمة ،
والثمرات الطيبة .
وهي من جملة نعم الله على عباده ،
ومن بشارات المؤمنين ، وتنبيهات الغافلين ،
وتذكيره للمعرضين ،
وإقامة الحجة على المعاندين .
وأما الحلم الذي هو أضغاث أحلام ،
فإنما هو من تخليط الشيطان على روح الإنسان ،
وتشويشه عليها وإفزاعها ،
وجلب الأمور التي تكسبها الهم والغم ،
أو توجب لها الفرح والمرح والبطر ،
أو تزعجها للشر والفساد والحرص الضار .
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك أن يأخذ العبد
في الأسباب التي تدفع شره ،
بأن لا يحدث بها أحدا ،
فإن ذلك سبب لبطلانه واضمحلاله ،
وأن يتفل عن شماله ثلاث مرات .
وأن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ،
الذي هو سبب هذا الحلم والدافع له ،
وليطمئن قلبه عند ذلك أنه لا يضره ،
مصداقا لقول رسوله ،
وثقة بنجاح الأسباب الدافعة له .
وأما الرؤيا الصالحة ،
فينبغي أن يحمد الله عليها ، ويسأله تحقيقها ،
ويحدث بها من يحب ويعلم منه المودة ،
ليسر لسروره ، ويدعو له في ذلك .
ولا يحدث بها من لا يحب ،
لئلا يشوش عليه بتأويل يوافق هواه ،
أو يسعى - حسدا منه - في إزالة النعمة عنه .
ولهذا لما رأى يوسف الشمس والقمر والكواكب
الأحد عشر ساجدين له ،
وحدث بها أباه قال له :
{قال يبُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُءيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا
إِنَّ الشَّيْطَن لِلْإِنْسَن عَدُوٌّ مُبِينٌ }
[ يوسف : 5 ] .
ولهذا كان كتم النعم عن الأعداء - مع الإمكان - أولى ،
إلا إذا كان في ذلك مصلحة راجحة .
واعلم أن الرؤيا الصادقة تارة يراها العبد على صورتها
الخارجية ،
كما في رؤيا الأذان وغيرها ،
وتارة يضرب له فيها أمثال محسوسة ،
ليعتبر بها الأمور المعقولة ،
أو المحسوسة التي تشبهها ،
كرؤيا ملك مصر ونحوها ،
وهي تختلف باختلاف الرائي والوقت والعادة ،
وتنوع الأحوال .