ولد الأستاذ علي الأهدل في تهامة (دير أبكر، مديرية القناوص، محافظة الحديدة في 10/6/1354هـ، الموافق 8 سبتمبر 1935م. وتعلم القرآن الكريم على يد والده، الذي كانت صامطة (جنوب جيزان) إحدى محطات إقاماته، ثم انتقل معه إلى جدة عام 1374هـ (1954م) حيث أقام معه هناك سنتين ثم رجع إلى صامطة والتحق بمعهدها عام 1377 هـ(1957م) وتخرج منه عام 1381 هـ (1961م) بعدها التحق بكلية الشريعة في (مدينة الرياض) عام 1382هـ(1962م) طالبا منتظماً وأمضى بها سنة قبل أن يحول إلى طالب منتسب نظراً للحاجة الماسة إلى مدرسين آنذاك حيث عين مدرساً في معهد المجمعة (شمال مدينة الرياض) عام 1383هـ (1963) ثم عاد إلى (صامطة) مدرساً بمعهدها وحصل على الشهادة الجامعية انتساباً عام 1385هـ (1966م) وظل منذ ذلك التاريخ يدرس في معهد صامطة حتى عام 1395هـ (1975م) عندما نقل إلى (معهد نجران) مدرساً من عام 1396هـ (1976م)إلى عام 1411هـ (1990م) ثم انتقل إلى معهد قنا(شمال جيزان) وبقي فيه مدرساً حتى أحيل إلى التقاعد سنة 1418هـ (1997م) بعد أربع وثلاثين سنة قضاها معلماً ومتنقلاً في تلك الأرجاء التي ذكرناها( ).
ولم تخلُ السنوات الاثنا عشرة الأخيرة من حياته بعد التقاعد من نشاط ثقافي وعلمي ظل يمارسه رغم إيغاله في السن ومعاناته من النكسات الصحية المتوالية... فقد بقيت مجالسه ضوءاً ينير عقول مجالسيه من أصحاب ومريدين وطلاب فائدة...حتى رحل إلى جوار ربه.. صباح يوم الجمعة 2 جمادى الأولى 1431هـ، الموافق 16 ابريل 2010م... وقد جاوز الخامسة والسبعين من عمره المعطاء.. تخرج على يديه خلال سنوات طويلة من هذا العمر أجيال من المدرسين النابهين.. والمثقفين والكتاب البارزين.. وتعلم منه بالصحبة والمجالسة والمعاشرة العشرات.. كان عصامياً في تلقي العلم.. وعصامياً في أداء رسالته.. زاهداً في جني ثمار علمه بكافة أشكالها مادية ومعنوية.
لم يكن الأستاذ علي الأهدل مدرساً عادياً..مجرد مدرس، ولم يكن تحصيله العلمي مجرد شهادات فقد كان عالماً موسوعياً.. بارعاً في أكثر من مجال.. وفي رحلته الطويلة مع التدريس ونشر العلم درس مواد وعلوماً نادراً ما كان بوسع معلم أن يضطلع بها.. فقد درَّس كما يقول تلميذه وصديقه الأديب هادي محسن مدخلي: (جميع المواد وأحسن فيها كما يحسن المتخصصون.. فكان أستاذاً للشريعة واللغة والأدب والخط والعروض والتاريخ والجغرافيا والرياضيات والعلوم)( ) بل لقد بلغ من حذقه في علم العروض أنه كان (يقطع الأبيات الشعرية عروضياً تقطيعاً عكسياً) ( ).
وكان الأستاذ علي الأهدل إلى جانب ذلك شاعراً موهوباً، ولكنه مع الأسف الشديد سيذكر دائماً في عداد الشعراء الذين أهملوا شعرهم ولم يعتنوا بجمعه وتوثيقه والاشتغال عليه ونشره.. وما بين أيدينا من نماذج قليلة من إبداعه تخبر عن شاعر متمكن صاحب موهبة متميزة (ستكون لنا وقفة مع شعره في الأيام القادمة إن شاء الله).. أما علمه بالشعر رواية وعروضاً فحدث عن البحر ولا حرج .
كان الأستاذ علي الأهدل – بتعبير آخر -رجلاً ضخم الوجود كثير الموجود... أعني أن وجوده كان من ذلك النوع الذي يفيض عن نفسه.. ليسقي الآخرين بكل أريحية.. كان شجرة كبيرة وارفة الظلال.. طيبة الثمر، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.. علماً وأدباً وثقافة وديناً، وخلقاً ومحبة وحسن صحبة... وقدرة على العطاء..
الأستاذ علي الأهدل الشاعر المتمكن، وأعجوبة العارفين بعلم العروض... كان عميق العلم بالتراث بشقيه الفصيح والشفاهي.. وقد أعطاه الله حلاوة الحديث وجاذبية السرد والإلقاء.. أو ما يسميه القدماء حسن الإيراد..
حين تجلس إليه تشعر أنك أمام كنز ثمين من إنسان قليلاً ما تجد له مثيلاً.. كان بتعبير مبارك بكير شاعر تهامة الأسطوري (يجود من جانبين) فصيحاً وشفاهياً.. بل إذا أردنا الحقيقة فهو يجود من عدة جوانب.. وسمة (حسن الإيراد) التي ذكرتها من ضمن سماته تمثل الحلية التي كانت تتحلى بها كل تلك المواهب التي رزقها ذلك الرجل..
ما تعرفه أنت من التراث العربي الفصيح.. حفظاً ورواية حتى لتعتقد أن نديمك يجب أن يسمعك تحكيه لا أن تسمعه أنت... سيرويه لك الأستاذ علي الأهدل بطريقة تشعرك أنك تتعرف على ذلك المروي لأول مرة... فهو قادر دائماً أن يقدمه لك بأسلوب مختلف جيد الوضوح، سهل المعاني.. وهذا ما كان يحدث مراراً.. ولي معه فيه تجارب بالغة اللذة والإمتاع.. مثلاً التقيت به سنة 1996م في منزلتنا بالجيلانية.. كان في ضيافة أبي بالطبع.. لقاؤه بأبي استدعى فوراً الحديث عن الذكريات القديمة... والذكريات القديمة كانت جزءاً مما بيّتُّ أنا وإخوتي جرجرته إليه..
أول الذكريات القديمة حضوراً كان موضوع الخيل.. وهو من المواضيع الأثيرة عند والدي الذي كان خيالاً يملك عدداً من الخيل حتى منتصف السبعينيات من القرن العشرين... الأستاذ علي الأهدل كان أيضاً خيالاً وإن كان أكثر اعتداداً بتجربة والده المعلم شوعي حاج رحمه الله.. الذي كان فارساً وشاعراً ذا حضور جذاب يسلكه في عداد الشخصيات التي لا تنسى..
ذكريات الخيل وطبائعها.. والقصص والحوادث المرتبطة بها تحيل دائماً إلى التراث بشقيه الفصيح والشفاهي.
في خبايا الذاكرة جواهر كثيرة.. قال أبي: إن مهره لم يكن يتجاوز الزُّبُرَ (الحواجز الرملية) قافزاً كما تفعل سائر الخيل.. التي تكاد تُوقِعُ في قفزها الخيالين عن ظهورها.. كان مهره لا يُشعر الخيال بتجاوز الحاجز بالمرة لأنه لا يقفز بل يمتط (يمط ظهره) كما يمتط الحزام الأستك... قال والدي ذلك فطرب الأستاذ علي الأهدل طرب العارف الخبير.. وبدأ ينشد قول المتنبي:
سِرْبٌ مَحاسِنُهُ حُرِمتُ ذَوَاتِها داني الصّفاتِ بَعيدُ مَوْصوفاتِهَا
أوْفَى فكُنْتُ إذا رَمَيْتُ بمُقلَتي بَشَراً رأيتُ أرَقَّ مِن عَبَراتِهَا
يَسْتَاقُ عيسَهُمُ أنيني خَلفَها تَتَوَهّمُ الزّفَراتِ زَجرَ حُداتِهَا
وكأنّها شَجَرٌ بَدَتْ لَكِنّهَا شَجَرٌ جَنَيتُ الموْتَ من ثمَراتِهَا
لا سِرْتِ مِن إبلٍ لوَانّي فَوْقَها لمَحَتْ حرارَةُ مَدمَعيّ سِماتِهَا
وحمَلتُ ما حُمّلتِ من هذي المَها وحَملتِ ما حُمّلتُ من حسراتِها
كان ينشد بفرح وعذوبة.. وقدرة على إيصال المعاني.. ينشد وهو يجول بعينيه في وجوهنا ...غالباً ما كان يتوقف قليلاً عندي... كأنما ليقول لي: اسمعني أنت بالذات.. وحين وصل إلى قول المتنبي، يصف فروسية ممدوحيه وجودة خيلهم، وطول العلاقة وحسن العشرة بينهم وبين الخيل:
أقْبَلْتُها غُرَرَ الجِيادِ كأنّما أيْدي بَني عِمرانَ في جَبَهاتِهَا
ألثّابِتينَ فُرُوسَةً كَجُلُودِها في ظَهْرِها والطّعنُ في لَبّاتِهَا
العارِفِينَ بها كَما عَرَفَتْهُمُ والرّاكِبِينَ جُدودُهُمْ أُمّاتِهَا
فكأنّما نُتِجَتْ قِياماً تَحْتَهُمُ وكأنّهُمْ وُلِدوا على صَهَواتِهَا
قال: هذا هو المعنى.. إن وصف أبيك لمهره يدل على ألفة وصحبة عميقة بينهما... وهذا ما قصده المتنبي.. جودة المهر وجودة راكبه.. وطول الصحبة بينهما إذا اجتمعا.. ترى منهما العجب العجاب.
ابتسم قليلاً وتوقف.. قبل أن يستطرد إلى مقاربة أخرى لقول المتنبي من نفس القصيدة في وصف جري المهر:
لوْ مرّ يَرْكضُ في سُطورِ كتابَةٍ أحْصَى بحافِرِ مُهْرِهِ مِيماتِهَا
قال مبتسماً ابتسامته الفياضة بالبشر والنقاء: انظر كيف خص الميمات بالذات دون غيرها من الحروف، خصها لأنها مستديرة كاستدارة حوافر الخيل... لقد عاب بعض النقاد على المتنبي تشبيه حوافر الخيل بحرف الميم لأنه كان في قصيدة أخرى قد مدح سيف الدولة وشبه حوافر المهر بحرف العين عندما قال:
أول حرف من اسمه كتبت ... سنابك الخيل في الجلاميد
يقصد حرف العين.. وهو الحرف الأول من اسم سيف الدولة (علي بن حمدان).. وقد فات النقاد أن المتنبي كان ذكياً حين اختار حرف الميم في هذا المقام؛ لأن حرف الميم في الكلام أكثر وروداً من حرف العين، ولأن حرف الميم أصغر من حرف العين، والمتنبي يذكر الإحصاء في بيته، فالتشبيه بالحرف الأكثر وروداً والأصغر رسماً يكون في المديح أقوى من التشبيه بالحرف الأقل وروداً والأكبر رسماً وهو يمدح ممدوحه بالإحصاء في حالة الركض؛ لأن الإحصاء يدل على ثبات الجأش، وقوة التركيز رغم الحالة التي هو فيها.
ثم استطرد في كلام كثير.. كان خلاله ينصحني بالعودة إلى عدد من المراجع القديمة.. أذكر منها (يتمية الدهر) للثعالبي..
كنت مندهشاً فلطالما زعمت لنفسي ألا أحد قد عاشر هذا التراث معاشرتي له... أشعرني فهمه لشعر المتنبي بمدى قصوري شخصياً وقصور المثقفين والكتاب والأكاديميين مقابل طول وعرض ادعاءاتهم..
كان الرجل لا يتدفق بذلك العلم الغزير متشدقاً ومستعرضاً بل يلقيه بحلاوة وبساطة وكأنه قد اعتاد كثيراً أن يُفهم منادميه دلالات ما يلقيه عليهم بهذه السهولة والعفوية...
شعرت ليلتها أن مغاليق كثيرة تتفتح لنا حين نربط النصوص بتجاربنا مع الحياة والبيئة وجيراننا فيها.. وأن أكثر ما نعانيه مع هذا التراث هو أننا نقرأه بوصفه شيئاً منفصلاً عن خبراتنا ومعارفنا اليوم.. ولذلك فإنني كثيراً ما قاطعته تلك الليلة ملحاً عليه في ضرورة الكتابة.. فيما كان هو يبتسم ابتسامة تريد –ربما- أن تقول: لقد فات أوان هذا يا بني.
***
ما أحببته من قدرة الأستاذ علي الأهدل على كشف خبايا ودلالات النصوص الشعرية القديمة من تراثنا الشعري الفصيح لا يساوي شيئاً بجانب الحكايا والقصص الشعبية المتعلقة خاصة بالمنطقة والنصوص الشفاهية المرتبطة بها... والتاريخ الشفاهي المتمثل فيها جميعاً.. بدءاً من شاعر تهامة الأسطوري مبارك بكير... وزربة.. والنهاري حسن.. وسعيد أعمى.. مروراً بعفن والعقبي.. وانتهاء بامناجي ثواب... والنهاري امحمد... واموسي... وقفلة وغيرهم مع معرفة مبهرة بالأمكنة والبيئات.. وقدرة مدهشة على استخلاص المعارف التاريخية والدلالات الاجتماعية والثقافية والسياسية منها.. على أن الأجمل من كل ذلك قدرته على تحبيب النصوص إليك بطريقته المتمكنة في إلقائها إلقاء جميلاً لا يحبب إليك النص فحسب بل إنه يكشف لك بتلقائية وسهولة عن أكثر معانيه ودلالاته.