عندما شاهدت في التلفزيون كل ما يعانيه اخواننا في غزة ذكرتني هذه المحنة بغزوة أحد. فأردت ان اعرف كيف واجه جدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم و اصحابه مثل هذه الصعاب. اطلعت على كتاب غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم لشيخنا محمد متولي الشعراوي رحمه الله و خرجت بالدروس التالية:
1- يجب الأخذ بالأسباب و لا نفتن في أحد أيا كانت بطولاته و شجاعته. فهذا خالد بن الوليد بطل أحد، و هو الذي استغل فرصة نزول الرماة عن أماكنهم. و بعد ذلك طوق جيش المسلمين، و كان ما كان. لقد ظهرت عبقرية خالد في أحد لأن المقاتلين ضده خالفوا أمر قيادتهم فبقيت عبقرية بشر لعبقرية بشر. و لو ظل المؤمنون في أماكنهم وفق خطة رسول الله صلى الله عليه و سلم ما كانت لعبقرية خالد قيمة، و لكنها ارادة العليم الحكيم لبتلي المؤمنين و يمحصهم و يتخذ منهم شهداء. 2- المنهزم في هذه المعركة هو الذي ظل مواجها الكفار الى ان انسحبوا من أرض المعركة. و نحن نعلم ان المنهزم هو الذي ينسحب من ارض المعركة. لذا لا هزيمة للمسلمين لأنهم ظلوا في ارضالمعركة و لا انتصار للكفار لأنهم فروا من ارض المعركة. أما كان يغري النصر لو كان لقريش ان تدخل المدينة؟ انها لم تستطع ذلك. كذلك اليهود انسحبت لأنها لم تستطع مواجهة أهل غزة الذين لم يبرحوا منازلهم و أماكنهم. 3- الوقت في أحد كان وقت شدة، انهم مهزمون في الظاهر، و أصيب قائدهم صلى الله عليه و سلم و ضعف أن يصعد الجبل، حتى ان طلحة بن عبيد الله يطأطئ ظهره لرسول الله ليمتطيه ليصعد على الصخرة. بل كسرت رباعيته و سال منه الدم. ثم بعد ذلك أرجف المرجفون أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد قتل.كان كل ذلك تمحيصا من الحق للمؤمنين. فمن الذي يثبت مع هذا؟ الذييثبت هو الذي على الحق، ثقة منه في دينه، و ثقة منه في رسوله و ثقة منه في ان الله لن يخذلرسول الله صلى الله عليه و سلم أبدا. كذلك ثبت اهل غزة لأنهم على الحق و يعرفون ان الله لن يخذلهم أبدا. و قدوتنا في الثبات الصحابي الجليل سعد بن الربيع الذي قال له زيد بن ثابت: رسول الله صلى الله عليه و سلم يقرئك السلام و يقول لك:" كيف تجدك "؟ اي كيف حالك؟ قال سعد لزيد: السلام على رسول الله صلى الله عليه و سلم و قل له: أجدني أجد ريح الجنة. و قل للأنصار ليس لكم عند الله عذر إن خلص الى رسول الله و فيكم عين تطرف. سبحان الله أثخنته الحرب فلم يقوى على ان يحارب بنضاله انتهز بقية الحياة ليحارب بمقاله و لتصير كلماته دويا في أذان المسلمين، و ليعلم هؤلاء الذين أثخنوه جرحا، ما صنعوا فيه، انهم قربوه من لقاء ربه، و أنه ذاهب الى الجنة، و تلك هي الغاية التي يرجوها كل مؤمن ومن أجلها يجاهد. فنحن عندما نشاهد اخواننا في غزة ممزقين يموتون و هم يرفعون اصبعهم للشهادة، و الأطفال يموتون و وجوههم ناضرة فكأنهم يقولون لنا ليس لكم عند الله عذر إن خلص الى رسالة رسول الله صلى الله عليه و سلم وفيكم عين تطرف. 4- تتجلى الأخوة الإيمانية و النسب الإسلامي في حذيفة بن اليمان حين قتل أبوه و كان شيخا كبيرا قد خرج في أحد طلبا للشهادة فقتل بأسياف المسلمين و هم لا يعرفونه، و ذلك ساعة الشدة و الهرج. فما كان من حذيفة رضي الله عنه إلا أن قال: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين و أراد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يؤدي ديته، فقال له حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه: و انا تصدقت بها على المسلمين. كذلك في فلسطين يجب أن تكون أخوة إيمانية و يكون تصالح بين الأحزاب، غزة هي جزء لا يتجزء عن فلسطين و شعب فلسطين شعب موحد. معركة أحد كانت و لابد أن تكون على ما كانت عليه. كذلك معركة غزة و هذا لتمحيص المؤمنين تمحيصا يؤهلهم لأن يكونوا شهداء الله تعالى في الأرض و حملة رسالته. 5- كان رسول الله صلى الله عليه و سلم ثابتا كالجبال الشوامخ ثقة في ربه أنه لن يسلمه و معه صلى الله عليه و سلم طائفة ممن أرادوا الله و رسوله و الدار الآخرة و حسن توكلهم على الله. لقد إستغرب الكثير كيف صمد أهل غزة كل هذه الأيام.ان صمودهم هذا تثبيتا من الله عز وجل لحسن توكلهم عليه و ثقتهم به سبحانه و تعالى. 6- إن البشرية المادية لا علاقة لها مطلقا بمدد النصر من الله. فالله تعالى يمد رسوله حتى في وقت الضعف لو ظلوا أقوياء لقيل في عرف البشر: أقوياء و غلبوا. فكأن الله تعالى جعل من هذه المعركة تأديبا لصحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم. و لذلك حين نطالع سيرة المعارك التي جاءت بعد هذه المعركة، فإننا لا نجد هزيمة لهم في معركة أبدا، للأنهم صفوا التصفية و ربّوا التربية التي جعلت كل واحد منهم متيقنا بنجاح الصفقة التي عقدوها مع الله ساعة أن اشترىسبحانه منهم أنفسهم بأن لهم الجنة لذلك دخل كل مؤمن منهم المعارك و هو مقبل بحب على إحد الحسنيين، إما النصر، و إما الشهادة، فجاءت كل المعارك بعد أحد نصرا. و هنا يعلمنا الحق أن البقاء على منهج الله و رسوله صلى الله عليه و سلم فيه النجاة و به النصر.