(حُسن الخاتمة )
الحمد لله الذي وسعت رحمته كل شيء وأحصى كل شيء عدداً، رحم من شاء من عباده فهيأ لهم مايرفع به درجاتهم في الآخرة فثابروا على طاعته ، وأجتهدوا في عبادته.
إن أصابتهم سراء شكروا فكان خيراً لهم ، وإن أصابتهم ضراء صبروا فكانو ممن قال الله فيهم ( إنما يوفى الصابرون أجورهم بغير حساب) الزمر10
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم أما بعد:-
فإن نصيب الإنسان من الدنيا عُمره فإن أحسن إستغلاله فيما ينفعه في دار القرار فقد ربحت تجارته ، وإن ساء إستغلاله في المعاصي و السيئات حتى يلقى الله على تلك الخاتمة السيئه فهو من الخاسرين وكم من حسرةٍ تحت التراب.
والعاقل من يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الله وخاف من ذنوبه قبل أن تكون سبباً في هلاكه قال بن مسعود " المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعداً تحت جبل يخاف أن يقع عليه " رواه البخاري ومسلم
ولقد نبه الله في كتابه جميع المؤمنين إلى أهمية حسن الخاتمة فقال تعالى ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) الحجر 99
وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يشتد خوفه من إثنين ( طول الأمل و إتباع الهوى ) قال " فأما طول الأمل فينسي الآخره ، وأما إتباع الهوى فيصد عن الحق " وكان يقول " ألا وإن الدنيا ولت مدبرة ،والآخرهة قد أسرعت مقبلة ولكل واحدةً منها بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل " وكان السلف الصالح يخافون من سوء الخاتمة خوفاً شديداً قال سهل التستري" خوف الصديقين من سوء الخاتمة عند كل خطوة وعند كل حركة وهم الذين وصفهم الله تعالى إذ قال (وقلوبهم وجِلة) وقال صلى الله علية وسلم " من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألاَ إن سعلة الله الغاية ألاَ إن سلعة الله الجنة" رواه الترمزي ولكن إذا قاربت وفاه الشخص وأشرف على الموت فينبغي له حينئذٍ أن يغلب جانب الرجاء وإن يشتاق إلى الله فإن من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه قال صلى الله عليه وسلم " لا يموتن أحدكم إلاَ وهو يحسن الظن بالله" رواه مسلم.
ومن الأسباب التي تنشأ عنها سوء الخاتمة أربعة وهي :-
أولا ً: التسويف بالتوبة
وهي واجبة على كل مكلف كل لحظة كما يدل علية قوله تعالى ( وتوبوا إلى الله جميعاً أيه المؤمنون لعلكم تفلحون) النور31.
وكان صلى الله عليه وسلم وهو مغفور له ما تقدم من ذنبه وماتاخر يتوب إلى الله كل يوم مائه مره وكما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم" أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) رواه بن ماجه و إسناده حسن
ومن اتجح حيل إبليس التي يحتال بها على الناس التسويف بالتوبة فيوسوس للعاصي بأن يتمهل في التوبة فإن أمامه زمناً طويلاً فإن تاب الآن ورجع للمعصية لايمكن ان تقبل توبته فيكون من أهل النار ، أو يوسوس له أنه إذا بلغ الخمسين أو الستين من عمره فعليه ان يتوب توبة نصوحا ويلزم المسجد.
ثانياً: طول الأمل
حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد تحذير فقال " إن ما أخاف عليكم خصلتان: اتباع الهوى وطول الأمل،لأن اتباع الهوى يصد عن الحق ، وطول الأمل يجلب الحب للدنيا " رواه ابي الدنيا وسنده ضعيف ، فإذا أحب الإنسان الدنيا أكثر من الآخرة وآثرها عليها وأشتغل بزينتها وملذاتها عن بناء مسكنه في الآخرة بجوار الله في جنته مع الذين أنعم الله عليهم مع النبين و الصديقين و الشهداء وحسن أولئك رفيقا.
وكما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما " أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) وكان ابن عمر يقول (إذا امسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت لا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك) رواه البخاري
وأرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين إلى ما يبعد عنهم طول الأمل ويبصرهم بحقيقة الدنيا فأمر بالآتي:-
أ- التذكير بالموت ب- زياره القبور ج- تغسيل الموتى د- تشيع الجنائز هـ - عيادة المرضى و – زيارة الصالحين
فإن كل هذه الأمور توقظ القلب من قفلته وتبصره بما سيقدم عليه فيسعد له .
ثالثاً: حب المعصية
حب المعصية وألفها واعتيادها ، فإذا ألفَ الإنسان معصية من المعاصي ولم يتب منها فإن الشيطان يستولي بها على قلبه وتستولي على تفكيره حتي في اللحظات الأخيرة من حياته ، فإن أراد أقرباؤه ان يلقنوه الشهادة ليكون آخر كلامه ( لا إله إلا الله) طغت هذه المعصية على تفكيره وتكلم بما كان إنشغاله بها
رابعا: الإنتحار
فإذا أصاب المسلم مصيبة فصبر و أحتسب كانت له أجراً وإن جزع وتضايق من الحياة ورأى أن أحسن طريق ليتخلص به من هذة الأمراض والمشاكل هو الإنتحار لاحول ولا قوه إلا بالله .
((بشائر تدل على حسن الخاتمة))
نَبه النبي صلى الله عليه وسلم على بشائر حسن الخاتمة فإذا كانت وفاة العبد مع واحده منها فالاَ طيباً وبشارة حسنه منها:-
1-نطقة بكلمة التوحيد عند الموت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من نطق آخر كلامه لا إلا الله دخل الجنة" رواه ابو دواود والحاكم
2- أن يموت شهيد من أجل إعلاء كلمة الله قال تعالى ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون ) آل عمران 169
3- أن يموت غازيا في سبيل الله ، أو محرماً بحج.
قال صلى الله عليه وسلم " من قتل في سبيل الله فهو شهيد ، أومات في سبيل الله فهو شهيد" رواه مسلم وأحمد
4- أن يكون عمله في طاعة الله وقد روي عن حذيفة رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم " من قال لا إله إلا الله إبتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة ، ومن صام يوما ، ومن تصدق بصدقة وختم له بها دخل الجنة " رواه أحمد.
5- الموت في سبيل الدفاع عن الخمس التي حفظها الله في الشريعة ( الدين-النفس-المال-العرض-العقل )
6- أن يموت صابراً محتسباً بسبب الأمراض الوبائية وقد نبه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بعضها ( الطاعون – السل – داء البطن – ذات الجنب )
7- الموت بالغرق ، و الحرق ،و الهدم
8 – موت المرأهة في نفسها بسبب ولدها
9- الموت يوم الجمعة أو نهارها ، قال صلى الله عليه وسلم " ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاهُ الله من فتنه القبر" رواه احمد والترمزي
10- عرق الجبين . من عرق جبينه عند الموت دخل الجنة
من الوسائل التي جعلها الله سببا في حسن الخاتمة
1- تقوى الله بالسر والعلانية قال تعالى ( يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) آل عمران 102
2- المداومة على ذكر الله ، فمن داوم على ذكر الله وختم به جميع أعماله و كان آخر ما يقول من الدنيا ( لا إله إلا الله ) قال بشارة النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل النبي : أي الأعمال أفضل قال : أن يموت يوم تموت ولسانك رطب بذكر الله ) رواه المغني لإبن قدامه.
وبعد أن أنتهينا من تقديم ما يذكر المسلم و يحثه على العودة إلى الله تعالى ، في كل وقت ، وتبصيره بأموره ، وكيف يتعامل معها في ضوء هدى القرآن الكريم وسنة المصطفى الأمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم
· نسأل الله أن يجعل خير أعمالنا خواتيمها و خير أيامنا يوم لقائك وإجعلنا مع الذين أنعمت عليهم في جنتك وبجوارك وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.