المقترح العام: تأسيس جمعية عالمية كبرى تُعنَى بالانتصار للقرآن الكريم
مقدمة
يُعد القرآن الكريم ـ معجزةُ الله جل جلاله الخالدة ـ أساسَ عقيدة وشريعة المسلمين، ودستور نظام حياتهم. كما تميز بأنه الكتاب السماوي الوحيد الذي يحمل معه الدليل على إلهية مصدره، هذا الدليل المتمثل بالإعجاز القرآني بمختلف وجوهه.
ومن بديع إعجاز القرآن الكريم، أنه لا تنقضي عجائبه، ولا يخلَق من كثرة الترداد، ولا يمل منه القارئ والسامع والباحث.. فلا يزداد القارئ إلا حباً لمزيد القراءة، والسامع إلا طلباً لمزيد السمع، والباحث إلا شغفاً لتكرار البحث والدراسة.
ومن يريد إثبات خطأ عقيدة المسلمين وشريعتهم ونظام حياتهم، يُخضِع القرآن الكريم إلى النقد بهدف الطعن في قطعية ثبوت مصدره، وسلامة محتواه من الخطأ والتناقض، وأسلوبه من الخطأ والزلل. ببذل جهد جبار منظم مستعيناً بخبرات مختلف علماء التاريخ والآثار واللغات والعلوم الطبيعية.. لإثبات وجود مختلف الأخطاء التاريخية والعلمية واللغوية.. وغيرها؛ لهذا تم إنشاء عدد كبير من مراكز البحوث والدراسات التي تتكامل فيها جهود الناقدين للقرآن الكريم، بمختلف تخصصاتهم وأهدافهم وجنسياتهم.
ولما كانت جهود نقد القرآن الكريم ـ بهدف بيان أخطائه ـ منظمة لها مؤسسات تُعنى بها وتدعمها بكل ما تطلب من دعم مادي ومعنوي.. كان لزاماً وواجباً مطلوباً من الغيورين عليه، السير بمنهج علمي منظم لمواجهة ما يوجه إلى دستور حياتهم من طعون، كما هو حق للقرآن الكريم على كل مسلم يستنير بنوره.
من هنا تأتي هذه الدراسة لتبين الحاجة إلى تأسيس جمعية عالمية كبرى تُعنَى بالانتصار للقرآن الكريم؛ لبيان الرد العلمي الصحيح للشبهات المثارة حوله من حيث تأكيد إلهية مصدره، وسلامته من التحريف والخطأ والتناقض، وإزالة اللبس المثار حول الثابت من وجوه إعجازه.
وستقسم هذه الدراسة إلى قسمين: يتناول قسمها الأول توضيح المقصود بالانتصار للقرآن الكريم، والثاني تعريف بالجمعية المقترحة.
أولاً : علم الانتصار للقرآن الكريم
قبل الحديث عن تعريف علم الانتصار للقرآن الكريم، وبيان محددات موضوعاته، وأهميته وشرفه.. سيتم عرض لمحة تاريخية عن تاريخ الطعون حول القرآن الكريم، وجهود علماء المسلمين في ردها.
إثارة الشبهات حول القرآن الكريم، والانتصاف منها / لمحة تاريخية
لما علِمَ المشركون ما للقرآن الكريم من إعجاز بياني تأثيري في كل من يستمع إليه ويتدبره، تنادوا فيما بينهم: لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: 26].
فكانت أول سهام نقدهم، الطعن في إلهية مصدر القرآن الكريم. فقالوا ما هو إلا أساطير الأولين: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ. [الأنعام: 25]. ثم قالوا بل حقائق من تعليم بشر وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا [الفرقان:4]. وتتالت الشبهات في مصدره مضطربة مشوشة: بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ [الأنبياء: 5]. لذا وصفهم القرآن الكريم بالاضطراب؛ فشبهاتهم عبارة عن أقوال بلا دليل: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ [ق: 5]. وقال لهم: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ [الذاريات: 8].
فلم تصمد شبهاتهم الطاعنة في مصدر القرآن الكريم أمام التحدي بالإتيان بمثله، فلو كان القرآن الكريم كلام بشر، لأمكن أي إنسان الإتيان بمثله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يونس: 38]. لكنهم امتنعوا عن معارضته وهم أهل الفصاحة والبلاغة، لعلمهم باستحالة ذلك، وحفظاً لماء وجههم من الإتيان بمعارضات لا يمكن مقارنتها وقياسها بأسلوب القرآن الفريد، وبلاغة ألفاظه، وفصاحة معانيه، وإعجاز نظمه.
عندها انتقلت الشبهات من الطعن في مصدره، إلى الطعن في محتواه. ومن الأمثلة عليه: زعم وجود شبهة خطأ تاريخي في القرآن الكريم، أثاره بعض نصارى نجران. قال المغيرة بن شعبة t: " لَمَّا قَدِمْتُ نَجْرَانَ سَأَلُونِي فَقَالُوا: إِنَّكُمْ تَقْرَؤونَ يَا أُخْتَ هَارُونَ [مريم: 28] وَمُوسَى قَبْلَ عِيسَى بِكَذَا وَكَذَا. فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُم ".[1]
ومثلها الطعون في أصالة لغة القرآن الكريم، وقد تصدى للذود عنها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، بما اشتهر باسم: مسائل ابن الأزرق حين قال نافع بن الأزرق لنجدة بن عويمر: قم بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن بما لا علم له به. فقاما إليه فقالا: إنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله، فتفسرها لنا، وتأتينا بمصادقة من كلام العرب؛ فإن الله تعالى إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين. فقال ابن عباس: سلاني عما بدا لكما... ". فكان ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ يجيبهم عن كل شبهة بأبيات من كلام العرب.[2]
وقد اشتهر ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ بالحوار لرد الشبهات حول كثير من موضوعات القرآن الكريم وأسلوبه.[3]
أما بدايات التأليف في الانتصار للقرآن الكريم فأول من ألف فيه: مقاتل بن سليمان وله كتاب: " الجوابات في القرآن ". ثم سفيان بن عيينه له فيه كتاب: "جوابات القرآن". ثم قطرب، واسم كتابه: "الرد على الملحدين في متشابه القرآن"[4]. وهذه الكتب الثلاثة مفقودة.
وأقدم الكتب التي وصلت إلينا في هذا العلم مفرداً، هو كتاب ابن قتيبة: "مشكل القرآن ". وبعده تتالت الكتابات المستقلة للعلماء، في هذا الفن.[5]
وهي في غالبها دراسات نقدية لاستشكالات المسلمين، أو الرد على شبهات أصحاب البدع من المنتسبين إلى الإسلام.
أما أول ما كتبه غير المسلمون في الطعن بالقرآن الكريم، فكان كتاب " حياة محمد " ليوحنا الدمشقي، وكان ذلك بين عام 81-137 هـ / 700-745م ذكر فيه أن الإسلام فرقة مسيحية مارقة، ظهرت في عهد الإمبراطور هرقل Hercule، بفعل متنبئ من العرب يدعى حامد محمد.[6]
ثم ظهرت كتابات المستشرقين الناقدة للقرآن الكريم، وأقدم ما عُرِف من نشاطات المستشرقين. دراسة استشراقية كانت بعنوان: " ماذا اقتبس محمد عن اليهودية ؟ ".[7]
أما أول طبعة للنص الكامل للقرآن وبحروف عربية، كانت في ألمانيا سنة 1694م [8]
ومما جاء في مقدمتها: " إنه من الضروري أن نعرف القرآن معرفة دقيقة، إذا أردنا مكافحته ".[9]
ثم أصبح نقد القرآن الكريم، فرعاً مستقلاً بذاته في الدراسات الاستشراقية ومنها:[10]
1. " تاريخ النص القرآني "، إجناس جولدتسيهر Ignaz Goldtziher ، عام: 1860م.
2. " مصادر الإسلام "، وليم مويرWilliam Muir، عام: 1901م.
3. " القرآن "، فلهاوزن Vellhazen مقال بالمجلة الشرقية الألمانية، عام: 1913م.
4. " مصادر تاريخ القرآن "، آرثر جيفري Arthur Geoffrey.
ثم تتالت البحوث الاستشراقية، التي تلتها كتابات لمؤلفين من العرب، أخضعوا القرآن الكريم للمقاييس النقدية ذاتها التي تُحاكَم بها النصوص الأدبية للبشر.
وللرد على مايثيره المستشرقون ـ ومن سار على هُداهم من الكُتاب العرب ـ من شبهات، ظهرت عشرات الدراسات والمؤلفات بجهود فردية لعلماء مسلمين أرادوا الانتصار للقرآن الكريم، والذب عنه.
وبعد تطور وسائل الاتصال، أضحى توصيل الأفكار إلى مختلف أصناف الناس في شتى أنحاء العالم متاحاً بيسر، في أسرع وقت وأقل جهد. انتشرت معه الطعونات حول القرآن الكريم على شاشات الفضائيات، وفي كثير من مواقع الإنترنت ومنتديات الحوار الديني. فصار لزاماً على المسلمين توحيد جهودهم وتنظيمها لرصد تلك الطعونات والرد عليها انتصاراً للقرآن الكريم.
تعريف مقترح لعلم الانتصار للقرآن الكريم
- المقصود بالعلم: الفهم والإدراك للشيء على ما هو بِهِ.[11]
- الانتصار: النصرُ: عَوْن المظلوم، والانتقام من الظالم.[12] ونَصَرَهُ: نجَّاهُ وخلَّصَهُ.[13]
وانتصر الرجل: إذا امتنع من ظالمه.. ويكون الانتصار من الظالم: بالانتصاف منه.[14]
- القرآن الكريم: كلام الله تعالى المُعْجِزُ، المُنَزَّلُ على النبي صلى الله عليه وسلم ،المكتوب في المصاحف، المنقول بالتواتر، المتعبد بتلاوته.[15]
ومن تلك التعريفات من الممكن استنباط التعريف التالي لعلم الانتصار للقرآن الكريم وهو:
" العلم الذي يبحث في فهم الشبهات المثارة حول القرآن الكريم، والانتصاف منها، بالحجة المؤيَّدة بالدليل الصحيح ".
شرح التعريف
- فهم الشبهات: وهي الخطوة الأولى للانتصار للقرآن لكريم، ولابد منها عند الشروع في الإجابة عن أي شبهة، لهذا يُقال لمن أراد الإجابة عن استفهام أو دفع شبهة: " لا ترُد على أحد جواباً حتى تفهم كلامه، فإن ذلك يصرفك عن جواب كلامه إلى غيره، ويؤكد الجهل عليك. ولكن افهم عنه، فإذا فهمته فأجبه. ولا تعجل بالجواب قبل الاستفهام، ولا تستح أن تستفهم إذا لم تفهم، فإن الجواب قبل الفهم حُمْق ".[16]
- المثارة حول القرآن الكريم: أي أن الشبهات لا تطعن في صُلب القرآن الكريم؛ فقد ثبت بالاستقراء: أنه لا توجد شبهات حقيقية تطعن في كلام الله جل جلاله على الحقيقة، ولن ترقى أي شبهة لذلك؛ فالقرآن الكريم كلام الله جل جلاله، والكلام صفة المتكلم.
وبما أن الله جل جلاله متصف بصفات الكمال، منزه عن النقص والعيب.. فكلامه كذلك.
وتشمل تلك الشبهات، ما يثار من نقد حول:
1. مصدر القرآن الكريم الرباني.
2. سلامة النص الأصلي للقرآن الكريم من التحريف في مراحل جمعه وتدوينه، في مختلف العصور.
3. موضوعات القرآن الكريم: من حيث زعم وجود تناقضات بين الآيات، وأخطاء علمية وتاريخية ولغوية..
4. علوم وأسلوب القرآن الكريم: كحروف فواتح السور، ووجود اللفظ المعرب والغريب، والنَّسخ..
- الانتصاف منها: وهو الهدف الرئيس لهذا العلم، ويكون ذلك ببيان الحق والعدل، ولفت أنظار مثيري الشبهة ـ ومَن قلّدهم ـ إلى التوجيه الصحيح لمواضع الشبهات.
- الحجة المؤيدة بالدليل الصحيح: يكون الانتصاف للقرآن الكريم بدراسة نقدية علمية تبحث في أساس الشبهة، وتنقد منهجية البحث التي أدت إليها، نقداً علمياً منصفاً، ملتزماً بآداب الحوار، متصفةً بالموضوعية المبنية على الدليل الصحيح.
سواء كان الدليل شرعياً نقلياً قطعي الثبوت، قطعي الدلالة. أو عقلياً مؤيَّداً بأصول الشريعة العامة، ولا يخالفها.
محددات موضوع علم الانتصار للقرآن الكريم
يختص علم الانتصار للقرآن الكريم بالبحث في...
للمزيد يرجى التفضل
بالنقر هنا