عرض مشاركة واحدة
قديم 28-11-04, 12:56 AM   #1 (permalink)
][::. عضو .::][
 
الصورة الرمزية سيد سليم العربي الحبيبي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2004
المشاركات: 105
افتراضي معارك ونتائجها : لأديب الإسلام الرافعي

نتائج معارك أديب الإسلام : مصطفى صادق الرافعي
الحمد لله رب العالمين بجميع المحامد على جميع النعم والصلاة والسلام على إمام أهل البيان سيدنا محمد اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته . وبعد
فهذا ملخص لبحثي عن أديب العروبة والإسلام المجاهد تحت راية القرآن الكريم السيد مصطفى صادق الرافعي أمير البيان والذي اشتركت به في مؤتمر رابطة الأدب الإسلامي العالمية عن هذا الأديب العملاق وذلك في السابع والعشرين من ذي الحجة 1424 هـ الثامن عشر من فبراير 2005م
أردت نشره في هذا الملتقى المبارك عسى أن نستفيد منه . ومحاور البحث كالآتي :
ـ مدخل البحث
ـ نشأة الرافعي
ـ آراء معاصريه فيه من أنصاره وخصومه
ـ زمان الرافعي
ـ أهداف المعارك كما حددها الرافعي
ـ نتائج المعارك
ـ بين الماضي والحاضر
أولاً : مدخل البحث : ـ
فقد شاء الله تبارك وتعالى أن توجد معارك بين الحق والباطل مادام الناس على هذه الأرض وفي ذلك اختبار وتمحيص لتجزى كل نفس بما تسعى ، وإذا كان لكل معركة جندها المنحازون لها الحاملون رايتها فقد هيأ الله سبحانه وتعالى قلوباً موقنة ونفوساً زاكية وأقلاماً واعية لخدمة كتابه العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، وخدمة لغة هذا الكتاب الخالدة بخلوده ؛ ففاضت أنوار تلك القلوب على أصحاب هذه النفوس فاهتزت أقلامها الواعية وربت فجاءت بكل نافع ومفيد وأخرجت لنا من عجائب المعاني القرآنية ـ التي لا تنقضي أبداً ـ درراً ومن عذب موارده سلسبيلاً سائغاً شرابه لذة للشاربين . كما كانت هذه الأقلام سيوف حق شرعت في وجوه المعتدين المعاندين فردتهم على أعقابهم خاسرين وتابعت فلولهم أينما كانوا وحيثما وجدوا وأصلتهم من نيران مدادها ما أحرق مسطور أوراقهم ونبهت إلى ما تحمله أفكارهم من كيد ولؤم ومكر .
وأديب الفكرة الإيمانية الأستاذ مصطفى صادق الرافعي واحد من هؤلاء الجند الذائدين عن حمى الدين و اللغة تحت أعظم راية ألا وهي : راية القرآن الكريم .
لقد خاض الرافعي معارك عنيفة في شتى ميادين الثقافة مدافعاً عن لغة القرآن الكريم وتراث الأمة العربية والإسلامية في الوقت الذي علت فيه أصوات الماكرين بلغة الضاد والحاقدين عليها تحت دعاوى براقة تتخذ من الحداثة والحضارة والتقدم ستاراً لتفويت المكر وبث الحقد وقد فاتهم أن الله قد قيض لهؤلاء الماكرين الحاقدين من يقف لهم بالمرصاد نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الأستاذ العلامة محمود محمد شاكر الذي كشف الستار عن تلك الأقلام التي طالما حاولت هدم الإسلام عن طريق الطعن في أحكامه القطعية ولغته التي اختارها الله بياناً لكتابه ـ نسأل الله التوفيق للاحتفاء به قريباً بعونه وتوفيقه ـ وأستاذ البيان العلامة الفارس المجاهد مصطفى صادق الرافعي الذي نحن بصدد الحديث عنه والذي عاش حياته واقفاً لهؤلاء المكرة الحقدة بالمرصاد كاشفاً مكرهم وحقدهم مفنداً آراءهم مبيناً زيفهم وقد مكنته نشأته الدينية وحفظه للقرآن الكريم ودراسة أحكامه في سن مبكر وكذلك ثقافته الحياتية العامة وتعمقه في الثقافية الأدبية والتراثية بصفة خاصة وتأصل عاطفته الإيمانية العالية وحسه المرهف الصادق كل ذلك مكنه من ناصية البيان والسمو إلي مشارق النور ومعارج الإلهام فجاءت كتاباته الإيمانية دفقات روحيه متنوعة المشاهد والطعوم " تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها" أما عن معاركه الأدبية فإنها وإن اتخذت طابع الحدة في معظمها وجاءت مفرداتها بأعنف ما أتتنا به المعارك الأدبية إلا أنها لا تخلو من خير عام وهدف عظيم تمثل في إزاحة الستار عن الوجوه القبيحة والأفكار الهدامة ولا شك أن لتلك النشأة الأثر الطيب في منهجه الأدبي وبطولاته الفذة في ساحات المواجهات الأدبية والفكرية والسياسية.

ثانياً : نشأة الرافعي الدينية : ـ لا شك أن للنشأة أثرها في نفس الإنسان وتشكيل وجدانه بما يؤثر بالتالي على مستقبله وسلوكه ويذكر لنا أعلام أفذاذ كثيرون من أعلام الهداية والعلم في شتى ميادين الحياة أن الله قد من عليهم بمن يغرس في نفوسهم ـ وهم صغار ـ ما يجعل حياتهم طاقة روحية مثمرة ومؤثرة ومن هؤلاء الأعلام الأستاذ العملاق العبقري مصطفى صادق الرافعي .
وها هو يحدثنا بنفسه عن نشأته الدينية فيقول: " كنت في العاشرة من سني ، وقد جمعت القرآن كله حفظاً ، وجودته بأحكام القراءة ، ونجن يومئذ في (دمنهور) عاصمة البحيرة .. وكان أبي ـ رحمه الله ـ كبير القضاة الشرعيين بهذا الإقليم …. ذهبت ليلة فبت عند أبي في المسجد ـ حيث كان والده معتكفا العشر الأواخر من رمضان ـ فلما كان في جوف الليل الأخير ، أيقظني للسحور ، ثم أمرني فتوضأت لصلاة الفجر ، وأقبل هو على قراءته .. فلما كان السحر الأعلى ، هتف بالدعاء المأثور : اللهم لك الحمد ، أنت نور السماوات والأرض ، أنت الحق ومنك الحق .. وسمعنا القرآن غضاً طرياً ، كأول ما نزل به الوحي ، فكان هذا الصوت الجميل ، يدور في النفس ، كأنه بعض السر الذي يدور في نظام العالم .. وكان القلب ـ وهو يتلقى هذه الآيات ـ كقلب الشجرة ، يتناول الماء ويكسوها منه .. واهتز المكان والزمان ، كأنما تجلى المتكلم ـ سبحانه وتعالى ـ في كلامه .. وبدا الفجر كأنه واقف يستأذن الله أن يضيء من هذا النور .. أما الطفل الذي كان في يومئذ ، فكأنما دعي بكل ذلك ، ليحمل هذه الرسالة ، ويؤديها إلى الرجل الذي يجيء فيه من بعد فأنا في كل حالة أخضع لهذا الصوت : (( أدع إلى سبيل ربك بالحكمة )) (النحل 125) وأنا في كل ضائقة ، أخشع لهذا الصوت (( واصبر وما صبرك إلا بالله )) ( النحل ـ 127) . أقوال وآراء الأعلام في الرافعي من أنصاره وخصومه :
هناك مقولات كثيرة وصف بها الرافعي من أحبابه وأعدائه في حياته وبعد موته معظمها يدل على أنه أديب أصيل تراثي الميول والنزعة عاشق لهذا التراث مستلهم لفيوضاته يرى أنه إذا أرادت الأمة أن تعيش بغير هذا التراث ـ كما يطلب مرضى الدعوة إلى التجديد ـ فإنها تفقد شخصيتها وهو بهذا الصمود أمام عتاة تلك الدعاوى يضعنا جميعاً أمام مسئولياتنا في الحفاظ على هذا التراث والرجوع إليه والاستفادة منه كلما دعت الحاجة إلى ذلك فإذا ما تخلت الأمة عن تراثها ـ كما يطلب لها المجددون المبددون ـ فإنها تتخلى عن أهم روافد ثقافتها وتكوينها ، وهل يستطيع أن يقبل عاقل غيور على دينه وأمته أن يعيش دون أصول أو أن يحيى بغير جذور ؟! إن هذا لشيء عجاب !
وقد ارتبط اسم الرافعي عند تصنيف الأدباء ببعض الأوصاف التي تدل على ذلك منها أنه ( زعيم القديم ، إمام البيان ) وإن لم ينل الرافعي حظاً وافراً من اللاحقين فلقد نال الكثير من التكريم والثناء من السابقين حيث أثنى عليه معاصروه من السادة الأعلام في الأدب والسياسة وفيهم من اختلفوا معه وكانت بينه وبينهم معارك عنيفة وشهيرة وهذا بعض ما استطعت الحصول عليه مما كتب عنه في بعض الكتب والمجلات بأقلام هؤلاء الأعلام أو بأقلام من نقلوا عنهم من أدباء ونقاد .
الأستاذ محمد سعيد العريان :
من أجمل من وصف الرافعي ـ بحق ـ تلميذه الوفي له الأستاذ محمد سعيد العريان حين قال عنه :" لم يقل مؤرخو الأدب الكلمة التي كان ينبغي أن تقال ، لقد كان شاعراً ، وكاتباً ، وأديباً ، وعالماً ، ومؤرخاً ، ولكنه ـ بكل أولئك وبغير أولئك ـ كان شيئاً غير الشاعر والكاتب والأديب ، وغير العالم والمؤرخ ، وكان هبة الله إلى الأمة المسلمة في هذا الزمان ، لينبهها إلى حقائق وجودها ، وليردها إلى مقوماتها ، وليشخص لها شخصيتها التي تعيش باسمها ولا تعيش فيها ، والتي تعتز بها ولا تعمل لها.ورغم ما تقدم ، لم يظفر الرافعي بعشر معشار ما ظفر به قرناؤه ، من تكريم وتخليد ، وبحث ودراسة ؛ وتمر ذكرى وفاته كل عام ، في التاسع والعشرين من صفر (والعاشر من مايو) ، دون أن يشعر بها أحد" الإمام : محمد عبده :
أورد الرافعي في الجزء الأول ( من وحي القلم ) نص كتاب الأستاذ الإمام إليه كما يلي:" ولدنا الأديب الفاضل مصطفى أفندي صادق الرافعي :زاده الله أدباً.لله ما أثمر أدبك ! ولله ما ضمن لي قلبك ! لا أقارضك ثناءً بثناءٍ ، فليس ذلك شأن الآباء مع الأبناء ولكني أعدك من خلص الأولياء ، وأقدم صفك على صف الأقرباء. وأسأل الله أن يجعل للحق من لسانك سيفاً يمحق الباطل ، وأن يقيمك في الأواخر مكان حسان في الأوائل والسلام .
الأستاذ عبد العزيز البشري :
" قرأت ( إعجاز القرآن ) فإذا هو أبلغ ما كتب مخلوق في كلام الخالق .. فإن ما جلوت من البيان لمن الإلهام الذي يعلو على التصرف ،ويجل عن التأليف .." الزعيم : مصطفى كامل:
" سيأتي يوم إذا ذكر فيه الرافعي ، قال الناس : هو الحكمة العالية ، مصوغة في أجمل قالب من البيان" . الزعيم : سعد زغلول:
" بيانك كأنه تنزيل من التنزيل ، أو قبس من الذكر الحكيم "
الأستاذ العقاد :
" إني كتبت عنه ـ أي عن الرافعي ـ أن له أسلوباً جزلاً ، وأن له من بلاغة الإنشاء ما يسلكه في الطبقة الأولى من كتاب العربية المنشئين "
الدكتور طه حسين :
"... وكذلك تظلم الأستاذ الرافعي إن قلت إن قلت إن حظه من العلم باللغة العربية وآدابها وبدقائقها وأسرارها ، قليل وإنما الحق أن الذين يعلمون هذه اللغة ـ كما يعلمها الأستاذ الرافعي ـ قليلون جداً , وأحسبهم يحصون ، والحق أن الذين يظهرون على أسرار هذه اللغة ـ كما يعلمها الأستاذ الرافعي ـ قليلون جداً , وأحسبهم يحصون أيضاً .
الأديب محمد عبد القادر المازني :
كتب عنه غداة وفاته يقول : " لقد كان يوصف في حياته بأنه حجة العرب ، وهذا صحيح وغير قليل من أدب الرافعي سيبقى على الأيام ، ما بقي للأدب ذكر ومقام .. وأحسبني لا أبالغ حين أقول إن له من آثاره ما لا يرقى إليه قلم في القديم أو الحديث ، وإن له صفحات عديدة في كل كتاب له ، يبلغ فيها ذروة البلاغة .. وقد كان رأيي فيه دائماً ، أنه أعلم أهل العربية ، وأوسع أدبائها اطلاعاً على علوم الدين .."
الأستاذ صادق عنبر:
"إنك من البلاغة بحيث لا يصفك كما أنت إلا أنت ، وما أجد في الثناء على كتابك أقل من أن أقول : لقد أعجزت ، إذا لم أجد لغيرك أكثر من أن أقول له : أحسنت . لقد جئت بكتاب يقاس عليه في البلاغة
أما هو فجل عن القياس ، فمن يعيب عليك من بعد فما أطول هم فصوص الملح بفص الماس :ـحيا الله ذلك القلم الذي أقام به الأدب مجده ولا زال في آية البلاغة كالآية التي تجب عندها السجدة .
الدكتور عبد الوهاب عزام :
"أوتي من النور الإلهي ، قلباً ومن الفيض الإلهي ينبوعاً ، فلبث دهره نسيجاً وحده ، ينير للسالكين ، ويسقي الظامئين" الدكتور : مصطفى الشكعة :
" إن مصطفى صادق الرافعي لم يكن كاتب الفكرة الإسلامية وحسب ، ولم يكن رائد الدعوة المؤمنة وحسب ، وإنما كان سبباً لهداية كثير من كبار كتاب العربية المعاصرين له ، فأصبحوا بفضل دعوته ومن بعده كتاباً مؤمنين ، وسدنة في محراب الفكر الإسلامي بعد أن كانوا في طرف آخر بعيد كل البعد عن نطاق العقيدة وجوهر الفكرة الإسلامية ، وبعد أن كانوا يتفاخرون بالتحامل عليها ويتظاهرون بالتطاول على حماها. لقد كان الرافعي خيراً وبركة على اللغة العربية الجليلة بمنافحته عنها وخدمته لها وفنائه في الذود عن حياضها ، ولقد كان الرافعي كذلك خادماً للعقيدة الإسلامية ، مبشراً بالفكرة الدينية ، حاملاً لواءها حتى غادر دنيانا ولا زال ممسكاً بقبضة السارية ، فهل هناك من بين أدباء المسلمين من يتسلم العلم ؟
الدكتور محمد رجب البيومي: يحدثنا الدكتور محمد رجب البيومي في مقدمة كتابه: ( مصطفى صادق الرافعي ـ فارس القلم تحت راية القرآن ) فيقول : " إذا طلبت للرافعي الناثر شبيهاً يحاكيه ، فاترك الإنسان إلى غيره من مظاهر الطبيعة ، لتجد للرافعي ذلك الشبيه المنشود !.. هل رأيت الرعد المجلجل الذي يأخذ عليك سمعك وشعورك ، حين يدوي في الفضاء ؟ هكذا يكون الرافعي ، حين يزأر غاضباً ، لحرمة تنتهك ، أو معصية تذاع . هل رأيت النسيم الهادئ ، يرف على الروض الزاهر فيحمل عبيره الفواح إلى النفوس .. يشرح به الصدور ويمتع به الأحاسيس ؟ .. هكذا يكون الرافعي ، إذا رق في عتاب ، أو عذب في مناجاة ، أو حن إلى حبيب غائب …ثم هل رأيت النمير العذب ، يترقرق به الجدول الصافي ، فتنهل منه شراباً لذيذ الرشف ، حلو الوقع من اللهاة والصدر ؟ هكذا يكون الرافعي ، إذا روى حديثاً عن السلف الصالح ويدعو إلى القدوة الحسنة عن هدي وإيمان .

رابعا: زمان الرافعي :ـ
أما عن زمن الرافعي وما ماج به من حركات انحلالية شاذة ودعاوى إلحادية متطرفة ومواقف تكتيكية ماكرة تهدف في مجموعها إلى تدمير اللغة والقضاء على الدين قادها الحاقدون على الدين المارقون عن آدابه المنحلون المتحللون من القيم السامية والأهداف النبيلة فيحدثنا الدكتور مصطفى الشكعة قائلاً :" كانت مجموعة كبيرة من الكتاب في مصر ـ وأكثر كتاب تلك الحقبة كانوا مصريين أو عرباً يعيشون في مصر ـ تناصب العربية العداء وقد لا نكون مبالغين إذا قلنا أنهم كانوا أيضاَ يناصبون الإسلام العداء ، ونحن نستطيع أن نحصي أسماءهم ، ولكننا لا نفعل إلا متى دعت الضرورة إلى ذلك.لأن الكثرة منهم قد صلح أمرها فيما بعد وأعلنت توبتها وأقبلت على المعاني والمبادئ الإسلامية دراسة وتمجيداً ، ولأن كثرة أخرى منهم قد رحلت عن عالمنا ونخشى أن يكون ذكرنا لأسمائها يتصور على أنه نيل ممن ترك دارنا وهو عاجز عن الرد على تبرير المواقف الني اختارها لنفسه إبان رحلة حياته ، هذا وإن كان منطق التاريخ لا يعرف المجاملات ، ولكن مادام حديثنا مقصوراً على شخصية الرافعي ، فليكن مذهبنا يسط الأضواء عليه ، ولا علينا إذا أشرنا إلى الآخرين منى دعت ضرورة المنهج العلمي والتاريخي إلى ذلك.
يترصد الرافعي نتاج معاصريه منشوراً في صحف يومية ومجلات أسبوعية وشهرية وكتب مطبوعة فينتهي باستنتاجه الملهم إلى أن هناك مؤامرة متعددة الأطراف متباينة الأساليب تنتهي إلى هدف واحد هو إعلان الحرب على اللغة العربية وإشاعة التفتيت بين جسم الأمة العربية والنيل من قدسية المبادئ الإسلامية كانت هناك فئة تنادي بالعامية وتتحمس لها وتطالب بجعلها لغة الكتابة ، ومن عجب أن هؤلاء الذين كانوا يتحمسون لها كانت كل كتابتهم بالعربية الفصيحة ، وكان هناك من ينادي بالفرعونية مذهباً وقومية محاولاً أن يقطع كل صلة بين مصر العربية لغةً ودماً وحضارةً وفكراً وبين بقية جسم الأمة العربية التي تمثل مصر منها مكان القلب من الجسد ، وكان هؤلاء "المتفرعنون" يعملون بلا شك لحساب الاستعمار الذي قطع أوشاج الأرض العربية وخلق حدوداً مصطنعة في أرض الوطن الكبير وقسم الأمة العربية أحزاباً وشيعاً .وكان هناك أيضا من يحاولون صرف الأمة عن تراثها وأمجادها ويتحمس للتراث الأوربي قديمه وحديثه ، يترك التراث العربي المجيد ويشغل الناس بآلهة اليونان وقصصهم وملاحمهم وحروبهم ويمجد الأدب المستورد من فرنسا وإنجلترا ـ دون غيره ـ تحقيراً لشأن الأدب العربي وصرفاً للناس عما فيه من جمال خبئ يحتاج إلى من يدرسه صابراً متأنياً ثم يقدمه للناس في صورته الحقيقية المليئة بألوان المجد الفكري والجمال الروحي والإمتاع النفسي ، وكانت هذه الطائفة إمعاناً في عداوتها للأدب العربي تنسب كل جميل مستطرف إلى الأدب الأوروبي وتنسب كل جمود وقبح إلى الأدب العربي لا لشيء إلا للتظاهر " بالفرنجة " القبيحة وتغطية لنقص أحسوا به في أنفسهم وحدهم دون غيرهم من أبناء الأمة العربية في مصر .وكان هناك فريق آخر أشد خطراً على الناشئة من أبناء ذلك الجيل ، وهو فريق الجاهرين بالإلحاد المنكرين رسالات الأنبياء والمرسلين ، وكانت هذه الدعوة مكملة لفرنجتهم ولعلهم قد أحسوا أن " الفرنجة " لا تكون إلا بإظهار الإلحاد ، مع أن الغربيين أنفسهم متدينون متعصبون لعقيدتهم عصبية كريهة قي بعض الأحيان تأباها نزاهة المسيحية وصفاؤها ، وهم في ظل هذا التعصب المقيت شنوا على الشرق العربي والإسلام حروباً دامية سميت ـ كما يعرف كل مشرقي ـ بالحروب الصليبية ، والغربيون المحدثون ـ إلا القليل ـ يمثلون امتداداً للغربيين القدامى أصحاب الحروب الصليبية ومشعلي أوارها ، وهم أنفسهم لا يزالون يشنون على الشرق الإسلامي نفس الحرب وإن تغير شكلها واختلف أسلوبها ،ومن ثم فقد كان هؤلاء الداعون إلى الإلحاد أقرب إلى التهتك منهم إلى الجد ، وأدنى إلى الخيانة منهم إلى الوطنية ، ولكنهم كانوا يجتمعون بشكل غير مباشر بالسلطات الأجنبية التي كانت تحتل مصر وتبارك في صمت أقوالهم وأعمالهم "ولقد كان هؤلاء وأولئك من الداعين إلى العامية والمنادين بالفرعونية والمبشرين بالآداب الغربية قديمها وحديثها والجا هرين بالإلحاد والإنكار يملكون من أسباب النشر ووسائله ما لم يكن يملكه غيرهم من الكثرة المناهضة لهذه الدعاوى المنحرفة ، وكان فيهم صلف وعنف وسلاطة لسان واستهتار بالقيم الخلقية في منطق المناقشة والمجادلة ،وإذا كانت الحكمة الغالية تقول أنه لا يفل الحديد إلا الحديد ، فقد كان الرافعي رحمه الله هو ذلك الحديد الذي واجه هذه الطائفة المنحرفة بقلم أحد من ظبا السيف ، أمدته ملكة أدبية سخية العطاء ، ونفس مثقفة عميقة ، وإيمان غير محدود بإسلامه وعروبته ، فكان مثله ومثلهم ، مثل موسى وسحرة فرعون يأتون بألاعيبهم مجتمعين فيلقي بعصاه فإذا بها تنقض كل ما فعلوا ، واضطر بعضهم أن يؤمن بموسى وبرسالة موسى . إن بعض هؤلاء قد صلح أمره وبعضهم الآخر قد ظل سادراً في الطريق الذي اختاره لنفسه أو بالأحرى اختاره له غيره ، لعله وإياهم يستطيعون أن يشقوا صدعاً في جدار الأمة . لقد بدأت الدعوات المتطرفة تسير في خطوط متوازية تكاد تكون منسقة ثم تنعطف جميعاً وتنتهي كلها إلى هدف واحد هو شن الحرب على اللغة العربية والنيل من العقيدة الإسلامية والدعوة إلى تحقير كل ما هو شرقي " .
خامساً : الأهداف كما حددها الرافعي : ـ
إن معارك الرافعي كانت كثيرة ومتنوعة دار معظمها في ميدان الدفاع عن اللغة العربية والعقيدة الإيمانية والفكرة الإسلامية بصفة عامة وصاحب القلب الموقن والقلم المؤمن لا يمكن أن يخوض معركة إلا وله من ورائها هدف محدد وغاية معلومة في الدفاع عن حق أو كشف لزيف أو إزهاق لباطل متمثلاً الأثر الإسلامي العظيم : " هم إخواننا نكره أفعالهم فإن تابوا عنها فهم إخواننا "
يقول الأستاذ الرافعي في معرض رده على الدكتور طه حسين : " وأنا وأمثالي إنما نحرص أشد الحرص على هذه اللغة لأنها أساس الأمة الإسلامية فلا نرضى إلا أن يكون هذا الأساس ثابتاً متيناً لا يزعزعه شيء ولا يثلمه شيء ولا يضعفه شيء ؛ والدكتور وأمثاله لا يبالون أن تكون هذه الأمة كبيوت أمريكا المتحركة ...
لست أنكر التجديد ، بل لعل الدكتور يذكر مناقشتي إياه في ( الجريدة ) وإصراره يومئذِ أن ليس لأحد أن يدخل في اللغة كلمة ، وأن قول الناس تتنزه ومتنزه ونزهة إلخ كلها من الكلام العامي ، وتعلقه بنص ابن سيدة في ذلك ، واستخراجي له نص ابن قتيبة وكلاماً كثيراً من استعمال العلماء ، ثم قوله أحسنت ، ولكن لو جئتني باللفظة في كلام المبرد والجاحظ وفلان وفلان ما اقتنعت .
لقد أذكر أني رأيت في بعض مقالات الأستاذ طه حسين أو في بعض ما يقرظ به الكتب أنه قال إن القديم قد أثبت دائماً أنه أقوى وأمتن وأصح ؛ فهل رحل عن هذا الرأي أم ظهر له في الجديد ما هو أقوى وأمتن وأصح ؟ ثم يا أيها الملأ أفتوني ما هو هذا الجديد ؟ أهو ذالك الخيال الشارد المجنون ، أم تلك الشهوات المتوثبة المتلهفة ، أم ذلك الأسلوب الفج المستوخم ، أم العامية السقيمة الملحونة ؛ أم هو في الحقيقة بين رغبة في النبوغ قبل أن تتم الأداة وتستحكم الطريقة ، كما هو شأن فريق من الكتاب من الكتاب ، فيختصرون الطريق بكلمة واحدة هي المذهب الجديد وبين رغبة في التعصب للآداب الأجنبية كما هو شأن فريق آخر وبين رغبة في الحط من قيمة بعض الناس ورميهم بالجهل والسخف وأنه لا قيمة لما يجيئون به ، كل ذلك في تعبير علمي يصح أن يكون نظرة علمية ... وقبلهم قالها العرب في القرآن الكريم : " لو نشاء لقلنا مثل هذا . إن هذا إلا أساطير الأولين " فقد شاءوا فلم يقولوا ؛ ولو أن المذهب الجديد فسر القرآن يوماً ... لقلنا في معنى أساطير الأولين إنهم أرادوا بها المذهب القديم ... "
وبالنظر في كتاب الأستاذ الرافعي ( تحت راية القرآن المعركة بين القديم والجديد ) الذي ضمنه أخطر معاركه نجده قد حسم المعركة لصالحه وصالح مؤيديه من حراس اللغة وحماة التراث ضد الدكتور طه حسين ومن لف لفه أو دار في فلكه من دعاة التجديد الزائف وزاعمي النهضة الكابية. والرافعي لا يرفض التجديد في حد ذاته ـ كما صرح في أكثر من موضع من كتابه المذكور ـ إنما يرفض التجديد الذي يقوم على أنقاض الماضي وما عليه حال دعاة التجديد وما يتطلعون إليه من هدم موروثاتنا الثقافية والكتاب فوق ذلك كله متعة فكرية وسياحة في أعماق بحار الرافعي الفكرية والأدبية كما انه بيان لما.
يقول الرافعي : " إنما اللغة مظهر من مظاهر التاريخ ، والتاريخ صفة الأمة ، والأمة تكاد تكون صفة لغتها ، لأنها حاجتها الطبيعية التي لا تنفك عنها ، ولا قوام لها بغيرها ، فكيفما قبلت أمر اللغة من حيث اتصالها بتاريخ الأمة واتصال الأمة بها ، وجدتها الصفة الثابتة التي لا تزول إلا بزوال الجنسية ، وانسلاخ الأمة من تاريخها ، واشتمالها جلدة أمة أخرى ، فلو بقي للمصريين شيء متميز من نسب الفراعنة لبقيت لهم جملة مستعملة من اللغة الهيروغليفية ... وإن في العربية سراً خالداً هو هذا الكتاب المبين ( القرآن ) الذي يجب أن يؤدى على وجهه العربي الصبيح ،ويحكم منطقاً وإعراباً بحيث يكون الإخلال بمخرج الحرف الواحد منه كالزيغ بالكلمة عن وجهتها ، وبالجملة عن مؤداها ، وبحيث يستوي فيه اللحن الخفي واللحن الظاهر ، ثم هذا المعنى الإسلامي"
ويقول أيضاً في بيان أن الله تبارك وتعالى قد هيأ هذه اللغة العظيمة لحمل الأمانة الكبرى نحو كنابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ولتكون بياناً لهذا الكتاب المعجز الخالد لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ووسيلة كبرى ل لشريعة الإسلام ونشر دعوته الغراء : " إن هذه العربية بنيت على أصل سحري يجعل شبابها خالداً عليها فلا تهرم ولا تموت ، لأنها أعدت من الأزل فلكاً دائراً للنيرين الأرضيين العظيمين . كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن ثم كانت فيها قوة عجيبة من الاستهواء كأنها آخذة السحر ؛ لا يملك معها البليغ أن يأخذ أو يدع ".
ويرى الرافعي أن القضاء على اللغة هو الهدف الأول للاستعمار نجد هذا في قوله : " لا جرم كانت لغة الأمة هي الهدف الأول للمستعمرين ، فلن يتحول الشعب أول ما يتحول إلا من لغته ، إذ يكون منشأ التحول من أفكاره وعواطفه وآماله ، وهو إذا انقطع من نسب لغته انقطع من نسب ماضيه ، ورجعت قوميته صورة محفوظة في التاريخ ، لا صورة في وجوده ، فليس كاللغة نسب للعاطفة والفكر ، حتى أن أبناء الأب الواحد لو اختلفت ألسنتهم فنشأ منهم ناشئ على لغة ن ونشأ الثاني على أخرى ، والثالث على لغة ثالثة لكانوا في العاطفة كأبناء ثلاثة آباء " .
ونجد الأستاذ الرافعي يحذرنا من الثمرة المسمومة التي تجنيها الأمة مما زرعه وما يزرعه المستعمر فيقول : " وما ذلت لغة شعب إلا ذل ، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار ، ومن هذا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضاً على الأمة المستعمرة ويركبهم بها ، ويشعرهم عظمته بها ويستلحقهم من ناحيتها ، فيحكم عليهم أحكاماً ثلاثة في عمل واحد : أما الأول فحبس لغتهم في لغته سجناً مؤبدا وأما الثاني فالحكم على ماضيهم بالفشل وأما الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يضعها ، فأمرهم من بعدها لأمره تبع ".
كما يقول : " والذي أراه أن نهضة الشرق العربي لا تعتبر قائمة على أساس وطيد إلا إذا نهض بها الركنان الخاصان ؛ الدين الإسلامي واللغة العربية وما عداهما فعسى ألا تكون له قيمة في حكم الزمن الذي لا يقطع بحكمه على شيء إلا بشاهدين من المبدأ والنهاية . ويستطرد الأستاذ الرافعي مبيناً التغيير الذي لا بد منه إذا أردنا التغيير قائلاً في المقال نفسه : " وإذا كان لابد للأمة في نهضتها من أن تتغير ، فإن رجوعنا إلى الأخلاق الإسلامية الكريمة أعظم ما يصلح لنا من التغيير وما تصلح به منه ، فلقد بعد ما بيننا وبين بعضها ، وانقطع ما بيننا وبين البعض الآخر ، وإذا نحن نبذنا الخمر والفجور والقمار والكذب والرياء ، وإذا أنفنا من التخنث والتبرج والاشتهار بالمنكرات ، والمبالغة في المجون والسخف والرقاعة ، وإذا أخذنا في أسباب القوة ، واصطنعنا الأخلاق المتينة من الإرادة ولإقدام والحمية وإذا جعلنا لنا صبغة تميزنا من سوانا وتدل على أننا أهل روح وخلق ، وإذا كان ذلك كله ، فلعمري أي خير في ذلك كله ؟ وهل تلك إلا الأخلاق الإسلامية الصحيحة ، وهل في الأرض نهضة ثابتة تقوم على غيرها ؟! "
وفي قول حاسم يبين لنا الرافعي أنه لا يبحث في الأصل مسألة الجديد والقديم إنما يبحث ما وراء تلك المذاهب الهدامة والغرض من تحرك أصحابها واتخاذهم دعاوى التجديد هدفاً للوصول إلى أغراضهم فيقول تحت عنوان ( فيلسوف وفلاسفة ) : " ..فالذي بيننا وبينهم ليس القديم والجديد ولا التأخر والتقدم ، ولا الجمود والتحول ؛ ولكن أخلاقنا وتجردهم منها ، وديننا وإلحادهم فيه ، وكمالنا ونقصهم ، وتوثقنا وانحلالهم ، واعتصامنا بما يمكننا وتراخيهم تراخي الخبل لا يجد ما يشده " .
سادساً : نتائج معارك الرافعي :ـ
معلوم أن الدخول في المعارك الأدبية والفكرية تدفع المتصارعين إلى التفكر كثيراً في رصد نتاج الخصم وحشد الأدلة والبراهين التي تطيح بأدلة الخصم وتظهره في صورة الضعيف المغلوب لدى الجماهير وكل ذلك يحتاج إلى أساس فكري قوي يستطيع أن يسطو به على خصمه ومعانده .
وأسوأ ما في المعارك الفكرية أن يعلم المرء أنه على الباطل ولكنه يستمر في هذا الباطل لا لشيء سوي الظهور في قوة المنتصر ، ولكن للحق صولة ولقوة صاحب الحق أثر فاعل مهما طال أمد الصراع ؛ فقد يأتي وسط هذا الصراع وميض فكري يجعل من أراد الله له الهداية يغير مسير فكره ويعود إلى الرشد والصواب وسبحان من بيده ـ وحده ـ تقليب القلوب وتبديل الأحوال !
وإذا كانت لكل معركة نتائجها فإن نتائج معارك الرافعي خير ورحمة،ولها نفحات وبركات على معظم الذين حاربهم أو حاربوه ـ كما يذكر الدكتور الشكعة ـ ففي الفصل الخامس والأخير من كتابه ( مصطفى صادق الرافعي كاتبا عربياً ومفكراً إسلامياً ) يقول الدكتور الشكعة :" لم يكن بين معاصريه من يمكن أن يطلق عليهم كتاباً إسلاميين بالمعنى الكامل ، ولكن كان أكثر الكتاب آنذاك بمعزل عن الفكرة الإسلامية إن لم يكونوا من خصومها ، لقد كان البعض منهم ينادي بالإلحاد علناً ويدعو إليه على رؤوس الأشهاد ، ويقود مدارس الضلال والتضليل على مرأى ومسمع من الناس جميعاً ، وكانت المجلات تفتح صدر صفحاتها لكل دعوة ضد الإسلام ، وأمام كل بدعة لحرب النزعة الإسلامية ومحاولة القضاء على اللغة العربية . لقد استطاع الرافعي أن يوقف بعض مدارس الفكر المنحرف ـ إن صح أن نسميها مدارس ـ مثل سلامة موسى ومن سار على دربه ، واستطاع أن يحطم فكرة الفرعونية ويقبحها ويشهر بالمنادين بها حتى صلحت حال عدد منهم ، وأما بقيتهم فقد أدخلهم ظلمات الجحور ، فما ارتفع لهم صوت ولا علت لهم كلمة إلا بعد وفاته وكأن الشاعر العربي كان يعنيهم بقوله :
وإذا ما خلا الجبان بأرض = طلب الطعن وحده والنزالا
وعن أثر الرافعي في أدباء عصره يقول الدكتور الشكعة : " على أننا هنا ـ في مجال الكتابة للتاريخ ـ نقرر أن الرافعي بريادته للكتابة في ظل الفكرة الإسلامية كان هادياً لمعاصريه من الكتاب الذين قدر لهم بسطة في العمر من بعده ، وكانوا خصوماً للإسلاميات ظاهراً أو باطناً ، ونستطيع في غير ما حرج أن نذكر أسماء المرحوم الأستاذ عباس محمود العقاد ، والمرحوم الدكتور محمد حسين هيكل ، والمرحوم الدكتور منصور فهمي ، والأستاذ الدكتور طه حسين مد الله في عمره.ليس ثمة شك في أن العقاد في مستهل حياته الأدبية وحين معاصرته للرافعي كان يجمح من كل فكرة إسلامية ، وتنسب إليه ـ إن صدقاً وإن كذباً آنذاك ـ أقوال تباعد بينه وبن الإسلام ، ولكن لا يلبث العقاد أن يشرح الله صدره فيصير رافعياً في قلمه ، إسلامياً في فكره ، وتجود قريحته التي هداها الله لنور الإيمان بالكتب الإسلامية العديدة التي أثرت المكتبة الإسلامية مثل " عبقرية نحمد " و " عبقرية عمر " و " عبقرية الصديق " وغيرها من العبقريات ، وكتب أخرى للدفاع عن الإسلام مثل " حقائق الإسلام وأباطيل خصومه " ومثل " ما يقال عن الإسلام " إلى غير ذلك من الكتب الإسلامية العديدة التي أنهى بها العقاد حياته في رحاب الإيمان ، ومهما كان الأمر من حيث تقويم الأعمال الإسلامية لكل من الكاتبين الكبيرين الرافعي والعقاد فإن للرافعي فضل السبق والريادة .
وفي مجال الحديث عن الدكتور منصور فهمي , فالذين عاصروه ، في شبابه وهو يعبر عن أفكاره يذكرون له المواقف التي لم تكن تنسجم مع الإسلام في قليل أو كثير بل إن له أفكاراً كانت حرباً صريحاً على الإسلام ، وإذا كان الدكتور منصور فهمي لم يترك من الآثار الفكرية الإسلامية ما يمحو سالف أفكاره ، فإن الذين عايشوه في السنوات الأخيرة من حياته قد لمسوا فيه نور الإيمان ، ومواظبته على الفرائض وعضويته لمجلس إدارة الشبان المسلمين ومحاضراته العديدة عن الإسلام في مختلف المنتديات وانتهت حياته ـ رحمه الله ـ وهو أكمل ما يكون إيماناً وأعظم ما يكون إسلاماً
وإذا كان لنا أن نتحدث عن الدكتور طه حسين ، فقد سبقت الإشارة إلى أن كتاب الرافعي " المعركة تحت راية القرآن " إنما أنشئ للرد على ما جاء في كتابه " في الشعر الجاهلي " من بعد عن الإسلام وإساءة إليه ، الأمر الذي جعل الدولة تصادر الكتاب وتجمع نسخه من المكتبات ،/ ثم عاد الدكتور طه حسين فأصدره من جديد بعد أن حذف منه كل ما كان سبباً للمعركة الضارية وبعد أن غير عنوانه وجعله " في الأدب الجاهلي " بدلاً من " في الشعر الجاهلي ".
وتعمل نفحات الرافعي عملها مع طه حسين ، تماماً كما فعلت مع العقاد ومنصور فهمي ، وإذا بالأستاذ الدكتور طه حسين يخرج للقارئ المسلم والقارئ العربي روائع كتبه الإسلامية مثل " على هامش السيرة " ، و " الوعد الحق " ، و " الشيخان " ، وغبرها .
وما يقال عن هؤلاء جميعاً من عودة إلى رحاب الإيمان بالعقيدة التي طالما حاربوها يمكن أن يقال عن الأستاذ أحمد لطفي السيد الذي وقف حرباً على اللغة العربية يطلب تمصيرها أو بمعنى آخر تشويهها , وقد كان للرافعي معه صولات وجولات .
إن نفحة رافعية قد أعادت لطفي السيد إلى حظيرة جلال اللغة وجلال الدين الذي هي لغته وينتهي الأمر به في سنواته الأخيرة رئيساً لمجمع اللغة العربية وتنقضي حياته الطويلة وهو في هذا المنصب الذي لا تستقيم طبيعته مع ماضي صاحبه ، ولكنه التحول عن الفكر الخاطئ ، إلى الخط الصائب قد جعل من خصم اللغة العربية رئيساً لمجمعها وشيخاً لعلمائها . وبالنظر في كتاب الأستاذ الرافعي ( تحت راية القرآن المعركة بين القديم والجديد ) الذي ضمنه أخطر معاركه نجده قد حسم المعركة لصالحه وصالح مؤيديه من حراس اللغة وحماة التراث ضد الدكتور طه حسين ومن لف لفه أو دار في فلكه من دعاة التجديد الزائف وزاعمي النهضة الكابية. والرافعي لا يرفض التجديد في حد ذاته ـ كما صرح في أكثر من موضع من كتابه المذكور ـ إنما يرفض التجديد الذي يقوم على أنقاض الماضي والكتاب فوق ذلك كله متعة فكرية وسياحة في أعماق بحار الرافعي الفكرية والأدبية كما انه بيان لما عليه حال دعاة التجديد وما يتطلعون إليه من هدم موروثاتنا الثقافية .
وأختم حديثي عن هذا الإمام العملاق الفذ بما جاء في كتاب الدكتور مصطفى الشكعة ( مصطفى صادق الرافعي كاتباً عربياً ومفكراً إسلامياً ) : " إن مصطفى صادق الرافعي لم يكن كاتب الفكرة الإسلامية وحسب ، ولم يكن رائد الدعوة المؤمنة وحسب ، وإنما كان سبباً لهداية كثير من كبار كتاب العربية المعاصرين له ، فأصبحوا بفضل دعوته ومن بعده كتاباً مؤمنين وسدنة في محراب الفكر الإسلامي بعد أن كانوا في طرف آخر بعيد كل البعد عن نطاق العقيدة وجوهر الفكرة الإسلامية ، وبعد أن كانوا يتفاخرون بالتحامل عليها ويتظاهرون بالتطاول على حماها ... لقد كان الرافعي خيراً على اللغة العربية الجليلة بمنافحته عنها وخدمته لها وفنائه في الذود عن حياضها ، ولقد كان الرافعي كذلك خادماً للعقيدة الإسلامية ، مبشراً بالفكرة الدينية ، حاملاً لواءها حتى غادر دنيانا ولا زال ممسكاً بقبضته السارية ، فهل من بين أدباء المسلمين من يتسلم العلم ؟
سابعاً : بين الماضي والحاضر :ـ
من المعلوم واقعاً أننا نعيش الآن عصر التقدم في وسائل المعرفة والاتصال التي تنوعت أجهزتها وتعددت منابرها إلا أننا نلحظ أن القائمين على تلك الأجهزة في الأغلب الأعم ـ وخاصة في عالم الصحافة ـ قد أعمتهم الديكتاتورية والمصالح الشخصية والمنافع المذهبية عن أن يهتموا بإفساح المجال للمعارضين إذا ما أبدوا رأيهم في قضية ما أو طالبوا بحقهم في الرد على ما يطرحة كاتب ما اللهم إلا ما يوافق ميولهم وأهواءهم وكأن تلك الأجهزة صارت ملكاً خاصاً بهم. رغم أنه في عهد ملكية الصحف والمجلات ازدهرت تلك المعارك الأدبية التي استفدنا منه كثيراً من خلال الرأي والرأي الآخر .
ورغم هدوء المعارك الأدبية حول الأدب القديم والجديد لمدة عامين بعد وفاة الرافعي ـ رحمه الله ـ إلا أنها عادت قوية عندما كتب الأستاذ أحمد أمين ستة مقالات عنوانها ( جناية الأدب الجاهلي على الدب العربي ) في مجلة الثقافة عام 1939م وقد انبرى للرد عليه الدكتور زكي مبارك في اثنين وعشرين مقالاً نشرت تباعاً في مجلة الرسالة بعنوان ( الحديث ذو شجون ) وهي العبارة التي ختم بها مقاله الأول ؛ كما شارك في المعركة الشيخ عبد المتعال الصعيدي والأستاذ عبد الوهاب عزام وآخرون .وقد كتب الدكتور زكي مبارك نفسه عن هذه المعارك الأدبية ـ رغم قسوتها وعنفها ـ مبيناً أنها كانت خيراً للأدب والأدباء لما فيها من تبادل الأفكار وتنوعها واختلاف المواقف وتباينها.
وأستطيع الفول بأن الصحف والمجلات التي وجدت في النصف الأول من القرن الماضي كانت أكثر حرية وإفادة من صحف ومجلات اليوم حيث كانت تفتح صفحاتها للجادين بغض النظر عن ميولهم أو شهرتهم أو شخصياتهم أو مناصبهم ولولا هذه المرونة والتنافس بين الصحف والمجلات والتشجيع على التعامل مع كل صاحب فكرة جديدة أو رأي مثير أو صاحب حق في رد مقنع ما رأينا أو سمعنا أو قرأنا للكثيرين من عمالقة الفكر والأدب .
إننا بحاجة ماسة إلى المزيد من إفساح المجال لحرية الفكر والرأي وإفساح المجال للرأي المخالف وذلك بتعاون القائمين على صحفنا ومجلاتنا وهذا ما نأمله منهم ونرجوه لههم حتى تكون هناك فرصة لظهور مثل هؤلاء العمالقة السابقين . نسأل الله تعالى أن يحقق لنا ما نصبوا إليه خدمة لديننا ووطننا بحوله سبحانه وتعالى وقدرته ورحمته
وأشكر الله تعالى لجهود تلك الرابطة الغراء رابطتنا جميعاً ( رابطة الأدب الإسلامي العالمية ) أن جعلتني أغوص في عالم هذا النهر العذب مرتوياً من رقراقه ، باحثاً عن درره . إن عالم الرافعي ملئ بكل خير وعطاء فيه السمو الروحي والبيان الإعجازي والرجولة الإسلامية والبطولة الإيمانية ؛ إنه عالم التحليق في الآفاق العليا في رحاب ملكوت الله حيث إعجاز القرآن الكريم نسأل الله أن يجعلنا من أهل القرآن الكريم وأن ينفعنا به في الدنيا والآخرة وأن يقيض لهذه الأمة من ييقظها من سباتها ويحرك همتها ويذود عن حياضها لتصل مستقبلها بماضيها ولتجعل حاضرها زاداً لمستقبلها تحت راية القرآن الكريم وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم آمين بمنه وفضله ورحمته إنه هو السميع القريب المجيب نعم المولى ونعم النصير
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
أهم المصادر والمراجع :
العقاد في معاركه الأدبية والفكرية للأستاذ سامح كريم ـ تحت راية القرآن للرافعي ـ رسائل الرافعي لأبي رية ـ مجلة منبر الإسلام العدد12 لسنة 1414 ـ مصطفى صادق الرافعي كاتباً عربياً ومفكراً إسلامياً : للدكتور مصطفى الشكعة ـ معارك الأدب وتياراته الفكرية في المجلات المصرية للدكتور علي شلش ـ معارك طه حسيين الأدبية والفكرية للأستاذ سامح كريم من وحي القلم ج الأجزاء الثلاثة ـ أعداد من مجلة الأزهر .

أعده وكتبه : سيد سليم سلمي محمد
عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية
عضو رابطة الأدب الحديث

هاتف (حذف لمخالفته شروط المنتدى)

التعديل الأخير تم بواسطة منسق 3 ; 12-01-11 الساعة 08:58 AM.
سيد سليم العربي الحبيبي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس