| لعل بعضنا قد يجد طرافة فيما سأقوله هنا، والبعض قد يتلقاه على أنه غريب غير مفيد، ولكني أحببت سرده للطرافة، وهو موجه لمن أنفق وقتا ولو يسيرا في دراسة العلوم التطبيقية: بدلا من مقارنة علم الأنساب بعلم الحديث والسند أنا أراه اقرب في يومنا هذا إلى قوانين الرياضيات والفيزياء!
علم الأنساب أصبح مذهبي فيه في هذا الزمان كمذهبي من هذه العلوم الطبيعية. يعتبر علم الرياضيات علما من العلوم "المضبوطة"، أو ما يسمى بـ Exact Sciences ولكنها كانت حتى عصر معين تقتصر على الضرب والجمع والقسمة وما شابه، إلى أن دخلتها الفلسفة الديكارتية، فتطورت معها تطورا هائلا بسبب الأدمغة العبقرية التي عملت في هذه الفلسفة، وتطور معها علما الفيزياء والكيمياء بشكل سريع عجيب، فصرنا اليوم نسلم بنظريات من الغريب أن نراها من أسس "العلوم المضبوطة"، منها على سبيل المثال نظرية هايزنبرغ الشهيرة في الفيزياء، والتي تنص بمختصر شديد، أننا لا يمكن لنا أن نحدد مكان الإلكترون في الذرة في أي لحظة معينة تحديدا تاما، وكلما اقتربنا من مسار الألكترون وطورنا أجهزة الكشف عنه، كلما أثر هذا في مساره الطبييعي وأحدث تغييرا فيه، فيؤدي زيادة ضبط الوسيلة إلى الحد من الدقة في تحديد الموضع الصحيح، أي أن إحكام مقدرتنا العلمية قد يأتي بمعكوس المرتقب!!
لعل منكم من درس هذه النظرية أو حفظها في المدرسة أو الجامعة، ولكن الحقيقة التي تكمن وراءها، أنها لم تأت من العدم، وإنما هي نظرية رياضية في أصلها، أثبتها هذ الفيزيائي بمعادلات حسابية تفاضلية معقدة، وعلى أساس هذه المعادلات تم استنتاج شكل مسار الإلكترون، فهو مكور في مدار الطاقة الأول (S Orbital) وله قطبان في مداره الثاني (P orbital)، ويزداد تعقيد شكله في مدارات الطاقة الأعلى. هذه الأشكال التي نراها في كتب الكيماء هي في الحقيقة وليدة معادلات تفاضلية وتكاملية جزئية ومصفوفات عددية تعاملت مع مجموعة الأعداد الحقيقية، عمل عليها آيزنبرغ ومن جاء بعده من تلامذته، وتعتمد على أساس نظريته الآنفة الذكر، وكانت نتيجتها هذه الأشكال التي نراها في أبسط كتب الكيمياء اللاعضوية، والحقيقة أن وراءها عبقرية كبيرة، من قرأ هذه المعادلات وفكها تعجب من تعقيدها وجمال الفكر الذي وضع فيها، مع بساطة نتيجتها! هذه المسارات والأشكال -"الرياضية" في أصلها- هي ليست إلا "المكان الذي يحتمل أن يتواجد فيه الإلكترون في أي لحظة من اللحظات في ذلك المدار من مدارات الطاقة". أصبحت القضية قضية احتمال عند العلماء!
لقد كان من شأن هذه النظرية أن أدخلت على العلوم الطبيعية "المضبوطة" ما يسمى بـ"مقدار الشك"، فأمسى علماء الفيزياء والكيمياء يستعملون هذا المقدار مجالا لتحديد وجود الحقيقة، مسلمين بأن الحقيقة العلمية (في هذا المثال مكان الإلكترون في الذرة) موجودة في نطاق هذه الحدود، بدلا من الإشارة إلى موضعها تحديدا. يعني صاروا راضين بوجود الحقيقة العلمية داخل حدود معينة، ويكتفون بهذا، مع علمهم انهم لن يتوصلوا إلى تحديد مكانها تماما!
وأنا بحكم دراستي لهذه الأمور اعتقد أن علم الأنساب شبيه جدا بهذه العلوم الرياضية من هذه الناحية. فالشهرة هي ذلك "المقدار" الذي أعرف أن الحقيقة مختبئة فيه، قد لا ألتفت كثيرا لدقة العمود إذا ما تحققت من شهرة أصحابه، لأني لعلي لن أتوصل إلى حقيقة العمود من ناحية تسلسله، ولكني راض بوجود هذه الشهرة بالشرف، ولو تضاربت عندي أسماء العمود او الأزمنة.... |
__________________
يا سائلي عن محتدي وأرومتي***البيت محتدنا القديم وزمزم
والحٍجْر والحَجَر الذي أبدا يرى***هذا يشير له وهذا يلثم
التعديل الأخير تم بواسطة باسل الأتاسي ; 05-11-07 الساعة 11:20 PM.
|